إسلام ويب

تفسير سورة الضحىللشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فتر الوحي في أول البعثة النبوية فترة قصيرة، فكانت هذه فرصة للمشركين أن يتكلموا في نبينا صلى الله عليه وسلم، فجاءت إليه أم جميل امرأة أبي لهب فرحة شامتة تقول: يا محمد! ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فأنزل الله تعالى سورة الضحى يطمئن نبيه ويقول له: ما ودعك ربك يا محمد وما أبغضك أبداً، ثم ذكر الله تعالى في هذه السورة ما امتن به على نبيه من النعم العظيمة، ثم أمره أن يشكره عليها بأن يعمل لعباد الله بمثل ما امتن به عليه سبحانه وتعالى.

    1.   

    بين يدي سورة الضحى

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن سورتنا الليلة لسورة مباركة ميمونة، إنها سورة الضحى، وآيها إحدى عشرة آية، والسورة مكية، ومرحباً بالمكيات والمدنيات، وقد عرفنا خصائص كل منهما.

    هذه السورة المباركة الميمونة نزلت بمثابة التعزية للنبي صلى الله عليه وسلم إذ انقطع عنه الوحي وفتر فتألم لذلك، ولما انقطع عنه الوحي فرح المشركون وخاصة أم جميل العوراء امرأة أبي لهب ، هي التي زغردت وغنت وقالت شعراً لا يقال؛ فأنزل الله هذه السورة المباركة؛ ليكذب دعوى المشركين في أن الله خلى نبيه وتخلى عنه وقلاه وأبغضه وتركه، فلهذا يؤثر عن السلف: أن من قرأها وختمها يقول بعدها: الله أكبر. وقيل: يكبر بعد كل سورة بعدها، ولكن لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلهذا يقول به البعض ولا يقول به البعض، وبداية التكبير من أول ما تنتهي من سورة والضحى، وهكذا حتى يختم القصار من المفصل، فمن كبر فالله أكبر، ومن لم يكبر فالله أكبر، فلا نفتح باب التنازع ونحن نريد إغلاقه، ولكن المولعين بالخلاف يفرحون بهذا.

    إذاً: تلاوة هذه السورة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:1-11].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والضحى * والليل إذا سجى)

    هذه السورة كسابقاتها: الفجر، والبلد، والشمس، والليل، كلها مفتتحة بالإقسام الإلهي، بالحلف.

    بم حلف هنا عز وجل؟ بـ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1-2]، أي: بالنهار والليل، ولكن انظروا الضوء عندما يغمر الكون، عند ارتفاع الشمس، الضحى يبتدئ من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال بدقائق.

    هذه الأضواء كيف تمت؟ ومن أين أتت؟ سبحان الله! الذي لا يفكر لا يجد شيئاً، لكن من فكر عرف أن للكون رباً وإلهاً هو الذي يضيئه بالنهار ويظلمه بالليل.

    وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1-2]، أي: غطى المعمورة بظلامه.. آيتان من آيات الله الكونيات.

    يا ابن آدم! فكر، من يأتي بالليل والنهار؟ من خالقهما؟ ما الحكمة؟ ما العلة؟!

    كن عاقلاً وفكر تهتد! فلا تجد بداً من أن تقول: الحمد لله، لا إله إلا الله، سبحان الله، والله أكبر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما ودعك ربك وما قلى)

    علام أقسم الله عز وجل؟ على قوله: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3] والأصل: وما قلاك، فمن باب السجع حذفت هذه الضمائر.

    وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى:1-4] إلى نهاية السورة..

    إذاً: مَا وَدَّعَكَ [الضحى:3] أي: ما تركك. وما قلاك. أي: ما أبغضك؛ وقد جاء في رواية عند البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم أصيب بجرح في رجله فامتنع عن الخروج ثلاث ليال، فبينما هو كذلك ما شاهدته أم جميل وهي صاحبة المكائد، وهي التي كانت تضع حزمة الشوك في طريقه وتتلذذ لو تشوكه شوكة، فلما ما ظهر وما خرج صلى الله عليه وسلم زغردت وأخذت تنشد الشعر، فعزاه الله تعالى بهذه السورة، وكشف عن كماله وعلو مقامه وسمو درجته، وأبطل مزاعم المبطلين، فقال سبحانه: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ [الضحى:3] كما قالت أم جميل ، وما قلاك. أي: ما أبغضك ولا تركك، وها هو الوحي يتجدد والقرآن ينزل.

    وقد قيل أيضاً: إن هناك سبباً آخر -وقد تتعدد الأسباب-: لما سئل صلى الله عليه وسلم عن ثلاث مسائل، واستعجل بحكم البشرية، وقال: أجيبكم غداً، ونسي أن يقول: إن شاء الله. عوتب، فانقطع الوحي نصف شهر، وهنا فرح المشركون، فقالوا: قلاه شيطانه الذي كان يأتيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وللآخرة خير لك من الأولى)

    قال تعالى: وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى:4] إن كربت.. حزنت.. تألمت.. جعت.. حاربت.. حوصرت، كل هذا ما يضرك فالآخرة خير لك من الأولى.

    إي والله! إنها لخير له من الأولى، وهي خير لكل مؤمن تقي ومؤمنة تقية، والآخرة خير فلا كرب ولا حزن ولا ألم ولا جزع فالآخرة خير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى)

    ثالثاً: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5] وهذه العطاءات الإلهية منها: أن الله عز وجل نصره على المشركين، وفتح مكة وأعلى فيها راية لا إله إلا الله، وأكبت أعداءه وأخزاهم وأذلهم، هزمهم ونصره عليهم، انتشرت دعوته في العالم وبلغت الآفاق، ثم يعطيه عطاء أخروي يكفي أن يكون الشافع المشفع في المقام المحمود.. يكفيه ألا يدخل أحد الجنة قبله، بل كل الخليقة من ورائه.

    إذاً: يكفيه أنه لا يخلد أحد من أمته في النار، وكل من كان من أمته يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله موقناً بها صادقاً مهما دخل النار وعذب فيها فمآله إلى الجنة، فلهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( كيف أرضى وأحد من أمتي في النار؟! ).

    هل تفرحون بهذا أو تغضبون؟

    كيف ذلك ونحن نقوم الليل ونصوم النهار.. خرجنا من أموالنا ندخل الجنة، والآخر الصعلوك الحشاش كذا.. يدخل الجنة؟!

    هذا كلام يقوله السفهاء، أما الرشداء فلا يقولونه، يقولون: الحمد لله! الحمد لله ألا يخلد تابع لمحمد صلى الله عليه وسلم في النار، ويخلد فيها أهل الشرك والكفر والعياذ بالله.

    قال تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5] بما يعطيك، فلا نستطيع أن نحصي أو نقدر هذه العطاءات الإلهية ولا نقوى عليها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم يجدك يتيماً فآوى)

    ثم يذكره بأيامه الأولى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى:6] أي: فآواك، وحذفت الكاف فآواك، وأواه: ضمه إلى كذا...

    توفي عبد الله بن عبد المطلب والد نبينا صلى الله عليه وسلم بعد ولادة الرسول بأشهر. وقيل: توفي والرسول في بطن أمه. والخلاف هكذا.

    وعبد المطلب جده هو الذي تولى رعايته، ويدلك أنه هو الذي سماه محمداً بإلهام من الله.

    الذي سمى النبي محمداً هو جده وليس أباه ولا أمه، سماه عبد المطلب بإلهام من الله محمداً، إذ لم يعرف العرب اسم محمد قط حتى ولد هذا المولود الكريم، وسماه جده محمداً بإلهام من الله.

    هل تعرفون الإلهام؟ الإلهام: هو أن يلقي في روعه أن يسميه محمداً.

    إذاً: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا [الضحى:6] ثم احتضنته أمه: آمنة الزهرية ، آمنة بنت وهب من بني زهرة.

