إسلام ويب

الدقائق الغاليةللشيخ : نبيل العوضي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوقت هو الحياة، والإسلام ينظر إليه على أنه كنز نفيس؛ إذا فات لا يعوض. فالحياة ما هي إلا مجموع الدقائق والثواني، التي تمر على الإنسان، وتنقضي فينقضي هذا الإنسان. والدقائق الغالية تشمل كل دقائق الحياة بلا استثناء. وقد تكلم الشيخ حفظه الله في هذه المادة عن استغلال السلف لأوقاتهم، بذكر نماذج منهم عرفوا قدر الوقت فاجتهدوا في العلم وأتقنوا العمل. كما تضمنت هذه المادة بعض الآداب التي ينبغي لطالب العلم أن يراعيها أثناء الطلب.

    1.   

    ما هي الدقائق الغالية؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    أستسمحكم عذراً عن التأخير؛ حيث أن المنطقة بعيدة، وكلكم يعلم هذا، وهذه الدقائق التي مضت من الدقائق الغالية التي سوف نتكلم عنها.

    العنوان مبهم يُبْهِم الموضوع، والبعض منكم يدور في باله الآن (الدقائق الغالية) لعلها الدقائق التي قبل الموت.

    والبعض يظنها دقائق الهداية.

    والبعض يظنها الدقائق التي يساق فيها الإنسان إلى الجنة.

    والبعض كذا.. كل منكم يدور في ذهنه شيء.

    والحقيقة -أيها الإخوة- أن الدقائق التي سوف أذكرها هي دقائق الحياة كلها، الدقائق التي تمر دقيقة بعد دقيقة هي في الحقيقة غالية؛ ولكن لا نحس بها، ولهذا قال ابن هبيرة:

    والوقت أنفس ما عنيتَ بحفظه     وأراه أسهل ما عليك يضيع

    أما الحياة فهي كلها مركبة من ماذا؟ من دقائق.. دقيقة بعد دقيقة.. دقيقة بعد دقيقة، ثم تفنى الحياة، ولهذا قيل:

    دقات قلب المرء قائلة له     إن الحياة دقائق وثوان

    الحياة كلها مركبة من دقائق، والعجب العجاب من شخص لا يبالي بدقيقة.. تلو دقيقة.. تلو دقيقة، حتى تفنى الحياة وهو لا يشعر بِها.

    إذا بُعث الناس عند الله جل وعلا سألهم، فيقول لهم جل وعلا: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:112]؟ فيجيب بعضهم فيقولون: لَبِثْنَا يَوْماً [الكهف:19] يوم واحد.

    يستدرك البعض فيقولون: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [البقرة:259] حتى يوماً ما عشنا في الدنيا يا رب.. إنما هي عشية أو ضحاها، ساعات كانت قليلة.

    يقولون بعدها يؤكدون: فاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:113].

    فيقول الله مجيباً لهم: قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً [المؤمنون:114].

    الآن فكر! كم سنة مضت من حياتك؟! عشرون؟! بعضكم خمس عشرة سنة؟! بعضكم ثلاثون سنة؟! كيف مرَّت؟! كلمح البصر، بل هو أقرب، ذهَبَت ووَلَّت كَحُلُم.

    الحكمة من الحياة ودقائقها الغالية

    قال سبحانه: قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً [المؤمنون:114-115] أتظن -أخي الكريم- أن الله خلق هذه الدنيا كلها؛ السماوات، والأرض، والبحار، والجبال، وخلقك فيها، وجعل لك العينين، والسمع، واللسان، والشفتين، والعقل، واليدين، عبثاً؟! تقول: حتى تركب سيارةً، أو تلعب الكرة وقت اللعب، أو تأكل، وتشرب، وتشبع، أو تنكح وترضي الفرج؟! أتظن أن الحياة لهذا خُلِقَت؟! أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً [المؤمنون:115] فيكون شأننا والحيوانات سواء! إذاً بِمَ ميزنا الله عز وجل؟! أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115].

    وهنا يأتي السؤال: إذا كان الله عز وجل لم يخلقنا عبثاً، وخلقنا للغاية التي تعرفونها.. كيف نقضي هذه الحياة؟! بل كيف نعيش فيها؟! وتعجب كل العجب من ملتزم مُلْتَحٍ يعرف ربه وأوامر ربه جل وعلا! يقول: كيف أقضي فراغي؟! سبحان الله! وهو يحفظ قوله جل وعلا: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح:7-8] ويسمع حديث رسوله عليه الصلاة والسلام: (اغتنم خمساً قبل خمس).. (لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة)، وقال في الحديث الآخر: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ).

    ثلاث ساعات في العصر، تسأل شاباً ملتزماً:

    ماذا فعلت فيها؟

    الحمد لله! استغليت الوقت.

    فيم؟

    قرأت القرآن.

    كم قرأت القرآن؟

    نصف ساعة.

    مغبون وأنت لا تدري، تقول: قرأت القرآن في وقت العصر نصف ساعة، وأضعت ثلاث ساعات، كمن يشتري سلعة بألف دينار ويبيعها بخمسمائة ريال، حصل على خمسمائة؛ لكنه مغبون خاسر، خسر خمسمائة دينار، وهكذا خسر هذا الرجل، (مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ).

    أهمية استشعار نعمتي: الصحة والفراغ

    أنت الآن لا تشعر بالصحة زر أحد مستشفيات.. يخبر أحد المشايخ عن شاب.. اسمعوا إلى نعمة الصحة التي لا نشعر بها الآن، يقول هذا الشاب عن نفسه: دخلت على أمي يوماً فقالت لي: يا بني! اذهب بي إلى جارتنا.. إلى فلانة بالسيارة، قال: لا أستطيع، قالت: يا بني! إن لها علي حقاً، قال: لن أذهب بك -أين طاعة الوالدين؟- فألحت عليه، فقال لها: بشرط -يشترط على أمه، تباً له- أن آتيك بعد ثلاثين دقيقة بالضبط، وأضرب الهون مرة واحدة، فإن لم تخرجي تركتكِ، قالت: حسناً!

    انظر إلى الشرط العسير على أمه التي صبرت عليه تسعة أشهر، وأرضعته عامين وتعبت حتى كبر، والآن يشترط عليها ثلاثين دقيقة، يقول: فأتيتها بعد ثلاثين دقيقة، فضرب الهون مرة واحدة، ولم تخرج، فذهب وتركها، وأسرع في الطريق، فلم يمضِ قليلاً إلا وانقلبت به السيارة، الشيخ الذي زاره يقول: رأيته على هذه الحال سنوات، يقول: لا يستطيع أن يحرك في جسمه إلا رأسه فقط، لا يد ولا رجل، سنوات على هذه الحال.. أصيب بالشلل، عافانا الله وإياكم.

    ماذا يتمنى هذا الرجل؟

    زُر بعضهم، عشر سنوات على ظهره وهو لا يتحرك إنما يُحمل، حتى قضاء الحاجة لا يستطيعها.

    أخي الكريم! ماذا يتمنى هذا لو خرج.. لو عوفي؟

    يتمنى لو طاف حول البيت.. يتمنى لو حضر هذه الحلقات.. يتمنى لو صلى في بيوت الله.. يتمنى لو حج إلى بيت الله، يتمنى لو جاهد في سبيل الله.. يتمنى لو أمر بمعروف أو نهى عن منكر.. يتمنى كل هذا، لكن أنى له؟! (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ).

