إسلام ويب

تفسير سورة سبأ (7)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المفاصلة بين أهل الحق والإيمان وأهل الباطل والكفران أمر حتمي وسنة ماضية، وقد وجه الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين إلى ذلك، مبينين لأعداء الله أن الله عز وجل سيجمع المصلح والمبطل عنده سبحانه وسيحكم بينهم بالحق والعدل، ويحاسب كلاً منهم على ما عمل، ويجازي أهل الإحسان بالحسنى، ويعاقب أهل الطغيان بالعذاب الذي أجسادهم عليه لا تقوى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فهيا بنا نصغي مستمعين إلى هذه الآيات من سورة سبأ المباركة الميمونة ثم نتدارسها، قال تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ [سبأ:24-30].

    تبكيت الله للمشركين بإقامة الحجج عليهم بتقرير التوحيد وإبطال التنديد

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [سبأ:24]؟ أي: قل يا رسولنا! لهؤلاء الكافرين والمشركين والملاحدة بأسلوب فوق ما تتصور، وذلك من أجل أن يجذب قلوبهم، وأن ينتزع تلك الغفلة والغشاوة التي على قلوبهم، قُلْ [سبأ:24]، لهم، مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [سبأ:24]؟ سيقولون: اللات والعزى! مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ [سبأ:24]، من يرسل الرياح ويسوق السحب فتنزل الأمطار وتنبت الأرض وتكثر فيها الحيوانات فتجدون مآكلكم ومشاربكم لحماً وطعاماً وما إلى ذلك؟ من يفعل هذا غير الله تعالى؟ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ [سبأ:24]، وذلك بإنزال المطر، ومن الأرض بالنباتات والأعشاب والحبوب والثمار والحيوانات؟ من يفعل هذا؟ هل يستطيعون أن يقولوا: اللات أو العزى؟ وهل نستطيع أن نقول: الحسن أو الحسين؟ إذاً فمن هو؟ إنه الله جل وعلا.

    قُلِ اللَّهُ [سبأ:24]، إذ لا جواب إلا هذا، قُلِ اللَّهُ [سبأ:24]، فهو وحده الذي يرزق عباده، إذ هذه الأرزاق التي يعيش عليها الناس كلها من الله تعالى، إذ هو موجدها وخالقها وموجد أسبابها، فلا رسول ولا ملك ولا نبي ولا ولي يوجد ذلك فضلاً عن الأشجار والأحجار والأصنام والتماثيل، وهذا الأسلوب يجذبهم إلى أن يصغوا ويسمعوا وهم متعنترون متجبرون، قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [سبأ:24]؟ فسوف يقولون -واسبقهم أنت وقل-: الله، فمن ينزل المطر من المساء؟ ومن ينبت النبات في الأرض؟

    استخدام القرآن لأسلوب التشكيك للتلطف بالخصم المعاند حتى لا يلج في العناد

    ثم قال تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ:24]، أي: قل لهم يا رسولنا! وإنا أو أنتم، لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ:24]، أي: منا من هو على الهدى ومنا من هو على الضلال المبين، فمن هم الذين على الهدى؟ هم رسول الله والمؤمنون، ومن هم الذين على الضلال؟ هم هؤلاء المشركون المنكرون للبعث والجزاء والمكذبون برسالة الله على لسان رسوله، وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ [سبأ:24]، واحد منا، لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ:24]، فيفتح لهم الباب ليفكروا ولتزول تلك العنجهية التي في نفوسهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون)

    ثم قال تعالى لمصطفاه صلى الله عليه وسلم: قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ [سبأ:25]، أي: بلغهم أنكم لا تسألون عما أجرمنا وتأثمنا وفعلنا الذنوب، ونحن أيضاً لا نسأل عما تعملون من الباطل والشر والفساد والشرك والكفر، وهذا أسلوب عجيب، وذلك حتى ينجذبوا ويصغوا إلى كلام النبي صلى الله عليه وسلم، إذ قد كانوا لا يريدون أن يسمعوا، لكن بهذا الأسلوب الرباني فإنهم سيصغون ويستمعون ويتأملون، إذ لو قال من أول مرة: أنتم كفار، أنتم من أهل النار، ونحن أهل الإيمان أهل الجنة، فلن يستمعوا ولن يستجيبوا، ولكن فتح لهم باب الحوار بهذا الأسلوب العظيم رجاء أن يستجيبوا ويسمعوا، وبهذا الأسلوب قد استجاب وأسلم الكثير منهم.