    هذه المرأة العجب العجاب، آه! لو عاشت حتى بعث نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكن اختار الله لها ذلك. رأت عجباً في حملها للرسول صلى الله عليه وسلم وقد ولد صلى الله عليه وسلم مختوناً.

    وبلغنا الآن عن زعيم عربي يتخبط يقول: الرسول ما ختن ولا أمر بالختان، وإبراهيم ما اختتن، ويقول: هذه دسيسة يهودية، ويقول: إسماعيل ليس ابن إبراهيم أبداً، وإنما الله وهبه له كما وهب هارون لموسى. ويقول: خرافة، كذبة، كيف إبراهيم سيد الأنبياء يرمي بامرأته وطفلها في الصحراء؟! فأنكر وجود هاجر وإسماعيل في مكة.

    فماذا نقول؟!

    ويقول: لا إجماع، فكذب الإجماع في الإسلام.

    المهم أنا أرى أن على المؤتمر الإسلامي أن ينعقد فوراً وأن يطالب هذا الضائع ويستتيبه ثلاثة أيام، فإما أن يتوب وإما أن يعدم إلى جهنم؛ لأنه أنكر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وكذبها ولم يقل بها، ومن ثم يتخبط في القرآن تخبطاً عجباً، ويطبع الكتاب بالدار البيضاء بالمغرب، ويروج.

    والشاهد عندنا: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مختوناً، وهذه أمة الختان، والختان سنة واجبة، فكيف ينكره هذا الشخص؟ ما حمله على هذا؟

    إذاً: ثم توفيت والدته بعد أن كفلته ست سنوات، ثم كفله جده عبد المطلب سنتين فتوفي الجد، فكفله عمه أبو طالب .

    إذاً: عاش يتيماً. هذا الذي تقرره الآية: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا [الضحى:6].

    واليتيم: فاقد الأب، هذا هو الأصل. وإن قلت: فاقد الأم يتيم فإنه يتيم، لكن القضاء الشرعي أن فاقد الأب هو اليتيم؛ لأن الأب هو الذي يتولى حمايته وتعليمه والإنفاق عليه، أما فاقد الأم فيتيم في الحقيقة، ولكن شرعاً لا يقال فيه يتيم.

    إذاً: توفي والد الرسول قبل ولادته أو بعيد الولادة، وتوفي جده عبد المطلب في السنة الثامنة فكفالته كانت ما بين أمه وجده وعمه، وهؤلاء هم الكفلاء له صلى الله عليه وسلم: أمه، جده، عمه.

    إذاً: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى:6] نقول: بلى. والاستفهام للتقرير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووجدك ضالاً فهدى)

    قال تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7]، لا تفهم من كونه ضالاً أنه كان يعبد الأصنام، أو يتعاطى الخمر، أو يجلس مجالس الباطل، لا.. لا. بل هو معصوم من ساعة وجوده.

    وقد عرفتم من دراسة السيرة أنه مرة أراد أن يحضر عرساً من أعراس أهل مكة فألقى الله عليه النوم فنام قبلما يعد العدة ويرى الدفوف والمزامير، فنام حتى طلعت الشمس وأيقظه الحر، فلم ير امرأة ترقص ولم يسمع صوت المغنية.

    وحدث مرة أن سقط عنه رداءه فوقع كالمغمى عليه.

    إذاً: الضلال هنا معناه: ما عرف الطريق الموصل إلى الله، يشهد له قول الله تعالى من سورة الشورى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى:52]، ما كنت تعرف ما هو الكتاب ولا ما هو الإيمان. هذا معنى الضلال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووجدك عائلاً فأغنى)

    قال تعالى: وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:8] أي: أغناك. هنا توفي عبد الله والد رسول الله ولم يترك سوى خمسة جمال، وجارية هي أم أيمن بركة تعرفونها، ورثها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها تركة والده، ما ترك شيئاً غير هذا، وعاش في كفالة أبي طالب ، وسافر معه وهو في غنى عن أن يسأل الناس أو يحتاج إليهم، ثم تزوج خديجة لما بلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً، وحينئذٍ أصبح ذا مال بمال خديجة وهو في عافية، فأغناه الله عن أن يسأل الناس.

