إسلام ويب

تفسير سورة الفتح (8)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل حين اختار محمداً صلى الله عليه وسلم ليكون خاتم النبيين، جعل له خلصاء وحواريين من الناس هم الصحابة الكرام، فكانوا أفضل الخلق بعد النبيين والمرسلين، وقد بين الله أوصافهم في الكتب السابقة، وضرب لهم مثلاً في التوراة والإنجيل، وقد وعدهم الله عز وجل الأجر العظيم في الدنيا، وأن يغفر ذنوبهم ويورثهم جنات النعيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن مع خاتمة سورة الفتح المدنية، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوة الآية الكريمة، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29].

    نسب النبي صلى الله عليه وسلم وأسماؤه

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:29] هذا هو خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، من أولاد عدنان ابن إسماعيل بن إبراهيم الخليل، واسمه محمد واسمه أحمد في القرآن الكريم، حيث يقول عيسى عليه السلام: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6]، وفي القرآن: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران:144]، وباقي الأسماء ثلاثة: الماحي، والعاقب، والحاشر، فأسماؤه صلى الله عليه وسلم خمسة أسماء كما في موطأ مالك : محمد وأحمد في القرآن، والماحي والعاقب والحاشر في السنة، خمسة أسماء.

    وهو رسول الله إلى الناس كافة، ما هو برسول للعرب فقط أو إلى بني فلان، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28].

    غلظة المؤمنين على الكافرين وتراحمهم فيما بينهم

    يخبر تعالى بهذا الخبر العظيم، يقول: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الفتح:29] ألا وهم أصحابه الذين آمنوا به واتبعوه وأحبوه، وعُرفوا بأنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولازموه حتى توفاه الله.

    وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [الفتح:29] غلاظ شداد على الكفار، ليسوا أبداً بلينين ولا يحبون الكافرين أبداً، غلاظ شداد؛ وذلك لأمرين:

    الأول: أن الكافر عدو الله، كفر بخالقه، كفر بسيده، كفر بمالكه، كذّب بلقاء ربه، كذّب رسول الله وما آمن، هذا شر الخلق، فكيف لا يكره؟ يجب كرهه، وتحرم محبته، ولا يحل لمؤمن أن يحب كافراً ولا كافرة، هذا أولاً.

    وثانياً: غلظتهم وشدتهم على الكفار تجعل الكفار يتوبون ويسلمون، إذا كان المواطنون بينهم كافرون والمواطنون المسلمون غلاظ أشداء عليهم يشعرون بأنهم في هون أو دون أو ذل، فيقولون: هيا ندخل في الإسلام، وقد دخل في الإسلام من أجل هذا الأعداد الكثيرة، فهذا سر هذه الغلظة والشدة.

    مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29] فيما بين الأصحاب رحمة عامة، الكلمة الطيبة والقول اللين والوجه الباسم، والعون والمساعدة، والمحبة دائمة بينهم، هكذا، وهذا الذي يجب أن يكون بين المؤمنين والمؤمنات في كل زمان ومكان: رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29] لا غلظة ولا شدة ولا قساوة ولا عنف أبداً، الرحمة تتقاسمها الأمة، رحماء بينهم.

    معنى قوله تعالى: (تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً)

    تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا [الفتح:29] إذا رأيتهم وأبصرتهم تراهم راكعين ساجدين ليلاً ونهاراً، تراهم ركعاً سجداً يركعون ويسجدون، ويديمون الركوع والسجود، وحسبهم الصلوات الخمس وقيام الليل.

    هكذا يقول تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح:29] يطلبون بركوعهم وسجودهم وإيمانهم ورحمتهم لبعضهم الجنة، ورضا الرحمن عنهم، يريدون الجنة ورضا الله، يريدون فضلاً من ربهم ورضواناً عليهم، وفضل الله الجنة، وإنما هي فضله لأنك لو تعبده مليون سنة فنظرتك إلى الجنة تعدل تلك العبادة كلها، لما فيها من النعيم المقيم الدائم، موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، فلهذا الجنة تدخلها بالعبادة ولكن ليست العبادة هي التي أدخلتك، وإنما العبادة زكت النفس وطهرتها فرضي الله عنك فأدخلك الجنة.

    معنى قوله تعالى: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود)

    يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح:29]، هذه صفاتهم في التوراة، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29] سيماهم، أي: علاماتهم في وجوههم من السجود، فأثر السجود يكون في الجبهة، ويكون من السجود الكثير.

    ثانياً: في وجوههم اللين والعطف والرقة والنور، لا غلظة ولا غضب ولا شدة، كأنهم نور.

    ثالثاً: يوم القيامة نورهم بين أيديهم.

    ثلاث حالات: الأولى: قد يوجد علامة السجود لمن يسجد على الأرض ويديمه، فيقع في وجهه علامة.

    الثانية: علامة السجود اللين والعطف والرقة والرحمة والأدب والخلق الكامل، آثار السجود والعبادة.

    ثالثاً: يوم القيامة الأنوار في وجوههم، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29] بسبب السجود ومن أثره.

    ثبوت الصفات المتقدمة لرسول الله وأصحابه في التوراة

    ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ [الفتح:29] هذا الذي سمعناه من قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29] هذا كله مثل لهم في التوراة كتاب موسى عليه السلام، والله! إنه لموجود بالحرف الواحد، وإن غشاه وغطاه اليهود أو أولوه وحرفوه في التوراة، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفات موجودون في التوراة، والآن لو كان بأيدينا لوجدنا هذا.

    صفة رسول الله وأصحابه في الإنجيل

    ثم قال تعالى: وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ [الفتح:29] الإنجيل كتاب عيسى عليه السلام، التوراة أنزلها الله على موسى عليه السلام، والإنجيل أنزله على عيسى عليه السلام.

    وقد قرأنا قول الله تعالى عن عيسى عليه السلام: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6] صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: ومثلهم في الإنجيل كأي شيء؟ اضرب لنا هذا المثل يا ربنا؟ قال: كَزَرْعٍ [الفتح:29] نبت الزرع أَخْرَجَ شَطْأَهُ [الفتح:29]واشتد وغلظ، وهذه حالهم، كانوا قليلين فأخذوا يكثرون ويعظمون حتى بلغوا أشدهم، بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم ونفر منهم أبو بكر وفلان وفلان وبلال ، ويوماً بعد يوم بعد يوم وهم كالزرع، وإذا بهم غلاظ شداد، كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ [الفتح:29] وقواه فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ [الفتح:29]، الفلاحون الزارعون إذا نظروا إليه يعجبهم، كان صغيراً وإذا به يعظم ويعجب الزراع، لم؟

    معنى قوله تعالى: (ليغيظ بهم الكفار) ودلالته على منتقص الصحابة

    قال تعالى: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] قواهم ونصرهم ورفع شأنهم وأعلاهم وعظّمهم ليغيظ بهم الكفار، وإلى الآن الكفار يغتاظون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهنا مسألة علمية: فـمالك في موطئه يقول: من سب أصحاب رسول الله كفر، من يغيظ ويتألم لذكرهم أو للإيمان والمحبة لهم كافر بهذه الآية الكريمة، أما قال تعالى: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] فالذي يغتاظ من أصحاب رسول الله ويكرب ويحزن كافر وما هو بمؤمن.

    واسمعوا الرسول الكريم يقول: ( لا تسبوا أصحابي ) والسب من التغيظ، حين تتغيظ من شخص تسبه، ( لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه )، لو أنفق أحدنا مثل جبل أحد ذهباً ما ساوى حفنة أو نصف الحفنة مما ينفق أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.

    معشر المستمعين! لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يغتاظ من أصحاب رسول الله، ومن كان يغتاظ ويكرب لذلك فما هو بمؤمن، لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يسب أو يشتم أو يقبح أو يعير صحابياً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الآية الكريمة: ( لا تسبوا أصحابي )، والله يقول: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]، لماذا قواهم ونصرهم وأيديهم، وانتشر دين الله بأيديهم في الشرق والغرب، لماذا فعل الله هذا؟ ليغيظ بهم الكفار، ويكربهم ويحزنهم.

    إذاً: فكل من يغتاظ من أصحاب رسول الله ويكرب فهو كافر من الكفار، فلهذا ما نذكرهم إلا أن ونقول: رضي الله عنهم، سواء الأربعة الخلفاء أو العشرة المبشرون بالجنة، أو أهل بيعة الرضوان، كل أصحاب رسول الله الذين رأوه وآمنوا وهم مؤمنون وماتوا على ذلك وهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وحبهم واجب، وكرههم -والعياذ بالله تعالى- كفر.

    هكذا يقول تعالى: ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ [الفتح:29]، وهكذا لو نظرت إلى أصحاب رسول الله لكنت كالفلاح الذي ينظر إلى الزرع وقد قوي، كانوا مجموعة ثلاثة أنفار فأصبحوا مائة وعشرين ألف صحابي، أقوياء أقوى الخلق، من قواهم؟ من أقدرهم؟ إنه الله تعالى، وما هي وسائل القوة؟ الإيمان والعمل الصالح، كانوا ركعاً سجداً، والرحمة بينهم، ولا مشقة ولا عذاب.

    معنى قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً)

    ثم ختم الله تعالى الآية بقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً [الفتح:29] لذنوبهم، منهم من كفر بالله وعاش مشركاً سبعين سنة، ستين سنة، أربعين، ثلاثين، غفر الله لهم أجمعين، غفر ذنوبهم.

    وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29] وأعد لهم أجراً عظيماً ألا وهو نعيم الجنة، الجنة وما فيها من نعيم أعده لهم، وهيأه لهم، وهم -والله- فيه الآن، أرواحهم في الجنة دار النعيم المقيم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآية.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآية الكريمة:

    من هداية الآية الكريمة:

    أولاً: تقرير نبوة رسول الله وتأكيد رسالته ].

    من هداية هذه الآية التي تدارسناها: تقرير النبوة المحمدية والرسالة النبوية؛ إذ قال تعالى بنفسه: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:29]، فالذي خلقه وأرسله أخبر عن رسالته وأنه رسول الله، فمن نفى الرسالة عن محمد كفر، وهو كاليهود والنصارى والمشركين.

    [ ثانياً: بيان ما كان عليه رسول الله وأصحابه من الشدة والغلظة على الكفار، والعطف والرحمة على أهل الإيمان، وهذا مما يجب الائتساء بهم فيه والاقتداء ].

    من هداية الآية: بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الرحمة بينهم، والغلظة والشدة على الكافرين، وهذا الذي ينبغي أن نأتسي به وأن نعيش عليه، نتناول الرحمة ونتبادلها بيننا، لا غلظة ولا شدة ولا عنف ولا سب ولا شتم ولا أذى أبداً، بل الرحمة بيننا، ومع الكافرين الغلظة والشدة والبغض والكره لهم حتى يسلموا، ونكون قد ائتسينا واقتدينا برسول الله وأصحابه.

    [ ثالثاً: بيان فضل الصلاة ذات الركوع والسجود والطمأنينة والخشوع ].

    هذه الصلاة ما عرفتها أمة كما عرفتها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الأمم السابقة ما كانوا يكثرون من الركوع والسجود أبداً، فممكن في العام أن يسجد مرة أو في الشهر، والمؤمنون يبيتون ركعاً سجداً، وخاصة آخر الليل، وفي الليل والنهار، فهذه الميزة عظيمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الله يثني عليهم بكونهم ركعاً سجداً، اللهم اجعلنا منهم، وأحينا على ما أحييتهم عليه، وتوفنا على ما توفيتهم عليه.

    [ رابعاً: صفة أصحاب رسول الله في كل من التوراة والإنجيل ترفع من درجتهم وتعلي من شأنهم ].

    من هداية هذه الآية: وصف الله تعالى في التوراة والإنجيل لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، هذا الوصف الإلهي في كتابين يعلي من درجة أصحاب رسول الله، ويرفع من درجتهم ويعلي من مقامهم، فوصفهم موجود في التوراة والإنجيل.

    [ خامساً: بيان أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بدءوا قليلين ثم أخذوا يكثرون حتى كثروا كثرة أغاظت الكفار ].

    من هداية الآية: بيان أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قليلين، فأول من آمن أبو بكر، ثم فلان وفلان، وما تمت ثلاث وعشرون سنة إلا وهم مائة وعشرون ألفاً، بدءوا قليلاً ثم نموا وكثروا.

    [ سادساً: بغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنافى مع الإيمان منافاة كاملة، لا سيما خيارهم وكبارهم كالخلفاء الراشدين الأربعة، والمبشرين بالجنة العشرة، وأصحاب بيعة الرضوان، وأهل بدر قبلهم.

    ولذا روي عن مالك رحمه الله تعالى: أن من يغيظه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر ].

