إسلام ويب

تفسير سورة الإنسان (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اشتملت هذه السورة على جملة مما أعدّه الله لعباده الصالحين، وما سيلاقونه من نعيم في جنة عرضها السماوات والأرض، إذ فيها السرر ذات الحجال والهواء العليل، الذي لا تكدره برودة أو حرارة، والثمار القريبة التي ينالها القائم والقاعد والمضطجع، والآنية الذهبية والفضية، وغيرها مما خبأه الله لعباده المؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الأمسيات الربانية ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الإنسان المدنية، قال تعالى: مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان:13-22].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هيا بنا نقض هذه الدقائق مع أهل الجنة، ووالله لكأننا نشاهدهم، فمن هم أهل الجنة؟ المؤمنون المتقون، الذين آمنوا حق الإيمان، واتقوا ربهم فلم يعصوه، ولم يتركوا واجباً أوجبه عليهم، ولم يفعلوا محرماً حرمه عليهم، فأولئك هم الأبرار، وألئك هم المؤمنون المتقون، وأولئك هم أولياء الله عز وجل، وولي الله هو كل مؤمن تقي، يقول الله تعالى: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ).

    ومن عجيب الفتن والغرائب: أن زمناً مر بالمسلمين لا يرون ولياً بينهم إلا الذي مات ودفنوه، وبنوا على قبره القبة فقط! ومن ثَمَّ يزني بعضهم بنساء بعض، ويسرق بعضهم مال بعض، ويسب بعضهم بعضاً، ويشتم بعضهم بعضاً، ويضرب بعضهم بعضاً؛ لأنهم لا يفهمون أنهم أولياء لله تعالى، والله يقول: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، وولي الله -كما ذكرنا- هو كل مؤمن تقي، آمن واستقام، فلم يترك ما أوجب الله تعالى، ولم يفعل ما حرم الله تعالى، فقيراً كان أو غنياً، لكن مع الأسف حصروا الولاية في أهل القبور، ومن لطائف ما كررته: أنه في أيام صبانا كنا نجلس مع بعض الكبار، فقال أحدهم: فلان إذا زنى لا يمر بالمكان الفلاني؛ لأن السيد الفلاني هناك! فهو يستحي ويخاف من هذا الولي الميت أن يمر بين يديه! وإن قلت: كيف هذا؟ قلنا: الجواب: أما استعمرتكم أوروبا؟ أهانتكم وأذلتكم؟ ثم هل أولياء الله يهانون ويذلون؟ والله ما يهانون ولا يذلون، لكن سلبت الولاية سلباً كاملاً وحصروها في بعض الأموات والعياذ بالله تعالى، وما زال هذا الجهل مخيماً إلى الآن في بعض البلاد.

    قال تعالى عن الأبرار: مُتَّكِئِينَ فِيهَا [الإنسان:13]، أي: في الجنة دار السلام، عَلَى الأَرَائِكِ [الإنسان:13]، وهي الأسرة عليها الحجال، لا يَرَوْنَ فِيهَا [الإنسان:13]، أي: في الجنة، شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا [الإنسان:13]، أي: لا شمساً ولا برداً شديداً، والزمهرير هو البرد، وإذا نفى الشمس نفى القمر أيضاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلاً)

    قال تعالى: وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا [الإنسان:14].

    وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا [الإنسان:14]، أي: أن ظلال أشجار الجنة قريبة منهم، والنخلة -والله- لا تستطيع أن تتصور من أين نبتت؟ أغصانها وجريدها كلها من أبدع وأحلى ما يكون، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ [الإنسان:14]، أي: على الجنة، ظِلالُهَا [الإنسان:14].

    ثم قال تعالى: وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا [الإنسان:14]، أي: أن صاحب الجنة وهو جالس يدنو منه الغصن فيأخذ منه التفاحة أو العنب، ولا يشقى ولا يقوم ولا يتعب في ذلك، وإنما قطوفها دانية قريبة منه، لكن الآن لو تقتطف عنقوداً من العنب أو من النخيل تحتاج إلى عمل وتعب حتى تحصل على ذلك، لكن ثَمَّ دار نعيم، قطوفها دانية، وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا [الإنسان:14]، أي: أهانها الله وأذلها تذليلاً لأهل الجنة، إذ إنهم يتناولونها وهم جالسون وهم نائمون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا)

    قال تعالى: وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا [الإنسان:15].

    وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان:15]، أي: ويطاف عليهم الخدم الذين يخدمونهم بألوان من الطعام، وهم ملائكة لا يشيبون ولا يهرمون، بل كأنهم الغلمان، فيقدمون لهم الطعام والشراب، ولا تحتاج إلى أن تقول: يا فلان! أعطني ماء ًفأنا عطشان أو ظمآن، ولا أعطني طعاماً فأنا جائع، وإنما تقول: سبحان الله يحضر كل ما تشتهي، دَعْوَاهُمْ فِيهَا [يونس:10]، ما هي؟ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ [يونس:10]، إذا أرادوا أن يطلبوا طعاماً أو شراباً أو كساء لا يزيدون عن كلمة: سبحانك اللهم، فيحضر كل ما يشتهي، إذ تحضره تلك الملائكة الخدم، وإذا شبعت وفرغت والله ما تقول: خذوا عني هذه الأواني، أبعدوا عني هذه الكئوس، وإنما تقول: الحمد لله. فلا يبقى إناء أمامك، وهذه بعض آية من سورة يونس عليه السلام المكية، إذ قال تعالى: دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10]، فهذه هي الجنة، فعندما ترغب وتشتهي فقل: سبحانك اللهم. فيحضر كل ما تريد، فإذا فرغت فقل: الحمد لله، أما التحية في الجنة فيحييهم ربهم وتحييهم الملائكة بالسلام.

    وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ [الإنسان:15]، وأكواب جمع: كوب، كَانَتْ قَوَارِيرَا [الإنسان:15]، وقوارير جمع: قارورة، وهي من زجاج، يعني: أن تلك الكؤوس أو الأكواب نظيفة بيضاء ظاهرها كباطنها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قوارير من فضة قدروها تقديراً)

    ثم قال تعالى: قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [الإنسان:16]، أي: تلك القوارير، وتلك الأواني، وتلك الكؤوس مقدرة تقديراً عجيباً بحيث يقدم لك الكأس فلا يفضل منه شيء، ولا ينقص منه شيء، وإنما بمقدار ما تتناوله، قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [الإنسان:16]، فيقدم لك الكوب بما فيه من ماء أو عسل أو لبن ليس فيه زيادة عن حاجتك ولا نقصان، وإنما مقدر تقديراً، وموزون وزناً عجيباً ودقيقاً، فسبحان الله العظيم!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً ...)

    ثم قال تعالى: وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا [الإنسان:17]، والزنجبيل في الدنيا رائحته طيبة، فكذلك رائحة ذلك الماء في الجنة كالزنجبيل، لكن ليس كزنجبيل الدنيا.

    ثم قال تعالى: عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا [الإنسان:18]، أي: عين في الجنة تسمى السلسبيل، والسلسبيل هو ماء في الجنة جارية دائماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون...)

    قال تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا [الإنسان:19].

    وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ [الإنسان:19]، أي: ويطوف عليهم ولدان ذاهبون آيبون، فيخدمون أهل الجنة ليلاً ونهاراً، فيقدمون لهم كل ما يشتهون، وغلمان جمع: غلام، لكنهم ملائكة في سن الشباب، وليسوا شيوخاً كباراً ولا صغاراً، ، إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا [الإنسان:19]، واللؤلؤ معروف، ومنثور بمعنى: موزع في الأرض، إذ الجنة مملوءة بهم، فهم منتشرون في الجنة يخدمون أهلها، والله قد خلقهم لهذه المهمة.

    وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ [الإنسان:19]، جمع: ولد، مُخَلَّدُونَ [الإنسان:19]، لا يكبرون ولا يهرمون أبداً، وإنما هم في سن واحدة، إِذَا رَأَيْتَهُمْ [الإنسان:19]، يا عبد الله! حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا [الإنسان:19]، واللؤلؤ معروف، والمنثور المفرق والمنتشر، إذ إنهم منتشرون في الجنة يخدمون أهل الجنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً)

    ثم قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا [الإنسان:20]، أي: إذا رأيت في الجنة رأيت نعيماً لا يقادر قدره، ولا يعرف حقيقته إلا الله تعالى، وَمُلْكًا كَبِيرًا [الإنسان:20]، يعطى أحدهم كما أخبر صلى الله عليه وسلم ملكاً مسيرة ألفي عام! فأي ملك أعظم من هذا الملك؟ وَمُلْكًا كَبِيرًا [الإنسان:20]، ليس بصغير أبداً، فسبحان الله! وإن فكرتم فانظروا فقط إلى كوكب الشمس فوقكم، هذا الكوكب أكبر من الأرض بمليون ونصف مليون مرة، فكيف بالجنة دار السلام؟ والشمس كوكب من جملة مئات الكواكب التي هي أكبر من الأرض بملايين المرات، فمن ثَمَّ لا تعجب أبداً، وَمُلْكًا كَبِيرًا [الإنسان:20].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (عاليهم ثياب سندس من خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة...)

    قال تعالى: عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان:21].

    عَالِيَهُمْ [الإنسان:21]، أي: فوقهم، ثِيَابُ سُندُسٍ [الإنسان:21]، والسندس هو الحرير الخفيف، خُضْرٌ [الإنسان:21]، أي: أخضر اللون، وَإِسْتَبْرَقٌ [الإنسان:21]، وهو الحرير الثقيل، وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان:21]، أي: ألبسوهم الأساور في أيديهم من فضة، وكذلك الذهب، وهي حلال للنساء والرجال في الآخرة، أما في دار التكليف فلا يحل للرجال لبس الحرير أو الذهب، وإنما هذا خاص بالنساء، وأما الفضة فجائزة للرجال في الدنيا.

    عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ [الإنسان:21]، كذلك، وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان:21]، غير ما تقدم، وهنا يقول علي رضي الله عنه: عندما يُساق أهل الجنة إلى الجنة يجدون عند بابها شجرة تحتها عينان، فيشربون من العين الأولى فلا تتغير أبشارهم ولا أشعارهم أبداً، ويشربون من الثانية فيخرج من بطونهم كل أذى، ولهذا أهل الجنة لا يبولون ولا يخرءون ولا يتقيئون أبداً، وإنما كل الطعام الذي يأكلونه يتحول إلى عرق، وهذا العرق أطهر وأطيب من الطيب، فهذا هو النعيم المقيم.

    عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان:21]، فمن الذي حلاهم بهذا؟ الملائكة، وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان:21]، فيطهرهم تماماً عند دخولهم إلى الجنة، فلا يبولون ولا يتغوطون، وعرقهم أطيب وأطهر من الطيب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكوراً)

    ثم قال تعالى: إِنَّ هَذَا [الإنسان:22]، أي: يقال لهم: يا أهل الجنة! إن هذا الذي أنتم فيه من النعيم المقيم، كَانَ لَكُمْ جَزَاءً [الإنسان:22]، أي: على عملكم في الدنيا، والذين ما عملوا لله تعالى فصاموا وصلوا، ليس لهم جزاء إلا في جهنم والعياذ بالله تعالى.

    إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ [الإنسان:22]، الذي سعيتموه، مَشْكُورًا [الإنسان:22]، أي: شكرناه لكم فجازيناكم بهذا النعيم المقيم الخالد الأبدي مقابل صلاتكم وصيامكم وصبركم ورباطكم وجهادكم، وهذا التعقيب من أبدع ما يكون، كَانَ لَكُمْ جَزَاءً [الإنسان:22]، ما الجزاء؟ مقابل عمل لا انتسابات باطلة، وكذب وخرافة، وإنما عمل ليل نهار، وَكَانَ سَعْيُكُمْ [الإنسان:22]، أي: عملكم، مَشْكُورًا [الإنسان:22]، أي: صحيحاً مقبولاً، فلهذا أثابكم الله عليه، فقولوا: اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم يا رب العالمين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر صور من الجزاء الأخروي]، من هداية هذه الآيات: تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر صور منها ناطقة كما شاهدناها، واعلموا معشر المستمعين والمستمعات! أن عقيدة البعث والجزاء هي الإيمان بيوم القيامة، هي الإيمان باليوم الآخر وما يتم فيه من جزاء للمؤمنين وللكافرين، والذي يكذب به وينكره شر الخلق، بل والله لأخسأ من القردة والخنازير، وليس فيه شيء اسمه خير، وكثيراً ما نقول في الشخص الذي لا يؤمن بالبعث والجزاء: لا يوثق به في شيء، ولا يسند إليه شيء، ولا يعول عليه في شيء، إذ هو ممسوخ مسخاً والعياذ بالله، والذي يؤمن بيوم القيامة والجزاء فيه فذاك الذي يتق الله ويخافه وإن عاش في قرية وحده طول الدهر، إذ هو لا يعرف كيف يسرق أو يزني أو يفجر؟ فلهذا عقيدة البعث والجزاء -وهي الركن الخامس من أركان الإيمان- إذا ضعفت ضعف العبد، وإذا قويت قوي المؤمن في فعله الصالحات وتركه المحرمات.