    وإليك -أخي الكريم- بعض ما نستغل به أوقاتنا في هذه العطلة، ولعل الواحد منا بعض الأحيان يشتكي لك من كثرة الأعمال، ولو فتَّشْتَ في وقته لرأيتَ الفراغ الكبير، وهو لا يدري، بل جاءني بعض الشباب فقال لي: مشغولٌ مشغولٌ مشغول! قلت: وما شغلك؟! فأعطاني بعض الأعمال، في العصر عمل، والمغرب عمل، والعشاء عمل، قلت له: الظهر، تضيِّع ثلاث ساعات على وجبة غداء، وتقول لي: مشغول؟! ثمان ساعات في الصباح تضيع عليك على مراجعة في مكان واحد وترجع، وتقول لي: مشغول؟! الليل تجلس وتضحك وتلعب حتى منتصف الليل، وتقول لي: مشغول؟! مشغولٌ بِمَ يا عبد الله؟! بعض الناس يضحك على نفسه وهو لا يشعر، بل بعض الناس خاسرٌ أشد الخسارة، وإن رأيتَه يقول: الحمد لله! أنا أستغل وقتي وأستفيد منه.

    1.   

    أطفال استثمروا أوقاتهم (خمسة نماذج من السلف)

    اسمع -أخي الكريم- إلى بعض أحوال سلفنا، وكيف كان الواحد منهم يستغل وقته.. اسمع واعتبر! وأريد منك بعد هذا المجلس أن تعمل مثل الساعة، وأن توقف نفسك لله جل وعلا، لأن هذا العمر قصير، فتستغل فيه كل دقيقة غالية إن شعرت أنها غالية، واعلم أن الله عز وجل قد عظم الوقت في آيات كثيرة، فأقسم به، قال سبحانه:وَالضُّحَى [الضحى:1]، وقال: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]، وقال: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:1]، وقال: وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل:2]، وأقسم وقال: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1-2] أقسم بالوقت في آيات كثيرة لبيان أهميته.

    فاسمع -أخي الكريم- إلى بعض أحوال سلفنا، قبل البداية أقص لك قصة خمسة أطفال.

    النموذج الأول: البخاري

    الطفل الأول: اسمه محمد بن إسماعيل: وُلِد في بخارى، والعلماء -الآن- كلهم عالة على هذا الصبي، كان صغيراً في السن، يأتي إلى مجالس أهل العلم -واسمع إلى هذه القصص وصدق أو لا تصدق- فيجلس بينهم، فيسأله المؤدب -يسمونه: المؤدب- لأن العالِم ليس فقط يحفِّظهم؛ بل يؤدبهم، وكان الشيخ هو المربي، وكان الذي يحفَظ العلم يتعلم مع العلم الأدب، كان الإمام أحمد يجلسُ قليل من الطلبة حوله يأخذون منه العلم، أما الألوف المؤلفة فكانوا يأخذون من أدبه وحسن سمته.

    فقال له المؤدب: كم كتبت اليوم؟ فقال: اثنين، ولم يقل: حديثين إنما قال: اثنين، الإمام البخاري رحمه الله كان صبياً صغيراً، فضحك منه الناس، مجلسٌ لا يكتب فيه إلا حديثين، صبي صغير يعني: بالغصب يكتب له حديثاً أو حديثين، فقال لهم رجل: لا تضحكوا عليه، فلربما يضحك عليكم يوماً ما، وضحك البخاري عليهم يوماً ما، وتعجبوا من أمره، وما ذُكر أحد منهم في التاريخ، وما سُمي، وما اعتبر لأحد منهم، أما هو فالعلماء كلهم عالة على علمه.

    البخاري رحمه الله جالس وهو صبي عند شيخ يحدِّث، أخذ يقرأ الأحاديث، فقال: حدثني فلان، عن فلان، وأخذ يحدِّث، فلما قال حديثاً عَلِم محمد بن إسماعيل هذا الصبي الصغير أن الشيخ قد أخطأ، فراجعه فرد الشيخ مرة ثانية، فراجعه فرد الشيخ مرة ثالثة، فراجعه محمد بن إسماعيل، وهو صبيٌ صغير، فقال الشيخ: مَن هذا؟ قالوا: هذا ابن إسماعيل، فنظر في نفسه وراجع، فقال: صدق، خذوا منه، إن هذا يكون يوماً من الأيام رجلاً، صبي صغير لا يفارق مجالس أهل العلم.. أتعرف كم حفظ؟ أكثر من سبعين ألف حديث وهو صبي صغير.. أين أولو الهمم العالية؟! تعجب من بعض الإخوة يقول: ليس عندي وقت! فتِّش في وقته؛ يشرب شاي وقهوة، سوالِفٌ وضحك، يَفِرُّ بالسيارة، يجلس في البيت يفكر! ماذا أفعل؟ ثم يذهب النهار كله وهو يقلب كفاً على كف، يقول: ما أدري ماذا أفعل! يحفظ سبعون ألف حديث وهو صغير.

    النموذج الثاني: ابن تيمية

    الطفل الثاني: يُسمى ابن تيمية، هذا الصبي الصغير سمع به أحد الشيوخ من دمشق، فأتى إلى بلده يسأل عنه، قال: سمعت أن شاباً يقال له: ابن تيمية، له حافظة قوية.. أين هو؟ فقال له أحد الناس: اجلس.. اجلس، فهو يمر في هذا الطريق إلى الكُتَّاب إلى الدرس، فجلس ينتظر حتى جاء ومعه لوح كبير، وهو صبي صغير، واللوح ربما كان أكبر منه، يحمل اللوح وتَخَيَّلْ هذا المنظر! يا ليتنا ننظر إلى هذه المناظر، شاب يحمل كتابه أو قلمه أو دفاتره وهو صغير في السن، يأتي إلى مجلس أهل العلم ليحفظ ولو كان في مجلس الشيوخ أو العلماء، ويكتب ويحفظ، لقد افتقدنا هذه المناظر منذ زمن ونراها اليوم تبذر هذه البذور الجديدة لبعض الشبيبة؛ لكن تتخطفهم الشهوات والأهواء، وأنى لهم أن يصبروا وهذه الشهوات قد امتلأت من كل مكان، إلا من ثبته الله جل وعلا.

    يقول: فنظر إليه فأوقفه، قال: أنت ابن تيمية؟ قال: نعم، قال أعطني اللوح، فأعطاه، وكتب له ثلاثة عشر حديثاً من حِفْظِه، قال: اقرأ، فقرأ، ثم أخذ منه اللوح، قال: اقرأها علَي، فقرأ الثلاثة عشر حديثاً وما أخطأ فيها، فتعجب منه، فكتب للأحاديث أسانيد: حدثني فلان عن فلان، وكتب له أسانيد كثيرة، قال: اقرأها، فقرأها مرة واحدة، كلها، فقال: إن هذا الصبي لم يُعرف في عصره مثله، وسوف يكون له شأن، فصار شيخ الإسلام وشيخ هذا الدين ابن تيمية عليه رحمة الله، انظر وهو صغير ماذا يفعل!

    النموذج الثالث: النووي

    الصبي الثالث: اسمه يحيى بن شرف الدين أبو زكريا النووي، رحمه الله، كان عمره عشر سنوات، فكان الصبيان يُكرِهونه على اللعب ولا يلعب معهم حتى كان يبكي، يُكرِهونه بالغصب، لا بد أن تلعب معنا فلا يسمع لهم بل كان يجلس يقرأ القرآن.. اللعب قليل عنده، وفي يوم من الأيام أرغمه أبوه على أن يأتي معه في الدكان ويعمل معه، وكان يأتي إلى الدكان ولا يجلس مع أبيه، يقرأ ويحفظ القرآن، وربما أرسله أبوه فيمكث في الطريق، فيسأل أهل العلم عليه رحمة الله، حتى جاءه رجل فنظر إليه، فقال: إنه سوف يكون له شأن، فقيل له: أمؤدب أنت؟ قال: لا، ولكن أنطقني الله جل وعلا.

    النموذج الرابع: أبو يوسف

    اسمع إلى الرابع وهو عجيب: اسمه أبو يوسف! مَن أبو يوسف؟ ومَن منكم لا يحدث عن أبي يوسف يعقوب؟ صاحب أبي حنيفة، لما كان صبياً توفي أبوه ولا عذر لليتيم في طلب العلم، توفي أبوه، وكانت أمه تغزل وتجمع المال، فقالت لولدها: يا بني! اذهب إلى هذا القصار (رجل ينظف الثياب) حتى تتكسب، أنت يتيم وليس عندك مال، فكان يذهب إلى القصار، ترسله إلى القصار فعندما تذهب أمه يهرب إلى أين؟ إلى الملعب.. إلى الشوارع.. إلى النوادي؟ أو يتجول في الأسواق؟ لا، إنه أبو يوسف يفر إلى حلقة أبي حنيفة، فيجلس ويكتب العلم ويحفظ معه، وكان أبو حنيفة يعجب به ويقدمه على غيره؛ لحرصه على العلم، فتبعته أمه يوماً وقد علمت أنه يهرب، فدخلت عليه في مجلس أبي حنيفة فقالت لـأبي حنيفة، وتَخَيَّلْ! هذا المنظر دخلت الأم وكانت تجر الولد ويأتي مرة ثانية وتجر الولد -في الحلقة- ويهرب مرة ثانية يأتي إلى الحلقة، انظروا الإصرار والهمة العالية، فأتت إلى الشيخ يوماً من الأيام، فقالت لـأبي حنيفة: ما أعلم لهذا الصبي فساداً غيرك، أنت الذي أفسدت علي هذا الصبي، إنه صبي يتيم ليس معه شيء، وأنا أنفق عليه بمغزلي، فاتركه يعمل ويتكسب له شيئاً ينتفع به، فنظر إليها أبو حنيفة، وقال: اذهبي يا رعناء فها هو ذا يأكل الفالوذج بدهن الفستق، الفالوذج أغلى أنواع الطعام حتى الأمراء لا يأكلونه إلا القليل، فقالت المرأة الأم: أما أنت فشيخ قد خرفت فذهب عقلك وتَرَكَتْه وذهبت.

    قال أبو يوسف: فمرت الأيام -انظروا الهمة العالية كيف يستغل الإنسان وقته- يقول: فكان أبو حنيفة يعطيني من ماله ولا يترك حاجة إلا أعطاني إياها، ومكث ينفق علي حتى فتح الله علي في العلم، وصرت قاضياً، وكنت أدارس هارون الرشيد الخليفة، فأجلس معه على مائدة واحدة، وفي يوم من الأيام قال لي هارون الرشيد: تقدم يا يعقوب وكل من هذا الطعام؛ فإنه لا يكون لنا في غير هذا اليوم مثله، فقال: وما هذا الطعام؟ فقال هارون الرشيد: هذا فالوذج بدهن الفستق، قال أبو يوسف: فضحكت، فقال لي الخليفة: وما أضحكك؟ فقلت: قصة حدثت، قال: فألح علي حتى أخبرته الخبر، فقال هارون الرشيد وكان رشيداً: إن هذا العلم والله لينفع في الدنيا والدين رحم الله أبا حنيفة كان ينظر بعين عقله ما لا ينظر بعين رأسه، فأكل الفالوذج بدهن الفستق، صبي صغير يهرب من أمه.. إلى أين يا غلام؟ إلى حلقة من حلقات العلماء والمشايخ يجلس ويكتب ويحفظ العلم ثم يرحل في سبيله.

    النموذج الخامس

    شاب صغير يسمى سهل:

    هذا الصبي ذََكَرَ الله وعمره ثلاث سنوات، وهذا طبيعي فإن كثيراً من الصبية الآن عمره ثلاث سنوات يتكلم، فمنا من يحفِّظه الكلمات والأغاني، وبعضنا يحفظه: الله، ولا إله إلا الله، الله أكبر.. سبحان الله، ورأيت صغاراً يحفظونها، وصام وعمره خمس سنوات، بدأ بصيام رمضان إلى أن مات، وحفظ القرآن وعمره ست سنوات، وسافر في طلب العلم وعمره تسع سنوات. هؤلاء الصبية الخمسة، وغيرهم كثير.

    فهذا الإمام أحمد كان صغيراً، وكانت أمه لا تتركه يخرج من البيت، تخاف عليه من صغر سنه وكان يذهب للعلم رحمه الله.

    وعمر بن عبد العزيز كان في صغره يذهب إلى المدينة وطلب من أبيه هذا أن يجلس مع الفقهاء ويتعلم منهم.

    ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كانت تربيته في الصغر تربية رجال.. مَن ربته؟ إنها أمه هند بنت عتبة، هذه المرأة هي التي ربت معاوية حتى كان إذا اعتزى كان يقول: أنا ابن هند، قال لها رجل يوماً من الأيام: هذا معاوية سوف يسود قومه، فقالت: ثَكِلْتُه إذاً -أي: أموت إذا كان يسود قومه فقط- إذا كنت لم أربه ليسود الأقوام كلهم.

    1.   

    صور من ضياع الأوقات والأعمار

    نبدأ أيها الإخوة الكرام ببعض الأحاديث والآثار ونسردها سرداً ونقرأها، والواحد منا يعتبر، ولكل حادثة عبرة، واسمع أخي الكريم واعتبر، ثم انظر في حالك وفي يومك وليلتك.

    وقال بعض السلف: واسوأتاه واسوأتاه.. مم؟ قال: من شيخ جاهل.. رجل طاعن في السن، ولا يعرف ربما جزءاً واحداً، لا يحفظه ولا يعرف تفسيره، بل بعض الإخوة الصالحين ظل سنوات في الالتزام، قل له: اقرأ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [البينة:1] تراه يتلكأ فيها، والبعض منهم سله سورة الإنسان في أي جزء؟ يقول: لا أدري والبعض منهم قل له: فسر لي أصغر سورة في القرآن إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر:3]؟ لا يدري، وبعضهم سله عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أو بعض أبنائه أو بعض الغزوات، ومتى كانت؟ يقول: هاه هاه لا أدري! أي علم تعلمته في عمرك؟ لهذا مدح الله جل علا أهل العلم في آيات كثيرة واسمع إلى هذه الأخبار واعتبر منها وصدق بعضها أو لا تصدق فأنت حر، ولكن اعلم أن القوم قد وصلوا، وأن المجد قد وصله قوم وحين تخلفنا عنه.

    اقتران العلم بالفقر

    اسمع إلى أولهم وهو البخاري لما كبر.. يقول عمرو بن حفص الأشقر: فقد البخاري أياماً من كتابة الحديث في البصرة، أياماً لا يكتب الحديث، أين هو أبو عبد الله عليه رحمة الله؟ فقال: فطلبناه فوجدناه في بيت وهو عريان، ما عنده ملابس، يقول: وقد نفد ما عنده، ولم يبق معه شيء بليت الثياب، وما عنده نقود يشتري ثياباً، قال: فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوباً وكسوناه، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث، الفقر والعلم قرينان، ويندر أن تجد فقيهاً غنياً.. وتعجب كل العجب! من طالب علم ترك العلم لأجل التجارة، معاشه قد بلغ الخمسمائة أو الستمائة بل بعضهم الألف ولا يرضى بهذا إلا ويقضي ساعات في فتح محلات تجارية، والتجارة ليست بحرام بل نِعم المال الصالح للرجل الصالح؛ لكن أيهما تقارن يا عبد الله: طلب علم أو طلب مال فكر وقارن!

    منزلة أهل العلم بالنسبة لغيرهم

    يقول الله جل وعلا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].