    قُلْ [سبأ:25]، أي: يا رسولنا لهم، لا تُسْأَلُونَ [سبأ:25]، أي: لا يسألكم الله عز وجل، ولا يسألنا الله عز وجل عما أجرمنا، وَلا نُسْأَلُ [سبأ:25]، نحن، عَمَّا تَعْمَلُونَ [سبأ:25]، فلا يقول لنا ربنا: لماذا فعلوا الجرائم وأنتم موجودون؟ فلا نسأل عما أجرم المجرمون ولا نسأل عما يعملون، لا تُسْأَلُونَ [سبأ:25]، أيها المشركون! ويا أيها الكافرون! عن إجرامنا إن أجرمنا، ووالله ما أجرم رسول الله ولا أصحابه، لكن هذا من باب فتح الباب للتأمل فقط، وَلا نُسْأَلُ [سبأ:25]، نحن يوم القيامة، عَمَّا تَعْمَلُونَ [سبأ:25]، أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم)

    ثم قال تعالى أيضاً لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ [سبأ:26]، أي: يا رسولنا! قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا [سبأ:26]، أي: يوم القيامة، وذلك في أرض واحدة وعلى صعيد واحد، ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ [سبأ:26]، أي: يحكم بيننا بالحق، وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [سبأ:26]، فبلغهم هذا، وهذه هي الدعوة إلى الإيمان بالبعث والدار الآخرة، وهذه أجزاؤها: فأولاً: التوحيد، وهنا الإيمان بالبعث والدار الآخرة.

    قُلْ [سبأ:26]، أي: قل لهم يا رسولنا! يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [سبأ:26]، وفتح إذا حكم بالعدل وأقامه بين الناس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أروني الذين ألحقتم به شركاء ...)

    ثم قال الله أيضاً للنبي صلى الله عليه وسلم: قُلْ [سبأ:27]، لهم يا رسولنا! أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ [سبأ:27]، أي: دلوني على الذين ألحقتموهم بالله شركاء، كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ [سبأ:27]، والله لا يوجد شريك لله تعالى، وقد كانوا إذا لبوا يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فمن هو هذا؟ هو اللات أو العزى، ففي ماذا شارك الله؟! هل أحيا بعوضة أو أنبت نخلة؟! أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ [سبأ:27]، أي: ألحقتموهم بالله شركاء فعبدتموهم، كلا والله لا يوجد، بَلْ هُوَ [سبأ:27] وحده، الْعَزِيزُ [سبأ:27]، أي: الغالب، الْحَكِيمُ [سبأ:27]، أي: في عدله وحكمه، وأما اللات والأصنام والملائكة والأنبياء والأموات الذين يعبدونهم فكلهم ليسوا بشيء، إذ الحكم والأمر لله وحده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ...)

    وبعد هذا التقرير للتوحيد والبعث الآخر قرر النبوة المحمدية فقال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28]، أي: يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم مسلياً له وحاملاً له على الصبر والتحمل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً [سبأ:28]، أي: إلى الناس كافة، بَشِيرًا [سبأ:28]، أي: للمؤمنين، وَنَذِيرًا [سبأ:28]، أي: للكافرين، وهذه كما قلنا: تسلية للرسول وتخفيف عنه، وفي نفس الوقت إثبات وتقرير للنبوة المحمدية.

