إسلام ويب

تفسير سورة المجادلة (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الذين يحادون الله ورسوله توعدهم الله بالذلة والهوان والصغار في الدنيا والآخرة، وكتب سبحانه العز والتمكين لأوليائه المؤمنين، الذين يطيعونه ويطيعون رسوله، وحذرهم من موالاة أولئك الكافرين المحادين لله ورسوله ولو كانوا من أقرب المقربين؛ لأن موالاتهم خلاف الإيمان، فليس للمؤمن أن يحب من يبغضه الله، ولا أن ينصر من خذله الله، فحزب الله عز وجل لا يلتقي بحال مع حزب الشيطان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الأمسيات الربانية ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن اليوم مع نهاية سورة المجادلة المدنية، ومع هذه الآيات منها، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوتها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ * لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:20-22].

    كتب الله الذل والصغار على من حاده وحاد رسوله بمخالفتهما فيما يحبان ويكرهان

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:20]، والمحادة هي المعاداة والمشاقة وعدم الطاعة والانقياد والعبادة لله عز وجل، وبالتالي فأيما مخلوق من بني آدم يعادي ربه فلا يطيعه ولا يحبه ولا يعبده إلا فهو محاد لله عز وجل، وكذلك الذين لا يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتبعون سنته ولا يمشون وراءه، هم محادون لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فنبرأ إلى الله من هذه المحادة، ونعوذ بالله أن نكون من أهلها، ولذا فنحن نعلن أننا نحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ونطيع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا مشاقة ولا معاندة ولا معاداة، إذ إننا -كما ذكرت- نبرأ إلى الله من هذه الصفة، أعني: صفة المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الجزاء عظيم، قال تعالى: أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ [المجادلة:20]، أي: في أشد الناس ذلاً وهوناً ودوناً، إذ إنه يصاب بالذل والهون، بل أضعف الذل وأكبره وأكثره، ألا وهو في الأذلين، وهذا هو شأن من يحاد الله ورسوله.

    فالآية الكريمة عباد الله! تحذر من أن نحاد الله ورسوله بأن نعصيهما ونخرج عن طاعتهما، بأن لا نطبق شرع الله وما بينه في كتابه من العبادات والحدود، فنبرأ إلى الله من ذلك، والذين ما يبرءون من هذا ويتورطون فيه فوالله لهم أذلاء والعياذ بالله تعالى.

    مثلٌ حي لمن حاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

    ولنا مثل حي وهو: لما هبطت أمة الإسلام من علياء سمائها، وأصبحت تعبد القبور والأوثان، بل والفروج والشهوات، وأعرضت عن كتاب الله وحولته إلى الموتى دون الأحياء، فلا يجتمع عليه اثنان يدرسان، ولا يتعلمان ما فيه من الهدى والعلم، وأعرضت عن طاعة الله وطاعة رسوله، أذلها الله تعالى، وذلك بأن سلط عليها الكفار الغربيين من أوروبا فسادونا وحكمونا واستعمرونا وأذلونا؛ وكل ذلك ثمرة لمحادتنا لله ورسوله، فهذه آية واضحة كالشمس، أما أذل الله المسلمين؟ أما حكمتهم بريطانيا، فرنسا، أسبانيا، إيطاليا، هولندا، بلجيكا؟ أما سادونا وحكمونا؟ كيف حصل هذا؟ لأننا حاددنا الله ورسوله، وعصينا الله ورسوله، وما أطعنا الله ولا رسوله، بل وعطلنا شرع الله وأحكامه سبحانه وتعالى، فسلط الله علينا هذا الذل الذي هو من أعظم الذل، وصدق الله العظيم: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ [المجادلة:20]، فهم أذل الناس، فلنتق الله عز وجل ولا نقف هذا الموقف أبداً، فلا نحاد الله ولا رسوله، لا في طاعتهما ولا في حبهما، ولا في الإيمان بهما، وذلك لننجو من هذا الذل والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز...)

    قال تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21].

