إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 16للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأت بشائر النور تسطع على وجه الأرض، ولاحت نسمات الحق تداعب جبين الزمان، فقد بلغ محمد أربعين سنة، وتهيأ بشكل كامل لحمل الرسالة، وأول ما بدأ به أمره أن انقطع في غار حراء يتعبد لربه، وكان صلى الله عليه وسلم يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح، فما لبث أن جاءه الملك الكريم من عند رب العالمين بالرسالة، فأوحى إليه بأولى الكلمات (أقرأ باسم ربك الذي خلق).

    1.   

    دنو ساعة طلوع الشمس المحمدية

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    ها نحن مع هذه المقطوعة من السلسلة الذهبية النورانية، وهي: [دنو ساعة طلوع الشمس المحمدية] أي: قرب طلوعها. وقد عايشناه صلى الله عليه وسلم من يوم أن ولدته أمه، وقضينا معه أحداث أربعين سنة في تلك الدراسات التي درسناها سابقاً.

    قال: [لقد بلغ الحبيب الآن الأربعين من عمره صلى الله عليه وسلم] والحبيب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى: حبيب: محبوب، من فعيل بمعنى مفعول، كجريح وقتيل وذبيح. ويحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كل أحد، لا يكرهه إنسي ولا جني؛ إذ ليس عنده أخلاق أو سلوك يقتضي كرهه، وأعداؤه كانوا يعرفون هذا ويحبونه، حتى اليهود والنصارى؛ لأن الكراهة لها سبب ودافع، أما هو صلى الله عليه وسلم فلا يوجد أثر في سلوكه أو ذاته يقتضي أن يُوجد بعض البغض أو الكراهية؛ فلهذا هو حبيب بمعنى: محبوب صلى الله عليه وسلم، ومن لم يحبه كفر، فمبغضه كافر، والذي لا يؤمن برسالته كافر مخلد في النار إن لم يتب قبل موته.

    [وأخذت ساعة طلوع الشمس المحمدية تقترب، وهاهو ذا صلى الله عليه وسلم إن غدا] أي: راح -بالعامية-، وإلا غدا ذهب في الصباح، وراح ذهب في العشي، لكننا بالعامية نفهم غدا بمعنى: راح. هذا حتى لا يقال: غدا بمعنى: تغدى أو أكل. قال: [إن غدا لحاجة أو راح لا يمر بشجر ولا حجر إلا قال له: السلام عليك يا رسول الله! فيلتفت حوله يميناً وشمالاً فلا يرى أحداً سوى الشجر والحجر يسلّم عليه] وإن قلت: ومن سمع بهذا؟ أو من حضره؟ فالجواب: أما رؤي وأصحابه بين يديه والحصى يسبح أمامهم؟! وكذلك شهادة الشجرة التي جاءته تسعى عندما قال له أعرابي: لا أصدق أنك رسول الله إلا إذا نطقت هذه الشجرة وشهدت لك. ووالله لقد جاءت تجر عروقها حتى شهدت أنه رسول الله.

    [فكانت هذه مقدمة الإنباء العظيم] هذا التسليم من الشجر والحجر مقدمة للنبوة المحمدية.

    1.   

    طلوع الشمس المحمدية

    والآن [طلوع الشمس المحمدية] كيف طلعت؟

    [وفي ليلة الإثنين من شهر ربيع الأول طلعت الشمس المحمدية؛ حيث صار لا يرى رؤيا -في ليله ولا نهاره- إلا جاءت كفلق الصبح] وإن كان هناك خلاف بين أهل العلم في قضية ربيع الأول وليلة الثاني عشر، لكن نحن كما تعرفون نأخذ دائماً برأي أغلبية المسلمين، بناء على قاعدة: أنه لو أخبرك تسعون رجلاً أن امرأتك ولدت البارحة ثم أتى خمسة يقولون: لا، لم تلد. فمن تصدق؟ أو لو أخبرك خمسون رجلاً أن الرز قد رخص وأصبح يساوي الكيس منه عشرة ريالات، ثم جاءك ثلاثة وقالوا: لا بل هو بعشرين، فمن تصدق؟! أليس هذا هو طبعنا في الماديات أم لا؟

    إذاً: إذا كان يخبرنا تسعون أو خمسون عالماً بشيء ثم يقول ثلاثة آخرون لا ليس كذلك، فهل نلعب بديننا؟!