    هل يستوي رجل من الصباح يحفظ القرآن، فإذا أشرقت الشمس صلى، ثم يجلس على قراءة الكتب، ويعكف على التلخيص، ثم يكتب ويبحث ثم يحفظ ويردد، ثم إذا جاء الضحى صلى، ثم غفا غفوة قليلة، ثم استيقظ للظهر، ثم جلس بعد الظهر يقرأ، ثم صلى العصر وحفظ، ثم ذكر الله وكتب، ثم بعد المغرب حضر الدروس، ثم بعد العشاء أخذ يراجع ويردد، ثم بعدها إذا جاء الليل ركع ركعات ثم صلى الفجر، ثم قام في يومه الثاني كما هو في اليوم الأول.

    ورجل آخر في الصباح نائم.. في العصر مجالس لغو.. في المغرب يتجول في الطرقات.. في العشاء لا يحضر إلا درساً بسيطاً ثم يرجع إلى البيت يلهو ويلغو.. هل يستوي هذا وذاك؟ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:9].

    1.   

    صور من تضحيات السلف

    يقول مالك رحمه الله إمام دار الهجرة: "لا يُنال هذا الأمر -أي: العلم- حتى يذاق فيه طعم الفقر" لا بد أن تضحي.

    بعض الإخوة لو تُعرض عليه ساعتان زيادةً في الدوام وله مائتا دينار زيادة، هل يتردد؟ لا يتردد! مائتا دينار لعله يفكر في أفكار جديدة.. في شراء سيارة.. في أثاث.. في ترف.. في أمور كماليات لا يحتاج إليها، فيزيد ساعتين.. تطلب منه طلباً آخر، تقول: يا فلان! نحضر درساً واحداً لمدة ساعة واحدة ولك الأجر العظيم عند الله؟ يقول: لا. أنا مشغول، والله لا أستطيع! عندي الزوجة والأولاد، وعندي أعمال وأشغال كثيرة.. سبحان الله! أتقارن هذا بذاك؟!

    تضحية الإمام مالك في طلب العلم

    الإمام مالك يقال عنه: إنه أفضى به طلب العلم -أتعرف إلى أي حال وصل به الإمام مالك هل أحد منا ما يسمع به انظروا يا إخوان- يقول ابن القاسم عنه "أفضى به إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه" ما عنده نقود، أنزل السقف وأخذ الخشب فباعه؛ ليتكسب ويستمر في طلب العلم؛ هل وصلنا إلى هذه الدرجة أن الواحد منا يضحي بساعات قليلة من العمل، الزيادة في العمل إذا كنتُ منشغلاً في طلب العلم ليس لها داعي، ولا داعي للتجارة إذا كانت تشغلني عن طلب العلم، ولا داعي للمال والأثاث الزائد إذا كان يشغلني عن حلق العلم.

    افتقار ابن معين في سبيل تحصيل الحديث

    يا عبد الله! قارن واعلم أن الله جعل الشهود بعد شهادته وشهادة الملائكة شهادة أولي العلم.

    يروى عن يحيى بن معين رحمه الله وكل أهل العلم قد سمع به.. كل طالب علم لا بد أنه قد سمع بهذا الرجل رحمه الله، خلَّف له أبوه ألف ألف درهم -مليون- والدرهم من فضة، ولعل اليوم يصبح عندنا هذا الرجل مليونير.. تَخَيَّلْ! تصبح في الصباح فإذا أنت مليونير ماذا تفعل بهذه الأموال؟

    يقال عنه رحمه الله -والله يا إخوة قلوب تعلقت بالسماء تمشي الرِّجل على الأرض والرأس في الثريا أما الرِّجل في الثرى، الواحد منهم يمشي على الأرض ولا تعدل عنده جناح بعوضة، مليونير، بيوم وليلة- يقال عنه: إنه أنفقها كلها على تحصيل الحديث، حتى لم يبق له نعل يلبسها، مشى حافياً، وما ترك درهماً واحداً يشتري به نعلاً، كلها أنفقها في طلب العلم.. هل وصلنا إلى هذا المستوى؟ همة عالية -والله- تنطح الجبال، وتبلغ السماء، والرِّجل تمشي على الأرض.

    صور أخرى للتضحية في طلب العلم

    اسمع إليهم كيف كانوا يجوعون لأجل أن يحفظ الواحد منهم حديثاً واحداً.

    يقول بكر بن حمدان المروزي: سمعت ابن خراش يقول: شربت بولي في طلب الحديث خمس مرات، في سفر صحراء عطش يموت وللضرورة أحكام، وتباح المحرمات وقت الضرورات من شدة العطش، في الطريق ما عنده ماء، فيشرب بوله -أجلكم الله- هل يرده هذا عن العلم؟ لا استمر في طلب الحديث ولا يبالي بالجوع.

    أقول لك أخي الكريم: تقول: ما عندي وقت؟ أقول لك: فرط يوماً واحداً من الأيام في الغداء فهل تستطيع أن تتحمل معنا درساً بعد العشاء؟

    إلى متى يستمر؟

    إلى الثانية عشرة.

    لكن العشاء متى أتعشى؟

    سبحان الله! طالب العلم لا يفكر في العشاء، طالب العلم لا يقارن الغذاء بطلب العلم.. غذاؤه وروحه هذا العلم، بل بعضهم لو تضع أشهى أنواع الطعام عنده والكتاب لا يبالي بالطعام؛ لأن ألذ ما عنده هو هذا العلم.

    اسمع إلى غيرهم! يقول ابن الجوزي: كنت في زمن الصبا، آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر ميسان، فلا أقدر على أكلها، خبز لا يستطيع الواحد أن يأكله، إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين أمتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، يترك الطعام كله ويشبع بكسرة خبز لا يستطيع بلعها إلا بشربة ماء.. كل هذا لماذا؟ يجلس ويحفظ الأحاديث ويطلب العلم.

    حتى النوم لا ينامون إلا قليلاً.

    الجوع قلنا: لا يأكلون إلا قليلاً.

    المال قلنا: لا يجمعون واسمع إلى أخبارهم، وتعجب من رواياتهم!

    تقول فاطمة بنت الشافعي -أما الشافعي فله غرائب وله كرامات رحمه الله، وهذا رجل لم تلد النساء مثله في يومه، رجل قلَّما تجد مثله في التاريخ- تقول عنه فاطمة: ربما أوقدت له في ليلة سبعين مرة، أتعرف لماذا؟ لطلب العلم؛ ليكتب فائدة أو يتذكر شيئاً يكتبه، سبعون مرة في ليلة واحدة، أنت تفعلها مرتين؟ بل بعضنا لا يفعلها لصلاة الفجر لا يوقَد له سراج، ولو قلت لك: هناك حلقة علم الساعة الثانية في الليل هل تحضرها؟ هذا يوقَد له سبعين مرة في ليلة واحدة.. ويقوم وينام ويقوم وينام؟

    يقول أسد بن الفرات وهذه أيضاً فيها غرابة -وهو تلميذ الإمام مالك، انظر إلى هؤلاء الرجل الأفذاذ وانظر ماذا خرجوا- يقول: أتى محمد بن الحسن، فقال: إني غريب! قليل النفقة، والسماع منك نزر، أي: صعب لا أستطيع أن أسمع منك العلم والطلبة عندك كثير فما حيلتي؟ قال: اسمع مع العراقيين بالنهار -يقول محمد بن الحسن لهذا الرجل- يقول: أحضر الدروس في النهار، ولا تتركها، وأجعل لك الليل وحدك في الليل لا يسمع بك أحد فتبيت عندي وأسمعك.. ما رأيك؟ قال أسد: وكنت أبيت عنده وينزل إلي يعني: في الليل، ويجعل بين يدي قدحاً فيه ماء، ثم يأخذ في القراءة يشرح، قال: فإذا طال الليل ونعست، نام، النهار كله علم، والليل يجلس يسمع، قال: فإذا طال الليل ونعست ملأ يده ونضح وجهي بالماء فأنتبه، قال: فكان ذلك دأبه ودأبي حتى أتيت على ما أريد منه من السماع عليه.

