إسلام ويب

تفسير سورة الفتح (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من خصال أهل النفاق أنهم محجمون عند القتال وسفك الدماء، مقبلون عند المغنم والعطاء، وهذا فعلاً ما حصل منهم يوم الحديبية ويوم خيبر، ففي الأول أحجموا عن الخروج وتعللوا بعلل واهية، وفي الثاني طلبوا من الرسول أن يشركهم في غنائمها، فبين الله سبحانه الحكم في ذلك، وأنهم لم يمتنعوا عن الخروج أول مرة بسبب عذر صحيح، فليس لهم الحق في الخروج في الثانية ولا أن يعطوا من غنائم خيبر شيئاً، بل هم مستحقون للذل والعار في الدنيا، والعذاب الأليم في نار الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن مع سورة الفتح المدنية، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات منها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح:15-17].

    تخلف الأعراب عن رسول الله في الحديبية

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! سبق أن علمنا في سياق الآيات أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في سنة ست من الهجرة بعد غزوة الخندق وانهزام المشركين وعودتهم خاسئين ذليلين، وعلى رأسهم كفار قريش في مكة؛ رأى صلى الله عليه وسلم أن يعتمر، فاستنفر من معه فاستجاب ألف وأربعمائة، ولم يستجب من قبائل جهينة ومزينة وأسلم وأشجع إلا القليل فقط، لماذا؟

    يريدون أن يهلك الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون على أيدي المشركين، ويتخلصوا من الإسلام، وذلك لنفاقهم، بل لجهلهم، ما عرفوا الله، ادعوا الإيمان صورياً.

    وخرج صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية مع رجاله ونزلوا بالحديبية تحت شجرة من السمر، وجرت مفاوضات بينه وبين أهل مكة، وانتهت المفاوضات بعقد صلح على أن يعود صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة هذا العام، وفي العام المقبل يأتون معتمرين وتفتح لهم مكة ويحمون ويحرسون، ولا شك أنها كانت هموماً وغموماً وآلاماً؛ لأنهم جاءوا يسوقون هديهم يريدون العمرة، فيصدونهم عن سبيل الله، يمنعونهم من دخول مكة، بل بعثوا حوالي ثلاثين شاباً ليغتالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن الله فضحهم وسلط عليهم أصحاب رسول الله فأخذوهم أسرى، ثم عفوا عنهم وتركوهم.

    فلما ذاق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الغم وهذا الكرب والهم ورجاله معه عوضهم الله بنعم عظيمة، فقال: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1] فتحنا لك فتحاً واضحاً بيناً، ألا وهو فتح خيبر وفتح مكة، خيبر في هذه السنة ومكة في السنة الثامنة، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [الفتح:2-4]، ثم قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:8-10].

    هذا السياق الكريم إذا عشناه في هذه الدقائق فمعنى ذلك أننا مع الله ورسوله، فكيف نصل إلى هذا المستوى؟ وصلنا إليه بفضل الله علينا بالإيمان بالله وكتابه، بالإيمان بالله ورسوله، وها نحن نتدارس كتاب الله، فالحمد لله.

    رغبة الأعراب في المسير إلى خيبر طمعاً في المغنم وجواب الرسول لهم

    قال تعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ [الفتح:15] من هم المخلفون؟ الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة للعمرة، لماذا تخلفوا؟ لأنهم منافقون مرضى القلوب، يظنون أن المشركين سيقتلون رسول الله والمؤمنين، ولن ينتصر عليهم رسول الله والمؤمنون، فقالوا: نحن لنا أشغال وأعمال وإصلاحات في أموالنا وفي أهلينا ولا نتمكن من الخروج، واعتذروا للرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الأعذار الباطلة، هؤلاء هم المخلفون الذين خلفهم رسول الله والمؤمنون وراءهم في المدينة واتجهوا نحن مكة، فماذا يقولون؟

    سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ [الفتح:15] متى؟ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ [الفتح:15]، هذه الآيات أخبر الله بها وقالها للمؤمنين قبل أن يقولها المشركون والمنافقون في المدينة؛ إذ نزلت هذه السورة في طريق الرسول صلى الله عليه وسلم من الحديبية إلى المدينة، وهذه الأقوال التي ذكرها تعالى والله! لقد قالها أهل النفاق في المدينة.

    سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ [الفتح:15] في المستقبل حين تصلون إلى المدينة، سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا [الفتح:15]، والانطلاق هنا من المدينة إلى خيبر، وخيبر ذات مال وأغنام، ويملكها اليهود عليهم لعائن الله، والله عز وجل أعلن لرسوله بالفتح: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ [الفتح:1] وفيها مغانم كثيرة.

    فلما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمشي إلى خيبر وخرج معه المؤمنون قال أولئك المخلفون والعياذ بالله تعالى: نريد أن نخرج معكم، ائذن لنا بالخروج. فلم يأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج، وإن أذن لهم فلا حق لهم في الغنيمة ولا يتخذون منها قليلاً ولا كثيراً، ما هم بأهل لذلك؛ لأنهم يودون أن يهلك رسول الله والمؤمنون.