    ثم بعد ذلك أصبح له أولاد وعاش في مكة، وعاش في المدينة وما مد يده لأحد قط كما يقول صلى الله عليه وسلم: ( ليس الغنى من كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس )، فكل من لا يحتاج إلى الناس هو غني، وكل من يحتاج إلى الناس فهو فقير، فالذي يطلب ويشحذ أو يسرق ليأكل فقير، والذي لا يسأل ولا يطلب ولا ولا.. غني وإن كان لا يملك شيئاً، استغنى.

    هل بلغكم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مد يده لأحد؟ أو قال أعطني؟ لا. بل رهن درعه عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير، ولو قال لـعبد الرحمن أو الزبير أو فلان: أعطني؛ لأعطاه ما في بيته. إذاً: هذا هو الغنى.

    قال تعالى: وَوَجَدَكَ عَائِلًا [الضحى:8] أي: فقيراً فأغناك تعالى.

    الحمد لله! لو تفتشون أنفسكم تجدون هذه لكم أيضاً، وأنا والله وجدني يتيماً فآواني، ما عرفت والدي مات في السنة الأولى التي ولدت فيها فكفلني خالي وأمي، وجدني ضالاً ما كنت أعرف الكوع من البوع، ولا الخير من الشر.

    من علمنا؟ الله هو الذي هدانا، ووجدنا فقراء نأكل الشعير ونركب على الحمير فأغنانا، فما سألنا مخلوقاً قط. فالحمد لله!

    فليذكر أحدكم هذه ليحمد الله ويشكره؛ إذ التذكير بها مقصود لهذا الغرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر)

    قال تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى:9] أما كنت يتيماً؟ أليس كذلك؟ بلى. وهيأ الله لك من كفلك، حماك، رعاك، حفظك؟

    إذاً: إذا وجدت يتيماً فإياك ثم إياك أن تنس إنعام الله عليك ثم تذله أو تهينه أو تأخذ ماله أو تتعرض له بسوء.

    إذاً: يا من عاش يتيماً، وما أكثر اليتامى! اذكروا هذه النعمة، فقد أكفلكم الله الآباء والإخوان والأعمام والأمهات، فبناءً على هذا: إياكم أن تؤذوا يتيماً، لا في جسمه، ولا عقله، ولا ماله، وإياكم أن تهينوه

    أو تذلوه، أو تحتقروه، أو تستخفوا به؛ إذ ذلك كله يدخل تحت كلمة القهر فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى:9] قهره: أذله، أخذ ماله، استضعفه.

    هذه واحدة، والحمد لله ما أذللنا يتيماً قط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما السائل فلا تنهر)

    قال تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى:10] والسائل هنا طالب.. يسأل العلم.. يسأل مالاً، أو يسأل طريقاً، أو يسأل عن زيد أو عن فلان.

    من سألك يسترشدك.. يطلب العلم.. يطلب البيان.. يطلب الطعام.. يطلب المال فموقفك معه يجب ألا تنتهره.. ألا تزجره.. ألا تقول له كلمة قاسية يتأذى لها، فإن قدرت على العطاء فأعط، وإن عجزت فالكلمة الطيبة، أما إغلاظ القول والعبارة النابية القاسية كما يفعل عوامنا: أنتم ما تشبعون.. حالكم هكذا.. اذهب كذا.. فلا ،نسأل الله أن يطهر ألسنتنا منها.

    فلا تنتهره، قل: فتح الله عليك، يرزقك الله، وإن كان علماً فيجب أن تبين وتعلم، وهذا كله يدخل تحت: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى:10].

