إسلام ويب

تفسير سورة غافر (7)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل بحكمته ورحمته ينصر دينه وحملته بجنود يسخرهم لذلك، فيقيض لذلك من يشاء، حتى إنه ليخرج من صلب الظلم والكفر من يدافع عن الدين ويذود عنه، ومن ذلك أنه سبحانه أيد موسى عليه السلام بأن أخرج رجلاً من آل فرعون يدافع عنه وينصره، ويمنع عنه القتل ويجادل عنه، فكان عاقبته أن خلّد الله ذكره، وعرف على مدى الأزمان بمؤمن آل فرعون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:28-29].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زلنا مع فرعون وموسى عليه السلام، فموسى أرسله الله إلى فرعون ، وفرعون طاغية جبار متكبر، ادعى الربوبية والألوهية، فقد قال لقومه: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وقال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]. ما طغى هذا الطغيان أحد قبل فرعون وبعده، فهو قد ادعى الربوبية والألوهية كما أخبر تعالى بذلك، إذ قال عنه: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وقال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] كما في سورة النازعات. فبعث الله تعالى إليه موسى ذاك النبي الصالح، الذي تربى في حجره، فموسى تربى في حجر فرعون، إذ وجده فأخذه ورباه، ولما كمل وأصبح بالغاً سن الرشد حدث منه حادث القتل، فما كان منه إلا أن خرج من الديار المصرية متجهاً شرقاً إلى مدين.

    ومن عجائب أحداث التاريخ: أن موسى رعى غنم شعيب عشر سنوات، فمكث عشر سنين وهو يرعى الغنم، وزوجه شعيب بابنته، وكان المهر هو رعي الغنم عشر سنوات، ثم لما بلغ سن الوحي -أي: بلغ الأربعين سنة- أوحى الله إليه ونبأه وهو في طريقه إلى مصر، فلما وصل إلى مصر دعاهم إلى أن يعبدوا الله وحده، ولا يشركوا به سواه، وطلب من فرعون أن يسمح لبني إسرائيل بالعودة إلى ديارهم، وإذا بفرعون يطغى ذاك الطغيان ويقول: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى [غافر:26]، أي: اتركوني اقتل هذا الرجل الذي يريد أن يفسد عليكم دينكم ودنياكم.

    وكان بين الحاضرين من رجال فرعون رجل مؤمن يقال له: شمعان ، على وزن سلمان، ولعله من الشموع، وكان مؤمناً، وكان ابن عم فرعون، وبما أنه كان يحضر الجدال والحجاج بين موسى وبين فرعون وملئه فقد دخل الإيمان في قلبه، وامتلأ به، وأصبح مؤمناً حق الإيمان، ولكنه لم يكن يستطيع أن يقول لفرعون: آمنت بموسى؛ حتى لا يقتله. ويجوز كتمان الإيمان لضرورة القتل؛ إذ قال تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]. وقد كان المشركون في مكة يضربون المؤمن بالعصا، ويجلدونه جلداً، ويطلبون منه أن يقول كلمة الكفر، ويصعب عليه أن يقولها، فأوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم هذه الرخصة، فقال: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ على كلمة الكفر وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ [النحل:106].

    فهذا المؤمن واسمه شمعان ابن عم فرعون كان يحضر في بيت فرعون وفي مجلسه، فآمن بعد أن سمع الحوار والجدال سنوات بين فرعون وموسى، فلما قال فرعون تلك القولة الخبيثة: اتركوني أقتل موسى وليدع ربه تكلم هذا الرجل شمعان ، كما قال تعالى: وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ [غافر:28]. فهو من آل فرعون ، ولكنه كان يكتم إيمانه، ويستره ويغطيه؛ خوفاً من فرعون وملئه. فقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28]؟ فهذا ليس من العقل ولا من المنطق، ولا من الأدب ولا من السياسة الرشيدة، ولذلك قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28]؟ وهذا الاستفهام للإنكار والتوبيخ لهم. وقوله: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28]؟ يعني بذلك موسى عليه السلام. وما قال لفرعون: يا فرعون! أتقتله؟ ولكنه قال: أتقتلون؟ لأن فرعون يتكلم ومعه رجاله وملئه، وليس وحده. ولذلك قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28]؟ أي: فلا تقتلونه.