    هل جربت هذا؟ أم هل تصورت هذا؟ الواحد من الدرس تنعس عينه إذا صار الدرس ساعة ونصف لا نتحمل، سبحان الله! انظر إلى هؤلاء الرجال وكيف وصلوا.

    يقال عنه: إن جميع أوقاته كانت كلها في دروس حتى في الطريق، وكان ربما سقط في حفر الطريق، يمشي وحوله التلاميذ وربما سقط وهو لا يدري؛ لأنه يدرس، قال: وكان ربما سقط في جرف أو خبطته دابة وهو لا يشعر.

    شغف مكحول بالعلم

    يقول مكحول رحمه الله أُعتقت بـمصر -كان عبداً مملوكاً، وتَخَيَّلْ! المملوك إذا أُعتق مثل الأسير حين يرجع.. ماذا يتمنى؟ يذهب يرتاح، يترفه- قال: أُعتقت بـمصر فلم أدع بها علماً إلا حويت عليه فيما أرى، يقول: كل نواحي مصر ما أظن فيها علماً إلا حصلت عليه، نحن نقول عن الكويت هذه البلدة الصغيرة هل حويت على كل علم فيها؟ تسمع بالعلماء لعلهم في منطقة أخرى ما هي بعيدة، إذا ما كان في مسجدي أو ما أحضر يقول: مصر كلها ما فيها علم إلا حويت عليه.. هل اكتفى؟ يقول: لا.

    ثم أتيت العراق، ثم أتيت المدينة فلم أدع بهما علماً إلا حويت عليه فيما أرى، يقول: أول شيء مصر ثم العراق ثم المدينة هل بقي شيء يا مكحول؟

    قال: ثم أتيت الشام فغربلتها وما تركت فيها شيئاً، ماذا بعد مصر والعراق والمدينة والشام؟ لم يدع علماً إلا حوى عليه فيما يرى!

    انظر الهمة العالية، والله إنها لدقائق غالية تمر في أعمارنا وتمضي وتذهب، ثم يقلب الواحد منا كفيه، ثم يقول: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر:56] يا حسرتا على هذا الشباب! يا حسرتا على الأوقات التي ضاعت! يا حسرتا على العمر! يا حسرتا على هذه الساعات! بل إن بعضنا يقدر أوقاته الضائعة ليست بالدقائق، بل يقدر الآن الوقت بالساعات، بل بعضنا بالأيام، تمر عليه الأيام تلو الأيام، ولم يستفد منها علماً.. انظر إليهم وقارن نفسك بهم.

    أهمية الحفظ والتكرار لطالب العلم

    العلم لا يكفي بأن تحضر درساً ثم ترجع، لا بد من الحفظ والتكرار، فمثلاً تحضر درساً في الصباح، والواحد منا لو حضر درساً في الحديث، يحفظ خمسة أحاديث في البخاري وشرحها، هل يغنيك هذا؟ لا يغنيك إلا أن تأخذ بعض هذه الأحاديث وتردد الحديث مرة وعشرة ومائة حتى تحفظ الحديث.. هكذا العلم، فالعلم لا ينال بالراحة لابد من التعب، الصوت يذهب من كثرة التكرار، تتعجب من بعضهم يقول: عشرون سنة مضيتها ما حفظت إلى الآن إلا خمسة أجزاء في القرآن، والبعض يقول: خمس سنوات كل ما حفظت أنساه.. ما السبب؟ ما الذي يجري؟ بل بعضنا يحضر في اليوم أفي الأسبوع خمسة دروس أو عشرة دروس وحصيلته في العلم لا شيء، اسمع إليهم كيف كانوا يحفظون؟

    يقول جعفر بن المراغي دخلت مقبرة في تستر، فسمعت صائحاً يصيح في المقبرة، يقول: والأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، والأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، والأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، يقول: فتعجبت! ساعة طويلة وهو يردد ويردد ويردد، فكنت أطلب الصوت وأبحث عنه إلى أن رأيت ابن زهير أحد الأئمة عليه رحمة الله، وهو يدرس مع نفسه من حفظه حديث الأعمش! جالس مع نفسه وهو يردد السند حتى يحفظه.. هلا فعلناها مع آيات الله يجلس الواحد منا فيقرأ؟ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكٌَ [التحريم:1] ويردد ويردد ويردد، حتى يحفظ الآية، ثم التي بعدها، ثم التي بعدها، ولا يكل ولا يمل، هلا فعلناها؟

    أما أن الواحد منا يحضر الدرس ثم يرجع يلخص، ثم ماذا استفدت؟ لا شيء. في الأسبوع القادم سله؟ يقول: هاه هاه.. لا أدري.

    واسمع إلى غيرهم! يقول أبو زرعة عن أحمد بن حنبل: "كان يحفظ ألف ألف حديث" أي: مليون حديث قد يكون لمتن الحديث الواحد خمسون طريقاً، فتعتبر الطرق خمسين حديثاً وهو حديث واحد؛ لكن بكثرة الطرق تُعدَّد الأحاديث، فكان يحفظ من هذه الأحاديث ألف ألف عليه رحمة الله، فقيل لـأبي زرعة: كيف عرفت هذه الأحاديث وعددها؟ فقال: ذاكرته وأخذت عليه الأبواب كلها، انظر إليهم كيف كانوا يستغلون أوقاتهم.

    واسمع إلى هذا الرجل قبل الموت كيف كان يستغل وقته؟ اسمع هذه القصة العجيبة يقول الفقيه أبو الحسن عن ابن عيسى: دخلت على أبي الريحان البيروني وهو يجود بنفسه عنده حالة الاحتضار، يقول: قد حَشْرَجَ نَفَسُه واحتضر، نَفْسُه تكاد تخرج قبل الموت، قال: حَشَرَج نَفَسُه، وضاق به صدره، فقال لي في تلك الحالة: كيف قلت يوماً حساب الجدات الفاسدة؟ هذه مسألة في المواريث، يسأله قبل الموت، فقلت له إشفاقاً عليه: أفي هذه الحالة تسأل السؤال؟ قال لي: يا هذا! أودع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيراً من أن أخليها وأنا جاهل بها؟ قال: فأعدت ذلك عليه، وحفظ المسألة قبل الموت، قال: فخرجت من عنده وأنا في الطريق فسمعت الصراخ حوله وقد ذهبت نفسه عليه رحمة الله.

    البعض منا لو تقول له: يا أخي! أدرس هذا الباب في العلم، يقول: ماذا أستفيد؟ سبحان الله! تلقى الله وفي صدرك العلم خير لك من أن تلقى الله جاهلاً شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هو [آل عمران:18] أعظم قضية شهد الله عز وجل بها ثم مَن بعد الله، شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هو وَالْمَلائِكَةُ [آل عمران:18] بعد الله جل وعلا الملائكة تشهد، بعد الملائكة من يشهدون؟ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران:18] بعد الملائكة أهل العلم (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم).

    وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (إن صاحب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر) تستغفر لصحاب العلم وفرق بين هذا وذاك.

    أبيت سهران الدجا وتبيته     نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي

    1.   

    بعض آداب طالب العلم

    أخي الكريم! عليك ببعض الآداب أثناء الطلب:

    تعلم الأدب مع الطلب

    أول أمر: تعلم مع الطلب الأدب، فلا خير في طالب علم لا يحسن الأدب، وكم هم أهل العلم في هذا الزمان الذين لم ينشروا علمهم بسبب سوء أدبهم، بل لعلك تعجب بعض الأحيان من شاب يحفظ كتاب الله، وسنة رسول الله، وأقوال أهل العلم، فإذا جلس مجلساً أساء الأدب على هذا، وتكلم في هذا، واغتاب ذاك، وسب ولعن وشتم وسفك دماء الناس.. ما السبب؟ إنه تعلم العلم ولم يحسن الأدب.

