إسلام ويب

تفسير سورة التكاثرللشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإنسان الغافل اللاهي المعرض هو الذي يلهيه التكاثر وجمع حطام الدنيا على حساب الدين، فيجمع كل ما يقدر عليه ويستطيعه، ويضيع مقابله أمور دينه وفرائض الله التي فرضها عليه وشرائعه وحدوده، وهذا الغافل لو زار القبور حقاً وتدبر كيف يكون مآله ومعاده لكان ذلك سبباً للرجعة والأوبة والإنابة إلى ربه والتلذذ بما عنده سبحانه وترك فضول الدنيا وزينتها.

    1.   

    بين يدي سورة التكاثر

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن سورتنا الليلة لسورة مباركة ميمونة، إنها سورة التكاثر، وآيها إحدى عشرة آية.

    وقد اختلف أهل العلم في نزولها، فمنهم من يقول: إنها مكية، ومنهم من يقول: إنها مدنية، والغالب أنها مكية، ومرحباً بالمدنيات والمكيات على حد سواء.

    وتلاوة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:1-8].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر)

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! من المخبر بهذا الخبر: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:1-2]؟ الله. فهذا كتابه، هو الذي أنزل فيه هذا الخبر العظيم: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:1-2].

    معنى التكاثر

    ما هو التكاثر؟

    التكاثر: طلب الكثرة، من عنده ألف يريد ألفين، من لديه ثلاثة يريد أربعة، من لديه مليون يريد مليونين، والله لكما تفهمون وتسمعون، إلا الذين عالجوا واستأصلوا الزائدة، أولئك نجوا أما الإنسان على فطرته فهو هذا، واسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس ويقرأ هذه السورة ثم يقول: ( لو كان لابن آدم وادياً من ذهب لطلب الثاني، ولا يملأ قلب ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).

    إذاً: ألهاكم طلب الكثرة، فمن عنده سيارة يريد سيارتين، ومن عنده امرأة يريد امرأتين، ومن عنده عمارة يريد عمارتين، ومن عنده وظيفة يريد وظيفتين، فلا إله إلا الله!

    هذا الخبر من أخبر به؟

    أخبر به علام الغيوب، غارز الغرائز وطابع الطبائع.

    وهل هناك من يرد عليه؟ لا أحد.

    إذاً: هذا هو حال الإنسان الغافل.. الناسي.. المعرض.. الجاحد.. المعاند.. المادي.. الكافر، أما صفوة الخلق وزبدة وخلاصة البشرية من أولياء الله فلن يتصفوا بهذا الوصف، وأما غيرهم فهذا هو الواقع.

    ومن العجب! مررت بفندق عظيم جنوب المسجد النبوي فلفت نظري أن اسم الفندق اسم أعجمي .. أمريكاني أو فرنسي، فساءني ذلك المنظر!

    فبدل ما يطلقون على اسم هذا الفندق فندق خالد بن الوليد، فندق أنس بن مالك، نزل عمر بن الخطاب، نزل خديجة بنت خويلد؛ فيحيون ذكريات أصحاب الرسول .. بدل ذلك يعميهم الشيطان ويضلهم ويأتون بعلم على فندق في أمريكا أو إيطاليا ويجعلونه في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وأنتم لا تشعرون بشعوري؛ لأنكم ما فكرتم.

    كيف نحيي ذكريات أهل الباطل والشر؟! هؤلاء هم شر البرية، ولو كان هذا الاسم في جدة فلا بأس فيأتي الفرنسي والإيطالي وينزل في فندق يعرف اسمه، أما في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم .. روضة الجنة هذه فلا.

    ولكن ما سبب هذا؟

    الجواب: إنها الغفلة، الإعراض، طلب التكاثر .. ولو سماه: نزل الأبرار فإن ذلك يشرح الصدر، أما شيرتون! فآه ثم آه! يا لموجعات القلب!

    لا تلوموننا! هبطنا يا عباد الله!

    من يمد يده إلينا لينقذنا؟ من يقدر؟ لا أحد إلا الله.