    على هذا المنهج نحن سلكنا هذا السبيل، لِم؟ لأن يكذب عشرة أولى من أن يكذب تسعون؛ فلهذا ليس هناك حاجة إلى الإشارة إلى خلافات الناس.

    [وهذا الزهري] من سادات التابعين [يروي عن عروة ] وعروة هذا ابن أسماء وابن الزبير رضي الله عنهم أجمعين، وخالته هي عائشة ، ويا ليتها خالتي!، ستقولون: يا شيخ! احمد الله فهي أمك. الله أكبر! ولله الحمد، إن عائشة أمنا رضي الله تعالى عنها وأرضاها [عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها قولها: ( إن أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة -حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به- الرؤيا الصادقة )] الرؤيا الصادقة التي لا تتخلف ولا تكون كذباً، فكما يراها تنبلج وتظهر.

    [( وحبب إليه الخلوة )] من حبب إليه الخلوة؟ إنه الله! فأصبح يرغب أن ينزل وحده، وأن يبيت وحده، وأن يقضي يومه وحده، فحبب إليه الخلوة صلى الله عليه وسلم والبعد عن الناس [( فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده )] أصبح يرغب في الانقطاع، وإن قال قائل: من أخبر عائشة بهذا؟ قلنا: إنه هو صلى الله عليه وسلم، وأمها وأبوها، ألم يعاشروا الرسول وعاشوا في تلك الأيام معه في مكة؟

    [واختار صلى الله عليه وسلم لخلوته المحببة إليه جبل حراء -وهو أحد جبال مكة المطلة عليها- فكان يخلو به مجاوراً فيه يتحنث -أي: يزيل الحنث عنه-] والحنث هو الإثم والذنب [وهو ما يراه ويسمعه من الشرك والباطل بين أفراد قومه من قريش] طبعاً هو لم يرتكب شيئاً ولكنه يشاهد المنكر والباطل والشرك، فيشاهد الحنث وهو لا يريد أن يراه ولا أن يجالس أهله.

    تجد الآن قرية أهلها لا يعيشون إلا على الشيشة والضحك والأباطيل والتهاون في الصلاة، ومجالسهم كلها باطل، فالربانيون يهجرون تلك المجالس، فإذا سألت عن فلان تجده في بيته، أو في بستانه، لا يقوى على أن يشاهد ذاك الباطل أو المنكر، فأكثر مجالس الناس في القرى للأضاحيك والأباطيل، أو لعب الورق والكيرم، أو الغيبة.

    ولا نلمهم لأنهم لم يعلموا. إي والله! مَن علمهم؟ في حجور من جلسوا وتعلموا؟ لا أحد. إذاً كيف نريدهم ربانيين وهم أميون جاهلون؟!

    إذاً: ماذا نصنع؟ هل نبكي فقط؟ لِم لا نطالب بالعلم والتعلم، ونصرخ بأعلى أصواتنا؛ حتى نخرج من هذه الظلمة ونبعد عن ساحات الباطل والشر والخسران.

    الآن وأنا في طريقي إلى هنا أسمعني من قال: إن الحرب قد اشتد لهبها بين إخواننا الأفغان، ولا عجب! لأنهم ما عرفوا الله عز وجل، ولا عرفوا الطريق المؤدية إليه، اللهم إلا معرفة تقليدية عمياء لا تنتج الرهبة بالقلب ولا الحب في النفس، فماذا نرجو؟