    معنى قوله تعالى: (وقد جاءكم بالبينات من ربه)

    قال تعالى حاكياً أن مؤمن آل فرعون قال لقومه عن موسى: وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ [غافر:28]. وليس من فرعون، بل من رب السماوات والأرض رب العالمين. فهو قد جاءكم بالبينات والحجج والبراهين القاطعة، وحسبنا في ذلك العصا التي كان يرعى بها الغنم في مدين عشر سنوات، فما إن ضربها في موكب السحرة حتى تلقفت كل سحرهم وأبطلته، وكذلك يده كانت تخرج بيضاء كفلقة القمر، وقال تعالى مخبراً عن خمس آيات من آياته غير العصا واليد: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ [الأعراف:133]. وصاحب هذه الآيات لا يقتل، ولا يمكر به، بل يؤمن به.

    وقوله: وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ [غافر:28]، يقرر أن الرب ليس فرعون، بل ربنا هو خالقنا ورازقنا، وموجد هذا الكون كله، وهو الله.

    إنكار وجود الله جاء به اليهود في هذا العصر

    هنا لطيفة أكررها، وهي: لم يوجد في الأرض من أنكر وجود الله في القرون العديدة السابقة من عهد آدم إلى منذ مائة وخمسين سنة لما وجدت الشيوعية، والشيوعية أوجدها اليهود، وهم الذين أوجدوا ذلك المبدأ وقننوه، ونشروه في العالم، وأول من تورط فيه النصارى المسيحيون، فقد كانت روسيا مسيحية من أولها إلى آخرها، ثم تحولت إلى بلشفية حمراء، وشيوعية منكرة، فأصبحوا يقولون: لا إله والحياة مادة فقط.

    وأما قبل هذا المبدأ الشيوعي -وثقوا فيما أقول لكم- فقد كان المشركون يؤمنون بالله، وهذا القرآن الكريم يقول: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]. ويقول: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت:61] إذاً؟ وهذا المؤمن قال: ربي الله؛ لأنهم كلهم يؤمنون بوجود الله. فهو قال لهم: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28] لا إله إلا هو؟ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ [غافر:28].

    والمبدأ الشيوعي نشره اليهود لما رأوا الإسلام ضدهم، والمسيحية ضدهم، والعالم أغلب ما فيه نصارى ومسلمون، فلم يستطع اليهود أن يسعدوا بين فكي المسلمين والنصارى، وخاصة النصارى، وإلا فالمسلمون يرحمون اليهود ولا يسيئون إليهم، ولكن النصارى لم يكن يستطيع المسيحي أن ينظر إلى وجه يهودي، لشدة بغضه له؛ لأنه يرى أنه صلب إلهه عيسى وقتله. فلما انتشر هذا المذهب خف الضغط على اليهود، وأصبحوا الآن يملكون أوروبا وأمريكا بالسياسة المنتنة وبالمال وغير ذلك.

    وتورط في هذا المبدأ بعض المسلمين، وهم أفراد قلائل يعرفون بالعلمانيين والملاحدة والشيوعيين، وشاء الله أن يهبط هذا المذهب الشيوعي، وتنتهي آثاره شيئاً فشيئاً، وأصبحوا أتباعه يتنقلون إلى مذاهب أخرى، وهي العلمانية. ومعنى العلمانية: أنك إذا قلت لأحدهم: صل قال: العلم، وإذا قلت له: افعل كذا قال: اسكت، نريد العلم. فنسبوا كل شيء إلى العلم؛ ليبعدوا الناس عن الإيمان بالله الخالق الواهب الرازق.

    وهذا شمعان من آل فرعون مؤمن بالله عز وجل، فقال لفرعون ورجاله في دولته: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ [غافر:28]؟ أي: بحجج كالشمس والقمر، فآمنوا بالله، ولا تقتلونه، فهو ولي الله ورسول الله.

    معنى قوله تعالى: (وإن يك كاذباً فعليه كذبه ...)

    قال تعالى حاكياً أن مؤمن آل فرعون قال لقومه عن موسى: على فرض وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ [غافر:28]. فلا تقتلونه، وليس هناك داعٍ إلى قتل موسى. وهو هنا يخاطب فرعون مع مجموعته، فهو يقول لهم: وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ [غافر:28]. فنتائج الكذب وآثار الكذب تعود على الكاذب، لا عليكم أنتم، فلا تقتلونه، بل وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ [غافر:28]. ولكن وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ [غافر:28]. فأنتم بين أمرين، فهو إن كان كاذباً ما يضركم كذبه، بل دعوه يكذب، ويدعي أن هناك إلهاً غير فرعون، ويطلب من الناس عبادته، وإن كان صادقاً فيما يقول فلا بد وأن يصبكم بعض الذي يعدكم، ولا بد من عذاب. فهو يقول: وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ [غافر:28] به من عذاب الله عز وجل في الدنيا والآخرة، وكان كذلك، ففرعون وملأه مائة ألف كلهم غرقوا في البحر في الدنيا قبل الآخرة.