    إذاً: لعل صاحب الفندق غداً يمحو هذا الاسم ويغير حتى الرخصة، وقد نجحنا مرة حيث كان هناك بنك كذا.. أمامنا بلوحة كهربائية أيام كنا في المظلة، فقلنا: عيب. أما نستحي؟ نتحدى الله والرسول والمؤمنين ونجعل لوحة كهربائية أمام المسجد باسم البنك الفلاني. والحمد لله أزالوها فهناك حياة وحياء، ولكن نحن مفلسون ومفرطون لا تذكير ولا وعظ ولا تنبيه ولا ولا.. مصروفون صرفاً عجيباً .. هذه حالنا.

    إذاً: إياكم أن تفهموا منكراً مما قلته، فأنا أحبهم ولا أكرههم وأريد لهم الخير وكلامي منطقي؛ فإن المدينة لا يأتيها ولا يسكنها ولا يزورها غير المؤمنين.

    إذاً: ينزل في المدينة المؤمنون والمؤمنات فلم لا يسمى النزل أو الفندق باسم صحابي؛ ليحيي قلوب المؤمنين؟

    أما أن نسميه باسم كافر والله ما يجوز.

    إذاً: هل بلغكم أن الرسول سمى صحابياً باسم كافر؟ لا. بل كان يعدل الأسماء.

    دلالات قوله تعالى: (حتى زرتم المقابر)

    ثم قال تعالى: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:2]. معنى هذه الآية: حتى متم ودخلتم القبور؛ ليلفت نظركم إلى أن موتاكم لا يقيمون في البقيع أبداً، فما هي إلا زيارة ومع السلامة فإما الملكوت الأعلى وإما سجين في الملكوت الأسفل.

    عجب هذا القرآن! الزائر يقيم ولا يخرج؟ إذا زاركم ضيف هل يبقى دائماً ويقال فيه زائر؟ لا. بل يقال فيه: مقيم، نازل.

    أعيد فأقول: لم يقل حتى دخلتم المقابر أو حتى متم بل قال: زُرْتُمُ [التكاثر:2]. فكيف ذلك؟

    نزور المقبرة ونعود إلى بيوتنا عندما نكون أحياء، وكذلك إذا مات أحدنا فما هي إلا محنة القبر المحدودة ثم إن كانت الروح زكية طاهرة نيرة يعرج بها إلى الملكوت الأعلى وتنزل منازل الأبرار في عليين حيث ديوان الأرواح هناك، وكتاب اسمه عليون، وإن كانت من أرواح الأخباث الشياطين.. الكافرين.. المشركين.. المجرمين.. الظالمين.. الفاسقين فما هي إلا محنة القبر ثم تنتقل إلى سجن يقال له: سجين، في الدركات السفلى من الكون، لا يعرف مدى ذلك إلا الله.

    حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:2] أي: حتى متم ودفنتم وأنتم مصرين ملازمين على حب الكثرة.

    لم حب هذا التكاثر؟ للتفاخر، فلان يملك كذا، فلان عنده كذا، فلان كذا، كما تشاهدون من الغافلين المؤمنين، يتبجح أحدهم فيقول: عندنا كذا.. نملك كذا، إلا ما كان من واعظكم، فأنا أصبحت أكشف الستار ليكون موعظة، الآن أنا في طريقي إلى الله فلا تخافوا، وإن قلتم: يتمدح ويتبجح، فقد قالوا: عميل وذنب، وقولوا مثلهم، فأنا أقول: والله العظيم! لأستحي أن أقول: بنيت داراً. أعد نفسي كاذباً أن بنيت داراً؟ لا أستطيع أن آتي حتى بالماء والطين، فأقول: بنى الله لي هذا المنزل؟!

    أستحي أن أقول: بنيت داراً، وأنتم تقولون: بنينا وبنيت، ولا حرج، وما هو بحرام ولا.. لكن الشعور الحقيقي: أنت لن تبني لولا أن الله بنى لك.