    سألك: أين بيت فلان؟ لا تقل: لا أدري. قل له: الطريق الفلاني يوصلك إلى كذا..

    أين يوجد المسجد؟ قل له كذا.. لأن كلمة سائل تعني أي طالب يطلب علماً، يطلب مالاً، يطلب بياناً، هداية، إياك أن تنتهره.

    وهذا وجه إلى رسولنا ونحن أحق به، نقرأ ونسمع ونتعلم، أما الرسول حتى لو ما أنزل عليه هذا والله ما يخالف هذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث)

    قال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11] وهنا النعمة اسم جنس، ومعناها: إنعامات ونعم، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34].

    إذاً: الرسول من نعم الله عليه: أولاً نعمة النبوة، الرسالة، الوحي، العلم الإلهي، فعليه أن يظهر ذلك بقراءة القرآن، بحفظه، بتعليمه، بشرحه، ببيانه، بحمد الله وشكره والثناء عليه.

    ويدخل في هذا الإنعام: نعمة المال، نعمة الجاه، نعمة السلطان، كل ذي نعمة ينبغي أن يحدث بها. أي: يعلن عنها ولا يخفيها ولا يجحدها.

    كيف حالك يا راضي ؟ الحمد لله أنا في خير.. الحمد لله أكرمنا الله.. الحمد لله أنعم الله علينا.. اللهم لك الحمد.

    أما كيف حالكم؟ نحن في بلاء.. في شقاء.. في كذا.. فلا يجوز والعياذ بالله.

    قصة زيارة إبراهيم لولده إسماعيل في مكة وبيان فضل شكر النعمة

    أذكركم بأمكم هاجر الذي نفى هذا الزنديق وجودها، قال: لا وجود لها، هاجر عليها السلام عاشت في مكة وتوفيت، وإسماعيل تزوج جرهمية، في ذلك الوقت لم تكن قريش ولا في.. تزوج جرهمية من قبيلة جرهم، فجاء إبراهيم يزوره من بيت المقدس يركب على ما يشاء الله.. البراق الذي ركبه الرسول من مكة إلى بيت المقدس إلى سدرة المنتهى .

    جاء الخليل يركب البراق من الشام يزور أسرته.. تركته في مكة، فجاء فوجد إسماعيل ذهب يصطاد الغزلان.. الظباء.. الطير خارج الحرم؛ لأنهم لا يعيشون إلا على الماء واللحم فقط، فمن يأتي لهم بالقمح من الشام؟ والتمر من يأتي به من المدينة؟ لا مواصلات ولا ولا.. فكانوا يعيشون على الماء واللحم، ولهذا أهل مكة الآن، الصالحون منهم، الأتقياء لو يعيشون على ماء زمزم واللحم يعيشون على أحسن ما يكون، والذين تغيرت طباعهم وقلوبهم بالدنيا ومفاتنها ما أظن ينفعهم الآن يمرضون فينقلون إلى المستشفيات.

    فلما دخل الخليل بيت ولده سأل زوجه: أين زوجك؟ قالت: ذهب يطلب لنا رزقناً. فقال: كيف حالكم؟ قالت: إننا في جهد.. إننا في بلاء.. إننا في تعب. هذه امرأة ولده إسماعيل.

    قال: اسمعي! إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولي له: غير عتبة بابك. أي: بدل عتبة الباب، فهي ليست صالحة، وعاد إبراهيم.. أوامر.

    وبعد يوم يومين جاء إسماعيل فكأنه تفرس شيئاً، فقال: هل زارنا أحد؟ قالت: نعم. قال: كيف شكله؟ قالت: كذا وكذا.. فقال: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم. قال لي: اقرئيه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه . قال: هذا أبي، وقد أمرني بطلاقك فالتحقي بأهلك. فجمعت ثيابها وخرجت.

    وغاب إبراهيم، وتزوج إسماعيل بأخرى، وجاء إبراهيم يتعهد تركته، فوجد إسماعيل خارج مكة يطلب الرزق.. يصطاد خارج الحرم، فسألها فقالت: إنا في خير.. إنا في رحمة.. إنا في نعمة.. إنا.. إنا.. كبعض المؤمنين والمؤمنات، فسر لذلك، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: يثبت عتبة بابه. وذهب، فجاء إسماعيل بعد يوم أو يومين فتفرس شيئاً فقال: هل زارنا أحد؟ قالت: نعم. فقال: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم. يقرئك السلام ويقول لك: ثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وقد أوصاني بالمحافظة عليك. هذه هي التي ولدت جد نبيكم.

    والشاهد عندنا: هو التحدث بالنعمة، فالمؤمن الصالح لا يقول: نحن في شقاء وفي بلاء وفي عذاب وتعاسة أبداً. وليس معنى هذا أن تقول: إنني أملك كذا وعندي كذا و.. هذا لا. هذا تفاخر.. هذه تؤذي بها قلوب المؤمنين والمؤمنات، ولكن قل: الحمد لله، نحن في خير.. رزقنا الله كذا.. أعطانا كذا.. له الحمد.. له المنة؛ يكون ذلك شكراً لله تعالى على ما أعطاك، أما أن تخفيه وتجحده فهذا هو الكفر.. كفر النعمة.

    وإذا قابلك الفقير انشرح صدرك له، طابت نفسك، أما إذا واجهك وأنت تشعر أنك في بلاء أو شقاء فكأنه صب عليك قنطاراً من الهم والكرب.. أساء إليك.

    إذاً: ومن أعطاه الله عز وجل شرفاً وسلطاناً وجاهاً أيضاً يحدث به، يشكر الله عليه، فيتوسط ويقضي حوائج المحتاجين.

    ومن أعطاه الله العلم -وهو الأصل- يجب أن يحدث به، فإذا حفظت حديثاً حدث به، وإذا تعلمت حكمة فعلمها، إذ هي نعمة الله عليك، حدث، وبهذا ينتشر العلم وينتشر الخير ويرحل الجهل ويموت الفقر.. في آية واحدة: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، ومن هنا يقول صلى الله عليه وسلم: ( من لا يشكر الناس لا يشكر الله ).

    ويقول المهاجرين للنبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله! ذهب الأنصار بالأجر؟ قال: لا. ما دعوتم لهم وأثنيتم عليهم ). احفظوها.

    ( قالوا: ذهب الأنصار بالأجر )، لأننا فقراء وهم أغنياء، يطعمون ولا نطعم.. يركبون ولا نركب.. كذا كذا.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا.ما دعوتم لهم الله )، قلتم: جزاكم الله خيراً! أحسن الله إليكم.. بارك الله في أموالكم.. زادكم الله من أفضله، وأثنيتم عليهم، قلتم: الفلانيون يكرموننا.. يحسنون إلينا، جزاهم الله خيراً أصبحتم وإياهم في الأجر سواء.

    وهذا هو التحديث بالنعمة فلا تكتمها ولا تجحدها، لا. ما داموا قد أحسنوا إليكم وأعطوكم من أموالهم فلا تقولوا: آه! ذهبوا بالأجر، الباب مفتوح، ادعوا لهم بالبركة والزيادة في مالهم وخيرهم، وأثنوا عليهم بذلك وحدثوا به يكون لكم الأجر مثلهم، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم: ( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه ).

    يهودي قدم للرسول آنية فيها لبن فشرب، فقال: ( اللهم بارك له في ماله وولده ). قلنا مرة: جزى الله أمريكا خيراً دفعت عنا البلاء. قالوا: كيف؟! كيف تدعو للكفار؟! وغضبوا في الشرق والغرب؛ لأننا أمة هابطة، نتصيد الهفوات فقط ، وأنا على علم: جزاهم الله خير. فإذا كان السيف على عنقي، أراد العدو يذبحني، جاء هذا الكافر وأبعد السيف فهل أقول: لعنة الله عليه؟!