    ثم قال تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [سبأ:28]، وهذه حقيقة أخرى، إذ والله إن أكثر الناس لا يعلمون أن الرسول بشير يبشر المؤمنين العاملين للصالحات بالنعيم المقيم في دار السلام، وبالنصر والطهارة والصفاء في الدنيا، وينذر الكافرين والمشركين ويخوفهم من عذاب الله في الآخرة وما يصيبهم في الدنيا، وهذه حقيقة قد قررها الله أن أكثر الناس لا يعلمون في أي زمان أو مكان؛ لأن العلم الإلهي من طريق معروف ألا وهو الإيمان بالله وبرسوله وكتابه، فلما كفروا بالله وبرسوله وبكتابه فكيف يعلمون؟ إن هذا مستحيل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ...)

    ثم قال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [سبأ:29]؟ أي: متى القيامة؟ متى الساعة؟ متى يأتي هذا العذاب إن كنتم صادقين؟

    ثم قال تعالى: قُلْ [سبأ:30]، أي: قل لهم يا رسولنا! لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ [سبأ:30]، أي: هكذا سجله الله في كتاب المقادير، وذلك في ساعة معروفة لا تتقدم بدقيقة ولا تتأخر بأخرى، فمطالبتكم بالعذاب خطأ ولا معنى لذلك الطلب، إذ إنهم قد طالبوا بالعذاب فقالوا: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [سبأ:29]؟ قُلْ [سبأ:30]، لهم يا رسولنا! لَكُمْ مِيعَادُ [سبأ:30]، أي: موعد محدد.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن نسمعكم شرح الآيات من الكتاب فتأملوا.

    معنى الآيات

    قال الشارح: [ معنى الآيات: ما زال السياق في تبكيت المشركين وإقامة الحجج عليهم بتقرير التوحيد وإبطال التنديد -أي: الشرك- فقال تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: سل قومك مبكتاً لهم: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [سبأ:24]، بإنزال الأمطار وإرسال الرياح لواقح، وإنبات النباتات والزروع والثمار، وتوفير الحيوان للحم واللبن ومشتقاته؟ وإن تلعثموا -ما استطاعوا الجواب الصحيح- في الجواب أو ترددوا خوف الهزيمة العقلية فأجب أنت قائلاً: الله، إذ ليس من جواب عندهم سواه.

    وقوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ:24]، هذا أسلوب التشكيك وحكمته التلطف بالخصم المعاند حتى لا يلج في العناد ولا يفكر في الأمر الذي يجادل فيه، وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون هم الذين على هدى، والمشركون هم الذين في ضلال مبين، وهو أمر مسلم لدى طرفي النزاع.

    وقوله تعالى: قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ [سبأ:25]، وهذا أيضاً من باب التلطف مع الخصم المعاند لتهدأ عاصفة عناده ويراجع نفسه عله يثوب إلى رشده ويعود إلى الصواب، فقوله: لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا [سبأ:25]، هو حق، فإنهم لا يسألون عن ذنوب الرسول والمؤمنين، ولكن الرسول والمؤمنين لا ذنب لهم، وإنما هو من باب التلطف في الخطاب، وأما المشركون فإن لهم أعمالاً من الشرك والباطل سيجزون بها، والرسول والمؤمنون قطعاً لا يسألون عنها ولا يؤاخذون بها ما داموا قد بلغوا ونصحوا.

    وقوله: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا [سبأ:26]، أي: يوم القيامة، ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا [سبأ:26]، أي: يحكم ويفصل بيننا، بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ [سبأ:26]، أي: الحاكم، الْعَلِيمُ [سبأ:26]، بأحوال عباده، فأحكامه ستكون عادلة لعلمه بما يحكم فيه ظاهراً وباطناً، وفي هذا جذب لهم بلطف ودون عنف ليقروا بالبعث الآخر الذي ينكرونه بشدة.