    إذاً: حب الكثرة والتكاثر يجعل الغافل المجذوب بجاذبية حب الدنيا يستمر إلى أن يدخل المقبرة ويخرج منها لا يقلع ولا ينتهي ولا ينتبه، ولو انتبه في الطريق وقطعه وعاد فلا بأس، لكن المشكلة أن يستمر إلى أن يموت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف)

    ثم قال تعالى: كَلَّا [التكاثر:3] هذه الكلمة كالصفعة على الوجه .. كلمة ردع كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر:3] أيها المتكاثرون المستمرون في طلب الكثرة إلى الموت، فما تبتم ولا رجعتم ولا ندمتم ولا تقهقرتم.

    سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر:3] عاقبة جمع المال من الحرام .. عاقبة جمع المال من غير الطرق المشروعة لا لشيء، لا للضيافة ولا للإحسان ولا لإكرام الخلق ولكن فقط للمباهاة والفخر فتقولون: نملك كذا وعندنا كذا وكذا.

    سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر:3] والله ليعلمون، فالمخبر بهذا هو الذي يملك كل شيء بيديه.

    ثم أعاد أيضاً الصفعة فقال تعالى: ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر:4] أي: بمجرد أن يلقى في الحفرة تنكشف الستور ويعرف الحقيقة كما هي، يعرف خطأه وزللـه، وغفلته وإعراضه، فقد انتقل من الحياة الدنيا إلى الحياة الخالدة الباقية فيشاهد آثار ذلك ويعلم علم اليقين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلا لو تعلمون علم اليقين)

    ثم قال تعالى: كَلَّا [التكاثر:5] ردع آخر لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر:5] يا راضي ! لو تعلمون علم اليقين لذبتم وتحللتم! لو يوضع المال في جيبك ترفضه ولا تقبله.

    كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر:5]. وسيأتي يوم -وهو قريب- يخرج أحدنا بطبق الذهب فلا يجد من يقبله .. يخرج بالذهب والدنانير فلا تؤخذ!

    وعلامات الموت لاحت .. آيات الساعة تجلت فإذا طلعت الشمس من مغربها لا تجد من يقبل الدنيا؟ انتهت.

    إذاً: لو تعلمون العلم اليقيني لتغيرت أحوالكم!

    ونحن عباد الله نعلم علماً يقينياً أن هناك عذاباً وأن هناك نعيماً هو ثمرة الكسب والعمل والإيمان.

    لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر:5] لعدلتم عن هذا السلوك .. لغيرتم طباعكم، ولحولتم أموالكم إلى بيوت الله .. إلى الإنفاق في سبيل الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، وتصدقت فأمضيت). وما تركت بعد ذلك فهو مال الناس.

    هذه مصارف المال الثلاثة التي ينتفع بها العبد والباقي والله ليس لك بل للورثة.

    تقول: مالي مالي ولا مال لك إلا ما أكلته فأفنيته في الأكل والشرب، أو لبسته فأفنيته في اللباس، أو تصدقت به وادخرته ليوم القيامة .. أمضيته عنك، وما بقي فهو للناس، يموت المرء وينقلونه إلى البقيع ويخرج معه ثلاثة: ماله وأهله وعمله، فيعود المال والأهل ويبقى العمل.

    إذاً: هذه الآيات نفعت .. كونت قلوباً واعية، بصائر متفتحة، رجالات أنفقوا أموالهم في سبيل الله، ولا تظنوها كما هي الآن نقرأها على الموتى بل نفع الله بها خلقاً كثيراً.

    وإن كنتم تريدون صورة فانظروا إلى هذه الصورة في هذا التلفاز الحقيقي: هذا معاوية رضي الله عنه وأرضاه كاتب وحي رسول الله .. صهر الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم لما ولي معاوية الخلافة كانت أمنا عائشة رضي الله عنها لا زالت موجودة؛ لأنها صغيرة، وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وعمرها ثماني عشرة سنة، فبعث معاوية إليها بأموال، وحق له أن يبعث وقد تدفقت الأموال على البلاد الإسلامية.