    اسمع إلى الشافعي! مَن شيخُه؟ مالك، يقول عن نفسه: كنت أفتح الكتاب صفحاً رقيقاً هيبة له ألا يسمع الصوت.. انظروا إلى الأدب -يا إخوة- هل رأينا هذا الطالب مع هذا الشيخ في هذا الزمان؟ لم أرَ طالباً مع شيخه يفتح الكتاب بهدوء حتى لا يزعج شيخه هيبة له، والجزاء من جنس العمل.

    تلميذ للشافعي يسمى الربيع، يقول الربيع عن نفسه: لم أتجرأ أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له، يقول: أستحي أن أشرب الماء أمامه.

    انظروا إلى الأدب! وكم سمعنا عن طلبة علم يجلسون مع الشيوخ، فعندما يأخذ أحدهم بعض العلوم، ويظن أنه قد وصل، وقد علم بعض الشيء، وقد اعتمد على نفسه خرج في الناس يقول: انظروا إلى الشيخ الضال المضل! انظروا إليه عنده خطأ كذا! وفيه عيب كذا، وسوءته كذا، وأخذ يفضحه بين الناس ويسيء الأدب

    أعلمه الرماية كل يوم     فلما اشتد ساعده رماني

    وكم علمته نظم القوافي     فلما قال قافية هجاني

    واعلموا -أيها الإخوة- أن هؤلاء قلة لا كثرهم الله جل وعلا، فاحرص يا عبد الله على الأدب أثناء الطلب.

    ولهذا لا حاجة لنا في هذا الزمان لطلاب علم لا يعرفون كيف يتعاملون مع الناس، ويحسنون أخلاقهم، ولهذا سمعت الألباني حفظه الله يوماً يقول: إن الأمة الإسلامية تشهد صحوة علمية، يقول: أما الصحوة التربوية فلا! وصدق حفظه الله وكأنه ينظر بعين ثاقبة إلى أحوال هذه الأمة، العلم ينتشر .. أما التربية .. أما الأدب .. أما حسن الخلق؛ فقلَّما تجد شاباً طالباً للعلم يحسن خلقه مع الناس، هذا نادر في الوجود إلا فيمن وفقهم الله جل وعلا.

    البدء في الطلب بالأولويات

    الأمر الثاني يا عبد الله: عليك أثناء الطلب بالأولويات، فبعض الناس لا يعرف في أثناء الطلب ماذا يقدم على ماذا؟

    وقد سمعت أحد المشايخ يخبر عن أحد الطلاب، يقول: إنه يحفظ اثني عشر طريقاً لحديث (من أتى الجمعة فليغتسل) يحفظ اثني عشر طريقاً، ولا يعرف آداب غسل الجمعة! بالله عليكم أيها الإخوة، أيهما أولى: أن يتعلم أولاً آداب غسل الجمعة ليحسن عبادته أولاً أو يتعلم هذه الطرق؟ كلاهما مهم لكن هناك أولويات، لا بد أن نتعلمها، ولهذا تعجب من بعض الإخوة حيث تجده بعض الأحيان يجلس يقول لك: فلان وثقه فلان -مهتم منكب على هذا العلم، وهذا علم مهم، ولا بد من تعلمه، وهو من فروض الكفايات- وفلان ضعفه فلان وفلان ضعيف، وفلان صادق، وفلان فيه كذا وفلان قال كذا، ولكن سله عن تفسير القرآن؟

    ما قرأ تفسيراً واحداً لكتاب الله، وأقل القليل للمبتدئين تفسير ابن كثير هل قرأت؟

    يقول: لا، قرأت جزءاً أو جزأين بالله عليكم أيهما أولى؟

    طالب العلم أول ما يقرأ كتاب الله، ويتعلم معانيه، ويحفظه ويقرأ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتعلم معانيها، ويحفظها ويتعلم شيئاً من الفقه في عبادته، وشيئاً من العقيدة لإيمانه ودينه، ويتعلم بعض العلوم شيئاً فشيئاً، أما أنه يريد أن يصل إلى أعلى الدرجات من البداية، فإنه سوف يسقط، وهذا غالباً ما يصيبه العجب والغرور ثم تضيع حياته وما استفاد شيئاً.

    وأنصحك في باب الأولويات، بالتدرج في طلب العلم؛ فإن كثيراً من الشباب يسأل: بماذا أبدأ من الكتب الآن؟ فيضع له جدولاً وبرنامجاً في هذه العطلة فمثلاً: يقرأ في التفسير تفسير ابن كثير وفي الحديث مختصر صحيح البخاري للزبيدي مثلاً، وابدأ في الفقه بمتن بسيط أو احضر عند بعض المشايخ، وفي التوحيد اقرأ فتح المجيد، أو اسمع أشرطة الشيخ ابن عثيمين فيه، أو اقرأ كتابه، وفي النحو كذا، وفي المصطلح كذا، وفي الأصول كذا، وضع له جدولاً، أحيلك أخي الكريم إلى كتاب مختصر مبسط بعنوان: برنامج تفصيلي لطالب العلم، ولعله وزع عند كثير من الشباب، هذا يختصر لك التدرج في طلب العلم، وكيف تبدأ وبأي الكتب، ولا تنتقل من كتاب إلى ما بعده حتى تختم ما يوازيه من الكتب، وبهذا تكون قد تدرجت في طلب العلم.

    الحرص على الرفقة الصالحة

    ثالثاً: عليك بالرفقة الصالحة أثناء الطلب، لا يشترط أن يكون ملتحياً.. قد يكون ملتحياً لكنه مثبِّط، قد يصلي الفجر لكنه في العلم مثبِّط، إذا أردت أن تحرص على طلب العلم فاحرص على طلاب العلم أن تصحبهم، أصحاب الهمم العالية، تجلس مع الواحد فيقول لك: قرأت اليوم (200) صفحة هذا وردي في اليوم القراءة، وذاك يتحسر ويندم أن ربعه الذي يراجعه قد فاته هذا اليوم؛ لأن بعضهم تدمع عيناه إذا فاته ورده، هذا تحرص عليه وتحرص على ذاك الذي إن طرقت عليه الباب فقلت له: ما رأيك نشرب قهوة عند فلان؟ يقول لكم: اسمحوا لي وقت الراحة ليس هذا الوقت؛ لأن هذا وقت الحفظ أو وقت التلخيص، وأنا لا أفرط في هذه الأوقات، احرص على هؤلاء وعض عليهم بالنواجذ، وإياك والبطالين الذين ما عندهم في اليوم والليلة إلا الزيارات والتجول، في الصباح يقضي بعض المراجعات، وفي الظهر ينام أو يقرأ الجريدة، وإذا جاء العصر زار فلاناً، وآخر العصر زار آخر، وبعد المغرب شرب قهوة عند فلان، وجاء في الليل وقال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، اليوم قضيناه كله في طاعة الله زيارةً للإخوان، هذا بطال فقد أضاع وقته وأضاع وقت غيره، إياك إياك وهؤلاء!

    حتى أن ابن الجوزي جعل لهؤلاء فصلاً، فقال: الفراغ بلاء، يقول لم أستطع أن أرد الزوار يقول: إن استطعتُ أن أعتذر اعتذرت بلباقة، وإن لم أستطع فأختصر الكلام وأستغل الوقت في تبرية الأقلام، وتقطيع الكتب، وتسطير الأوراق وغيرها، استغلالاً للوقت في طلب العلم.. في تجهيز أوراقي لطلب العلم، احرص على وقتك ألا يضيع مع رفقة هممهم دنية، واحرص على أصحاب الهمم العالية، وإن كان لك أصحاب من هؤلاء فحثهم لعلك أن تكون ممن سن سنة حسنة.