    فهذا المؤمن قال: وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ [غافر:28]. فدعوه يكذب، فآثار الكذب ونتائجه تعود عليه هو، وليس عليكم أنتم. وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ [غافر:28]. ووالله لقد كان، فقد أصابهم، إذ غرقوا أجمعين.

    معنى قوله تعالى: (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب)

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28]. ويجوز أن نقول: هذه القولة قالها الله، أو قولها المؤمن شمعان . فإن قالها شمعان فقد أصاب، وإن قالها الله -وهي من كتابه- فقد توعد بها المسرفين الكذابين.

    ومن هنا معاشر المستمعين والمستمعات! نعرف جريمة الإسراف وجريمة الكذب، فالإسراف محرم، والكذب محرم. والذي يتوغل في الإسراف ويكثر منه كالذي يتوغل من الكذب، لا يهديه الله عز وجل، بل يطبع عليه بهذا الطبع. فمن توغل في الإسراف وأكثر منه وتوغل فيه وتباعد به فهداية الله محرمة عليه، ولا تناله، وكذلك من كذب وتوغل في الكذب حتى أصبح كذاباً هداية الله لا تناله؛ فقد قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28]. والإسراف: مجاوزة الحد في الأكل والشرب .. في اللباس .. في المركوب .. في السكن في البناء، وهكذا. فالإسراف: مجاوزة الحد.

    فمثلاً: في الصيام لو قلت: أنا أصوم الليل والنهار فقد أسرفت؛ لأن الصيام في النهار فقط، فلو زدت الصيام في الليل فقد أسرفت وتجاوزت الحد؛ لأن الحد للصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فكونك تصوم في الليل وتقول: أتطوع وأتقرب إلى الله فقد أسرفت. وكذلك الزكاة فريضة الله، وكونك تخرج الزكاة وتخرج ما عندك وتترك أولادك فقراء فقد أسرفت في الإنفاق، وهذا ما ينبغي، والله يقول: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]. وكذلك إذا كان عندك ثياب تلبسها فكونك تضيف إليها ملابس أخرى ولا تلبسها فهذا إسراف. وكذلك إذا كان عندك السيارة تركبها ثم أضفت إليها أخرى وثالثة ورابعة فقد أسرفت.

    وهكذا الذي يسرف في أكله .. في شربه .. في لباسه .. في زواجه .. في حياته يحرم هداية الله عز وجل، وقد لا يتوب، وكذلك الذي يكثر من الكذب حتى يصبح كذاباً في حياته يحرم هداية الله؛ لقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28].

    وأما من جمع بين الإسراف والكذب فذاك أمر آخر، ولكن المسرف فقط والكاذب فقط لا يهديهم الله إذا توغلوا في الإسراف والكذب. ولهذا إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل:90]. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة:42]، أي: الذين يعتدلون دائماً، ولا يسرفون ولا يبخلون. والعدل نظام حياة المؤمنين الصالحين. وأما الإسراف حرام، وكذلك الشح والبخل حرام.

    وسبحان الله! فهذا الكلمة قالها شمعان ، ثم قالها الرحمن مرة ثانية، فقد قبلها من شمعان وقالها، فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي [غافر:28] إلى طريق السلامة والسعادة، والنجاة والفوز في الدنيا والآخرة، فهو لا يهدي إلى ذلك مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ [غافر:28] في قوله وعمله، وسلوكه وعبادته.

    فإذاً: معشر المستمعين والمستمعات! ما ننسى هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28]. وسواء قالها الرجل المؤمن أو قالها الله عز وجل فالله أقرها وقالها في كتابه، فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي إلى الجنة وطريق السعادة، وإلى الدنيا في كمالها وسعادتها مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28]. ونحن نبرأ إلى الله من الإسراف ومن الكذب والمبالغة فيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ...)

