إسلام ويب

تفسير سورة غافر (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن في قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملئه من جانب، وبينه وبين بني إسرائيل من جانب آخر، أعظم المواساة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر الله له هذه القصة آمراً إياه بالصبر على ما يلقى من قومه؛ لأن موسى عليه السلام لقي من قومه أكثر من ذلك فصبر، فأنعم الله عليه ونصره، وهذا هو الجزاء الذي ينتظر الصابرين من المؤمنين، على أهل الجدال بالباطل من المتكبرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ * هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ * إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر:53-57].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ [غافر:53]، هذه الآيات يسلي بها الرب تبارك وتعالى نبيه ومصطفاه محمداً صلى الله عليه وسلم؛ من أجل ما يعاني ويقاسي من صلف وعناد وكبرياء من مشركي قريش، ومن إنكارهم عليه صلى الله عليه وسلم نزول القرآن عليه، فكانوا يدعون أنه سحر أو شعر. وها هو تعالى قد أنزل على موسى التوراة، هادية لكل طرق السلامة والسعادة في الدنيا والآخرة، وكذلك هي نور. إذاً: فلا يعاب على الله إنزال الكتاب على محمد، وقد أنزله على موسى عليه السلام. فقد قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى [غافر:53]. وموسى بن عمران أحد أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام. والهدى: التوراة، فهي نفسها نور وهدى، فقد أنزل الله التوراة هدى ونور. والهدى ما يهديك إلى سعادتك في الدنيا والآخرة، وكتب الله كلها هادية، وكلها هداة، فمن آمن بها وعمل بما فيها اهتدى إلى طريق سعادته وكماله في دنياه وفي أخراه.

    ثم قال تعالى: وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ [غافر:53]. وبنو إسرائيل هم أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؛ إذ يعقوب يسمى بإسرائيل، بمعنى عبد الله، فـئيل: هو الله، وإسرا بمعنى عبد. فهو إسرائيل، واليهود كلهم من أولاد إسرائيل.

    فقال تعالى هنا: وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ [غافر:53]. الذي هو التوراة. فقد توفي موسى ولحق بربه، وبقيت التوراة يتوارثونها إلى اليوم. والتوراة كتاب عظيم ونور، ولكن الظلمة والمفسدين حرفوها وبدلوها وغيروها، وزادوا فيها ونقصوا. ولذلك ما أصبحت التوراة ولا الإنجيل يعول عليهما، ولا يؤخذ بما فيهما. فالإنجيل حولوه إلى خمسة وثلاثين إنجيلاً، ولما انفضح أمرهم عادوا وجمعوه في خمسة أناجيل، وهي إلى الآن الإنجيل خمسة أناجيل، فلهذا لا يعول اليوم على التوراة ولا على الإنجيل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هدى وذكرى لأولي الألباب)

    قال تعالى: هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ [غافر:54]. فقد أورثنا بني إسرائيل الكتاب الذي هو التوراة، فهي كتاب الله ووحي الله، الذي أنزله على عبده ورسوله موسى، وقد أنزلناها هُدًى وَذِكْرَى [غافر:54] وعظة لِأُولِي الأَلْبَابِ [غافر:54]، أي: أصحاب القلوب الحية والبصائر المضيئة، وأما الذين قلوبهم ميتة وأبصارهم عمياء فهم ما يرون ذلك. فهذا الكتاب فيه ذكرى وهدى لأولي الألباب، جمع لب، أي: القلب العاقل البصير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق ...)

    وجه تبارك وتعالى خطابه لرسوله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: فَاصْبِرْ [غافر:55]. وها هو ذا موسى أنزلنا عليه التوراة وعانى، وأنزلنا عليها التوراة والمعجزات الخارقة للعادة، وعانى من قومه معاناة ما أدركتها أنت يا رسول الله! ولا بلغت مستواها. إذاً: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [غافر:55]. وهو قد وعدك بنصرك على قومك، وانتصار دينك على الأديان. وتم وعد الله الذي بشر به رسوله، فقال: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [غافر:55]. وسوف ينجزه لك. وما هي خمس وعشرون سنة وانتصر الإسلام، وبلغ أقصى الشرق وأقصى الغرب، وأنجز الله له ما وعد.

