إسلام ويب

تفسير سورة المجادلة (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان الظهار عند العرب كالطلاق، فلما جاء الإسلام حرمه لما فيه من الكذب والزور، مبيناً أن الزوجة لا يمكن أن تكون كالأم بأي حال من الأحوال، وقد بين الله ما ينبغي لمن ظاهر من امرأته قبل أن يقربها، وهو أن يأتي بكفارة الظهار وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فيطعم ستين مسكيناً، وبهذا تحل له زوجه مرة أخرى، وهذا من رحمة الله ولطفه بعباده المؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الأمسيات الربانية ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن اليوم مع سورة المجادلة المدنية، ومع الآيات الأولى منها، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوتها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المجادلة:1-4].

    إجابة الله لأوليائه بتفريج كرباتهم وقضاء حوائجهم

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة:1]، هذه المرأة تسمى خولة بنت ثعلبة، وزوجها يقال له: أوس بن الصامت رضي الله عنهما، وقد كانا كبيرين في السن، وقد أغضبها يوماً وقال في إغلاق لا في غضب: أنتِ علي كظهر أمي، أي: تحرمين علي كما تحرم عليَّ أمي، وقبل نزول هذه الآيات كان الظهار كالطلاق عند العرب، فمن ظاهر من امرأته فكأنما طلقها، وبالتالي لا تحل له، فجاءت خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو إليه فقالت: بعدما نفضت ما في بطني، وعجز جسمي يظاهرني ويطلقني! ولي منه أولاد، فإن كانوا له ضاعوا، وإن كانوا لي جاعوا، فماذا نفعل يا رسول الله؟ والنبي يقول لها: ما عندي شيء في ذلك، فتقول: أما أوحي إليك في كل شيء ما يوحى إليك في شأني؟ فتقول ذلك مرتين وثلاث وهي تتردد على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يردها، ثم بعد الثالثة أراد الله عز وجل أن يرفع هذا الأذى وهذا الضرر فنزلت هذه الآيات الأربع من سورة المجادلة، وكلها في حكم الظهار.

    قال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1]، وهنا تقول الصديقة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: كنت في جانب الحجرة ولا أسمع إلا قليلاً من كلامها، والله قد سمع كلامها وهو فوق سمواته فوق عرشه! قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1]، أي: في شأن زوجها، إذ كيف يظاهرها ويطلقها وهي كبيرة السن ولها منه أولاد صغار؟! وهو يرد عليها ويقول: ما أوحي إلي شيء في ذلك، ثم بعد أن أوحى الله إليه بين لزوجها ماذا يفعل كما سيأتي، وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة:1]، أي: كانت تشكي وتقول: يا رب! عجزي وضعفي وأولادي، كيف أُضيع؟ كيف أُترك؟ أين أذهب بأولادي الصغار وسني الكبيرة؟ فكانت تردد بهذا إلى الله تعالى.

    بيان سعة علم الله تعالى وإحاطته بكل شيء

    ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:1]، أي: أنت يا رسولنا وهذه المرأة التي أتتك تجادلك وتحاورك في شأن زوجها، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:1]، سميع لكل صوت في الكون، بصير بكل كائن، لا يخفى عليه شيء أبداً، فلو دخلت في سبعين غرفة والله لرآك الله وعلمك وسمع صوتك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم...)

    قال تعالى: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [المجادلة:2].

    بيان حقيقة المرأة المظَاهَر منها

    الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ [المجادلة:2]، أي: من الرجال لا من النساء، إذ المرأة لا تظاهر ولا يقبل ظهارها، فلو قالت المرأة لزوجها: أنتَ علي كأمي فإنها لا تحرم عليه، بدليل: أن المرأة لو طلقت زوجها لا يقع الطلاق أبداً، إذ إن الطلاق ليس في عصمتها حتى تطلق، وكذلك الظهار، فلو ظاهرت من زوجها فلا يحرم عليه أن يأتيها، الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة:2]، ومعنى يظاهرون: يقول لها: أنتِ علي كظهر أمي، أي: أنتِ محرمة علي لا أطؤكِ ولا أجامعكِ، وقد كان الظهار قبل نزول هذه الآيات طلاقاً عند أهل الجاهلية، فلهذا الرسول رفض وما قبل من المرأة وهي تبكي وتشتكي حتى نزلت هذه الآية.

    الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ [المجادلة:2]، أيها الرجال! مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة:2]، فيقول للمرأة: أنتِ علي كظهر أمي، مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ [المجادلة:2]، أي: ما هي بأمك أبداً، إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ [المجادلة:2]، أي: إنما أمك هي التي ولدتك، والتي ما ولدتك ليست بأمك.

    حرمة الظهار باعتباره منكراً وكذباً وزوراً

    ثم قال تعالى: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [المجادلة:2]، وهذا يدخل فيه قول الرجل لأهله: أنتِ طالق، أنت علي حرام، وهذا كله ظلم وزور وكذب لا يجوز، وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [المجادلة:2]، والزور هو الكذب، وذلك أنه لما يقول: أنتِ كأمي! هو في الحقيقة كذب وزور، ولهذا أحذر السامعين من كلمة: أنتِ طالق طالق طالق، أنتِ محرمة علي، أنتِ بالحرام، أنتِ كأمي، إذ إن كل هذه الألفاظ منكرة وزور، بل وما أذن الله فيها، والطلاق الشرعي الذي أراده الله إذا أنت ما استطعت أن تعيش مع هذه المؤمنة، أو هي ما استطاعت أن تعيش معك: أن تأتي باثنين من المؤمنين إلى بيتك وتقول لهما: فلان! وفلان! أشهدكما أني طلقت امرأتي، ثم يقول: فلانة! أنتِ طالق، ابقي في بيتك حتى تنتهي عدتكِ ثم اذهبي إلى أهلك، فهذا هو الطلاق الشرعي، أما ما يفعله العوام بل حتى طلبة العلم من قولهم: بالطلاق، وعلي الطلاق، وبالحرام، وأنتِ كأمي، فكل هذه الألفاظ منكرة لا يقرها الله تعالى، وهي زور وباطل.

    لعل السامعين ما فهموا؟ انتبه! تعيش مع امرأة سبعين سنة فلا تقول لها كلمة، إذ أليست هي أختك في الإيمان والإسلام؟ أليست هي أم أولادك؟ إي والله، إذاً فالله عز وجل لا يحب الضرر لأوليائه، فإذا الرجل تضرر من المرأة أو لحقه ضرر كبير وما استطاع أن يصبر، فالله عز وجل ولي المؤمنين فلا يرضى له الأذى أبداً، هي كذلك إذا تأذت من الزوج وما سعدت معه، فكذلك الله لا يرضى لها وهي أمته أن تعيش شقية، وحينئذٍ يذهب الرجل ليأتي برجلين إلى البيت أو إلى المحكمة ويقول: أشهدكما أني طلقت امرأتي، وتبقى في بيتها حتى تنقضي عدتها، ثم تذهب إلى أهلها بعد ذلك، وهذا هو الطلاق الشرعي كما أسلفنا.

    واسمع كيف ندد الله بهذا الظهار فقال تعالى: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ [المجادلة:2]، كان المقال: والله وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [المجادلة:2]، فهذه لام القسم، والقول الزور هو الكذب.

    بيان عفو الله ومغفرته للمذنبين من عباده

    وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [المجادلة:2]، فلولا عفوه لكان يؤدب من يخرج عن نظام الشريعة ويقول الباطل، ولولا مغفرته ما غفر لهم، لكن هذا شأنه تبارك وتعالى، أي: المغفرة والرحمة، العفو والمغفرة، وهذه هي رحمة الله عز وجل، وإلا فإنه سيؤدبك بالسجن أو بالضرب أو بأي شيء آخر وأنت تقول هذا الباطل والمنكر، لكنه عفو غفور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:3].

    بيان حكم المظاهر وهو أن عليه عتق رقبة قبل أن يجامع امرأته المظاهر منها

    وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة:3]، أي: يقولون للمرأة: أنتِ علي كظهر أمي، أو أنتِ كأمي، أو أنتِ كخالتي، أو أنتِ كعمتي، أو أنتِ كجدتي، أي: محرمة علي من المحرمات، فالخالة محرمة، والعمة محرمة، والجدة محرمة، والأم محرمة، فإن قال: أنتِ علي كذا فقد ظاهر منها والعياذ بالله تعالى، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة:3]، أي: يريدون أن يعودوا إلى المرأة التي حرموها على أنفسهم ليجامعوها، وهنا الواجب أن يدفع الكفارة أولاً قبل الجماع، لكن لو فرضنا أنه جامعها قبل أن يدفع الكفارة فليس عليه شيء، لكن الأفضل ألا يقربها ولا يجامعها حتى يفعل الكفارة بما بين الله تعالى.

    فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المجادلة:3]، وهذا أولاً، ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم أوس بن الصامت وقال له: اسمع ما نزل فيك: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المجادلة:3]، فقال: يا رسول الله! ما عندي دينار ولا درهم، ويشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة، ولا تجزئ الكافرة، والرقبة سواء كانت جارية مملوكة كبيرة أو صغيرة، فإن كانت مملوكة لشخص من الأشخاص المؤمنين فتعتقها وتصبح حرة كحرائر النساء، وهذه الرقبة المؤمنة، أما الكافرة فدعها مسجونة مربوطة عندنا، وذلك لأنها لا تعبد الله عز وجل، أما الرقبة المؤمنة فحررها لتعبد الله عز وجل، ولا تبقى خادمة لهذا الشخص.

    معنى قوله تعالى: (ذلكم توعظون به)

    ثم قال تعالى: ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ [المجادلة:3]، أي: هذا الذي يعظكم الله به ويبين لكم ماذا تفعلون؟ فلا بد من عتق رقبة، ولذا فأطيعوه واستجيبوا له.

    معنى قوله تعالى: (والله بما تعملون خبير)

    (( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ))[المجادلة:3]، أي: من أعمالكم، إذ قد يقول قائل: ما عندي مال، أنا عاجز، وهو يملك الفلوس والمال في بيته، فإن الله مطلع عليه. إذاً: (( ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ))[المجادلة:3]، أي: تؤمرون به، (( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ))[المجادلة:3]، وقد قلت لكم: قد يقول الشخص للقاضي أو للحاكم: ما عندي شيء من المال، ما أستطيع أن أعتق، فالله يعلم صدقه من كذبه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا...)

    قال تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المجادلة:4].

    صيام شهرين متتابعين لمن عجز عن عتق رقبة في كفارة الظهار

    فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [المجادلة:4]، أي: لا بد من صيام شهرين متتابعين لمن عجز عن إعتاق رقبة مؤمنة، فإن انقطع التتابع بمرض بنى على السابق، أو صام شعبان للظهار ثم جاء رمضان فإنه يصوم شوال بعد ذلك ولا حرج، أما السفر فمن حقه ألا يسافر، لكن لو سافر وانقطع سفره بالمرض أو بالتعب أو بأي شيء آخر فلا بأس، وهنا قال أوس رضي الله عنه: يا رسول الله! أنا إذا لم آكل ثلاث مرات في اليوم يضعف بصري، وبالتالي لا أستطيع أن نصوم، وبالفعل قد يحدث هذا.

    إطعام ستين مسكيناً لمن عجز عن الصيام في كفارة الظهار

    ثم قال تعالى: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ [المجادلة:4]، أي: الصيام، فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة:4]، أي: فعليه أن يطعم ستين مسكيناً، والإطعام الحقيقي فيه خلاف، لكن الراجح أن يكون كيلو أو كيلو وزيادة من قمح، أما شعير وبر، أو شعير وذرة في الظهار فلا، وإنما لا بد أن يكون من القمح؛ لأن مد الرسول حفنة، وهو متوسط لا بالطويل ولا بالقصير، وقد وزنا هذه الحفنة فوجدناها كيلو وزيادة، وهنا أيضاً يقول أوس: من أين لي يا رسول الله بإطعام ستين مسكيناً؟ فما كان من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلا أن جاءه بخمسة عشر صاعاً من بيته، والصاع أربعة أمداد، ثم أمره أن يطعمها ستين مسكيناً، وهنا هل قال أوس: أنا من المساكين يا رسول؟ الله أعلم، وقد ورد ذلك في الرجل الذي وقع على امرأته في نهار رمضان.

    على كلٍ لا بد وأن يطعمها المساكين، والمسكين هو الذي لا قوت عنده لفقره ولعجزه ولضعفه، وبذلك تمت هذه القضية وأصبحت شرعاً في دين الله تعالى، فقد كانوا يظاهرون في الجاهلية ويعتبرون الظهار طلاقاً، فلما حدث الذي حدث بين الله تعالى ماذا عليهم؟ فأولاً: يا من ظاهرت من امرأتك ثم أردت أن تعود إليها لابد أن تعتق رقبة مؤمنة، فإن لم تجد فعليك أن تصوم شهرين متتابعين، فإن لم تستطع فأطعم ستين مسكيناً، فإن لم يكن معك مال فاستلف أو استقرض من إخوانك، أو قل لمؤمن أن يساعدك، فهذا الرسول الكريم قد ساعد هذا الرجل بخمسة عشر صاعاً حتى يعود إلى زوجته، ومن ظاهر من زوجته ثم عاد إليها قبل أن يخرج الكفارة فلا شيء عليه، أما ألا يخرج الكفارة والعياذ بالله فقد يكفر ويخرج من الإسلام.

