إسلام ويب

تفسير سورة المجادلة (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من آداب المجالس التي حض عليها الإسلام ووجه إليها أتباعه اجتناب التناجي، وقد بين أن التناجي في المجالس من الشيطان؛ ليسبب للمؤمنين الحزن والضيق والشك، وقد كان اليهود والمنافقين يكثرون منه في مجلس الرسول بالرغم من نهيهم عن ذلك، وقد بين الله لرسوله ولعباده المؤمنين أنه يحفظهم من كيد الكائدين ومن خطط المتناجين المتآمرين، ثم وجه سبحانه المؤمنين إلى اقتصارهم في النجوى على البر والتقوى وترك التناجي بالإثم والعدوان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الأمسيات الربانية ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن اليوم مع سورة المجادلة المدنية، ومع هذه الآيات منها، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوتها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة:8-10].

    مكر اليهود والمنافقين وكيدهم للمؤمنين في كل زمان ومكان

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى [المجادلة:8]، سبق في الآيات المتقدمة أن الله أخبر أنه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا والله رابعهم، ولا خمسة إلا والله سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شيء عليم، كما أخبرنا أنه إذا تناجينا أن نتناجى بالمعروف وبالخير، وإذا تساررنا فإنه يجب أن تكون أحاديثنا خيراً لا شر فيها، وحقاً لا باطل فيها، ومعروفاً لا منكر فيها، وقد أعلن هذا الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ( لا يتناجى اثنان دون الثالث )، وهذا لأن المنافقين واليهود كانوا إذا رأوا المسلمين جالسين يأخذون في التناجي ليخوفوهم ويرعبوهم، فيقول المؤمن: لعلهم يريدونني بسوء أو شر، وكذلك إذا تناجى المنافق مع اليهودي، فيقول المؤمن: لعل هناك من يريد أن يغزونا، وهؤلاء لعل عندهم علماً بذلك، أو لعل السرية التي خرجت من المدينة قد انهزمت وعلمها عندهم، ولذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ( لا يتناجى اثنان دون الثالث )، وإذا بهم يستمرون على المناجاة معاندين ومكابرين، فأنزل الله تعالى قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى [المجادلة:8]، والذي نهاهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ [المجادلة:8]، أي: ينهاهم ويبلغهم النهي وينتهون ثم يعودون للمناجاة مرة أخرى؛ ليزعجوا المؤمنين ويقلقوهم ويدخلوا التعب والرعب في نفوسهم والعياذ بالله.

    حرمة التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول

    أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ [المجادلة:8]، بماذا؟ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المجادلة:8]، لا بالبر والخير، أي: يتكلمون سرياً فيما بينهم، اثنان وثلاثة وأربعة، وليس بشيء فيه تقوى الله ولا خير، بل فيه الطعن والسب والشتم والتقبيح للمسلمين، وهذا هو شأن أعداء الإسلام إلى اليوم من اليهود خاصة وغيرهم.

    أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى [المجادلة:8]، والذي نهاهم هو ربهم على لسان الرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يتناجى اثنان دون الثالث )، وهاهم يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المجادلة:8]، فلو كان التناجي بالخير والحق والمعروف لما كان فيه بأس، لكنه بالإثم والعدوان، وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ [المجادلة:8]، أي: يقول بعضهم لبعض: اعصوه ولا تطيعوه ولا تستجيبوا له ولا تخافوه ولا ترهبوه، وهم يعنون بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا ليقووا صفوف الكافرين والمنافقين ضد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين في المدينة.

    تحية اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم

    ثم قال تعالى: وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة:8]، أي: يجيء واحد منهم فيقول للنبي صلى الله عليه وسلم: السام عليك يا محمد، أي: الموت عليك يا محمد، فيقول الرسول: وعليكم، مع أن الله حيا رسوله بقوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وهؤلاء يقولون: السام عليك! ويلوون ألسنتهم بذلك، وَإِذَا جَاءُوكَ [المجادلة:8]، أي: يا رسولنا! حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة:8]، فالله ما حيا رسوله بكلمة: السام عليك، أو الموت عليك، وإنما بالسلام عليك يا رسول الله أو يا نبي الله.

    استعجال اليهود لعذاب الله تعالى

    ثم قال تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ [المجادلة:8]، أي: يقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبياً لعذبنا الله ونحن نسبه ونشتمه وندعو عليه بالهلاك، أو لو كان هذا نبياً لأنزل الله بنا العذاب والهلاك ، فهكذا يخبر الله تعالى عنهم أنهم يقولون مثل هذا الكلام.