    إذاً: فقال تعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا [الفتح:15] أي: إلى خيبر، ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ [الفتح:15] اسمحوا لنا واتركونا لنمشي معكم!

    فأيام كانوا خائفين من قريش والمشركين هربوا وتنصلوا، والآن لما علموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم منتصر على اليهود قالوا: ذرونا واسمحوا لنا لنمشي معكم!

    قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الفتح:15]، الله أخبر بأن هؤلاء المنافقين سوف يقولون لكم كذا، وسيقولون: اسمحوا لنا، وأعطونا من الغنائم ولا تحسدونا، أخبر بهذا في أول هذه السورة قبل وصول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقالوا كما أخبر تعالى عنهم كلمة بكلمة.

    يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الفتح:15] ويغيروه، وذلك مستحيل.

    قال تعالى: قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا [الفتح:15] قل لهم يا رسول الله، يا نبي الله، قل لهم: لن تتبعونا، ولن تخرجوا معنا، ولن تمشوا معنا، وإن فرضنا أنكم نسيتم وخرجتم فلن تنالوا من الغنيمة شيئاً أبداً؛ إذ هذه خاصة بأهل الحديبية، عطية الله عز وجل ومنته لهم مقابل جهادهم وما عانوا من آلام في الحديبية.

    معنى قوله تعالى: (فسيقولون بل تحسدوننا)

    قال تعالى: قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا [الفتح:15] بالفعل قالوا: لماذا لا نمشي معكم إلى خيبر وهناك الإمكان لأن تملكوها وتأخذوا الغنائم، اسمحوا لنا، فقالوا: لا. فقالوا: إذاً: لم تحسدوننا، هذا الحسد فقط فيكم!

    أرأيتم طباع البشر في ذلك الزمن؟ فكيف باليوم، قالوا: تريدون أن تحسدونا فقط، وإلا فلماذا لا نخرج معكم ونأخذ مما تأخذون أنتم من الغنائم؟ بَلْ تَحْسُدُونَنَا [الفتح:15]، وهذا باطل وكذب وخطأ، فهم منافقون ما زالوا وما تابوا، والآيات -والله- لفي توبتهم وبيان الطريق لهم وهدايتهم، حتى يهتدوا ويسلموا ويؤمنوا الإيمان الصحيح.

    معنى قوله تعالى: (بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً)

    قال تعالى: بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا [الفتح:15]، أي: هؤلاء المخلفون المتنطعون المطالبون بالخروج إلى خيبر والقائلون: حسدتمونا، منعتمونا من خيبر حتى لا نأخذ الغنيمة معكم؛ هؤلاء قضى الله تعالى وحكم بأنهم كانوا لا يفقهون إلا قليلاً.

    وهنا -معشر المستمعين والمستمعات- بيان فضل الفقه، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وأكثر الويلات والمصائب والهزائم التي تصيبنا سببها عدم الفقه، ما هناك بصيرة، ما هناك نور، وإنما الحسد والكبرياء والخداع، هذه الأمراض كلها ناتجة عن ظلمة قلب، عن ظلمة الجهل.

    لو كانوا مبصرين مشرقة قلوبهم ومضيئة لهم الحياة فلن يقولوا هذا الكلام ويتخبطوا أمام رسول الله والمؤمنين، ويقولوا: بل تحسدوننا.

    قال تعالى: بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا [الفتح:15] والفقه هو العلم، وفهم أسرار العلم، علمت أن يد من سرق تقطع، والسر في ذلك ما هو؟ تأمين حال المؤمنين والمسلمين، علمت أن الزنا حرام، لكن ما السر في ذلك؟ ما فقه هذه الحرمة؟ حتى لا تختلط الأنساب وتفسد القلوب.

    فالعلم علم والفقه فهم أسرار العلم، فلو كانوا يفقهون وعرفوا لاستحوا أن يقولوا هذه الكلمة، أما يخجلون؟ بالأمس ما يخرجون مع رسول الله ويتمنون قتلهم على يدي المشركين، والآن يقولون: اتركونا واسمحوا لنا وما إلى ذلك، لما رفضوا ذلك قالوا: حسدتمونا، فالحسد هو الذي منعنا من المشي معكم.

    بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا [الفتح:15] معنى هذا -معشر المستمعين والمستمعات- أنه يجب أن نتفقه، أن نعرف أسرار الشرع ومقاصده الكريمة، لسنا كالبهائم الجاهلين، وحسبنا هذا الحديث: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )، من أراد الله به خيراً منا فقهه في الدين، علمه الدين وأسراره، وأصبح من أولي البصائر والنهى، اللهم اجعلنا منهم.. اللهم اجعلنا منهم.

    ومن لم يرزق هذا فوالله! إنه يعيش على الحسد والبغضاء والعداء وما إلى ذلك من حيرة الجهال وتخبطهم والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون ...)