    قال تعالى حكاية عن الرجل المؤمن شمعان من آل فرعون، وهو ابن عم فرعون، فقد كان مؤمناً يكتم إيمانه، ولكن لما هلك فرعون أظهر إيمانه، فقال: يَا قَوْمِ [غافر:29]! فهو يناديهم: يا قوم! لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ [غافر:29]. فلكم الملك والدولة والسلطان في الديار المصرية من أقصاها إلى أقصاها، فكلها مملكة لفرعون وملئه. وهو يناديهم بالكلم الرقيقة: يا قوم! وما قال: يا أعدائي! أو يا كفار! أو يا مجرمون! حتى يستجيبوا ويسمعوا. فقال لهم: يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ [غافر:29]، أي: الأرض المصرية، فأنتم أقوياء قادرين. وهذا حق. ففكروا أن الذي وهبكم هذا الملك وأعطاكم إياه هو الله لو كانوا يعقلون.

    ثم قال لهم: فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا [غافر:29]؟ فهذا الملك وهذا السلطان والدولة والجيوش لا تمنع الله إذا أراد أن يعذبكم والله، ووالله ما منعت، فقد أغرقهم الله أجمعين كلهم، وهم مائة ألف مقاتل.

    وقوله: فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا [غافر:29]؟ أي: لا أحد ينصرنا من بأس الله ونقمه وعذابه إذا أراد ذلك بنا. فهيا بنا نؤمن إذاً بما جاء به موسى، ونعبد الله وحده، ونتخلى عن عبادة فرعون وباطله ومنكره، ونعيش على منهج الحق ونظام الإسلام.

    وهنا فرعون ما صبر، بل قال: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29]. وهذا كالشيوعي لما يتبجح ويقول: إننا فعلنا كذا وكذا. وقد كانوا يتبجحون في بلاد العرب أيام الشيوعية قبل خمس سنوات. وكذلك فرعون هنا يقول: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى [غافر:29] مما ينفعكم ويعزكم، ويصون بلادكم ويحفظكم، وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29]. وهو لا يعرف الرشاد حتى يهدي إليه، بل هو يهدي إلى الكفر والضلال، ولكنه تبجح بالكلام. وقد كان الشيوعيون في البلاد العربية يتبجحون بأعظم من هذا، وما حققوا شيئاً لأمة الإسلام، والعياذ بالله.

    والشاهد عندنا: هو قول هذا الرجل المؤمن الذي يكتم إيمانه: يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا [غافر:29]؟ ولا جواب إلا أن يقولوا: الله. ولو قالوا: الله لقال: آمنوا بالله، وادخلوا في الإسلام مع موسى؛ تنجون وتسعدون. ولكنه بدلاً من أن يقول فرعون: نعم، لا ينصرنا إلا الله، ونحن نؤمن بالله، فقال هذه الكلمة: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى [غافر:29]، أي: ما أريد أن أفعله بكم وفي دياركم، فإنه يحقق لنا أهدافنا، ويحفظ دولتنا وديننا، وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29] فقط. وهو لا يعرف الرشاد، بل هو كافر فاجر، ولكن هذا هو التقول الباطل؛ لأنه يزعم أنه رب، وأنه إله. فكان لابد أن يرد على هذا المؤمن.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    قال تعالى: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ [غافر:28]. واسم هذا الرجل شمعان ، وكان من عائلة فرعون ، فهو ابن عمه. فقال لهم: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28]؟ وهذا الرجل الذي يريدون قتله هو موسى عليه السلام، فقال لهم: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا [غافر:28] من أجل أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28]. وهذا رد على فرعون، فهو قال بالأمس: ذروني ، أي: اتركوني أقتل موسى وليدع ربه . فهو يرد على فرعون بهذا القول. فقال له: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ [غافر:28]. فقد جاء بتسع آيات، كما قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ [الإسراء:101] بهذه التسع الآيات، فقد عموا وأبوا أن ينظروا إليها؛ من أجل أن يبقوا على ذلك الملك الباطل والطغيان، والفساد والشر.

    وهذا الرجل قال لهم هنا: وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ [غافر:28]، أي: فليكن كاذباً فكذبه لا يؤثر علينا نحن إن نحن اعتزلناه وابتعدنا منه إذا عرفنا كفره وضلاله، فسننجو منه، ولا يضرنا أبداً كذبه. وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ [غافر:28]. وليس كل الذي يعدكم، وقد أصابهم، فدل على أن موسى كان صادقاً، فقد أصابهم، وغرقوا أجمعين.

    ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي [غافر:28] إلى طريق السعادة .. إلى طريق الكمال .. إلى العز والطهر .. إلى الصفاء في الدنيا، وإلى الجنة دار السلام، فهذا شأن الله، فهو لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28]. فلنحذر الإسراف والتوغل فيه، ولنحذر الكذب. فلا نسرف لا في قليل ولا كثير. وهاتان المعصيتان صاحبهما يحرم الهداية، وما يتوب أبداً. وكم من كاذب تاب الله عليه، وكم من مسرف تاب الله عليه، ولكن الذي توغل في الإسراف وأكثر منه لا يقبل الهداية، وما يهتدي، بل يحرمه الله الهداية، وكذلك الذي يتوغل في الكذب بأن يكذب على الناس طول العام ما يرجع أبداً ولا يهتدي. وكذلك من توغل في الشر والفساد ما يعود إلى الإسلام والإيمان. وهذا خبر الله ووعيده: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28].

    ثم قال المؤمن شمعان : يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ [غافر:29]. فأنتم تتبجحون وتتطاولون في الديار والبلاد، والزرع والمال وغير ذلك، فأنتم يا قوم! لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا [غافر:29]؟ فإذا جاءنا عذاب الله وبأسه وشدته ونقمته فوالله ما ينصرنا أحد. فإذاً: هيا نعدل عن هذا الكفر والضلال، وندخل في الإسلام مع موسى، وننجو مع بني إسرائيل، ولكنهم أبوا؛ لأن الله كتب شقاءهم؛ لأنهم توغلوا في الإسراف والكذب، فلهذا ما اهتدوا.

    وبعد أن قال لهم هذا المؤمن: فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ؟ قال فرعون بعد هذه الخطبة العظيمة وهذه النصيحة الكبيرة التي توجه بها شمعان إلى فرعون وقومه: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى [غافر:29]، لا ما يرى غيري أبداً، فأنا الذي أرى كيف هدايتكم وإصلاحكم. وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29]. وهو فسقه وكفره وضلاله، وإلا فهو لا يعرف الرشاد. ولعنة الله عليه.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيتين.

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: فضل الإيمان وفضل صاحبه، فقد ورد الثناء على هذا الرجل في ثلاثة رجال ] سماهم الرسول صلى الله عليه وسلم [ هم: مؤمن آل فرعون هذا، وحبيب النجار مؤمن آل ياسين، وأبو بكر الصديق رضي الله ] تعالى [ عنه ] فـأبو بكر الصديق عانى كما عانى هؤلاء مع الفراعنة والطغاة، فأول من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق ، وعانى وقاسى ما قاساه أولئك مع هؤلاء.

    قال الشيخ في النهر غفر الله له ولنا ولوالديه ولجميع المسلمين: [ روى البخاري وغيره: أن المشركين تعرضوا للرسول صلى الله عليه وسلم حول الكعبة بسوء، فجاء أبو بكر يصرخ فيهم: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ فضربوه ضرباً شديداً حتى أغمي عليه، فلما أفاق قال: كيف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    قال علي رضي الله عنه: أبو بكر أفضل من مؤمن آل فرعون؛ لأن أبا بكر ما أخفى إيمانه، بل أظهره، وأوذي، ومؤمن آل فرعون كتم إيمانه، ولم يؤذ ] وهو كذلك، فـأبو بكر صرّح بإيمانه، وأما مؤمن آل فرعون فكان يكتمه، فكان أبو بكر أفضل من مؤمن آل فرعون قطعاً.

    [ ثانياً: فصاحة مؤمن آل فرعون هي ثمرة إيمانه وبركته العاجلة؛ فإن لكلماته وقعاً كبيراً في النفوس ] فقد استطاع أن يقول هذا الكلام؛ لأنه آمن، فأنتج له إيمانه هذا البيان، ولو كان كافراً والله ما يقوى أن يقول هذا.

    وكما قلنا: حتى في الأكل والشرب ليس هناك إسراف يبيحه الله لعباده، ولذلك علينا بالعدل والقسط.

    [ ثالثاً: التنديد بالإسراف في كل شيء، والكذب والافتراء في كل شيء وعلى أي شيء ] فلا تكذب وتقول: أنا أداعب الناس وألاعبهم، فأكذب، فلا يحل الكذب أبداً.

    [ رابعاً ] وأخيراً: [ من عجيب أمر فرعون ادعاؤه أنه يهدي إلى الرشد والسداد، والصواب في القول والعمل، حتى ضرب به المثل، فقيل: فرعون يهدي إلى الرشد ] فقد قال: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29]، وهو لا يعرف الرشاد، وكما فلنا: الشيوعيون لما سادوا في بلاد العرب تبجحوا أكثر مما تبجح فرعون، ثم الآن خمدت نارهم وسكتوا.