    رد الله تعالى على من يستعجل عذابه

    وعند ذلك قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة:8]، أي: إذا ما عذبوا في الدنيا، أو ما أراد الله أن ينزل بهم صاعقة أو يرسل عليهم ملكاً فيفنيهم، وذلك لحكمة أرادها سبحانه وتعالى، فيكفيهم جهنم وبئس المصير، وعلى كلٍ هم يقولون: ما دام أن الله لم ينزل علينا العذاب فمحمد ليس برسول، ولهذا نسبه ونشتمه ونحاربه ونقف ضده، فرد الله تعالى عليهم بقوله: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا [المجادلة:8]، أي: يكفيهم جهنم، فإذا ما عذبوا الآن بالوباء والبلاء والصواعق كما عذبت أمم سبقت، فيكفيهم جهنم والعياذ بالله، فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة:8]، يصيرون إليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان...)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة:9].

    حرمة التناجي بغير البر والتقوى

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المجادلة:9]، هذا النداء للمؤمنين عامة في كل زمان ومكان، فيا من آمنتم بالله رباً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً، وبالإسلام ديناً، وبالبعث الآخر والدار الآخرة حقاً، اسمعوا إلى هذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ [المجادلة:9]، فإذا كنتم ثلاثة أو أربعة أو خمسة فلا يجوز لاثنين أن ينفصلا ويتناجيان فيما بينهما، وذلك لأن الآخر قد يكرب ويحزن.

    ثم قال تعالى: وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المجادلة:9]، أي: بالخير والمعروف وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما التناجي بالباطل والسوء والقبح والمنكر فلا يجوز للمؤمنين أن يفعلوه أبداً في أي زمان أو مكان، والتناجي هو المسارة والحديث السري، وبالتالي فيجب أن يكون بالخير والمعروف وبتقوى الله التي هي طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يكون بسب فلان ولا بشتمه ولا بالكلام الباطل والسيئ، إذ إن هذا لا يتخذه المؤمنون طريقاً ولا يسلكونه أبداً.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ [المجادلة:9]، صلى الله عليه وسلم، وَتَنَاجَوْا [المجادلة:9]، بماذا؟ بِالْبِرِّ [المجادلة:9] أي: بالخير، وَالتَّقْوَى [المجادلة:9]، وهي طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    الأمر بتقوى الله عز وجل

    وأخيراً يقول الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة:9]، أي: خافوا من الله الذي ستجمعون بين يديه فيحاسبكم ويجزيكم على عملكم، وذلك خيراً كان أو شراً، وبالتالي ما دمنا أننا نحشر إلى الله ونجمع بين يديه ليسألنا ويحاسبنا ويجزينا فيجب أن نتقيه، إذ إن تقوى الله تكون يا أبناء الإسلام بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا بالجبال العالية فتهرب فيها، أو بالحصون أو بالجيوش العظيمة، وإنما تكون بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا...)

    قال تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة:10].

    بيان أن النجوى من الشيطان لإحزان المؤمن

    إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ [المجادلة:10]، أي: أن هذا التناجي هو من الشيطان، إذ هو الذي يوحي به ويدفع الناس إلى فعله، إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ [المجادلة:10]، فإذا كنا جالسين مع بعضنا البعض فلا يحل لأحدنا أن يلوي رأسه مع الثاني ويتحدث معه، إذ والله إن هذا من الشيطان، وقد يحدث فتنة ويؤذي الحاضرين، لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة:10]، أي: ليوجد الحزن في قلوب المؤمنين، وهذا قطعاً، فإذا كنتم جالسين في مجلس وانفرد واحد مع الثاني وتحدثا سراً فلا بد أن تتألموا، إذ قد يقول أحدكم: ماذا يريد هؤلاء؟! ولذلك كانت النجوى من الشيطان، إذ هو الذي يوحي بها ويوسوس بها ويلقيها في قلوب أوليائه من شياطين الإنس والعياذ بالله.

    إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ [المجادلة:10]، والعلة هي: لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة:10]، والله ما يريد أن يحزن عبده المؤمن، بل ولا يرضى لك أبداً أيها المؤمن أن تحزن أخاك المؤمن، إذ إن أذية المؤمن حرام، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث القدسي: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، فلا يجوز أذية المؤمن بحال من الأحوال أبداً، ومن أذيته أن تتسار مع آخر بكلام سرياً وهو لا يفهم ولا يسمع ما تقولا، إذ إنه يقع في نفسه كرب وهم وحزن، بل حتى باللغة، فإذا كنا جميعاً -مثلاً- نتكلم اللغة الفرنسية، فلا يجوز لأحدنا أن يتكلم مع الآخر بها ونحن لا نسمع، أو كنا نتكلم بالفرنسية وبيننا عربي، فلا يجوز أن نتسار أبداً حتى يعلم ذلك العربي ما نقول، إذ لعله يقول: هؤلاء يتكلموا ضدي، أو أنهم يريدون أن يؤذونني، وهذا تأديب الله عز وجل لعباده المؤمنين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المجادلة:9]، والإثم يرحمكم الله هو الذنوب والآثام، والعدوان هو الظلم والاعتداء، فلتكن المناجاة بالبر والتقوى، فإن كانت مناجاة ومسارة بين اثنين أو ثلاثة أو جماعة فيجب أن تكون بالخير والمعروف وتقوى الله التي هي طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويكفي أن يخبرنا تعالى بقوله: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ [المجادلة:10]، إذ هو الذي يدعو إليها ويحرض عليها ويرغب فيها، وكل ذلك من أجل أن يحزن الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة:10]، وفي قراءة: (لِيُحْزِنَ الذين آمنوا)، أي: من أجل أن يدخل الحزن إلى المؤمنين، إذ يوحي إلى بعض الجالسين فيتكلمون سراً فيما بينهم والآخرون لا يسمعون، فيقع في نفوسهم كرب وحزن، وربما قالوا: لعلهم أرادوا أن يتآمروا علينا، أو أرادوا بنا سوءاً والعياذ بالله تعالى.

    طمأنة الله تعالى لعباده المؤمنين من كيد المتناجين بالإثم والعدوان

    ثم قال تعالى: وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة:10]، أي: لا تخافوا أيها المؤمنون ولا ترهبوا ولا تبالوا بمناجاة الفاسقين، فإن الله عز وجل حافظكم، ولن ينالكم إلا ما كتب الله لكم، وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة:10]، فهم إن تناجوا وتساروا مؤامرة ضدك، فاعلم أن الله إذا حفظك لن يمسك سوء أبداً، إذ الله وليك، وبالتالي لن يضرك أبداً نجواهم ومؤامرتهم، إذ الله معك، لكن ما كتبه الله عليك تربية وتأديباً أو لرفع مقامك أو لعلو شأنك فيقع، إذ إن الله أراد ذلك، وله الحكمة البالغة في ذلك.

    وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة:10]، فلا تحزن يا مؤمن ولا تكرب ولا تتألم إذا تناجى اثنان دونك؛ لأن الله وليك ولا يصيبك إلا ما كتبه الله عليك، أما نحن فلا نتناجى بالإثم والعدوان أبداً، بل ولا نسمح لمؤمن أن يتناجى مع مؤمن بسوء أبداً، ولكن بالمعروف والتقوى، وذلك كجماعة تقوم فتأخذ اثنين من الحاضرين فتقول: ماذا تطعمون إخوانكم؟ كيف تدبرون حالهم؟ وهم مع ذلك بين أيديهم يسمعون، فهذا لا حرج فيه.

    وجوب التوكل على الله وترك الأوهام والوساوس فإنها من الشيطان

    ثم قال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ [المجادلة:10]، لا على سواه من خلقه من ملك في السماء أو نبي في الأرض، فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة:10]، أي: فليعتمدوا على الله تعالى، إذ هو الذي ينجيهم، وهو الذي يحفظهم، وهو الذي ينصرهم، وهو الذي يهلك أعداءهم، وهو الذي يصيب أعداءهم بالسوء مقابل ما أرادوه للمؤمنين، وَعَلَى اللَّهِ [المجادلة:10]، لا على سواه من خلقه ومخلوقاته؛ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة:10]، والتوكل هو الاعتماد على الله وتفويض الأمر إليه، إذ هو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد سبحانه وتعالى.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: بيان مكر اليهود والمنافقين وكيدهم للمؤمنين في كل زمان ومكان ]، من هداية هذه الآيات: بيان مكر اليهود والمنافقين والكافرين بالمؤمنين في كل زمان ومكان، بل قد مكروا برسول الله وبأصحابه والقرآن ينزل، فكيف بهم اليوم؟ إنهم يمكرون دائماً وأبداً، إذ إنهم لا يريدون أن يكمل المسلمون ولا أن يسعدوا أبداً، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وبالتالي فيجب أن نعرف هذا.

    قال: [ ثانياً: إذا حيا الكافر المؤمن ورد عليه المؤمن رد عليه بقوله: وعليكم؛ لما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه ناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم! فقال صلى الله عليه وسلم: ( وعليكم )، فقالت عائشة رضي الله عنها: عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال لها عليه الصلاة والسلام: ( يا عائشة

    ! عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش )، فقالت: ألا تسمعهم يقولون السام؟ فقال لها: ( أوما سمعت ما أقول: وعليكم؟ )، فأنزل الله هذه الآية، رواه الشيخان ]، سبب نزول هذه الآية: أن مجموعة من اليهود دخلوا على الرسول في مسجده وقالوا: السام عليكم، والسام يعني الموت، فالرسول الكريم قال: وعليكم، أي: وعليكم الموت أيضاً لا عليَّ فقط، فـغضبت عائشة أم المؤمنين وحق لها أن تغضب، إذ كيف يقولون للرسول هكذا ونسكت؟ فلعنتهم وسبتهم، فهدأها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا عائشة! أرفقي ثم إني قد رددت عليهم فقلت: وعليكم، ومن هنا إذا سلم عليك يهودي أو نصراني أو مشرك ولست مطمئناً إلى كلامه فيجب أن تقول: وعليك، فإن كان لا يعاديك ولا يبغضك وأنت معه على بيان وقال: السلام عليكم، فقل: وعليكم السلام.