    إذاً: ما أنا ببشري ولا آدمي، ما أنا بمسلم إذاً. وعلة هذا: الجهل يا عباد الله! القول بدون علم على الله. ولا يضرنا غضبكم إن غضبتم، فنحن ننظر إلى ذي العرش.

    وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11] علمنا الله من هذا: أن نشكر لذي الإحسان والفضل إحسانهم وفضلهم ولا نجحد ونتنكر.

    ثم أيضاً قلت لكم: جزاهم الله خيراً. أي: بالمال. أليس المال هو الخير؟ اقرءوا سورة والعاديات: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8] ما هذا الخير؟ الدينار والدرهم، اللهم أكثر أموالهم، إذ ما عندنا ما نكافئهم، أو عندنا شيء؟ إذا غزتهم بريطانيا نقاتل معهم؟! لا نستطيع، ما عندنا إلا جزاكم الله خيراً.

    ( من لا يشكر الناس لا يشكر الله ) خذوا هذا من أبي القاسم، فالذي ما عنده استعداد لأن يشكر من أحسن إليه لا يشكر الله، ووالله لكما قال رسول الله، فالذين لا يشكرون من أحسن إليهم لا يشكرون الله، لا يعرفونه ولا يسألون عنه؛ لأنهم ما قرءوا: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11].

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    خلاصة هذه السورة المباركة سورة والضحى: أن الرسول تألم كذا يوم لانقطاع الوحي، أو لما أشاع المبطلون من أن الله تركه وأبغضه وقلاه، فعزاه الله فأنزل هذه السورة العظيمة تحمل بشرى لا حد لها: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى:1-4] فلتكرب! فلتحزن! فلتذهب الدنيا كلها فلا قيمة لها أبداً بالنسبة إلى ما عندك من الدار الآخرة.

    ثالثاً: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ [الضحى:5] عطاء حتى ترضى، وصلوا عليه وسلموا، لما قال: ( كيف أرضى وأحد من أمتي في النار؟! )، فكانت بشرى لأهل التوحيد أنهم لا يخلدون في النار بهذه الآية.

    ثم ذكره بإنعامه عليه وإلطافه به: ألم يجدك كذا؟ ألم يجدك كذا؟ ألم يجدك كذا؟ بلى.. بلى. إذاً: اشكر، ابدأ باليتيم، كنت يتيماً فآواك، إذاً فاليتيم لا تقهره!

    كنت محتاجاً إلى العلم والمال فأعطاك؛ فأما السائل فلا تنهر!

    أنعم عليك بنعم يجب أن تشكرها فحدث بها، أعلنها، بينها، وهي: العلم والمال والجاه كما عرفتم.

    هذا هو الدرب الذي سلكه رسول الله بتعاليم الله عز وجل، فمن عرف الطريق ومشى مع رسول الله نجا، ومن جهل وضل فهو يتخبط في حيرته، ولا علة عندنا إلا الجهل، وقد قلت لكم: لو اجتمعنا مع الفلاسفة الأوروبيين وعلماء الاجتماع وعلماء النفس وسألناهم: ما سبب هذا الظلم.. هذا الشر.. هذا الفساد.. هذا البلاء.. هذا الخبث الذي عم الدنيا وملأها؟

    عللوا؟ هل يعرفون العلة؟ والله لا يعرفونها. والعلة: أنهم ما عرفوا الله، فلو عرفوه معرفة حقيقية لأحبوه، وحبهم يحملهم على طاعته والذوبان في عبادته وخدمته؛ ولكن العلة أنهم ما عرفوا، ونحن المجتمعات الإسلامية أعلمنا بالله أتقانا لله، أعلمنا بالله أكثرنا تقوى لله، أعرفنا بشريعة الله أكثرنا التزاماً بها.

    وفي هذه السورة انظر كيف يعلم الله رسوله، يذكره بالأحداث، ويقول له: قابلها بالشكر لا بالكفر، ونحن مطالبون بهذا.

    وصلى الله على نبينا محمد.