    طاعة الله ورسوله إيمان

    ثم اسمعوا إلى الله وهو يقول: ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [المجادلة:4]، أي: هذا الذي سمعتموه هو من أجل أن تصبحوا مؤمنين، وبالتالي من رفض هذا الحكم فهو كافر، أي: من قال: أنا لا أصوم ولا أطعم ولا أعتق فليس من أهل الإسلام، وإنما خرج من الإسلام والعياذ بالله.

    الوعيد الشديد لمن تعدى حدود الله تعالى

    وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [المجادلة:4]، فقفوا عندها ولا تتجاوزوها ولا تتعدوها، وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المجادلة:4]، وهذا تشنيع واضح في أنه لا يحل أبداً أن تستبيح ما حرم الله تعالى، إذ إن الذي يستبيح ما حرم الله والله كفر، فلو قال: أنا لا أقول: إن الخمر حرام، ولا أعترف بهذا، والله خرج من الإسلام، ولو قال: لماذا لا أتزوج ابنة أخي مثلاً أو ابنة أختي! والله خرج من الإسلام، وبالتالي كل من يستبيح ما حرم الله على علم فهو كافر، بدليل هذه الآية الكريمة، إذ يقول تعالى: ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [المجادلة:4]، وذلك إن فعلتم هذه الأحكام الربانية، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ [المجادلة:4]، بها؛ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المجادلة:4]، أي: في يوم القيامة والعياذ بالله، بل عذاب أليم حتى في الدنيا، إذ إنه يقام عليه الحد فيقتل؛ لأنه قد ارتد والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات، قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: إجابة الله لأوليائه بتفريج كروبهم وقضاء حوائجهم، فله الحمد وله الشكر ]، من هداية هذه الآيات: تفريج الله لكروب عباده المؤمنين والتخفيف عنهم ورحمتهم، فهذه المؤمنة وهذا المؤمن وأولادهم قد رحمهم الله تعالى وأنزل كتابه فيهم، وبين لهم كيفية الخروج من هذه المحنة، وهكذا في كل يوم وفي كل عام وفي كل قرن الله مع أوليائه.

    قال: قال الشيخ في النهر غفر الله له ولنا ولوالدينا أجمعين: [ من جملة ما روي عما قالت خولة بنت ثعلبة : يا رسول الله! أكل شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما أوحي إلي في هذا شيء )، فقالت: يا رسول الله! أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا؟ فقال: ( هو ما قلت لك )، فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله، فأنزل الله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ [المجادلة:1] ]، إلى الله أشكو لا إلى الحكام.

    قال: [ وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1] ].

    قال: [ ومن هداية هذه الآيات: ثانياً: حرمة الظهار باعتباره منكراً وكذباً وزوراً فيجب التوبة منه ]، من هداية هذه الآيات: حرمة الظهار فإنه والله لمحرم، وإنه من الكذب ومن قول الزور، والمؤمن لا يقرب هذا أبداً ولا يدنو منه، وقد بينت لكم فقلت: إذا أردت أن تطلق زوجتك فطلقها طلاقاً شرعياً، أما اليمين والحلف والحرام فكل هذا باطل ومنكر وزور.

    قال: [ ثالثاً: بيان حكم المظاهر، وهو أن عليه عتق رقبة قبل أن يجامع امرأته المظاهر منها، فإن لم يجد الرقبة المؤمنة صام شهرين متتابعين من الهلال إلى الهلال، وإذا انقطع التتابع لمرض بنى على ما صامه، فإن لم يستطع لمرض ونحوه أطعم ستين مسكيناً، فأعطى لكل مسكين على حده مداً من بر أو مدين من غير البر كالشعير والتمر ].

    قال: [ رابعاً: لو جامع المظاهر قبل إخراج الكفارة فليستغفر ربه وليخرج كفارته ولا شيء عليه؛ لحديث الترمذي الصحيح ]، أي: من ظاهر ولم يكفر ثم جامع أثم، وعليه أن يكفر ولا شيء عليه، وتعود زوجته إليه.

    قال: [ خامساً: طاعة الله ورسوله إيمان، ومعصية الله ورسوله من الكفران ]، طاعة الله ورسوله إيمان، قال تعالى: ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [المجادلة:4]، ومعصيتهما كفران والعياذ بالله.