    لقد قضينا عشر سنوات -والحمد لله- على هذا الكرسي ندعو للجهاد ونقول: إنه جهاد ولكنه فيه دخن، فيغضب الغافلون ويتقزز الجاهلون لِم نقول هذا! والآن هل ظهر أن فيه دخن أم لا؟ لقد أصبح الدخن دخان نيران تلتهب وتحرق؛ لأنهم جهال أميون حملوا راية الجهاد. وقد بينا الطريق -والله يشهد- وذهبنا إليهم وقلنا: عجلوا قبل فوات الفرصة، بايعوا إماماً شرعياً واجتمعوا تحت رايته، وقاتلوا تحت إمامكم الشرعي، وإذا انتصرتم فكل شيء على بابه، فرفضوا؛ لأن كل منظمة تأخذ الأموال وتجمع وتطعن في الثانية -والله العظيم- وقد قال لي أحد رؤسائهم في خلوة: إن منظمة فلان أو جبهة فلان عبارة عن مصيدة لصيد المال فقط. سمعتم يا مسلمون؟! هذا هو واقعنا؛ لأننا ما عرفنا الله، فلا عجب منا ومن سلوكنا!!

    [وفي ليلة من ليالي رمضان المبارك -ولعلها السابعة عشرة منه- نزل عليه جبريل عليه السلام يحمل بشرى النبوة تمهيداً لحمل الرسالة إلى الناس كافة.

    وهاهو ذا إمام المحدثين البخاري -رحمه الله تعالى ورضي عنه- يروي لنا عن أمنا عائشة رضي الله عنها قصة بدء الوحي إذ تقول] هذه أمنا رضي الله عنها وأرضاها، حِبُّ الحبيب صلى الله عليه وسلم، هذه بنت الصديق تقول: [( أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة في النوم )] أي: أول ما بدئ به من شأن الوحي والنبوة والرسالة الرؤيا الصالحة [( فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء )] والخلاء مأخوذ من الفراغ، وهو البعد عن الناس [( فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها )] أي: لمثل تلك الليالي [( حتى جاءه الحق وهو في غار حراء )] كان يرجع إلى خديجة لأنها زوجه.

    قال: [( فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ )] وليس معناها: لا أطيعك ولا أستجيب لك، وإنما أنا لا أحسن للقراءة، أي: ما أنا ممن يقرءون حتى أقرأ، فلا علم لي [( قال: فأخذني فغطني )] ضمه إليه كما تضم الأم الرءوم الحنون طفلها، تكاد تدخله في أحشائها [( حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني )] أي: أطلقني [( فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5] )] إن أول آية نزلت من ذي العرش إلى الأرض هي هذه الآية.

    قالت: [( فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده )] أي: يرتعد من الهول؛ لأن ملكاً دخل معه في غار حراء يحدثه ويعلمه، ولو كان غير الرسول لأغمي عليه وصرع [( فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني )] و(زملوني) أي: أدخلوني في ثياب وغطوني بها، زمله: أدخله في الثياب وغطاه بها [( فزملوه حتى ذهب عنه الروع )] دفء وذهب عنه ذلك القلق والفزع [( فقال لـخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي )] أي: الهلاك [( فقالت: كلا والله ما يخزيك الله أبداً )] أين درست خديجة ، في جامعة إكسفورد؟ من أين تخرجت هذه المرأة؟ والله لو اجتمع خريجات العالم اليوم ما كن نصف خديجة ، ستقولون: لِم يا شيخ تندد؟ لأننا غير راضين بإقحام بناتنا ونسائنا في هذا التعليم المادي، إنها الفتنة العارمة، إنها الحالقة!! تعال وانظر أمة الإسلام كيف هبطت.

    قالت: (كلا والله ما يخزيك الله أبداً) ثم عللت -وهي الحكيمة-؟ لِم لا يخزيه الله أبداً فقالت: [( إنك لتصل الرحم )] عرفت عنه ذلك لأنه زوجها، أي: لا تقطع الأرحام بل تصلها؛ وقطيعة الرحم كانت محرمة في الجاهلية مبغوض أصحابها؛ لأنه أمر فطري [(وتحمل الكلّ )] وهو التعبان الذي لا يقوى على المشي، أو العاجز الذي لا يستطيع أن يأكل أو يشرب يطعمه ويسقيه، هذا معنى الكلّ [( وتُكسب المعدوم )] ويصح أن نقول: وتَكسب المعدوم، أي: تعطي ما هو معدوم عند الناس، أو ما عزّ وغلا عند الناس أنت تدفعه، ويصح: (وتُكسب المعدوم) بالضم أي: تعطي ما يعجز الناس عنه، (وتَكسب المعدوم) أي: أنت بجهادك وصبرك وذكائك تحصل على المعدوم الذي لا يوجد بين الناس. والضم أولى.