    فهذه الآية تدل دلالة قطعية على أن من يبغض أحداً من أصحاب رسول الله -وبخاصة الخلفاء الراشدين، وبخاصة العشرة المبشرين بالجنة، وبخاصة أهل بدر، وبخاصة أهل الحديبية بيعة الرضوان- من يبغض منهم أحداً لن يكون مؤمناً، وإذا مات مات على الكفر والعياذ بالله تعالى، ومع هذا وجد ملايين يبغضون ويكفرون أبا بكر، ومأواهم جهنم وبئس المصير، والحمد لله الذي نجانا من هذه الفتنة وبرأنا منها وأقامنا على الحق، آمنا برسول الله، وأحببنا أصحابه الصالحين الصادقين، نحبهم -والله- أكثر من حبنا لأنفسنا.

    قال المؤلف في الهامش: [ روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير قال: كنا عند مالك بن أنس فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ مالك هذه الآية: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]، فقال مالك : من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية، يريد: ألزمته بالكفر ].

    فالحمد لله الذي نجانا من هذه الفتنة، وفيها من إخواننا الملايين، ويدعون العلم والمعرفة.

    1.   

    الأسئلة

    المراد بقوله تعالى: (وهديناه النجدين)

    السؤال: ما معنى قول الله تعالى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10]؟

    الجواب: النجدان هما الثديان، ثدي المرأة مرتفع كنجد، ما إن يخرج من بطن أمه حتى يلتمسها ويرضع، ما إن يسقط من بطنها وتحمله حتى يبحث عن ثديها، فمن هداه إلى ذلك؟ الله، لا عقل عنده ولا معرفة ولا بصيرة، ولكن الله هداه.

    حكم تعمد إظهار علامة السجود على الجبين

    السؤال: علمنا معنى قول الله سبحانه وتعالى: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ [الفتح:29]، فما رأيكم فيمن يجعل علامة في جبينه وما إلى ذلك في محل السجود؟

    الجواب: إذا كان يريد بذلك الرياء ليري الناس أنه من الركع السجد فهذا -والعياذ بالله- يا ويله، مراءٍ مشرك، وإذا كان ما يريد ذلك لكن من كثرة السجود ظهرت العلامة فذلك المقصود من الآية، وما أحسب أن واحداً يفعل لأجل أن يقال: فلان يسجد، ولا أظن هذا يقع.

    حكم التهجد بعد الأذان الأول

    السؤال: هل يمكن لي الصلاة في الليل بعد الأذان الأول؟

    الجواب: أي نعم، فالأذان الأول إعلام بوقت التهجد، ما يؤذن إلا والوقت وقت تهجد، هذا في الثلث الأخير من الليل، ولا حرج.

    حكم الحج والعمرة عن الآخرين

    السؤال: هل يجوز أداء العمرة أو الحج عن والدي أو بعض الأقارب مثل الخال والعم؟

    الجواب: يجوز، إن أنت حججت عن نفسك واعتمرت وأصبحت فارغاً فتحج وتعتمر عن المؤمنين ولا حرج.

    حكم الإتيان بدعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة

    السؤال: هل في الصلاة على الميت دعاء استفتاح؟

    الجواب: ما ورد في ذلك شيء، كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا قام يصلي ما يقرأ الفاتحة، يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيي الموتى، له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والثناء، وهو على كل شيء قدير، لكن قراءة الفاتحة فيها تمجيد لله وتعظيم أكثر، فنقرأ الفاتحة، ولكن ليس فيه استفتاح.

    المراد بآل النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: ما معنى الآل في الصلاة المشروعة بعد التشهد، هل هم أمة الإجابة أم هم المسلمون من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: آل محمد أهله، الآل بمعنى: الأهل، أبدلت الهاء همزة، فحين نقول: (اللهم صل على آل محمد) فمن هم؟ هم أهله: بناته وأزواجه وأولاده، نصلي عليه وعلى أهله، وهذا ما هو لعامة المسلمين.

    انتفاع آل النبي صلى الله عليه وسلم بقرابتهم له

    السؤال: هل ينتفع آل النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بقرابتهم له، وهل ذلك مشروط بشرط يجب توافره فيهم؟

    الجواب: آل بيته يدخلون الجنة معه، فما معنى أنهم ينتفعون بقرابتهم له؟ ينبغي أن يكون السؤال على علم، وإن كنت تريد أن تعلم فليس هكذا، هم ينتفعون بقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم، يكفي أننا نصلي عليهم في كل صلاة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.

    وقت قراءة سورة الكهف ليوم الجمعة

    السؤال: متى تقرأ سورة الكهف يوم الجمعة؟

    الجواب: تقرأ ليلة الجمعة ويومها، الكل واسع وجائز.

