إسلام ويب

تفسير سورة المجادلة (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المنافقون يكرهون الإسلام وأهله، ويوادون الباطل وحزبه، فتراهم يوادون اليهود ويحبونهم كما كان حال المنافقين في المدينة، فقد كانوا يخفون فسادهم وكفرهم بالأيمان الكاذبة حتى لا يعلم المسلمون ما في دخيلة نفوسهم، وما يضمرونه لهم من الحقد والبغض والحسد، وقد توعد الله هؤلاء بالعذاب الأليم يوم القيامة يوم يلقونه سبحانه فيحلفون له كما كانوا يحلفون للمؤمنين ويحسبون أنهم على شيء، ولكنهم عند الله هم الكاذبون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الأمسيات الربانية ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن اليوم مع سورة المجادلة المدنية، ومع هذه الآيات منها، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوتها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة:14-19].

    حرمة موالاة اليهود

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! نزول هذه السورة -سورة المجادلة- كان بالمدينة، وأيام نزولها كان المنافقون من العرب أقوياء، فقد كانوا يظهرون الإسلام ويدعون الإيمان للإبقاء على وجودهم، فلا يقاتلهم رسول الله وأصحابه ولا يسلبون أموالهم، وكذلك كان يوجد في نفس الوقت منافقون من اليهود، واليهود كانوا ثلاث قبائل حول المدينة، وهذه الآيات تبين لنا حالهم، وكيف كانوا، وما هي نهاية حياتهم.

    يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المجادلة:14]، وهم اليهود، وسبب الغضب أنهم يعرفون الحق ويبطلونه، ويعرفون الشر ويفعلونه، فيحلون ما حرم الله تعالى، ويحرمون ما أحل الله تعالى عناداً ومكابرة، فيقول الله تعالى لرسوله متعجباً: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المجادلة:14]، يعني: هؤلاء المنافقون من الأوس والخزرج في المدينة تولوا اليهود وانضموا إليهم، وأصبحوا يناجونهم ويتفقون معهم ويعلنون عن كرههم للإسلام وللنبي وللمؤمنين والعياذ بالله تعالى.

    معنى قوله تعالى: (ما هم منكم ولا منهم)

    ثم قال تعالى: مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ [المجادلة:14]، أي: أن هؤلاء المنافقين ما هم منكم أيها المسلمون ولا من اليهود المغضوب عليهم، وبالتالي إذا أردت أن تعرف المنافق فخذ هذه الآيات أو العلامات الثلاث: الأولى: إذا حدث كذب، فالذي يحدث بالكذب منافق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا حدث كذب )، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وإذا وعد أخلف ) أي: وإذا وعدك فإنه يخلفك الوعد ويتلذذ بذلك، فيعد المؤمنين ويخلفهم نكاية بهم وتعذيباً لهم، ثم النبي صلى الله عليه وسلم: ( وإذا ائتمن خان )، أي: إذا ائتمنته على مال أو على إنسان أو على كلمة فإنه يخونك، وهذه هي مهمته والعياذ بالله.

    فهؤلاء يقول الله تعالى عنهم: مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ [المجادلة:14]، أي: ما هم منكم أيها المسلمون ولا من اليهود أبداً، مع أن اليهود يؤمنون بيوم القيامة وهؤلاء لا يؤمنون!

    حرمة الحلف على الكذب

    ثم يقول تعالى: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [المجادلة:14]، أنهم كاذبون والعياذ بالله، ومن هنا فالمؤمن الصادق الإيمان لا يحلف بالكذب أبداً، إذ إنه لا يحلف إلا بالحق، كما لا يحدث إلا بالصدق، فلا كذب ولا خيانة ولا غش ولا خداع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أعد الله لهم عذاباً شديداً...)

    ثم قال تعالى: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [المجادلة:15]، أي: هيأ الله لهم وحضر وأعد لهم في جهنم عذاباً شديداً، وسوف يذوقونه، وذلك ما إن تخرج روح أحدهم إلا وهي في الجحيم والعياذ بالله، والعلة لذلك: إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [المجادلة:15]، أي: قبح عملهم وساء وفسد؛ لأنهم يعيشون على النفاق والكذب والخداع والغش وكره الرسول والمؤمنين، وكره الإسلام أيضاً والبعد عنه، فهذا هو جزاؤهم، إِنَّهُمْ سَاءَ [المجادلة:15]، أي: قبح ما كانوا يعملونه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله...)

    ثانياً: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة:16]، والجُنَّة هي ما يجتن به الإنسان ويستر ويغطي به نفسه، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة:16]، أي: اتخذوا أيمانهم ستاراً حتى لا يقتلوا ولا تسلب أموالهم ولا يطردون من المدينة، وبالتالي هم لا يحاربون الرسول وأصحابه كما يحاربون غيرهم من المشركين والكافرين، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة:16]، والاجتنان ما يجتن به الإنسان ويغطيه، وسمي الجان بهذا الاسم لاختفائه وعدم ظهوره.