    هذا معنى قول الله تعالى لرسوله: فَاصْبِرْ [غافر:55]، أي: اصبر وتحمل ولا تجزع، بل اصبر إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [غافر:55]. وسوف ينصرك الله، ويرفع رايتك، وينصر دينك وملتك. وكان كذلك بالفعل.

    ثم قال تعالى له: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [غافر:55]. وهنا هل يستغفر الرسول صلى الله عليه وسلم لذنب أذنبه؟ إذا قلنا: الصغائر يأتيها الأنبياء فنقول: المراد به الذنوب الصغائر، وإذا قلنا: استغفر ربك بمعنى: ادع الله، فهو بمعنى الدعاء، فيكون المقصود بالاستغفار هنا دعاء، وقد قال الصحابي ابن عمر: ( كنا نجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعد له في الجلسة الواحدة مائة مرة يقول فيها: رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم ). وهذا دعاء وطلب في صورة الاستغفار، فهو يقول: ( رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم ). وكذلك أيضاً كان قبل البعثة النبوية له ذنوب كغيره، فيستغفر الله لتلك الذنوب التي كانت قبل أن ينبئه الله ويرسله. وهذا محتمل أيضاً.

    والذي فتح الله به علي أقوله لكم، وهو: أننا مهما عبدنا الله ومهما أطعناه ولو ذكرناه ولم ننساه ولو عشنا عابدين فقط ما أدينا حق الله عز وجل، ولا وفيناه أبداً. فلهذا نحن في حاجة إلى الاستغفار دائماً وأبداً، فلا نفارق كلمة: أستغفر الله وأتوب إليه. والله هو الذي خلق السماوات والأرضين، وهو الذي خلق الإنس والجن، وهو الذي يدير الملكوت. فلا تعصيه، بل تب إليه. فلو أننا ذاكرين شاكرين طول الليل والنهار ما أدينا حق الله عز وجل، بل ولكنا نحتاج إلى الاستغفار.

    وأيضاً يحتمل أن يكون معنى الآية: واستغفر لأمتك، وقد كان يستغفر لأمته صلى الله عليه وسلم.

    هكذا يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [غافر:55]. وسوف ينصرك على أعدائك. وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [غافر:55]، أي: اطلب المغفرة من ربك. وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [غافر:55]. فقل: سبحان الله وبحمده في الصباح والمساء، وبالعشي والإبكار، وخاصة في الصلاة، وهذا يشمل صلاة الصبح، وصلاة الظهر والعصر؛ لقوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [غافر:55]. ومن هنا يقول صلى الله عليه وسلم: ( من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر ). فلهذا يجب أن لا يترك هذا الورد أحدنا، ولا يتخلى عنه ولا ينساه في الصباح من صلاة الصبح إلى الضحى، وفي المساء أيضاً من العصر إلى العشاء، فنسبح سبحان الله وبحمده. وهذا تسبيح لله عز وجل، وقد قال: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [غافر:55]. إذاً: علينا أن نسبح الله عز وجل.

    وهناك ورد آخر، وهو: سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم. فهذا من أعظم الأوراد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم .. سبحان الله العظيم ). وهذا حتى لا يكون لنا وقت نسكت فيه أبداً عن الذكر، إلا لضرورة الكلام والحاجة إليه، وإلا فليس هناك ساعة نسكت فيها، ولا حتى ربع ساعة، بل لا بد من ذكر الله عز وجل. وهذا الله تعالى يأمر رسوله فيقول: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [غافر:55] يا رسولنا! بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [غافر:55]، أي: في الصباح والمساء. والحمد لله فالصلوات الخمس موزعة على الأوقات، فالصبح في الصباح، والظهر والعصر في المساء، والمغرب والعشاء في الليل. وكلها ذكر لله عز وجل، ودعاء له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان آتاهم إن في صدورهم إلا كبر ...)

    قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ [غافر:56]. فيا رسولنا! محمد صلى الله عليه وسلم اعلم أن الذين يجادلونك في آيات الله، والذين يكذبون بكلام الله، وينفون أن يكون القرآن كلام الله، ويقولون: إنه سحر أو شعر أو أساطير الأولين اقتبسها من الناس، هؤلاء يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ [غافر:56]، ولا حجة ولا برهان، وليس لهم علم من الله ولا من رسله، بل هم أصحاب حجاج وجدال، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ [غافر:56]، أي: في القرآن بِغَيْرِ سُلْطَانٍ [غافر:56] وبغير حجة وبغير برهان؛ إذ ليس عندهم وحي ولا عندهم كتاب، بل يريدون إبطال القرآن. والحقيقة هي: أن هؤلاء في صدورهم كبر، وقد امتلأت صدورهم به، فهم ما يريدون أن يركعوا ولا أن يسجدوا، وما يريدون أن يمشوا وراء رسول الله، بل يريدون التكبر والعلو، والسلطة والدولة، وهذا والله لكما أخبر الله، فليس هناك سبب لهذا إلا هذا لكبر في نفوسهم، فهم يجادلون ليبطلوا القرآن والإسلام؛ حتى يبقوا أعزاء وكراماً وسادة. وهذا الخبير العليم الله عز وجل يخبر بما في نفوسهم، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ [غافر:56]، أي: بغير حجة وبرهان، لا من كتاب ولا من سنة أتتهم، وما جاءهم سلطان أتاهم من عند الله إِنْ [غافر:56]، أي: ما فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ [غافر:56]. ووالله ما وصلوا إليه، وما هي إلا سنيات وأسلموا، وخرجوا من ذلك الكفر والباطل. وأما ما كانوا يتمنونه من السيادة والحكم والسلطة فوالله ما هم ببالغيه، وما بلغوه أبداً، ومن مات منهم على الشرك والكفر في جهنم، ومن أسلم نجا ودخل الجنة.

    ثم قال تعالى لرسوله: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [غافر:56]، واطلب الحفظ والعون والستر من الله، فهو الذي يقيك من ظلمهم، ويحفظك من مكرهم، ويبعدك عن شرهم وفسادهم. فافزع إلى الله فقط، فالله يحميك منهم ويحفظك؛ إذ كانوا يهددونه بالقتل، وحكموا عليه بالإعدام، وفعلوا غير ذلك. ولذلك قال تعالى له: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [غافر:56] يا رسولنا! واطلب العوذ من الله والحفظ؛ ليحفظك، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ [غافر:56] لأقوال عباده، الْبَصِيرُ [غافر:56] بأفعالهم. فافزع إلى الله والجأ إليه؛ فإنه يحفظك ويعصمك، ويبعدهم عنك، ويهلكهم من أجلك، وقد فعل عز وجل ذلك، فإنه هو السميع لكل قول يقال في الأرض أو في السماء، والبصير بكل حركة وكائن، وبالوجود بكامله، فلهذا افزع إليه ولا تخف، كما قال تعالى: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [غافر:56]، وافزع إليه ولا تخف.

    وقوله: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [غافر:56]، أي: اطلب المعاذ والعوذ والنجاة منه عز وجل، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر:56].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ...)

    قال تعالى: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر:57]. فوالله لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. وهذا رد على الذين يقولون: إذا متنا ما نحيا، وأنه لا بعث ولا حياة ثانية، وإذا أصبحنا عظاماً نخرة ورفاة فلن نصبح أحياء، ويكذبون بالبعث بعناد كبير؛ حتى لا يسلموا قلوبهم لله تعالى ووجوههم.

    والمكذبون بالبعث والدار الآخرة موجودون بالملايين، وهم شر الكفار، وأقبح حالاً من حالهم. وهذا هو المنطق في الجواب عليهم، وهو أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، وليس للناس قيمة إلى الشمس أو القمر، بل خلق السماوات أكبر من خلق الناس وأن يعيدهم، ثم هو قد خلقهم وأوجدهم، ثم أماتهم، فلا يعجز أن يعيدهم وقد خلقهم أولاً وأماتهم ثانياً، فهو لا يعجز عن إعادتهم مرة أخرى. ولذلك قال تعالى: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر:57]. فالجهل هو المصيبة، وهو البلاء، وهو الذي أبعدهم عن الحق، ولو علموا ما قالوا هذا، ولما قالوا: كيف يحيينا بعدما يميتنا؟ فقد قال تعالى: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر:57].