    حكم طلب الزوجة الطلاق لتقصير الزوج في النفقة وتربية الأولاد

    السؤال: امرأة متزوجة ولها أولاد، ولكن زوجها يقصر من جانب النفقة ولا يقوم بتربية الأولاد، فهل يمكن لها أن تطلب الطلاق منه؟

    الجواب: لا تطالب بالطلاق، تطالبه بأن ينفق على أولاده إذا كان قادراً على ذلك وبلطف ورفق، وهو يستجيب لها، لا أنه إن أبى تقول: طلقني إذاً! هذا طلاق باطل.

    نعم إذا لم ينفق عليها هي فأجاعها أو أعراها أو أمرضها وما استطاع النفقة فإنها تطلب الطلاق ولا حرج، أما كونه لا ينفق على أولاده فهل يوجد من لا ينفق على أولاده؟ لا بد أن يأكلوا ويشربوا ويكسوهم، وإذا كانت النفقات زائدة فلا حق بالمطالبة بها، هذا من الجهل.

    كفارة الجماع في نهار رمضان

    السؤال: شخص متزوج جامع زوجته في نهار رمضان، فماذا عليه؟

    الجواب: عليه عتق رقبة، فإذا لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإذا لم يستطع فصيام شهرين متتابعين عن هذا اليوم، واحدة من الثلاث، وهي إن رضيت وفرحت بذلك فعليها مثل الذي عليه هو، وإن كانت مكرهة وأكرهها فلا شيء عليها، عليه هو.

    حكم الاكتفاء بالاتصال التلفوني في صلة الرحم

    السؤال: هل يجزئ لصلة الرحم أن أتصل بالهاتف فقط؟

    الجواب: إذا احتاجوا إليك وطلبوك فما يكفيك ذلك، وإذا كان السؤال والجواب بالهاتف معهم يكفيهم فلا حرج.

    حكم قضاء الصلاة المتروكة لفترة طويلة

    السؤال: شاب ترك الصلاة لمدة خمسة أشهر جهلاً منه لكونه كان مريضاً يحتاج إلى الراحة، فهل يقضي الصلاة التي فاتته في هذه المدة، وكيف يقضيها؟

    الجواب: الفقهاء رحمهم الله يقولون: من ترك الصلاة عمداً وهو مؤمن يجب عليه قضاؤها سواء كانت شهراً أو كانت سنة، وأما من ترك الصلاة لعدم إيمان بها فحسبه أنه كان كافراً ودخل في الإسلام ولا يؤمر بالقضاء.

    ومن أهل العلم من يقول: الصلاة لها مواقيتها، فما دام أنه قد خرجت مواقيتها فلا تصلى، وهذا القول شاذ، ولكن مع هذا نقول لمن يقول: أنا ما صليت أربع سنوات والآن تبت، نقول له: أكثر من النوافل يعوضك الله تعالى عن الفرائض، أكثر من النوافل تعوض عن الفرائض، أما الأسبوع والأسبوعان والشهر فتقضيها ولا حرج.

    حكم دفع الزكاة للأخ المدين

    السؤال: هل يجوز دفع الزكاة للأخ المدين؟

    الجواب: نعم يجوز، يعطيه ما يسدد دينه الذي هو في ذمته؛ لأن الزكاة لا تعطى للأصول ولا للفروع فقط، أما الإخوة والأعمام والأقارب الفقراء فيعطون الزكاة، بل هم أفضل من غيرهم.

    حكم صلاة الجنازة بغير وضوء

    السؤال: هل له للمرء أن يصلي صلاة الجنازة بدون وضوء؟

    الجواب: لا صلاة بدون وضوء، وصلاة الجنازة تسمى دعاء وصلاة، فصلاة الجنازة هي صلاة لا بد لها من الوضوء، وبدون وضوء لا يصلي ولا تصح صلاته ولا تقبل.

    توجيه لمن يأتي المسجد بثياب ذات رائحة كريهة

    السؤال: كثير من الناس يأتون إلى المساجد بثياب النوم ذات الرائحة الكريهة في بعض الأحيان، فهل لكم من نصيحة، والله سبحانه وتعالى يقول: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31]؟

    الجواب: الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مساجدنا ) لرائحة البصل ورائحة الثوم الكريهة، فمن هنا فالذي فيه رائحة كريهة في ثيابه، في بدنه؛ لا يدخل المسجد، يصلي في بيته حتى يغتسل ويتطيب ويتطهر ويأتي المسجد، أما مع الرائحة الكريهة فما ينبغي، نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

    المنهج التطبيقي لتزكية النفس

    السؤال: كيف يفعل الشاب المسلم ليزكي نفسه وسط هذه الملهيات والشهوات، فلا يكاد يجد ما يعينه على طاعة الله؟

    الجواب: ما منا إلا وهو يعمل على تزكية نفسه؛ لأن تزكية النفس هي مفتاح دار السلام، واقرءوا قول الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، والنفس البشرية تزكو بمادتين:

    المادة الأولى: الإيمان الصحيح، الموافق لكتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم.