    ثم قال تعالى: فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة:16]، أي: صدوا المؤمنين الغافلين الجهلة، إذ إنهم يوسوسون لهم فينفخون فيهم: هذا الدين باطل، هذا كذب، هذا كذا وكذا، واليهود هم أهل علم وكتاب فاسمعوهم! فصدوا الكثير من النساء والرجال عن سبيل الله تعالى، وهذه هي مهمتهم والعياذ بالله.

    ثم قال تعالى: فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [المجادلة:16]، يهينهم الله به ويكسر أنوفهم ويذلهم، ألا وهو عذاب يوم القيامة والعياذ بالله تعالى، فهذا هو مصيرهم والله العظيم!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً...)

    ثم قال تعالى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [المجادلة:17]، فقد كان المنافقون في المدينة يعتزون بأموالهم وأولادهم، إذ إنهم كانوا أغنياء المدينة، فقال تعالى رداً عليهم: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [المجادلة:17]، أي: لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئاً، فلا المال ولا الولد الذي يعتزون به ينفع يوم القيامة.

    ثم قال تعالى: أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المجادلة:17]، أي: أولئك البعداء الأشقياء الخبثاء المنافقون أصحاب النار هم فيها خالدون، ووالله ما يخرجون منها أبداً، والنار عالم فيه أهوال عظام لا يعلمها إلا الله تعالى، وعالمنا هذا كقطرة ماء في بحر بالنسبة لذاك العالم العظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم...)

    ثم قال تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا [المجادلة:18]، أي: يبعثهم الله من قبورهم أحياء يوم القيامة، فيجمعهم ويسألهم عما عملوا في الدنيا، فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة:18]، أي: والله إنهم ليحلفون بالكذب وهم بين يدي الله تعالى! ويقولون: والله إنا مؤمنون، إننا نحب محمداً وننصر دين الله تعالى! وكل ذلك في عرصات القيامة، فمن أخبر بهذا الخبر؟ إنه الله خالقهم وخالق كل شيء، خلق أعمالهم وقدرها في كتاب المقادير قبل أن يوجدوا.

    ثم قال تعالى: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [المجادلة:18]، أي: يحسبون أنهم على شيء في الدنيا وفي الآخرة أيضاً، يحسبون أنهم على صدق وحق، والآن يغفر الله لهم ويدخلهم الجنة! وذلك كما كانوا يحسبون في الدنيا أنهم على الحق وأن المسلمين على الباطل.

    ثم قال تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [المجادلة:18]، وفعلت الآيات ما فعلت، إذ إنهم قد دخلوا في الإسلام جميعاً، وقد مات الرسول وليس في المدينة منافق واحد بسبب هذه الآيات، وهذه الهداية الربانية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله...)

    نسيان ذكر الله تعالى من علامات استحواذ الشيطان على العبد

    ثم قال تعالى: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ [المجادلة:19]، أي: فتحوا صدورهم وقلوبهم وعيونهم للشيطان فاستولى عليهم، وبالتالي فهو يسوقهم إلى المعاصي، ويدنيهم من الذنوب، ويقربهم من الآثام، ويبعدهم عن الحق، ويبعدهم عن الخير، ويبعدهم عن الفضيلة، فاستولى عليهم كما تستولي على غنمك تقودها وتسوقها حيث تشاء، فكذلك الشيطان فعل بهم هذا لأنهم هم الذين قدموا له نفوسهم، واستجابوا لوسواسه، واستجابوا لدعوته، استجابوا لحربه للإسلام ولدين الله تعالى، هكذا يخبر الله تعالى بقوله: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ [المجادلة:19].

    معشر المستمعين! إن ملايين من المسلمين قد استحوذ عليهم الشيطان فلا يذكرون الله، ولا يستغفرونه، ولا يتوبون إليه، ولا يقلعون عن الذنوب، ولا يبتعدون عن المعاصي، ويدعون أنهم مسلمون! ويأكلون ويشربون كالبهيمة، فلا يقول: بسم الله عند تناوله للطعام، ولا يقول: الحمد لله إذا فرغ من طعامه، وإنما نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أولئك هم الفاسقون، فلهذا ينبغي أن نعلم أن ذكر الله هو قوتنا، فدائماً وأبداً نذكر الله تعالى، فنذكر وعد الله لأوليائه، ونذكر وعيد الله لأعدائه، ونذكر شرع الله تعالى، ونذكر ما أنزل الله تعالى، ونذكر ما تفضل الله به، ونذكر مصيرنا إليه وعودتنا إليه، أما الذين استولى عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله فلا يذكرون الله أبداً، ثم هل الذي يسرق يذكر الله تعالى؟ والذي يجلس متكئاً ويأخذ الخمر فيشربها يذكر الله تعالى؟ والله ما يذكر، إذ لو ذكر الله تعالى لبكى ورمى بالقارورة من يده وقال: كيف أعصي الله تعالى وأخرج عن طاعته وأشرب ما حرم علي أن أشربه؟! ولذلك فكل الذنوب والمعاصي تقع من قلوب يابسة، وسبب ذلك هو ترك ذكر الله تعالى، إذ إن القلوب لا تحيا إلا بذكر الله تعالى، قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، وتسكن وتستقر وتهدأ، والذين لا يذكرون الله كيف تطمئن قلوبهم؟!