    قضاء الله على نفسه أن ينصر دينه ورسله

    كَتَبَ اللَّهُ [المجادلة:21]، أي: في كتاب المقادير في اللوح المحفوظ، فماذا كتب؟ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة:21]، أي: كتب الله وفرض على نفسه في كتاب المقادير ليغلبن كل كافر ومشرك ومحاد لله ولرسله عليهم السلام، كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة:21]، فالعزة والغلبة لهم بالحجة وبالسيف، ففي حال الحجة والبيان والبرهان رسل الله يغلبون كل من يجادلهم أو يحاجهم، وإن حملوا السيف وقاتلوا أعداءهم نصرهم الله تعالى؛ لأن الله قد كتب هذا في كتاب المقادير.

    برهنة الله تعالى على نصرة دينه ورسله

    ثم برهن الحق لذلك بقوله: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21]، فالقوي من يغالبه ويغلبه؟ من يحاربه وينتصر عليه؟ من يجادله ويخاصمه؟ والعزيز هو الذي بيده العز، فيعز من يشاء ويذل من يشاء، ولا يمتنع شيء عنه أبداً، فمتى ما أراد شيئاً كان ولا يخرج عن إرادته تعالى، ورسل الله -كما علمتم- ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، وخاتمهم وسيدهم وإمامهم هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد نصره الله وأعزه بالحجة والبرهان، وبالسيف والسنان والرمح طيلة دعوته إلى الإسلام حتى مكن له في الأرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله...)

    حرمة موالاة الكافر بالنصرة والمحبة ولو كان أقرب قريب

    ثم قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22]، أي: لا تجد يا رسولنا! لا تجد أيها السامع من المؤمنين! قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب إليهم، فهذا عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين في المدينة كان مؤمناً صالحاً، وإذا بالرسول يشرب ماء فيقول له: أبق لي شيئاً من فضلة مائك أسقيه والدي لعل الله أن يهديه ويتوب عليه، فلما ذهب بفضلة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيه قال كلمة من أخبث الكلم، قال: بول أمك أفضل من هذا! فهمَّ عبد الله أن يقتل والده، لكن الرسول ما سمح له بذلك، وهذا أبو قحافة قبل أن يسلم سب الرسول صلى الله عليه وسلم، فضربه ولده أبو بكر حتى وقع على الأرض، بل وأراد أن يقتله، فلم يسمح له الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك.

    إذاً: مصداق هذا قول الله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [المجادلة:22]، أي: يؤمنون بالله رباً وإلهاً، لا رب غيره ولا إله سواه، وقد عرفوه بصفاته وجلاله وكماله، وآمنوا بعزته وسلطانه إيماناً حقاً، وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا باليوم الآخر وما سيحدث فيه، ومما أكرر القول فيه: الذي لا يؤمن بالله تعالى شر الخلق، وذلك كالقردة والخنازير، وكذلك الذي لا يؤمن بأن هناك يوماً تقام فيه البشرية من قبورها وتُسأل وتستنطق وتستجوب وتحاسب وتجزى، ثم إما إلى الجنة وإما إلى النار، فهو شر الخلق، ولا يوثق فيه ولا يعول عليه ولا يظن به خير أبداً.

    لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [المجادلة:22]، لا تجدهم ولو بحثت عنهم، يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22]، ولذا في غزوة بدر قاتل أصحاب رسول الله المهاجرون آباءهم وإخوانهم وقتلوهم، وهذا خبر إلهي، إذ إنه سبحانه وتعالى يخبر بأنه لا يوجد قوم يؤمنون بالله يوادون من حاد الله ورسوله أبداً، بل لا بد وأن يعادوهم ويبغضوهم ولا يحبوهم ولا يجالسوهم، حتى إن الإمام مالكاً رحمه الله يقول: لا يجوز مخالطة القدرية ولا الجلوس معهم ولا الحديث معهم، وذلك لأنهم محادون لله ورسوله، فكذلك الشخص الخبيث المنتن العفن ذو الجرائم والموبقات لا يستطيع المؤمن أن يجالسه ولا أن يتكلم معه أبداً؛ لأن الإيمان بالله واليوم الآخر يمنعك أن تحب كافراً فاسقاً فاجراً محاداً لله والرسول.

    لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [المجادلة:22]، فاليوم الأول هو هذا، وسينتهي والله كما سينتهي اليوم عندنا، فقد كنا في الصباح والآن نحن في المساء، ولذ فأيام الدنيا والله لتنتهي كانتهاء هذا اليوم، ثم إن اليوم الذي بعد ذلك يسمى باليوم الآخر، فهذا الأول وذلك الآخر، وقد علمنا علماً يقينياً أن هذه الحياة الدنيا للعمل ولذكر الله وشكره، وأن الدار الآخرة للجزاء على ذكره وشكره، ومن كفر فلم يذكر الله ولم يشكره ولم يطعه فالجزاء هناك في جهنم والعياذ بالله.

    لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22]، والموادة هي المحبة، يقال: وده يوده إذا أحبه، ثم قال تعالى: وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22]، في قبيلتهم.

    معنى قوله تعالى: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان)

    أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ [المجادلة:22]، أي: كتبه كتابةً لا ينمحي أبداً، إذ إنه رسخ الإيمان في قلوبهم وثبته كالكتابة، وأصحاب هذا الإيمان لا يوادون من حاد الله ورسوله أبداً؛ لأن إيمانهم راسخ ثابت مكتوب في قلوبهم لا ينمحي ولا يزول ولا يتغير، وهذا أولاً.

    معنى قوله تعالى: (وأيدهم بروح منه)

    ثانياً: وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة:22]، والروح هو جبريل عليه السلام، وهو ملك من الملائكة، والروح يطلق أيضاً على القرآن العظيم، إذ إن حججه وبراهينه أيدتهم، والنور في قلوبهم أيدهم، فهم مؤيدون من قبل الله تعالى، سواء كان جبريل أو كان ملكاً آخر، أو كان القرآن وحججه وبراهينه، أو كان نوراً وهداية في القلب، فالكل عامل للهداية ومثبت لها.

    جزاء من يواد الله ورسوله ويتبرأ مما عداهما

    ثم قال تعالى: وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [المجادلة:22]، أي: ويدخلهم يوم القيامة جنات، والجنات هي البساتين، وهي جمع جنة، وبستان جمع بساتين، وأنهار الجنة أربعة، قال تعالى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15]، فهذه أربعة أنهار تجري تحت أشجار وقصور الجنة، فتجري من خلالها ومن تحتها الأنهار، فاللهم اجعلنا منهم، فقووا إيمانكم بالله واليوم الآخر يحملكم على أن تعبدوا الله ولا تعصوه، أن تطيعوا الله ورسوله ولا تعصوهما، إذ إن الإيمان القوي بمثابة الروح، وصاحبه حي يقوى على أن يعطي ويأخذ ويذهب ويجيء، أما ذو الإيمان الضعيف والكافر فهو كالميت أو كالمريض.

    لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ [المجادلة:22]، فكيف وهم بعداء عنهم كفار يهود ونصارى ومجوس؟! وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة:22]، أي: ونصرهم بروح منه، وذلك بالقرآن وبجبريل وبالعلم وبالنور في القلوب، وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المجادلة:22]، فلولا رضاه سبحانه وتعالى ما نصرهم وثبتهم ووفقهم وهداهم، ولولا رضاه سبحانه ما أدخلهم جنته وأنزلهم بجواره في دار النعيم، ورضوا عن الله عز وجل بما وهبهم وأعطاهم وأكرمهم وأنعم عليهم، وهم في الجنة دار النعيم المقيم خالدين فيها أبداً، فلا يخرجون منها ولا يموتون فيها ولا يمرضون أبداً، وإنما سعادة أبدية، فاللهم اجعلنا منهم يا كريم!

    معنى قوله تعالى: (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)

    ثم قال تعالى في ختم هذا الطابع: أُوْلَئِكَ [المجادلة:22]، السامون العالون، حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22]، الناجون من النار والمقيمون بالجنة دار الأبرار، اللهم اجعلنا منهم.