    بعث إليها أموالاً وكانت صائمة لله يوم قيض وحر في هذه الحجرات، فلما وضعت الأموال من الذهب والفضة أمامها، أمرت خادماتها أن توزعه من بيت إلى بيت بلا عد بل بالحفنة، فلما جاء الليل قدمت لها خادمتها خبزاً جافاً بدون زيت، فقالت: آه! لو تذكريني لاشتريت لنا بدرهم زيتاً.

    هذه أم المؤمنين عائشة ولو اجتمع أهل الأرض كلهم ما كانوا مثلها وما بلغوا منزلتها، فيكفيها أنها حب رسول الله وزوج رسول الله، بنت الصديق .

    وقد نزل فيها قرآن يتلى .. سبع عشرة آية، وكانت تصوم وتوزع الذهب على الفقراء والمساكين من بيت إلى بيت وتتعشى الخبز الحاف، وتأسف أنها ما تفطنت ولو ذكرت لأمرت بريرة أن تشتري بدرهم زيتاً.

    فهل عرفتم سكان السماء؟ وهل نحن نستطيع أن نرقى هذا الرقي؟

    عباد الله! هذا الكتاب أحيا الله به قلوباً ميتة، ورفع به خلقاً كثيرين إلى الملكوت الأعلى، فإنه يقرأ على الأحياء لا على الموتى.

    لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر:5]، لتغيرت نظرياتكم في الحياة، وتبدل وضعنا، وأصبحنا لا نتكاثر، ولا نرغب في الكثرة، بل ندفعها، وعلى الأقل لا نطلب المال بالتلصص والإجرام والخيانة وخلف الوعد والكذب والغش والخداع. فهذا المستوى أقل مستوى: اجمع، احرث، كن مزارعاً، لكن فقط لا تجمع المال من الربا والزنا والدعارة والكذب والغش والخيانة والرشوة و.. و.. و..

    وقد وخمت الدنيا بالخبث بسبب حب الناس للدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لترون الجحيم ...)

    ثم قال تعالى: لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ [التكاثر:6] هذه اللام موطئة للقسم .. يسبقها يمين: وعزتنا وجلالنا لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:6-8]. أيها الغافلون! لا تظنوا أنكم أحرار تعيشون كما تشاءون وتأوون إلى حيث تشاءون، والله لترون الجحيم.

    المشركون.. الكافرون.. الظالمون.. المجرمون يرونها، ويدخلونها ويحيون فيها ويعيشون بليارات السنين!

    والمؤمنون من أمثالكم والصالحون يرونها في عرصات القيامة ولكن لا يدخلونها، قال تعالى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ [الشعراء:91].

    إذاً: فهذا القسم إلهي، أي: وعزتنا وجلالنا لترون الجحيم!

    والجحيم علم على دركة من دركات عالم الشقاء النار.

    ثم قال تعالى: ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر:7] ثم بعد ذلك وأنتم في عرصات القيامة .. في ساحة القضاء .. أمام المحكمة لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8]، أي: لتسألن عن النعيم: من أين جاء هذا النعيم؟ من بيع الحشيش أم من ماذا؟

    من أين جاءهم النعيم؟ يسأل عن النعيم الذي كان فيه هل هو من القوادة والبغي والفجور؟

    من أين هذا النعيم؟ من التلصص والإجرام؟ من سلب الأموال من الطائفين حول البيت؟

    وهكذا.. تسألون. ومن سئل واستنطق أمام العدالة لا يستطيع أن يخفي شيئاً، يحاول ولكن لا يستطيع يسكت فتتكلم الجوارح، ويحاول أن يلف ويدور كما يفعلون الآن في المحكمة؛ فيختم الله على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم.

    سبحان الله! هذا القرآن يا أبنائي يقرأ على الموتى؟ أليس حرام هذا؟ أما نستحي من الله؟

    هذه المعارف والعلوم الإلهية تحول للموتى فتقرأ عليهم؟!

    أكثر من ثمانمائة عام والمسلمون يقرءون القرآن على الموتى، فهل نزل هذا ليقرأ على الموتى؟!

    لو كانت هذه القراءة في البيوت والمساجد وفي الأماكن التي يتجمع فيها المسلمون لم يبق جاهل ولا ظالم ولا أعمى ولا فاسق، فهذا هو الدواء.. هذا هو النور، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء:174] ومن يعيش على هذا النور لا يقع في حفرة، ولا يجلس على ثعبان، ولكن العدو حولنا من المسجد إلى المقبرة، حول النور إلى المقبرة، ويقول لنا: اقرءوا القرآن على موتاكم يدخلون الجنة.

    ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ [التكاثر:8] من السائل سوى الله؟ لا أحد سوى الله. عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8].

    ما النعيم؟ الطعام اللذيذ، الماء البارد، السكن، المركوب، الأمن والفراغ، قال صلى الله عليه وسلم: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) هذا حديث.

    ويشرح هذا حقيقة: أنه في أيام الصيف جاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وخرج: هل من طعام؟ لا شيء، فذهب إلى المسجد وجلس، فدخل أبو بكر إلى أهله: هل من طعام؟ قالوا: ما عندنا. فذهب فجلس إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدخل عمر على أهله: هل من شيء؟ قالوا: لا شيء. فخرج فجلس في المسجد، فسألهم الرسول عما جاء بهم في هذا الوقت، أو أنهم سألوه؟ فقال: جاء بي الذي جاء بكم -يقعد في بيت ضيقة وحارة والماء ساخن ولا طعام- ثم قال صلى الله عليه وسلم لهما: هيا بنا إلى منزل عبد الله بن التيهان فمشوا ثلاثتهم، فقرعوا الباب -باب البستان- فأهلت السيدة ورحبت وجلسوا في الظل: أين عبد الله بن التيهان ؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء -الماء الذي في بستانهم مالح وليس عذباً وتوجد آبار أخرى عند الآخرين عذبة- وما إن جاء يحمل الماء وإذا به يرى برسول الله وصاحبيه فكاد يطير من الفرح، فقال: الحمد لله، مرحباً بضيفي، مرحباً برسول الله، وقام فجذ عذقاً أو عذقين بسر ورطب ووضعه بين أيديهم فطعموا وأخذ السكين أو المدية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إياك والحلوب ) أي: تجنب الحلوب، أي: لا تذبح التي تحلب، فذبح الشاة، وهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم للجماعة وهم يأكلون البسر والرطب: ( إن هذا لمن النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، وقرأ عليهم هذه الآية: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8] ).

    البسر والرطب والماء البارد نعيم.. الفراغ والعافية والأمن نعيم، ووالله إننا لفي نعيم لا نستطيع أن نقدره!

    حتى الفقير الذي لا عمل له والله لفي نعيم:

    أولاً: آمنون، ليس هناك من يؤذينا ولا يلدغنا ولا يلسعنا ولا يسبنا ولا يشتمنا ولا يزعجنا، فنحن آمنون كأننا بالجنة .. فراغ .. لا جهد، فنحن لا نبذل طاقاتنا ليل نهار .. ثم لا تسأل، ففاكهة الشتاء عندنا في الصيف، وفاكهة الصيف عندنا في الشتاء .. الماء في الحيطان كما يتفجر في الجنة دار السلام.

    أقول دائماً: إن لم يكن لنا ذنب لا زنا ولا ربا، لا غش ولا كذب ولا خداع ولا ترك واجب، فحسبنا أننا ما شكرنا هذه النعمة.

    نعم. لو نظل طول الليل نحمد الله لا نوفي هذه النعمة .. على الأقل ما نحزن، ما نكرب فنحن في نعيم، ولو تجري اختباراً لنا، لوجدت أن (75%) في نفوسهم آلام وكروب وحزن بلا شيء، وأنا على علم بذلك، ما في انشراح صدر ولا طمأنينة ولا رضا ولا حب الله ورسوله والدار الآخرة، ولا الملكوت الأعلى، أبداً، فهم في كروب متوالية.

    ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8] والنعيم ليس قصوراً فقط وحوراً، بل الخبز نعيم، حفنة التمر نعيم، كأس ماء بارد نعيم، ثوب يسترك نعيم، فاحمدوا الله واشكروه وأثنوا عليه خيراً.