    وقوله: قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ [سبأ:27]، أي: قل يا رسولنا لهؤلاء المشركين: أروني آلهتكم التي أشركتموها بالله وألحقتموها به وقلتم في تلبيتكم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، وهكذا يتحداهم رسول الله بإذن الله أن يروه شركاء لله حقيقة يسمعون ويبصرون، ينفعون ويضرون، ولما كان من غير الممكن الإتيان بهم غير أصنام وتماثيل زجرهم بعنف لعلهم يستفيقون من غفلتهم، فقال: كلا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [سبأ:27]، أي: ليست تلك الأصنام بآلهة تعبد مع الله، بل المعبود الحق الواجب العبادة هو الله رب العالمين، وإله الأولين والآخرين، العزيز الغالب على أمره ومراده، الحكيم في تدبير خلقه وشئون عباده.

    وقوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28]، أي: لم نرسلك يا رسولنا لمهمة غير البشارة والنذارة، فلذا لا يحزنك إعراضهم وعدم استجابتهم، فبشر من آمن بك واتبعك فيما جئت به، وأنذر من كفر بك ولم يتابعك على الهدى الذي تدعو إليه.

    وقوله تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [سبأ:28]، فيه تعزية للرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً، إذ الواقع أن أكثر الناس لا يعلمون، إذ لو علموا لما ترددوا في عبادة الله وتوحيده والتقرب إليه طمعاً فيما عنده وخوفاً مما لديه.

    وقوله: وَيَقُولُونَ [سبأ:29]، أي: أهل مكة من منكري البعث والجزاء، مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [سبأ:29]، أي: العذاب الذي تهددنا به وتخوفنا بنزوله بنا، إِنْ كُنتُمْ [سبأ:29]، أيها المؤمنون! صَادِقِينَ [سبأ:29]، فيما تقولون لنا وتعدوننا به، وهكذا أمر الله تعالى رسوله أن يرد على استهزائهم وعلى تكذيبهم بقوله: قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ [سبأ:30]، يوم معين عندنا محدد لا تستأخرون عنه ساعة، لو طلبتم ذلك لتتوبوا وتستغفروا، ولا تستقدمون أخرى لو طلبتم أيضاً تعجيله، إذ الأمر مبرم محكم لا يقبل النقص ولا الزيادة ولا التبديل ولا التغيير ].

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: مشروعية التلطف مع الخصم فسحاً له في مجال التفكير لعله يثوب إلى رشده ]، مشروعية التلطف مع الخصم لعله يراجع ويرجع، بخلاف لو خاطبته بشدة فلن يستجيب.

    قال: [ ثانياً: تقرير عقيدة البعث والجزاء وتنويع الأسلوب الدعوي في ذلك ]، تقرير عقيدة البعث الآخر والجزاء بأسلوب عجيب ذكره الله تعالى، إذ لابد من حياة ثانية، ولا بد من جزاء فيها على العمل في هذه الدنيا.

    قال: [ ثالثاً: تقرير عقيدة النبوة المحمدية وعموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ]، تقرير النبوة المحمدية، إذ محمد هو رسول الله وإن كذب بهذا المكذبون، وأنكر المنكرون، وهو ليس رسول العرب خاصة، بل هو للناس أجمعين، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:28]، فرسالته رسالة عامة، والناس مطالبون بها اليوم إلى يوم القيامة، وعلى الكافرين والمشركين في الشرق والغرب أن يسألوا عن هذا الرسول وما الذي تركه؟ وما هي رسالته؟ لكن إن كتب الله مصيرهم إلى جهنم فسيتكبرون ولا يسألون والعياذ بالله تعالى.

    قال: [ رابعاً: يوم القيامة مقرر الساعة واليوم فلا يصح تقديمه ولا تأخيره بحال ]، وقد عرفنا هذا وقلنا: إن للساعة يوم محدد وساعة محددة، ولا يعلم تلك الساعة إلا الله تعالى، وهي محددة لا تتقدم بدقائق ولا تتأخر بدقائق.