إسلام ويب

تفسير سورة محمد (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن السير في الأرض والتفكر في مخلوقات الله سبيل إلى الهداية والرشاد، فبها تعرف قدرة الله عز وجل وبديع صنعه، فيهتدي بذلك أهل البصائر والنهى، فيستحقون بذلك أن يصطفيهم الله لولايته، ويدخلهم في رحمته، فيخلدون في جنته، وأما من أظلمت قلوبهم، وما انتفعوا بآيات ربهم، فإنهم يأكلون ويتمتعون في دنياهم كالأنعام، وفي الآخرة مثواهم النار وبئس المقام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن مع سورة محمد صلى الله عليه وسلم المدنية، ومع هذه الآيات، فلنصغ مستمعين تلاوتها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ * وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ * أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:10-14].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا عز وجل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد:10] من هؤلاء الذين يعتب عليهم أن لم يسيروا؟ هؤلاء كفار قريش المشركون، الذين وقفوا في وجه دعوة الإسلام وحاربوها زمناً حتى نصرها الله.

    أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ [محمد:10] يمشون متاجرين وغير متاجرين، في الشمال مدائن صالح وقرى لوط، وفي الجنوب عاد في اليمن، يمشون ويفكرون: من أهلك هذه الأمم؟ ما سبب إهلاكها؟ فيجدون الجواب: أهلكها الله، والسبب الكفر والشرك وحرب الدعوة الإسلامية التي جاءتهم على أيدي رسلهم وأنبيائهم.

    هكذا يعتب عليهم ويوبخهم ويؤنبهم: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [محمد:10] كيف كانت؟ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد:10] في أي زمان ومكان دمر الله عليهم بلادهم وأهلكهم، وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد:10] من التدمير والإهلاك والعياذ بالله، موعظة عجيبة هذه تلقى في مكة وتبلغ أهل مكة وتلقى في المدينة، فيتعظون فيتراجعون ويسلمون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم)

    ثم قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11] تعليل لإهلاك تلك الأمم وتدميرها، ما سبب ذلك؟ أن المؤمنين لهم الله وليهم ينصرهم ويحفظهم كما حفظ هوداً ومن معه، وصالحاً ومن معه، ولوطاً ومن معه، وشعيباً ومن معه، نجاهم وأهلك الظالمين المشركين الكافرين.

    فالعلة والسبب أن الله مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا [محمد:10] من هم الذين آمنوا؟ بم آمنوا؟ آمنوا بأن لا إله إلا الله، وأن من أرسله الله رسول الله، هوداً كان أو صالحاً أو إبراهيم أو نوحاً أو محمدً صلى الله وسلم عليهم أجمعين، أي: آمنوا بالله ورسوله، وعبدوا الله بما شرع لهم أن يعبدوا ووحدوه في تلك العبادة.

    ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا [محمد:10] أي: يتولاهم بالنصر والتأييد والحفظ والرعاية، والكافرون -والله- لا مولى لهم؛ إذ لا مولى إلا الله، فإذا لم يكن مولاهم فمن مولاهم؟ ولهذا دمرهم الله وأهلكهم، وهذه موعظة عجيبة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ...)

    ثم قال تعالى في موعظة أخرى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [محمد:12] والله! إنه لوعد الصدق، هذا وعد الرحمن الرحيم، هذا وعد الله رب العالمين، اسمع هذا الوعد: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [محمد:12] وهذه الجنات فوق السماء السابعة، وفيها من النعيم المقيم أنهار تجري من الماء العذب، أنواع من الفواكه والأطعمة لا تتصور ولا يقدر على تصورها.

    هذا وعد الله لمن يرحمكم الله؟ للفسقة والفجار؟ للكفرة والمشركين؟ لا، بل للمؤمنين الصادقين في إيمانهم الذين عملوا الصالحات وتجنبوا المفسدات، أصحاب الأنفس الطاهرة والأرواح الزكية، هؤلاء هم أهل هذا الوعد الإلهي الصادق، فقولوا: اللهم اجعلنا منهم.. اللهم اجعلنا منهم.. اللهم اجعلنا منهم.

    إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ [محمد:12] جمع جنة، جنان وصفها لنا ربنا في كتابه بأوصاف عديدة، وأخذ رسوله من مكة وعرج به إلى السماء وشاهدها ودخلها وعاش فيها ساعات، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [محمد:12] الأنهار: جمع نهر، نهر اللبن، نهر العسل، نهر الماء كما سيأتي في هذه السورة في قوله تعالى: أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15].

    معنى قوله تعالى: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم)

    وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ [محمد:12] هذا وعيد، والقرآن عجب: يرغب ويرهب، والبشرية بطبعها تهتدي بالرغبة والرهبة، فإن كنت ترهبها فقط فإنها لا تنتفع، وإن كنت ترغبها فقط ولا ترهبها فلن تنتفع، لا بد من الجمع بين الرغبة والرهبة، فها هو ذا تعالى رغب عباده بقوله: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ [محمد:12] بالطعام والشراب والنكاح واللباس، وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ [محمد:12] لا حلال ولا حرام أبداً، بل الشهوات والملاذ فقط، أما المؤمنون فما يأكلون إلا طيباً ولا يأكلون إلا على ذكر الله، ويختمونه بذكر الله والحمد لله، أما أولئك الكافرون فكالبهائم.

    وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد:12] المثوى: مكان الإقامة الدائمة، فالنار هي مستقر وجودهم ومثواهم.

    وَالَّذِينَ كَفَرُوا [محمد:12] بماذا كفروا؟ كيف كفروا؟ كفروا بالله، أبوا أن يوحدوه، كفروا بالله فأبوا أن يقبلوا شرعه وكتابه، كفروا بالله فأبوا أن يقبلوا رسوله، كفروا بالله فرفضوا وعده ووعيده، هؤلاء هم الكافرون والعياذ بالله تعالى.

    وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد:12] مقام دائم لا يخرجون منها أبداً؛ إذ من المعلوم بالضرورة أن الحياة الآخرة ما فيها موت، والله! لا موت فيها ولا فناء، تبقى أبداً، فالذي أوجد هذه الأولى وأوجد فيها الفناء للانتقال للأخرى سيوجدنا على صورة لا نقبل الموت أبداً ولا الفناء، أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، عالمان: عالم في السعادة وعالم في الشقاوة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم)

    ثم قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [محمد:13] والمراد من القرية: المدينة العظيمة ذات السكان والقوة والحكم.

    وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد:13]، والقرية التي أخرجت الرسول صلى الله عليه وسلم هي مكة.

    ورد عن ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حكم عليه بالإعدام وهرب وخرج مع الصديق التفت إلى مكة وقال: إني لأعلم أنك البلد الذي يحبه الله وإني لأحبك بحب الله، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت. والله عز وجل وعده بأن يرده إلى مكة ويعيش فيها فاتحاً لها، أما قال تعالى من سورة القصص: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85] أي: إلى مكة، فبعد ثمان سنوات فقط غابها عن مكة عاد إليها، عاش فيها ثلاثاً وخمسين سنة، وغاب عنها عشر سنوات، وبعد ثمان سنوات منها عاد إلى مكة وفتحها الله عليه وأعلن فيها لا إله إلا الله، وعبد الرحمن فيها، وتمزقت عبادة الأصنام والأوثان وأصبحت بلد الله كما هي.

    وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد:13] فقوم عاد أعظم من مكة، ومدائن صالح أعظم، وقرى قوم لوط أعظم، ومدائن شعيب، وهكذا كم من قرية أكثر من مكة وأقوى وأقدر.

    وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد:13] أي: أهلك عاداً وثمود وقوم لوط وما إلى ذلك مع أنهم كانوا أقوياء أشد من قوة أهل مكة، هكذا يقول تعالى: أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد:13] أين يوجد من ينصرهم؟ إذا أراد الله أن يهلك أمة فهل يوجد من ينصرهم؟ والله! ما كان ولن يكون أبداً، الناصر هو الله، هو الولي، فإن والى أناساً نصرهم وإن عادى أناساً أهلكهم ولا ناصر لهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم)

    ثم قال تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [محمد:14] هذه فيها تسلية للرسول وتخفيف عنه وهو يعاني ما يعاني، يقول تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ [محمد:14] وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل عالم وكل مؤمن على بينة، أفمن كان على بينة من ربه بأنه عبد لله والله وليه، والله مولاه وإلهه، يعبده ويطيعه وسيرجع إليه وينتقل من الأرض إليه، فهل صاحب هذه البينة كمن زين له سوء عمله؟ والذي يزين له عمله هو الشيطان، فهل الذي يعرف الله ويعرف محابه ومكارهه، ويفعل المحاب ويكره المكاره، ويعيش على هذا النور كالذي يزين له الشيطان الزنا والربا واللواط والجرائم والموبقات؟ والله! ما هما بسواء.

    كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [محمد:14] أولاً، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:14]، أبوا أن يتبعوا كتاب الله، وهذه تنطبق على العالم بكله اليوم ولا يخرج منه بلد.

    أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ [محمد:14] كالمؤمنين الموحدين العالمين العارفين بالله، العابدين، كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [محمد:14] زين له الشيطان أقبح عمله، فالذين يزنون ويفجرون ويكفرون ويكذبون ويخونون من زين لهم هذا الخبث وهذا الباطل؟ الشيطان، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:14]، ما اتبعوا عقولهم أبداً، ولا سألوا أهل العلم ولا مشوا وراءهم، بل مضوا مستمرين على الباطل والشر والفساد واتبعوا أهواءهم والعياذ بالله تعالى.

    هكذا يقول تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ [محمد:14] بالعلم والمعرفة فهو يعبد الله ليلاً ونهاراً ويرجو لقاء الله والوقوف بين يديه، ويرجو رحمته بإدخاله الجنة كمن زين الشيطان له فسقه وفجوره وكفره وضلاله والعياذ بالله تعالى، فهو متبع هواه ولا يسأل عن العلم ولا عن أهله؟

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير قاعدة: العاقل من اعتبر بغيره ].

    تقرير قاعدة علمية: العاقل من اعتبر بغيره، فالعاقل هو الذي ينظر إلى غيره ويعتبر به، رآه صالحاً مستقيماً في نعيم بسبب الإيمان وصالح الأعمال فآمن وعمل الصالحات، رآه في شر وبلاء وفساد بشركه وظلمه فاعتزل ذلك، العاقل من اعتبر بغيره.

    [ ثانياً: تقرير ولاية الله لأهل الإيمان والتقوى ].

    وهذه قاعدة عامة: لا يكون العبد ولياً لله إلا إذا كان مؤمناً تقياً، والله! لا يكون العبد ولياً لله ولا يواليه الله إلا إذا كان مؤمناً حق الإيمان وتقياً يمتثل أوامر الله ورسوله ويجتنب نواهيهما.

    [ ثالثاً: بيان الفرق بين الماديين وأهل الإيمان والاستقامة على منهج الإسلام ].

    بيان الفرق بين المؤمنين المستقيمين والماديين الذين يعيشون من أجل بطونهم وفروجهم، فرق بينهم، كميت وحي، كعاقل ومجنون، هذا شأن المؤمنين الصادقين، هم أفضل الخلق على الإطلاق، والكافرون والفاسقون والفاجرون شر البرية والعياذ بالله تعالى.

    [ رابعاً: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم تخفيفاً من آلامه التي يعانيها من إعراض المشركين وصدوفهم عن الإسلام ].

    في الآيات تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة يعاني من اليهود ويعاني من المشركين ما يعاني، فسلاه ربه وحمله على الصبر والعزاء فقال: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [محمد:14]؟ من هو الذي على بينة من ربه؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون الآن وبعد الآن وإلى يوم القيامة، يعرفون الله ويعرفون الطريق إليه، يعرفون محابه ومكارهه ويؤدون ذلك، والآخرون تحسن الشياطين لهم الباطل وتزين لهم الكفر والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    موقف الشيخ من الجهاد الشيشاني

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! تحدث بعض المستمعين وأنكروا علي موضوع الشيشان، ونقلوا هذا الخبر حتى للصف الأول، وهم -والله- ما فهموا ما قلت.

    ثانياً: بلغني كذلك من سائل يقول: لم نر متملقاً للحكومة السعودية كهذا الشيخ، وهذا -والله- منشؤه الجهل، وإن ادعوا أنهم دكاترة ويحملون الشهادات، منشأ هذا الجهل، وإليكم بيان هذا:

    أولاً: قلت: الشيشان سبقتها أفغانستان، سبقها العالم الإسلامي بكامله من إندونيسيا إلى موريتانيا، قاتلوا المستعمرين وتخلصوا منهم، فلماذا ما أقاموا الدولة الإسلامية؟

    الجواب: ما هم بأهل لها، لو أنهم اجتمعوا حول إمام اختاروه وبايعوه وأصبح يأمرهم فيمتثلوا، وينهاهم فينتهوا حتى أصبحوا كتلة من النور، وكتلة من القوة؛ فيومئذٍ يصبح من اليسر والسهولة عليه أن يعلن عن الدولة الإسلامية ويطبق شرع الله، وهذا واضح.

    فأيام الحرب الأفغانية كنا على هذا الكرسي ونحن ندعو لهم بالنصر والتأييد، وأخرجنا أموالنا من بيوتنا، امرأتي أخذت فضتها من يديها، ومع هذا كنت أقول: إنه جهاد فيه دخن، والجهال يلوون رءوسهم ولا يعرفون، وقلت: عواقبه سوء، فقد مشيت بنفسي وحاولت أن يجتمعوا على كلمة واحدة فرفضوا، وبعد ذلك أكل بعضهم بعضاً، فهل قامت الدولة الإسلامية؟

    فلهذا أقول للبلد الذي يريد أن يتحرر وأن يقيم دولة الإسلام: أولاً: عليه أن يعرف الله ويعبده عبادة حقة، فتتحد كلمتهم وعقيدتهم، وتتجلى مظاهر الإسلام بينهم في العدل والرحمة والإخاء والمودة والطهر والصفاء، ويومها من اليسر والسهولة أن تقام الدولة الإسلامية، أما مع الماديات والأطماع والأهواء والشهوات والجهل المركب والتكفير -والعياذ بالله تعالى- فكيف تكون الدولة إسلامية؟ لم ما قامت في المغرب؟ في الجزائر؟ في تونس؟ في مصر؟ في الشام؟ في العراق؟ ما كانوا أهلاً لذلك.

    ولما قامت تلك الدول خرجت تلك الجماعات تكفر وتسب وتشتم، فمزقوا الأمة تمزيقاً آخر وسلطوا عليها الظلمة وانطفأ نور الله بسبب الجهل والعياذ بالله تعالى، هذا هو الواقع.

    فالشيشانيون لو كنا أهلاً لإنقاذهم فغداً سيجتمع حكام المسلمين من موريتانيا إلى أندونيسيا ويقولون لروسيا: إما وإما، إما أن ترفعي يدك عن هذه الأمة وإما أن نقاتلك، ومن ثَمَّ تتضح القضية، فما عليها إلا أن تسلم.

    فإذا رفضت بعثت كل دولة بخمسمائة طائرة وخمسمائة ألف من جيوشها ليقضوا على روسيا قضاءً كاملاً، فهل يفعلون هذا؟ هل هم مستعدون لهذا؟

    وبعض الشبان يقول: نريد أن نجاهد، فقلت: يا أبنائي! من أراد أن ينصر إخوانه فليتفضل، أما أن نقول: هذا جهاد فلا أقول حتى يقوم على مبدأ الإسلام.

    وقد بينت لكم أيضاً بسبب الآية التي درسناها: أن الجهاد يكون فرض عين ويكون فرض كفاية، ففرض العين ما هو؟ أن يستنفر الإمام الناس، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( وإذا استنفرتم فانفروا )، هذا وجه.