    [( وتقري الضيف )] قرى الضيف يقريه إذا وضع له طعام العشاء أو الغداء، فقرى الضيف هو إعداد طعامه وشرابه ومبيته ثلاثة أيام؛ لأنه لم يكن في العالم بعد فنادق شيراتون، فأين يذهب الضيف؟ عند المؤمنين. وقد فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته في ذلك الزمن أن من استضافك يجب عليك أن تضيفه، وأن توفر طعامه وشرابه وفراشه ثلاث ليالٍ وبعد ذلك مع السلامة، فأصبح كل بيت فندق، وهو أفضل من كون أن يوجد عشرة فنادق في المدينة، فألف فندق أولى من عشرة، ولكن أين الحب؟ أين الولاء؟ أين الأخوة؟ أين الرحمة؟ ذهب أهلها.

    [( وتعين على نوائب الحق )] لا الباطل، فإذا نابت رجلاً نائبة حق يجد الرسول إلى جنبه يساعده، أما نائبة باطل فلا يساعد على الباطل ولا ينصر عليه.

    لقد سجلت خديجة هذه الكلمات! وسبحان من فتح قلبها وشرح صدرها حتى نطقت بها وسجلها التاريخ، ورضيها الرسول صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    نتائج وعبر من مقطوعة (طلوع الشمس المحمدية)

    قال: [نتائج وعبر] لهذه المقطوعة التي سمعناها، فهيا بنا ننظر إلى النتائج والعبر ما هي علنا نظفر ببعضها.

    [إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نجملها فيما يأتي:

    أولاً: تقرير سنة غالبة، وهي أن الأنبياء يرسلون على رأس الأربعين من أعمارهم] وقلنا غالبة؛ لأن عيسى عليه السلام نبئ قبل الأربعين، لكن في الغالب ما نبأ الله نبياً ولا أرسل رسولاً إلا على رأس الأربعين، وخاصة الرسالة، لِم؟ لأنه إذا بلغ الأربعين اكتمل عقله وذكاؤه وفطنته، فيتحمل ويقوى، بينما طفرة الشباب وبداية الكهولة قد يضطرب صاحبها؛ فلهذا الأئمة الذين يؤمون الناس نختار الكبار منهم، أما الأحداث فلا، إلا إذا لم نجد، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( يؤمكم أكبركم سناً ).

    [ثانياً: بيان آية من آيات النبوة المحمدية وهي: كلام الأشجار والأحجار عليه صلى الله عليه وسلم] أتسلم عليه الأشجار والأحجار؟ تقول: السلام عليك يا رسول الله! وأنت تقول: لا لا ليس برسول؟ مجنون إذاً، مستحيل أن يكون غير رسول الله.

    [ثالثاً: تقرير أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة؛ إذ فترة الوحي كانت ثلاثاً وعشرين سنة، منها ستة أشهر كانت مناماً].

    أولاً: بدأ الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم لما بلغ الأربعين، وكان يتلقى الوحي مناماً لمدة ستة أشهر؛ وقد عاش صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين سنة، فإذا طرحت منها أربعين فكم يبقى لك؟ ثلاثة وعشرين سنة، فإذا ضربتها في اثنين على اعتبار أن كل سنة تحتوي على قسمين كل قسم منها يحتوي على ستة أشهر (أنصاف)، كانت الناتج: ستة وأربعين قطعة أو نصف سنة، إذاً: ستة أشهر كانت مناماً من مرحلة النبوة، ونسبتها نسبة من ستة وأربعين جزءاً. إذاً الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له جزء من النبوة.

    [رابعاً: مشروعية العزلة إذا فسد الناس] مأذون للمؤمن أن يعتزل أهل قريته، أو أهل مدينته، أو أهل بيته ويخلو بعيداً عنهم إذا شاهد الفتنة وخاف على قلبه ونفسه [وأصبح المؤمن لا يسلم من شرهم] أما إذا كان يسلم وهو واثق أنهم لا يؤثرون عليه، فلا ينزل إليهم ويلعب لعبهم أو يقول قولهم، بل يبقى يدعو ويعلم، ويجاهد في سبيل الله، لكن إذا ضعف وخاف أن ينتكس ويصبح حلساً من أحلاسهم فلا، عليه أن يرحل ويسكن في الجبل.