    وهذا كلام منطقي عقلي، ولكنهم ما عندهم عقول ولا قلوب حتى ينكروا الحياة الثانية، والذي أوجد هذه الحياة هو الله، فآمنا به، فهو الموجد لها، وقد أخبرنا أنه سيوجدها مرة ثانية. ووالله ما ينفي هذا إلا من يريد أن يستمر على فسقه وفجوره، وكفره وشركه وباطله فقط، فهو يبعد هذه النظرية عن نفسه حتى يبقى على الباطل، وإلا فلا يوجد عقل أبداً يكذب الله وقد آمن به، وأنه خلق السماوات والأرض، وخلق الإنس والجن، وخلق كل شيء من الذرة إلى المجرة. وهو قد أخبر أنه سيعيد الناس من جديد، ووالله ما يكذبه عاقل أبداً، ولكن المنكرين لا عقول لهم، وهو قد قال: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر:57]. وهو والله لأكبر. إذاً: فلا تنفوا الحياة الثانية. ووالله ما ينفيها الآن وبعد الآن وقبل الآن إلا الذين لا يريدون أن يقوموا لله بعبادة، لا صلاة ولا صيام، ولا تحليل ما أحل ولا تحريم ما حرم، بل هم يريدون أن يعيشوا فقط فجرة كفرة كالملاحدة، ولذلك فهم لا ينفون البعث والدار الآخرة.

    وهذه الآيات أولاً: تقرر النبوة المحمدية، ووالله العظيم إن محمداً لرسول الله، فها هو الله يكلمه ويتكلم معه، فهو رسول، وقد أنزل عليه هذا القرآن كما أنزل التوراة على موسى، فمحمد كموسى رسول.

    ثانياً: ثم تقرر البعث والدار الآخرة بعد توحيد الله عز وجل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن نسمع هداية الآيات.

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: بيان منة الله تعالى على موسى وبني إسرائيل تتكرر لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته بإنزال الكتاب، وتوريثه فيهم، هدى وذكرى لأولي الألباب ] فقد امتن الله تعالى على موسى وبني إسرائيل بالكتاب، وامتن على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بمحمد والكتاب. فهذه منة الله عز وجل، والحمد لله.

    [ ثانياً: وجوب الصبر ] والثبات [ والتحمل في ذات الله، والاستعانة على ذلك بالاستغفار والذكر والصلاة ] فلا تتزعزع يا عبد الله! ولا تفشل، واستعن في ذلك بالدعاء والاستغفار وذكر الله عز وجل. فيا من يدعو إلى الله! سوف تبتلى، وسوف يقف في وجهك الشيطان والشياطين، فعليك أن تصبر، وعليك أن تثبت، واستعن بالله وبذكر الله، وعبادة الله ودعاء الله عز وجل؛ حتى تنتصر بإذن الله.

    [ ثالثاً: أكثر من يجادل بالباطل ليزيل به الحق إنما يجادل من كبر يريد الوصول إليه، وهو التعالي والغلبة والقهر للآخرين ] وهذه هي الحقيقة. فأكثر من يجادلون لإبطال الحق هم المتكبرون فقط، فهم ما يريدون أن يذلوا أو يخضروا أو يخشعوا لله، بل يريدون دائماً أن يبقوا رؤساء، وأن يكونوا هم المالكين، ويكونوا كذا وكذا، فيرفضون الحق ولا يقبلونه إلى اليوم. والذي يرفض الإسلام ودعوة الرسول إلى عبادة الله ما حمله على ذلك إلا الكبر، فهو ما يريد أن يتنازل أبداً؛ لأن في قلبه كبر ومرض.

    [ رابعاً ] وأخيراً: [ تقرير عقيدة البعث ] والجزاء [ بالبرهان العقلي، وهو أن البدء أصعب من الإعادة، ومن أبدأ أعاد، ولا نصب ولا تعب ] فمن أبدأ أعاد، وما دام قد أبدأ فإنه يعيد، ولو كان ما أبدأ شيء ولا أوجده لم يمكنه أن يعيده. ولكن الله خلق هذا الكون من لا شيء، فقد كان ولا شيء إلا الله، فخلق هذه الأكوان وهذه العوالم كلها، ولن يعجز أن يعيد حفنة من المخلوقات أحياء كما كانوا؛ ليسعدهم أو يشقيهم، ووالله ما يعجزه ذلك. فلهذا قولوا: آمنا بالله وبلقائه.