    الثاني: أن يعين الإمام فيقول: فلان وفلان وفلان عليهم الخروج للجهاد، فيتعين عليهم ويصبح فرض عين.

    ثالثاً: أن يداهم العدو بلداً إسلامي في الحدود قبل أن تصل الجيوش الإسلامية، فأهل المدينة من نساء ورجال يجب أن يقاوموا تلك القوة حتى يأتيهم المدد ويسعفوهم، هذا هو الجهاد.

    ومع هذا قلت: والله! إنا لندعو للشيشانيين في السجود أن يرحمهم الله وأن يرفع ما بهم، وإني على علم أنهم كغيرهم من المسلمين، ما أرادوا أن يقيموا الدولة الإسلامية أبداً ولا هم بأهل لها، أرادوا أن يستقلوا في إقليم من الأقاليم كالبلاد الإسلامية الأخرى وغيرها، أما لو أرادوا لكانوا يلتفون حول من التفوا حوله ويتركون النزاع مع روسيا والصراع معها، ويتجمعون ويتكتلون ويعبدون الله ويصبحون أولياء الله، ويومها يرفعون أكفهم إلى الله لينصرهم، لا بالفوضى، هذا الذي آلمني بالأمس في أسئلة السائلين، وقد بينت والله يعلم ذلك.

    1.   

    توضيح موقف الشيخ من دعوى التملق للحكومة السعودية

    ويبقى موضوع التملق، فما هو التملق؟ يقال: تملق: إذا تودد وتقرب، وإني -والله- لأتودد وأتقرب إلى الحكومة السعودية، أتغضبون من هذا؟ من يغضب من هذا فما هو بمؤمن، فالحكومة السعودية هي الدولة الإسلامية الوحيدة، هي آية الله، أقامها لتقوم الحجة لله على البشرية كلها بعدما انتهى الإسلام وتمزقت أوصاله وما ظنوا أن الإسلام يعود من جديد فتقام الحدود ويطهر الناس ويكملون ويسعدون، أتى الله بهذه الدولة لتكون آية له وحجة على الناس يوم القيامة.

    وكم من مرة أقول: المفروض على البلاد الإسلامية لو كنا أهلاً للكمال والسعادة في الدنيا والآخرة إنه ما إن يستقل إقليم حتى يبعث ولاته إلى عبد العزيز أو من هو في مقامه، فيقولون: هذه مفاتح الإقليم، فقد طهر وتخلصنا من النصارى أو اليهود، فأدخلوه في المملكة.

    والله الذي لا إله غيره! لكان واجب كل إقليم من العراق إلى الكويت إلى سوريا إلى لبنان إلى الشام إلى المغرب، كل إقليم يستقل ودولة عبد العزيز موجودة يأتي رجاله فيقولون: تفضل، هذه المفاتيح، ابعث القضاة وابعث العلماء يعلمون الناس، وأقيموا دين الله في بلادنا، والله! إن هذا لهو واجبهم، فلم ما يفعلون؟ ما يريدون أن يعبدوا الله، ما عرفوا الله ولا أحبوه ولا عرفوا ما عنده، للجهل المركب مع أصابع الماسونية والصليبية، ما يريدونهم أن يلتفوا حول عبد العزيز ، فإذا بهم يسبون هذه الحكومة ويكرهونها نساءً ورجالاً، آذاننا أصغت إلى هذا الكلام في الشرق والغرب.

    أتعرفون لماذا نتملق؟ نتملق لله عز وجل، فلهذا أدعو كل مواطن ألا يعصي الله في هذه البلاد؛ لأن معاصي الله هي التي تسقط هذه الدولة لا قدر الله، عرف هذا الأعداء والخصوم فينا وبيننا، فهم ينشرون البدع والضلالات والخرافات والزنا والفجور والربا للقضاء على هذه البقية الباقية، فحسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعيم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، وأفوض أمري إلى الله، والله بصير بعباده.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.