    عدم انشغال الطالب بعيوب الناس

    الرابع: لا تنشغل أثناء الطلب بعيوب الناس، واسمعها مني نصيحة! أثناء الطلب وقراءة الكتب واستماع الأشرطة وحضور الدروس، سوف تقع على زلل كبير حتى على أكبر العلماء، تفتح الكتب فتجد بعض العلماء يسقط ويزل زلة كبيرة، وبعضهم لعله يقع في خطأ شنيع، وسوف تمر على هذا أثناء الطلب، من منا لا يقرأ فتح الباري، وأي طالب علم لا يعتمد على شرح النووي، ومن منا لا يرجع إلى بعض هؤلاء العلماء: كـالقرطبي أو غيره، وسوف يجد في أثناء قراءته لهؤلاء العلماء بعض الزلل وبعض الخطأ ولكن

    وعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ      ولكن عين السُّخط تبدي المساويا

    إن كان قلبك سوف ينشغل بعيوب هؤلاء الناس، وفي مجالس أهل العلم تسمع بعض الأخطاء وتسجلها، فاعرف أنك قد مُكر بك، كما قال بعض السلف: إذا رأيت أحدهم منشغلاً بعيوب الناس عن عيبه، فاعلم أنه قد مكر به، كلما رأيت عيباً لا تقبل به ورده واتركه، وامض في طلب العلم واستمر؛ فإنك سوف تقع على زلل كبير وخطأ كثير.

    تقسيم الأوقات

    أيها الأخ الكريم: عليك أثناء الطلب بتقسيم الأوقات، فإذا أردت أن تجعل لنفسك وقتاً في طلب العلم فقسم الأوقات، وكن منظماً، واجعل لك جدولاً: وقتاً للحفظ، ووقتاً للمراجعة، ووقتاً للتلخيص، ووقتاً للكتابة، ووقتاً لحلق العلم، ووقتاً للراحة وللاستجمام، ولكن ساعة وساعة ولا بد منها، ولا تضحك على نفسك.. تبدأ أياماً تضغط عليها ثم تنفجر وترجع وتصبح عندك ردة فعل.

    ثم إياك والدقة الخيالية، فبعض الشباب يجعل وقته بالدقيقة.. من الساعة الرابعة إلى الخامسة: قراءة الكتاب الفلاني.. من الخامسة إلى السادسة، الكتاب الفلاني.. من السادسة إلى السابعة والأربعين دقيقة.. إلى أذان المغرب، الكتاب الفلاني.. وقت المغرب كله كذا.. لا تستطيع اجعل لك -أيها الأخ- أوقاتاً للراحة والفراغ.. للطوارئ.. فلان جاءك بحاجة ضرورية، وفلان من الجيران دعاك للعزاء أو لصلاة جنازة أو اتباعها، وفلان مريض لا بد أن تعوده، وأمك طلبت منك حاجة.. اجعل لنفسك أوقات فراغ تحسباً لهذه الطوارئ ولهذه الظروف.

    الحذر من الغرور والعجب

    أقول لك أخي الكريم: إياك إياك أثناء الطلب أن تصاب بالغرور والعجب.. فمثلاً: حفظتَ القرآن؟ كان أحدهم عمره سبع سنوات يحفظ القرآن.. يعني ماذا؟ حفظتَ القرآن وصحيح البخاري ومعه صحيح مسلم هل يحق لك أن تفتي؟ بعض الناس ما قرأ إلا بعض الكتب وحفظ بعض الأجزاء، فتسأله بمسألة فيقول: أنا أرى!! من أنت حتى ترى؟ ويقول: أنا أرجح!! لا يضحك عليك الناس.. من أنت حتى ترجح؟ أو يقول: الشيخ الفلاني جانب الصواب.

    أخي الكريم! كن عاقلاً وتدبر، أسمعت بهؤلاء في الصغر يحفظ سبعين ألفاً من الأحاديث.. عمره ست سنوات وقد ختم القرآن.. عمره تسع سنوات يسافر في طلب العلم، إذا أردت ألا يصيبك الغرور، فاقرأ في تراجمهم وسيرهم، واعلم أنك مهما وصلت من العلم فإنك ضعيف وقليل في العلم، والاجتهاد اتركه للمجتهدين، أنت يحق لك أن تنقل الفتوى.. إذا سئلت: يا فلان! عندك علم فيها؟ تقول: نعم! قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله في المسألة كذا، وسمعت الشيخ الألباني يقول كذا، وقال الشيخ الفلاني كذا، أما أنك تزيد وترجح وترى رأياً جديداً فاعلم أن هذه من علامات العجب والغرور، قد يصاب به الطالب في بداية طلبه.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    نسأل الله عز وجل أن يجزي الأخ نبيل خير الجزاء، وهناك حديث أحببت أن أذكر به الإخوة طالما أن الأخ تكلم في موضوع: (الديمومة على الأعمال) حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام البخاري، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدين يسر، ولن يُشادَّ أحدٌ الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة).

    ويقول يحيى بن يحيى: قال الزهري: طلبنا العلم فأصبنا منه شيئاً كثيراً، وطلبنا الأدب فوجدنا أن أهله قد ماتوا.

    نصيحة لمن آثر العزلة

    السؤال: أحد الإخوة يسأل سؤالاً فيقول: ما هي نصيحتك لشاب اعتزل الشباب لوحده، ولا يحضر الدروس، والسبب هو مضايقة بعض الشباب له؟

    الجواب: أظن أن صاحب السؤال يعرف الجواب، ولكن أذكره بقول النبي صلى الله عليه وسلم (الشيطان مع الواحد).

    أخبركم بقصة عايشتُها مع شاب كان حريصاً على طلب العلم، وكان من شدة حرصه أن زاده الشيطان حرصاً فقال له: اترك الشباب فإنهم يضيعون وقتك بين طلعة وديوانية ومجلس.. وغيرها من هذه الأنشطة الكثيرة التي تضيع الأوقات، اجلس واعتكف واطلب العلم، فنصحته ألا يقطع نفسه عن الإخوان في الله، وأن يجالسهم لأنهم عون له، يذكرونه إذا نسي، ويعظونه إذا غفل، ويسددونه، وهو مسكين لا يشعر، فجلس لوحده واعتزل وأبى أن ينتصح، مرت به الأيام فتحولت كتب العلم إلى مجلات ثم إلى جرائد ثم إلى تلفزيون ثم إلى فيديو ثم ترك الصلاة.

    أيها الأخ الكريم! اعرف أنها حيلة من حيل الشيطان (الشيطان مع الواحد) يريدك لوحدك ولو كنت تقرأ فتح الباري لكن تكون لوحدك.

    ولهذا -أيها الأخ- الرفقة الصالحة تعينك على المنافسة، ثم إنهم يقومونك إن زللت، والمؤمن مرآة أخيه، ثم إن أخطأ عليك الشباب، وإن قصروا في حقك، وإن أساءوا إليك، فقد قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: [كدر الجماعة ولا صفو الوحدة] أكون مع الجماعة على كدر وعلى بعض المضايقات، وعلى بعض الأذى، أصبر قال: [ولا صفو الوحدة] ولهذا كان يحذر عليه الصلاة والسلام من الوحدة حتى في السفر، قال: (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب، وقال: وخير الركب أربعة)، (نهى أن يبيت الرجل وحده) لِمَ أيها الإخوة؟ لأن الله جل وعلا يقول: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ [الكهف:28] كلما اجتمع الإخوة كثرت الرحمة، بل كان يوماً من الأيام في مسير مع أصحابه وقد تفرقوا فجمع الناس وناداهم، فلما اجتمعوا قال: (ما لي أراكم عزين، إن تفرقكم هذا من الشيطان).

    إذاً أخي الكريم انتبه واعقل واعلم أن إخوانك في الله هم الذين أرشدوك للعلم، وهم الذين وجهوك للكتب، فكيف تتركهم بعد أن دلوك على هذا الطريق؟! فهم المعينون وقت الضيق والشدة، وهم المسددون إذا أخطأت، وهم المنافسون لك في العلم، وإذا كانت هناك بعض المضايقات فتوضح (الدين النصيحة).

    تقول: يا أخي! لاحظ أنا تضايقت من كلمة قلتها لي، يا فلان صار بيني وبينك موقف ماذا تقصد به؟ وعليك بإحسان الظن لأن بعض الناس لا يتحمل إخوانه، فكل كلمة يسيء فيها الظن عشرين ظناً، وقال عمر: [لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءً وأنت تجد لها في الخير محملاً]، وقال ابن المبارك رحمه الله: " المؤمن يتطلب المعاذير ... " كل ما تكلم أحد أو حدث منه موقف أو زلة، هذا المؤمن يتطلب المعاذير، يقول: لعله كذا، لعله نسي، لعله لا يدري، لعله لا يقصدني، لعله يقصد كذا، يتطلب المعاذير.. قال: " ... والمنافق يتطلب العثرات " المنافق يبحث عن الزلات، ويفتش ويبحث عن السقطات وينشرها بين الناس، يقول: هذه صفات المنافق عندنا، أما صفات المؤمن فيتطلب المعاذير، وأحسن الظن بإخوانك، وانصحهم إن كان ولا بد والله أعلم.

    نصيحة للنساء باستغلال الأوقات

    السؤال: نريد توجيه الأخوات الحاضرات في الدرس في إجازة فترة الصيف، وخصوصاً ما يخص قضاء وقت الفراغ في الهاتف، أو في الخروج أو في الرفقة؟

    الجواب: أولاً: ما قيل للرجال فهو للنساء سواء.

    ثم أمر ذَكَّرَني به السائل، وهو قضية الهاتف من مضيعات الأوقات.. الهاتف -أيها الإخوة- لو نحسب أوقات الهاتف التي نتصل فيها فإنها من أعظم مضيعات الأوقات علينا في هذا الزمان، بل تعجب من بعض الإخوة يظل نصف ساعة يتحدث، ماذا عنده؟ لا شيء، يسأل ما هي الأخبار؟ ماذا فعلت بفلان؟ أين ذهبت اليوم؟ نصف ساعة على أحاديث لا طائل منها، لغو وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3] لا أقول لك أخي: الهاتف حرام والأحاديث المباحة حرام! لا؛ لكن الكثرة والاستغراق فيها تضيع الأوقات، وهذا ليس في النساء خاصة بل حتى في الرجال، والآن نعجب أن الناس يطالبون بتخفيض أسعار المكالمات الهاتفية النقالة، لأن الوقت عندهم أهون وأرخص من المال، بل لو كان المال أو كانت المكالمات غالية الثمن، لعرفنا قدر هذا الوقت ولاختصرنا الكلام ولكن نريد أن ينخفض الثمن حتى نكثر في الكلام، ولست أدعو إلى زيادة الأسعار، ولعل البعض عندما يسمع هذا الكلام يظن أنني أدعو إلى الزيادة في الأسعار، والزيادة في الضرائب، وأن أثقل على كاهل الناس، ولكن أخبرك -أخي الكريم- أن الوقت أثمن من جميع المال؛ بل أغلى حتى من الذهب، فلا تضيعه في هاتف، ولا في تقليب جريدة لا طائل منها، بعض الأخبار مهمة لكن تَخَيَّلْ! شاب ملتزم يظل يقرأ الجريدة.. أتعرف أي صفحة؟ صفحة الرياضة وما شأنك بها؟ بل تعجب من بعض الجرائد ربما أربع صفحات لها في الرياضة، وما نحتاج من هذه الأخبار، أو فلانة حصل فيها كذا، أو خبر طريف في المكان الفلاني، أو حادثة ... ما الذي نستفيد من هذه الأخبار؟ والله كلها مضيعات للأوقات.

    كما قلنا: ما قيل للرجال فهو أيضاً للنساء عامة، وكم هن النساء اللواتي أصبحن عالمات، واقرأن التاريخ، وليقرأ كل منا التاريخ، ليسمع أن بعض أهل العلم قد تتلمذ على نساء، ومن شيوخه نساء تتلمذ على أيديهن، نعم! هناك حاجز وحجاب بينه وبينها، وعائشة رضي الله عنها كان الرجال الأفذاذ الفحول يأتونها في بيتها يسألونها عن حديث واحد، وعن مسائل فقهية رضي الله عنها؛ فإذاً العلم ليس خاصاً بالرجال فقط، بل للرجال والنساء عامة والله أعلم .

    نصيحة للذين يهجرون كتاب الله

    السؤال: كثير من الناس هاجروا كتاب الله عز وجل، وأخص بالذكر الشباب الملتزم، أرجو توجيه نصيحة لهم في هذه الجلسة؟

    الجواب: عثمان بن عفان رضي الله عنه من منا أكثر منه شغلاً؟ الخليفة الراشد الثالث رضي الله عنه، في الجهاد هو الأول، وفي الإنفاق هو الأول، وفي التعليم هو الأول، وفي إدارة الأمة هو الأول.. أعماله كثيرة.. يروى عنه أنه كان يختم القرآن كل ليلة، وسوف يخرج من يخرج من هذا المجلس، ويقول: خالف السنة، والسنة لا تقرأه في أقل من ثلاث.

    أقول لك أخي الكريم: إن خالف عثمان رضي الله عنه السنة، فأين أنت من السنة؟ هل من يطبقها الذي لا يختم القرآن في الشهر مرة؟ هل هذا طبق السنة؟ أو الذي يمر عليه من رمضان إلى رمضان وما ختم القرآن، هل طبق السنة؟ إذا كان الذي ختم القرآن في ليلة واحدة قد خالف السنة، فأين أنت عن السنة؟ تعرف ماذا أنزل الله في عثمان رضي الله عنه؟ كان يقوم الليل بالقرآن، فأنزل الله جل وعلا فيه: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً [الزمر:9] نزلت في عثمان سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] ما هو أثر العلم؟

    الآن تعلمنا.. فتح الواحد منا صحيح البخاري وقرأ بعض الأحاديث في فضل قيام الليل، هذا علم لكن ماذا استفدت من هذا العلم إذا كنت بعده لا تقوم الليل؟ إذاً عندما تقرأ بعض فضائل صيام التطوع ولا تصوم، ماذا نفعك هذا العلم؟

    أخي الكريم! قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] من منا لا يعرف فضل قراءة القرآن؟

    قال صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفاً من كتاب الله كتب الله له به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن (ألف) حرف و(لام) حرف و(ميم) حرف).

    من منا لا يعرف هذا الفضل ولو قرأت آية واحدة ربما تعدو المائة أو المائتين أو الثلاثمائة حسنة! آية واحدة بل بعض الآيات تعدل آلافاً من الحسنات، بل الصفحة تعدل آلافاً من الحسنات، من منا حرص على هذه الأجور؟ تعجب من شاب ملتزم، أو داعية إلى الله، أو طالب علم ليس عنده ورد، يقرأ القرآن ولو ربع حزب في اليوم والليلة وهذا قليل جداً.

    أخي الكريم! نصف حزب، أو حزب في اليوم والليلة، والله ليس قليلاً على نفسك أن تقرأ هذا القرآن وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان:30] إي والله! مهجور قراءةًَ وتلاوةً وحفظاً وتدبراً وعملاً وحُكماًبه.. فالله الله بتلاوة القرآن!

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.