    تأخذون بهذا المبدأ أو لا؟ قولوا: الحمد لله نحن في عافية، لكن ممكن تأتيكم نار الدنيا، فنحن نتعلم وإذا جاء وقت العمل نعمل، فالعلم قبل القول والعمل.

    [خامساً: بيان أن أول ما نبئ به النبي صلى الله عليه وسلم هو: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] وأن النبوة كانت قبل الرسالة؛ إذ نبئ صلى الله عليه وسلم بـ(إقرأ)، وأرسل بالمدثر، وبينهما فترة من الزمن] كيف أرسل بالمدثر؟ قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:1-7] بهذا أرسل. فنبئ بـ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:1] أي: أصبح نبياً، ثم أرسل بـ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1] أي: افعل وافعل وهذه هي الرسالة. وكذلك أرسل بـ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل:1] فجاء يرتعد خائفاً يقول: غطوني.. غطوني وبعد فترة من الزمن جاءه الوحي وقال: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:1-7].

    [سادساً: تعين القراءة على المسلم وطلب العلم والتعليم] يتعين القراءة على المسلم وطلب العلم، ولا يحل لمسلم أن يبقى جاهلاً بعد أن دخل الإسلام، بل لابد وأن يتعلم العلم، وما أخرنا ولا نزل بنا إلا الجهل، وانظر بِم بدأ الله هذه الدعوة؟ بـ(اقرأ).

    ستقولون: يا شيخ! الحمد لله، العالم الإسلامي كله مدارس ومعاهد وجامعات..! نعم، لكن هل أسست لوجه الله؟ هل أبناؤكم وطلابكم دخلوها لله؟ أجيبوني.

    مداخلة: لا للوظيفة.

    الشيخ: الوظيفة الوظيفة يا ابن الإسلام! ولا بأس أن يتوظف الرجل، ولكن علمه الصناعة لذلك، لا تعلمه الشريعة من أجل أن يتوظف فيصبح يطلب العلم للوظيفة! إن العلم يطلب لمعرفة الله، وللحصول على حبه والرهبة منه، حتى يطاع فيكمل المطيع بطاعة الله ويسعد، أما إذا كنت تريد الدنيا فعلّمه الخياطة، والنسيج، والصناعة، والفلاحة ولا بأس، وينوي أيضاً أنه يريد من هذا أن يستر عورته، وأن يسد خلته، وأن يقضي حاجته، حتى يعبد الله عز وجل، وإنما قلت أنا هذا؛ لأن آثار هذه المدارس ما وجدنا لها كبير فائدة.

    [إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب] وهذه قاعدة أصولية: ما لا يتم قضاء الواجب إلا به فهو واجب، فهل يجوز أن نصلي الجمعة في الصحراء أو في الفضاء أو في الشمس والمطر؟ لا يجوز، فأين نصلي الجمعة؟ في المسجد المسقوف. إذاً: بناء المسجد واجب، وعلى كل مؤمن أن يسهم فيه بيديه ويبني، كما أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنا بيديه وحمل الحجارة على كتفه؛ لأنه لا يتم صلاة الجمعة إلا ببناء المسجد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

    1.   

    أشعة الشمس المحمدية تضيء دار خديجة وتطلع على ورقة بن نوفل

    قال: [أشعة الشمس المحمدية تضيء دار خديجة ] وخديجة هي أم المؤمنين.

    كم واحد منكم سمى ابنته خديجة ؟ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع كلمة خديجة يرتاح لها. وإن شاء الله من تُولد له مولودة في هذا الأسبوع يسميها خديجة ؛ إن كنتم تحبون ما يحب الرسول صلى الله عليه وسلم. ولا يقول قائل: لو ولد لي عشر بنات فسوف أسميهن كلهن خديجة ! لأنه لا يصح، فكيف تنادي هذه وتلك؟ إلا أن تقول يا خديجة الأولى، ويا خديجة الخامسة وهكذا .. فلك ذلك.