    والمادة الثانية: هذه العبادات من الصلاة إلى الصيام إلى الحج إلى الرباط في سبيل الله.

    بهاتين المادتين تزكو النفس وتطيب وتطهر، فالمادة الأولى: الإيمان الصحيح، اعرض إيمانك على القرآن فهل سيوافقك، اعرضه على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فهل ستوافقك، فإن لم يوافق القرآن ولا السنة فإيمانك باطل، فجدد إيمانك وصححه.

    ثانياً: الأعمال الصالحة من الصلاة إلى الرباط، على شرط أن تكون الأعمال تؤدى كما أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقاتها، في كميتها، في ألوانها، حتى تفعل مفعولها في تزكية النفس، أما أن تؤديها على خلاف ما أداها الرسول صلى الله عليه وسلم فلن تنفع، لو صليت ألف ركعة ما تحسن الفاتحة فيها فصلاتك باطلة.

    ومع هذا يجب أن تتجنب شيئين ومادتين خبيثتين: الأولى: الشرك بالله، والثانية: الزنا والربا والآثام والذنوب.

    فيا من يريد أن تزكو نفسه وتطيب وتطهر! عليك بالإيمان والعمل الصالح، مع مراعاة أن العمل الصالح يجب أن يكون كما كان رسول الله يفعله، وهنا تطلب الفقه وتتفقه، وتؤدي العبادة كما أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فلن تنفع، هذا أولاً.

    وتتجنب مادتين عظيمتين: الشرك والكفر، والذنوب والآثام، وخاصة كبائر الذنوب كالزنا والربا وقتل النفس وما إلى ذلك، وبهذا تزكو نفسك وتطيب وتطهر، فإذا توفاك الله على ذلك فأبشر فإنك -والله- من أهل الجنة.

    حكم العمرة عن الوالد المتوفى

    السؤال: هل تصح العمرة عن أحد الوالدين المتوفى؟

    الجواب: أيما مؤمن له أن يعتمر عن ميت أباً كان أو أماً، أخاً أو أختاً، صديقاً مؤمناً، يعتمر عنه بعد وفاته، أما أن يعتمر عنه وهو حي فما يجوز أبداً، إلا إذا كان في حكم الميت، كمن هو مصاب بالشلل ملازم للأرض لا يتحرك، فهذا نعم تعتمر عنه وتحج، أما ما دام قادراً فلا تصلح عنه العمرة ولا الحج حتى يحج بنفسه أو يعتمر.

    حكم قول (اللهم صل على محمد) في التشهد الأول

    السؤال: في الصلاة الرباعية هل أزيد على التشهد الأول: (اللهم صل على محمد)، أم أقف عند (أشهد أن محمداً عبده ورسوله)؟

    الجواب: في الصلاة الرباعية كالظهر والعصر والعشاء هل نزيد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء التشهد؛ لأن التشهد ينتهي بقولك: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فهل نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم؟

    إن صليت فلا بأس، وإذا ما صليت فيكفيك هذا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وتقوم، فلو زدت فما هناك مانع، لكن الكفاية هكذا.

    وفي التشهد الأخير تقول بعد ذلك: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبعد ذلك تستعيذ بالله من أربع طوام، ثم تختمها بـ(ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)، وهناك أدعية بعد ذلك واسعة، أعظمها: اللهم إني أسألك لي ولأهل بيتي وللمؤمنين والمؤمنات من خير ما سألك منه عبدك ونبيك ورسولك محمد وجميع عبادك الصالحين، وأعوذ بك من شر ما استعاذ منه عبدك ونبيك ورسولك محمد وجميع عبادك الصالحين، اللهم صل على ملائكتك والمقربين وعلى أنبيائك والمرسلين، وعلى أهل طاعتك أجمعين.

    هذا كانت عائشة الصديقة تقوله وتردده، وهو شامل لخير الدنيا والآخرة.

    نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.