    فهيا بنا نحقق إيماننا بالله واليوم الآخر، وذلك بحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وطاعتهما في ما يأمران وفي ما ينهيان، والبعد عن الشرك والمشركين والضلال والفساق والفجار والكافرين، فنعاديهم ولا نودهم ولا نحبهم حتى يرضى الله عنا، اللهم آمين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: كتب الله الذل والصغار على من حاده وحاد رسوله بمخالفتهما فيما يحبان ويكرهان ]، من هداية الآيات المباركة التي تدارسناها: الذل والهون والدون كتبه الله على من يحاد الله ورسوله، وبالتالي كل من يعادي الله ورسوله فلا يحبهما ولا يطيعهما في ما أمرا وفي ما نهيا إلا وهو في الأذلين، فنعوذ بالله منهم، ونعوذ بالله من ساحة وجودهم.

    قال: [ ثانياً: قضى الله تعالى بنصرة رسوله فنصره إنه قوي عزيز ]، من هداية الآيات: حكم الله بنصرة رسله ومن بينهم محمد صلى الله عليه وسلم وهو سيدهم، ففي خلال ثلاث عشرة سنة وهو في مكة وهم يحاولون قتله، ويحاولون أذاه، والله ناصره ومعزه، ثم دخل المدينة عشر سنوات فانتصر الإسلام من أقصى الشرق إلى الغرب، وهذا وعد الله أنجزه له.

    قال: قال الشيخ في النهر: [ ذكر لنزول هذه الآية عدة أسباب، وهي وإن لم تنزل في كلها فإنها منطبقة عليها، فقيل: إنها نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، فقد جاء لوالده بفضلة ماء من شراب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله يطهر قلبه من النفاق، فسأله: ما هذا؟ فأخبره، فقال عليه لعائن الله: فهلا جئتني ببول أمك فإنه أطهر منها، فغضب وجاء يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله فلم يأذن له. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق لما ضرب والده بشدة لما سب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: نزلت في الذين بارزوا أقربائهم يوم بدر ].

    قال: [ ومن هداية الآيات أيضاً: ثالثاً: حرمة موالاة الكافر بالنصرة والمحبة ولو كان أقرب قريب ]، فلا ننسى هذا أبداً، وبالتالي لا يحل موالاة الكافر الذي كذب الله ورسوله في ما شرعا وفي ما بينا وفي ما دعوا إليه من الهداية، وهذا لا يحب أبداً بحال من الأحوال، بل يجب بغضه وعداوته ولو كان أقرب قريب فضلاً عن أن يكون يهودياً أو نصرانياً أو يوذياً.

    قال: وجاء في النهر: [ روي أن داود عليه السلام قال: إلهي! من حزبك وحول عرشك؟ فأوحى الله إليه: يا داود! الغاضة أبصارهم، النقية قلوبهم، السليمة أكفهم، أولئك حزبي وحول عرشي ]، الآن نريد أن نعرف من هم حزب الله تعالى؟ اقرأ لنا ماذا قال داود بتمهل؟ قال: [ روي أن داود عليه السلام قال: إلهي! من حزبك وحول عرشك؟ ]، أي: أرني حزبك وحول عرشك؟ فماذا قال الله له؟ [ فأوحى الله إليه: يا داود! الغاضة أبصارهم ]، أي: ما ينظرون إلى النساء الأجنبيات غير المحارم، وثانياً: [ ثانياً: النقية قلوبهم ]، أي: التي ليس فيها شرك أبداً، ولا خوف من غير الله، ولا حب لغير الله، وإنما نقية قلوبهم من الوساوس والخواطر والشكوك، وثالثاً: [ السليمة أكفهم ]، فلا يأخذون ما حرم الله ولا يتناولونه أبداً، [ أولئك حزبي وحول عرشي ]، أي: هؤلاء حزب الله وحول عرشه، اللهم اجعلنا منهم، فغضوا أبصارهم وكفوا أيديكم تكونوا من حزب الله تعالى.