    [وتطلع على ورقة بن نوفل ] طلعت هذه الأشعة على ورقة بن نوفل ، وبيان ذلك فيما يلي:

    [ما إن جاء صلى الله عليه وسلم خديجة وقص عليها] ما شاهد في غار حراء [حتى قالت له: أبشر يا ابن عم] وهل أبو الرسول أخو أبيها؟ لا. ولكن قبيلة قريش واحدة، فنحن نقول: أبونا إبراهيم لسموه وعلوه وارتفاع مكانه، ونقول للكبير: أبي، ونقول للصغير: ابني، وهو من قبيلة ونحن من قبيلة، هذه آدابنا، ونقول لمن يساوينا: أخي. ولا نقول للطفل الصغير: أخي ولكن نقول: ابني، وكذلك الشيخ الكبير لا نقول له: أخي ولكن نقول: أبي؛ لأن الكبير يحترم والصغير يرحم. فالكبير يوقر ويعظم ويبجل، والصغير يرحم، يقول صلى الله عليه وسلم: ( من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا فليس منا ) الله أكبر! هذا هو المجتمع المحمدي، فأين هو الآن؟

    قالت: [فوالذي نفس خديجة بيده] عجب! هذه المرأة موحدة، من علمها؟ ما أذكاها، وما أعرفها .. فهي تعرف أن لها نفساً بيد من يحيي ويميت، ليس بيد اللات والعزى، إنها واعية بصيرة. أما نساؤكم وخديجاتكم فيقولون: وحق سيدي فلان!! لأنهن لا يعرفن (والذي نفسي بيده) قط، أما من الآن فيمكن للسامعات أن يحلفن بهذا اليمين: (والذي نفسي بيده) ما قلت، أو ما أذنت، أو ما فعلت ..

    [إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم جمعت عليها ثيابها] ومعنى جمعت عليها ثيابها أي: لبست الملاءة وغطت نفسها بها، وهل كان في ذلك الوقت حجاب؟! كانت جاهلية ومع هذا كان هناك العفيفات والحرائر، وتجوع الحرة ولا تأكل بثديها، فما امتهن كما امتهن النساء اليوم [وانطلقت إلى ورقة بن نوفل ابن عمها] كانت حريصة [وكان] أي ورقة [قد تنصّر] أي دخل في النصرانية [وقرأ الكتب] التوراة والإنجيل [وسمع من أهل التوراة والإنجيل، وقالت له: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك] يقص عليه ما رآه في غار حراء.

    نعم. لقد طلعت الشمس على دار خديجة وأضاءت على ورقة ، وأخبره الحبيب صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى [فقال له ورقة: هذا الناموس الأكبر الذي أنزل على موسى] أي جبريل [يا ليتني فيها جذع] والجذع من التيوس دون المسن وفوق الصغير، أي: يا ليتني فيها شاباً أقوى على الجهاد؛ لأنه كان كبير السن [ليتني أكون حياً إذ يخرجوك قومك] فتعجب الرسول صلى الله عليه وسلم [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أومخرجي هم؟ )] كيف يمكن هذا؟ إن محمد أفضل وأطيب وأطهر مخلوق عندهم فكيف يخرجونه؟ ما استساغ هذه الكلمة فتعجب [( قال ورقة : نعم. لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي )] أي عادوه [( وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً )] لأنه ورقة يعرف نعوت الرسول وصفاته في التوراة والإنجيل، ومن كلام علماء أهل الكتاب. فهل نذهب نحن الآن لنسأل العلماء؟ لا. ليس هناك حاجة، لندع المشكلة بيننا في المقهى.