    قال: [ ثانياً: حرمة استعمال أواني الذهب والفضة؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة ) ]، من هداية الآيات: حرمة استعمال أواني الذهب والفضة، لكن بعض الجهال قد عمل ملاعق وكؤوساً وأباريق من فضة، وهذا والله ما يجوز؛ لأن الرسول قال: ( هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة )، فهذه الأواني من فضة وذهب هي للكفار والمشركين في الدنيا، وهي لنا في الآخرة، وبالتالي لا يحل استعمال كأس ولا إبريق ولا سطل ولا آنية ولا ملعقة من فضة أو ذهب أبداً، وما فعل هذا إلا الجهال والضلال كما ذكرنا، أما أهل الجنة فنعم يلبسون الحرير، ويأكلون في أواني الذهب والفضة، ويلبسون الذهب والفضة؛ لأن الجنة دار النعيم، وقد سمعتم قول الله لهم: إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً [الإنسان:22]، أي: على ما عملتم في الدنيا، وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان:22].

    قال: [ ثالثاً: حرمة الخمر؛ لحديث: ( من شرب الخمر في الدنيا لا يشربها في الآخرة إن مات مستحلاً لها ) ]، من هداية الآيات: ذكر تعالى عن أهل الجنة أنهم يشربون الخمر، أما في الدنيا فالخمر عليهم حرام، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الخمر من شربها في الدنيا مستحلاً لها والله ما يشربها في الآخرة أبداً )، فلهذا المؤمنون والمؤمنات لا يشربون الخمر أبداً، لا ملعقة ولا كأساً ولا إبريقاً منها، إذ حرمها الله في كتابه وحرمها الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته، والكافرون والفساق والفجار يشربون ذلك لأنهم لا إيمان لهم، ما عرفوا الطريق إلى الله تعالى.

    قال: [ رابعاً: مشروعية اتخاذ خدم صالحين يخدمون المرء ويحسن إليهم ]، من هداية الآيات: مشروعية أو جواز اتخاذ خدم صالحين، وذلك إذا كان للرجل مال فله أن يستخدم أناساً صالحين يخدمونه، وذلك مقابل أجر؛ لقوله تعالى: وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ [الإنسان:19]، فيجوز للمؤمن أن يتخذ مؤمناً خادماً يخدمه ولا يؤذيه ولا يتعرض له بسوء، كما أن أهل الجنة يُخدمون.

    قال: [ خامساً: حرمة لبس الحرير على الرجال وإباحته للنساء، وكالحرير الذهب أيضاً ]، من هداية هذه الآيات: حرمة لبس الحرير للرجال، فلا يحل لمؤمن أن يلبس الحرير، لا ثوب ولا سروال ولا عمامة ولا غير ذلك، وللنساء أن يلبسن الحرير، وكذلك كالذهب، فلا يحل لمؤمن أن يلبس خاتم ذهب أبداً فضلاً عن غير الخاتم، وللنساء أن يلبسن الذهب كما شاء الله عز وجل ذلك، فهذه هي هداية الآيات، فاللهم اهدنا بها يا رب العالمين.

    قال: [ قال علي رضي الله عنه في قوله تعالى: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان:21]، قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من إحداهما لتجري عليهم بنضرة النعيم، فلا تتغير أبشارهم، ولا تشعث أشعارهم أبداً، ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطونهم من الأذى، ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ].