إسلام ويب

تفسير سورة نوح (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أرسل الله عز وجل نوحاً إلى قومه يدعوهم إلى التوحيد، ولبث في هذه الدعوة تسعمائة وخمسين عاماً، استخدم معهم شتى الوسائل لعلهم يتوبون وإلى ربهم يرجعون، فدعاهم بالليل والنهار، ودعاهم في السر والإعلان، ورغبهم بما عند الله من الفضل والكرامة، ورهبهم بما أعدَّه الله للمكذبين من الخزي والندامة، لكنهم استمروا في الغي وتمسكوا بالباطل، فاستحقوا العذاب الأليم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه ...)

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه, ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: ها نحن الليلة مع سورة نوح عليه السلام، وهي مكية, وآياتها ثمان وعشرون آية، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوة بعض هذه الآيات، ثم بعد ذلك نتدارسها.

    بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [نوح:1-4].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جلّ ذكره: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا [نوح:1] نوح هو أول رسل الله، ولم يسبقه إلا أنبياء، وقد كان بينه وبين آدم عدد يصل إلى الثمانية والتسعة من أولاد آدم، ولكنهم ما أرسلوا برسالة كما أرسل بها نوح، فهو أول الرسل, وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم.

    وهو نوح بن لامك بن متشولخ بن أخلوق، وأخلوق هو إدريس النبي عليه السلام، وبعد إدريس ثلاثة آباء, ثم بعدهم شيث بن آدم عليه السلام. وكانت المدة بين نوح وآدم عشرة قرون فقط.

    قال تعالى هنا: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [نوح:1] وقومه البشرية كلها يومئذٍ، ولهذا لما أغرقهم الله بذلك الطوفان ما بقي أحد إلا من كان مع نوح في السفينة, وكانوا فقط نيفاً وثمانين رجلاً وامرأة.

    قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [نوح:1] وقد أرسله إليهم وبعث به إليهم لأنهم أشركوا بربهم، فعبدوا مع عبادة الله الأصنام وأشركوا. وهذه الأصنام كانت في الحقيقة أولياء صالحين، وهم يغوث ويعوق وود ونسر وسواع، فقد كانوا من صالحي عباد الله، وكانوا لما يتوفى أحدهم يزين الشيطان للقبيلة التي هو فيها والجماعة أن يضعوا له صورة تذكرهم به، فما كان منهم إلا أن وضعوا خمسة أصنام بأسماء أولئك الأنبياء، حتى جاء جيل مات فيه العلماء وما بقي فيهم من يعلم فإذا بهم يعبدونهم كما يعبدون الله، فلما عبدوهم مع الله أراد الله إنقاذهم من هذا الباطل والمنكر؛ ليكملوا ويسعدوا، فبعث إليهم رسوله نوحاً عليه السلام، كما قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ [نوح:1], لأنهم تهيئوا لعذاب الله في الدنيا وفي الآخرة، فهم قد عبدوا الأصنام، وتركوا عبادة الرحمن، وفسدوا وظلموا, وأصبحوا أهلاً للإنقاذ، فإما أن يتوبوا، وإما أن يهلكوا. ولذلك قال تعالى لنوح: أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [نوح:1]. وعذاب الدنيا هو الطوفان الذي أصابهم، وعذاب الآخرة أكثر ألماً.

    هكذا أرسل الله تعالى عبده ورسوله نوحاً عليه السلام وقال له: أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [نوح:1]، أي: أنذرهم وخوفهم العذاب الذي يأتيهم؛ حتى يعبدوا الله وحده, ولا يشركوا به، ويعبدوه بما شرع من العبادة، لا بما زينت الشياطين، وحسنته الأهواء. فلا يُعبد الله بما شرع، وأنت رسول الله إليهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال يا قوم إني لكم نذير مبين)

    قال تعالى حاكياً أن نوحاً عليه السلام قال لقومه: قَالَ يَا قَوْمِ [نوح:2]! فناداهم بقوله: يا قوم! إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [نوح:2]، أي: إني لكم من الله نذير مبين, فقد بعثني إليكم, وأرسلني إليكم نذيراً بين النذارة، وليس في نذارتي شك أبداً، ولا غموض ولا غباء، وإنكم على باطل؛ فإنكم تعبدون الأصنام والأحجار، ولا تعبدون الله الرحمن, الخالق الرازق, المدبر الحكيم، فأنتم في ضلال مبين، فاعبدوا الله واتقوه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون)

    قال تعالى حاكياً أن نوح قال لقومه: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:3]. فأولاً: اعبدوا الله عز وجل بما شرع، وثانياً: اتقوه وخافوه ولا تعصوه، ولا تخرجوا عن طاعته، ولا تعبدوا الأصنام والأحجار والشهوات، وثالثاً: أطيعوني أنا؛ حيث أوجهكم إلى ما فيه خيركم وصلاحكم، وطاعتي من طاعة ربي، فالله يأمرني بكذا, وأنا أبلغكم؛ لتفعلوا أو لتتركوا, فطاعتي واجبة. وهكذا فطاعة الرُسل من طاعة الله. وفي سورة النساء كلمة عجيبة, فهو يقول تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69] محمد صلى الله عليه وسلم, وسواء كان المطيع أبيض أو أسود .. عربياً أو عجمياً، أو من أي بني آدم فالجزاء فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69]. وهذا والله بشرى خير من الدنيا وما فيها. فقال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69] محمد صلى الله عليه وسلم فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69].

    فيا أيها المستمعون! من أراد منكم أن يكون في مواكب النبيين والصديقين في الجنة فليطع الله والرسول.

    وهنا قال نوح لقومه: يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [نوح:2-3] أولاً، وَاتَّقُوهُ [نوح:3], ولا تعصوه ولا تعبدوا غيره، وَأَطِيعُونِ [نوح:3] فيما آمركم به وأنهاكم عنه؛ لأني آمر بأمر الله، وأنهى بنهي الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ...)

    قال تعالى مخبراً أن نوحاً قال لقومه: إنهم إن آمنوا به فالجزاء والمثوبة المقابل للإيمان والتقوى والطاعة: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [نوح:4]. ولم يقل: يغفر لكم ذنوبكم, بل قال: مِنْ ذُنُوبِكُمْ [نوح:4]. وأحسن ما تسمعون في هذا: أن ما كان معصية لله والرسول فبالتوبة يغفر، ولكن ما كان من أخذ مال الغير والاعتداء على الغير وقتل نفس الغير فهذا ما يغفر. فلما تتوب توبة نصوحاً يغفر لك كل ذنب أذنبته، اللهم إلا ما كان من حقوق الناس, فلا بد لك من أن يتنازلوا لك. فإذا تبت يا عبد الله! فقل لفلان: لقد سببتك أو شتمتك, فسامحني، أو أخذت منك ألف ريال فخذه، وإن لم يكن عندك لترده فقل له: سامحني فما عندي ما أرده.

    فإذا تبت يا عبد الله! تاب الله عليك, وقبل توبتك، ومحا ذنوبك، لم يبق إلا الشيء الذي يتعلق بالناس، فإن كنت آذيتهم أو ظلمتهم أو أخذت أموالهم أو انتهكت أعراضهم فهذا ما يغفره الله، بل يجب عليك أن تطلب منهم المغفرة، وتطلب السماح والمعذرة ممن آذيتهم وممن أكلت مالهم؛ حتى تتم توبتك. ومن هنا قال تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [نوح:4]. ولم يقل: ذنوبكم كلها. فإذا كنت لا تصلي ثم صليت تاب الله عليك، وإذا كنت تزني وتبت فقد تاب الله عليك، وإذا كنت لا تصوم ثم صمت تاب الله عليك، ويغفر لك، اللهم إلا حقوق الغير، فيجب أن تبطلها أنت، وتعتذر من صاحبها, كأن تقول له: يا فلان! أنا كنت جاهلاً وأكلت من مالك كذا، فسامحني أو خذ بدله، أو أن تقول: يا فلان! كنت جاهلاً فضربتك, فهذا وجهي, فاصفعني كما صفعتك. وهكذا حتى تتم مغفرة الذنوب كلها.

    هكذا قال نوح عليه السلام: يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [نوح:2-3] وحده, ولا تشركوا به غيره، وَاتَّقُوهُ [نوح:3], ولا تعصوه ولا تخرجوا عن طاعته، وَأَطِيعُونِ [نوح:3]؛ لأني رسول الله, أبلغكم ما يأمر الله به وينهى عنه. والجزاء مقابل هذه الثلاثة: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [نوح:4] أولاً، وثانياً: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [نوح:4]. وما يهلكهم في الدنيا، بل يؤخركم إلى نهاية أعماركم وآجالكم، وما يستعجلكم بالعذاب. ولو تابوا ورجعوا إلى الله واستجابوا لدعوة نوح ما كان ينزل بهم الطوفان, ولا يغرقون ولا يهلكون, بل يبقون إلى أن تنتهي أعمارهم، كما قال تعالى: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [نوح:4] في كتاب الله.. كتاب المقادير.

    ثم قال: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ [نوح:4]. فأجل الله إذا جاء والله لا يؤخر، لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [نوح:4]. فعجلوا بالتوبة. فـ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [نوح:4] لتبتم ورجعتم إلى الله، وتخليتم عن عبادة الأصنام، وعبدتم الرحمن، ومشيتم ورائي وأطعتموني، وأنا أهديكم وأبين لكم الطريق. هذه وقفة من وقفات نوح عليه السلام مع قومه، وله بعدها وقفات كثيرة, ونرجئ ذلك إلى غدٍ إن شاء الله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: تقرير النبوة المحمدية, إذ الذي أرسل نوحاً ] لا عجب أن [ يرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ومن شاء إلى من شاء ] وما دام تعالى قد أرسل رسولاً من قبل فلا ننكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. هذا أولاً. ففي هذه الآيات تقرير النبوة المحمدية، وأن محمداً رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وثانياً: لولا أنه رسول لما أمكنه أن يقول هذا, ولا أن يقص هذا القصص, ولكن جاءه بها الوحي الإلهي.

    [ ثانياً: تقرير التوحيد، إذ نوح أرسل إلى قوم مشركين؛ لإبطال الشرك، وتحقيق التوحيد ] فيا عباد الله! ويا أهل لا إله إلا الله! لا تقبلوا بقلوبكم أو وجوهكم على أحد إلا على الله، فلا تدع ولا تستغث ولا تستعذ ولا تناد إلا الله فقط. ويا عباد الله! لقد أهلك الله قوماً بكاملهم وأغرقهم؛ لأنهم عبدوا معه غيره. فعلينا ألا نعبد إلا الله، ولا تقل: يا سيدي عبد القادر ! ولا يا مولاي إدريس ! ولا يا فاطمة ! ولا يا فلانة! ولا يا سيدي فلان! ولا يا مولاي فلان! فهذه كلها والله من الشرك بالله. فلا تناد إلا الله، ولا ترفع صوتك إلا بالله، ولا تحلف إلا بالله، ولا ترفع كفيك إلا إلى الله؛ حتى تنجو من هذه الفتنة، فتنة الشيطان الذي يريد أن يغوي الناس ويفسدهم؛ ليدخلوا النار معه.

    [ ثالثاً ] وأخيراً: [ تقرير معتقد القضاء والقدر, لقوله: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [نوح:4], أي: في كتاب المقادير ] فقبل أن يخلق الله الخلق كلهم خلق القلم، وقال: ( يا قلم! اكتب، قال: ماذا أكتب؟ قال: اكتب كل ما هو كائنٍ إلى يوم القيامة ). فمجلسنا هذا والله كما هو مكتوب، وحركة يدي هذه والله كما هي مكتوبة. فآجالنا والله مكتوبة، وأن هذا يعيش كذا، وهذا كذا، وهذا يموت بكذا، وهذا بكذا. فالآجال مسماة ومحدودة. وهذا هو القضاء والقدر. فهو ركن الإيمان، ومن لم يؤمن به فما آمن بالله ولا بلقائه، ومظاهر ذلك بينة واضحة، ولو تجتمع البشرية كلها على أن تزيد في عمرك ساعة والله ما تستطيع، ولو يجتمع كلها على قتلك والله ما يقدرون, إلا إذا كان ذلك مكتوباً في كتاب المقادير، وبذلك انتظم الكون مئات الآلاف من السنين، ولولا هذا النظام لخربت الدنيا. فعلينا أن نؤمن بالله وبقضائه وقدره. وقد قال نوح: يُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [نوح:4]. وهو الأجل الذي كتبه لكم.