    قال: [وكان الحبيب صلى الله عليه وسلم لم يقض المدة التي يقضيها في غار حراء متحنثاً فعاد إلى حراء لإتمامها. فلما قضاها وعاد من جواره، بدأ بالبيت كعادته، فطاف سبعاً] عرفنا إذاً متى بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يطوف الطواف الشرعي؟ من يوم أن رجع من غار حراء بعدما نبئ [فلقيه ورقة وهو يطوف فقال: يا ابن أخي! أخبرني بما رأيت] وسمعت [فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ورقة : والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه] أي سيكذبك الناس وسيؤذونك [ولتخرجنه] من مكة [ولتقاتلنه] يقسم له أنه لا بد وأن يكذّب، ولا بد وأن تؤذى، ولا بد وأن يخرج من مكة. عرف ذلك من قراءته للتوراة والإنجيل، عرف نعوت الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته وسيرته قبل أن يعرفها الناس، فقد نزل خبر السماء به صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل بالتفصيل.

    قال: [ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصراً يعلمه] أي ينصر دين الله في رسوله صلى الله عليه وسلم [ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه] أدنى رسول الله منه وقبل رأسه، هذه سنة من؟ سنة ورقة بن نوفل . واليافوخ: وسط الرأس [ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله.

    وحمل خديجة حرصها على تجلي الحقيقة ومعرفة الأمر على حقيقته ليكون إيمانها بعلم ويقين، فأجرت الاختبار التالي] عجب هذه خديجة ! أجرت اختباراً على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى يكون إيمانها يقينياً وعلمها أيضاً علماً يقينياً [فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن عم هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟] لأنه ملك لا تراه هي [قال: نعم] أجابها: نعم [قالت: فإذا جاءك فأخبرني] به [فجاءه جبريل عليه السلام كما كان يجيئه] في غار حراء [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـخديجة : يا خديجة ! هذا جبريل قد جاءني، قالت: قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخذها اليسرى، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس على فخذي اليمنى، فتحول وجلس وقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري، فتحول فجلس في حجرها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم. فتحسرت وألقت خمارها] من على رأسها [ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا، قالت: يا ابن عم! اثبت وأبشر؛ فوالله إنه ملك، وما هذا بشيطان].

    ونساء المسلمين الآن -باستثناء هذه البلاد- يخرجن كاشفات عن رؤوسهن في العمل، وفي الشوارع، وفي كل مكان فمن يصحبهن سوى الشياطين!

    وهل بلغكم أن بيوتكم -يا من في بيوتهم التلفاز والفيديو وما يعرض فيها من العواهر والكافرين- الملائكة لا تدخلها ولا تبيت بها، لقد استلت بيوت المسلمين من قبل الشياطين؛ فلهذا ما بقي طهر ولا صفاء، ( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة ).

    إذاً: من صنع بنا هذه الصنائع؟ إنهم أبناء عمنا اليهود والنصارى، والآن أتحداكم -واسمحوا لي- أتحدى الذين عندهم التلفاز أن يأتوني بفائدة حقيقية استفادوها منه، بمعنى قويت أبصارهم، أو أبدانهم، أو نمت أموالهم، أو سادوا وشرفوا في أسرهم.. والله لا تجد، أما في الجانب الآخر فنعم، أضاعوا الوقت والمال .. ولا أزيد على هذا، ومع هذا تسمعون ولا تستجيبون. استجيبوا خيراً لكم.

    [وبهذا كانت خديجة أول من استضاء بنور النبوة المحمدية، وأول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي الذي جاءه، كما أن ورقة كان من الفائزين بالأسبقية لولا أن المنية اخترمته فلم يشهد ضحى الشمس المحمدية].

    1.   

    نتائج وعبر من مقطوعة (أشعة الشمس المحمدية تضيء دار خديجة وتطلع على ورقة بن نوفل)

    قال: [نتائج وعبر: إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نلخصها كالآتي:

    أولاً: بيان كمال عقل خديجة وصحة علم ورقة ، وفضل كل منهما وكمال الروحي.

    ثانياً: بيان ذكاء خديجة وسلامة فطرها بإجرائها ذلك الاختبار العجب الذي كانت نتيجته تقرير النبوة المحمدية، فآمنت على علم وبيقين فرضي الله عنها وأرضاها.

    ثالثاً: الملائكة تكون مع الحياء والستر، والشياطين تكون مع التفحش والوقاحة والعري.

    رابعاً: استحباب ستر المرأة رأسها ولو في خلوتها، حتى لا تقربها الشياطين].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.