    معشر المستمعين والمستمعات! لا نفارق ذكر الله أبداً في كل أوقاتنا إلا إذا دخلنا المرحاض فقط، حتى دخولنا المرحاض نقول: بسم الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وعند الخروج نقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاني، فلا نفارق ذكر الله ولا يفارقنا، بينما الغافلون يجلسون ساعات لا يذكرون الله فيها.

    بيان مصير حزب الشيطان

    أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة:19]، أي: خسروا الهداية وعاشوا على الضلال في الدنيا، خسروا الجنة وما فيها من نعيم مقيم وخلدوا في جهنم والعياذ بالله تعالى، ولذا معشر الأبناء! نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فلا نسمع له ولا نستجيب له، ولو حسن لنا ما حسن، ولو زين لنا ما زين مما حرمه الله تعالى، ونتحصن بذكره سبحانه وتعالى، إذ إن الذين يعيشون على ذكر الله تعالى ما يعصون الله تعالى أبداً، وقد بينت لكم فقلت: كيف أن العبد يريد أن يشرب خمراً وهو يعلم أن الله يراه وأنه قد حرمه عليه؟ ما يقوى عل ذلك أبداً، لكن الشيطان يغلق القلوب عن النور والهدى فيقع العبد في المعاصي والذنوب حتى يصبح كأنه منافق، فنبرأ إلى الله من صنيعهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: حرمة موالاة اليهود ]، من هداية هذه الآيات يا أبناء الإسلام! حرمة موالاة اليهود، فلا يجوز أن نوالي اليهود ولا نستنصر بهم ولا ننصرهم أبداً، ولا نحبهم ولا نرضى عنهم بحال من الأحوال، كيف لا وهم قوم قد غضب الله عليهم؟! ثم أيغضب ربك على هذا وتحبه أنت؟! أيغضب عليه وترضى أنت عنه؟! إذاً والله ما واليت ربك، إذ إن موالاة الله أن نحب ما يحب ونكره ما يكره، ولذا قررت الآية حرمة موالاة اليهود في أي مكان كانوا وفي أي زمان وجدوا؛ لأنهم قوم قد غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذاباً عظيماً.

    قال: [ ثانياً: حرمة الحلف على الكذب وهي اليمين الغموس ]، من هداية الآيات: حرمة الحلف بالكذب والعياذ بالله، وتسمى باليمين الغموس، وبالتالي فالذي يحلف كاذباً ليأخذ حق امرئ أو يفعل كذا فهذه هي اليمين التى تسمى بالغموس، أي: تغمس صاحبها في الذنوب ثم في جهنم والعياذ بالله، حتى إن بعض أهل العلم يقول: لا كفارة لها أبداً إلا التوبة، أما أن يطعم عشرة مساكين أو يصوم ثلاثة أيام فلا ينفع، ومع هذا نقول: لا بأس بالكفارة، إذ إنها تخفف بعض الشيء، واليمين الغموس كأن تحلف بالله كاذباً فتقول: والله ما أكلت وأنت أكلت، أو والله ما قلت وأنت قلت، أو والله ما هذا لي وهو لك، ولذا نحلف بالله صادقين، أما أن نحلف بالله كاذبين والعياذ بالله تعالى كالمغضوب عليهم فلا.

    قال: [ ثالثاً: من علامات استحواذ الشيطان على الإنسان تركه لذكر الله بقلبه ولسانه، ولوعده ووعيده بأعماله وأقواله ]، من هداية هذه الآيات: ترك الإنسان لذكر الله تعالى، إذ لا يذكر الله لا عند مشيه ولا عند قعوده ولا عند أكله ولا عند شربه ولا عند جماعه ولا عند قيامه ولا عند عمله؛ وهذا والله لممن استولى عليهم الشيطان فمنعهم من ذكر الله تعالى، وبالتالي فلا يذكرون الله أبداً، وكذلك تارك الصلاة لا يذكر الله، إذ إنه استولى عليه الشيطان، والذي يعيش على الذنوب والآثام منغمس فيها لا يتقي الله عز وجل قد استولى عليه الشيطان وأخذه واستله استلالاً من جماعة المسلمين، فحمله على الزنا والربا والكذب والخيانة والفجور والعياذ بالله تعالى، قال تعالى: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ [المجادلة:19].