    مرة أخرى: إذا سلم عليك اليوم يهودي أو نصراني أو مشرك أو بوذي أو مجوسي فقال: السلام عليكم وفهمت السلام فقل: وعليكم السلام، ولا تزيد: ورحمة الله وبركاته، وإن قال: السام عليكم، أي: دمجها في بعضها وأراد بها الموت والعياذ بالله، فقل: وعليك، وإن كانوا جماعة فقل: وعليكم، وذلك كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال: قال الشيخ في النهر غفر الله له ولنا ولوالدينا أجمعين: [ جهل هؤلاء اليهود أن الله تعالى حليم لا يعاجل بالعقوبة من سبه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ( لا أحد أصبر على الأذى من الله، يدعون له الصاحبة والولد وهو يعافيهم ويرزقهم ) ]، لا أحد أبداً أصبر من الله تعالى، ينسبون إليه الزوجة والولد الله، ومع هذا ما أهلكهم ولا دمرهم ولا أنزل بهم العقوبة، ومن هنا نصبر، فإذا كان اليهودي يقول لنا: السام عليكم فلا نغضب، وإنما قل: وعليك فقط، وذلك كما قال الرسول لمن سلموا عليه من اليهود.

    قال: [ ثالثاً: إذا سلم الذمي وكان سلامه بلفظ: السلام عليكم لا بأس أن يرد عليه بلفظه ]، الذمي هو الكافر الذي هو تحت راية دولتك ويعيش في بلدك بإذن دولتك، فذمته في ذمتك، والمسلمون يحمونه ويحفظونه على عهود بينهم وبينه، فإذا قال هذا الذمي: السلام عليكم فقل: وعليكم السلام، أما إذا كان محارباً والحرب دائرة بيننا وبينهم فقل: وعليك.

    قال: [ رابعاً: حرمة التناجي بغير البر والتقوى لقوله تعالى: إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس الآية من سورة النساء ]، التناجي بيننا لا يجوز أن يكون بالباطل ولا بالمنكر ولا بالإثم ولا بالظلم، بل لا بد أن يكون بالكلم الطيب والمعنى السليم الصحيح كما قدمنا، قال تعالى: وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المجادلة:9]، فإذا كانوا اثنان أو ثلاثة نزلوا عندنا ضيوفاً فلا بأس أن نخلوا بواحد من إخواننا ونقول: نأتيهم بطعام، وهذه المناجاة حسنة حتى لا يتأذوا ويتألموا، أما المناجاة بالظلم والإثم كالسب والشتم والتقريع والتحقير فهذا لا يجوز أبداً، ولا يصح لمؤمن أن يناجي به مؤمناً، ومن ناجاك به فارفضه وابتعد عنه.

    قال: [ خامساً: لا يجوز أن يتناجى اثنان دون الثالث؛ لما يوقع ذلك في نفس الثالث من حزن، لا سيما إن كان ذلك في سفر أو في حرب وما إلى ذلك ]، لا يجوز أن يتناجى اثنان دون الثالث لا سيما في السفر وفي حالة الحروب، وكذلك في حال الأمن والاستقرار وفي داخل البلد، وإن تناجوا بالمنكر والباطل فهم عصاة فسقة والعياذ بالله تعالى، وإن كان التناجي بالمعروف والبر فلا بأس، ومع هذا يزعجون غيرهم، فإذا كانوا ثلاثة فتناجى اثنان وتركوا الثالث ينظر إليهم فإن ذلك يحزنه ويسوءه.

    قال: [ سادساً: وجوب التوكل على الله، وترك الأوهام والوساوس فإنها من الشيطان ]، من هداية الآيات: وجوب التوكل على الله عز وجل؛ لأن الشيطان له وساوس وتزيينات وتحسينات في النفس، فعلى المؤمن أن يتوكل على الله ولا يبالي بوسواس الشيطان ولا بتحسينه ولا تزيينه، إذ إن الشيطان يحاول أن يخوفك ويزعجك ويصيبك بأذى، وبالتالي فتوكل على الله ولا تبال بوسواس الشيطان وتحسينه وتزيينه.