    ثم قال تعالى للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقوله الحق: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ [الفتح:16] من قبائل حول المدينة كجهينة، مزينة، غفار، أسلم، أشجع، الديل؛ هؤلاء القبائل ما آمنوا الإيمان الحقيقي، آمن أهل المدينة وهم آمنوا بالصورة وبالتقليد، ما هم على علم وعلى بصيرة، فلهذا لما علموا بخروج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة أبوا أن يخرجوا؛ ظناً منهم أن المشركين سيقتلون رسول الله والمؤمنين، فهذا المعتقد هل يعتقده مؤمن صحيح الإيمان؟

    فقال تعالى هنا: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الفتح:16]، وهنا من الذي يدعوهم؟ لا نقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول قال: لن تتبعونا، هذا فيه آية من آيات الله الدالة على فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وميزته بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ هذا ثبت لما وفي النبي صلى الله عليه وسلم وتولى أبو بكر الخلافة، وإذا بـمسيلمة الكذاب وجماعات ارتدوا وانتكسوا، وماذا يفعل أبو بكر ؟ اختار أصحابه واستشارهم، فتوكل على الله عز وجل وخرج وقاتلهم حتى رجعوا إلى الإسلام.

    واسمع السياق الكريم: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الفتح:16] أي: قوة، تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح:16] إما أن يموتوا وإما أن يدخلوا في الإسلام.

    ومع هذا فالآية أيضاً تشمل عمر رضي الله عنه، فقد قاد المسلمين وقاتل الروم وقاتل الفرس حتى دخلوا في الإسلام، ودخلوا تحت راية الإسلام، دعا المسلمين لقتال الروم وفارس ونصره الله عليهم، فالآية تشمل هذا أيضاً، ويكون معنى: تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح:16] على حد ما علمنا من أنه إذا أردنا أن نغزو أمة من الأمم نرسي سفننا ونوقف طائراتنا، ثم نراسلهم: هل ستدخلون في الإسلام؟ نبين لكم الإسلام لتنجوا من عذاب الدنيا والآخرة، ولتكملوا وتسعدوا في دنياكم وأخراكم؟ فإن قالوا: مرحباً دخل المسلمون وعلموهم، وأقاموا شرع الله بينهم، وإن رفضوا، قلنا: لم ترفضون؟ إذاً: ادخلوا تحت رايتنا حتى نتمكن من هدايتكم وتعليمكم، فإن أذنوا بذلك ودخلنا فبها ونعمت، فإن قالوا: لا إسلام ولا دخول فما بقي إلا القتال فقط، لا بد من قتالهم.

    هكذا يقول تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ [الفتح:16] في يوم من الأيام إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الفتح:16] قوة، فرسان وأبطال وسلاح وكذا، تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح:16] فإن أسلموا لا تقاتلوهم، وإن لم يسلموا قاتلتموهم.

    معنى قوله تعالى: (فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً)

    فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا [الفتح:16] وعد من الله، فإن تطيعوا من يدعوكم، وهو رسول الله، أبو بكر ، عمر ، عثمان .. فإن تطيعوا من يدعوكم فماذا ينتج لكم؟ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا [الفتح:16] الأجر: المثوبة مقابل العمل، والحسن هنا في الدنيا العز والكرامة فيها، والطهر والصفا، وفي الآخرة الجنة دار النعيم المقيم، هذا هو الجزاء الحسن، لا الجزاء السيئ، وهو جزاء حسن في الدنيا وفي الآخرة، ففي الدنيا الطهر والصفا والعلم والبصيرة والتقوى كأنهم كالملائكة، وفي الآخرة الجنة دار النعيم المقيم، اللهم اجعلنا من أهلها.

    هذا وعد الله، فإن تطيعوا من يدعوكم إلى قتال الكافرين المشركين أو المجوس والنصارى يؤتكم الله عز وجل أجراً حسناً، ولا يعرف قدره إلا الله، ولكن كما بينا، وهو كمال الدنيا وسعادتها بالطهر والصفا والعز فيها، وسعادة الآخرة بالنعيم المقيم في دار السلام، مع رؤية الله رب العالمين.

    وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ [الفتح:16] وهل تولوا قبل؟ أي نعم، فما خرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، بل تولوا.

    وإن تتولوا عن الخروج للجهاد مع من يدعوكم كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح:16]، والعذاب الأليم في الدنيا: ذل وعار وخزي وفقر وبلاء، وفي الآخرة عذاب النار، الجحيم والسعير فيها، لا بد من هذا.

    هذه وعود ربانية، والله لا يخلف الميعاد، وهو على كل شيء قدير.

    وَإِنْ تَتَوَلَّوْا [الفتح:16] عن الخروج إلى الجهاد مع هذا الذي دعاكم من عبادنا الصالحين كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح:16] موجعاً، وهو عذاب الدنيا والآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ...)

    وهنا قال المرضى والعرج والعميان: يا رسول الله! كيف بنا نحن؟ إذا كان من لم يخرج للجهاد يكون من أهل النار، فنحن أصبحنا من أهل النار!

    فهؤلاء العاجزون عن الجهاد، هذا أعرج برجله، هذا أعمى ببصره، قالوا: كيف إذاً؟ ما نستطيع أن نخرج؟

    فأنزل الله تعالى عليه قوله: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ [الفتح:17] والأعمى: فاقد البصر، ليس عليه إثم أبداً ألا يخرج، ولا يطالب بالخروج.

    وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ [الفتح:17] والعرج ألم في رجل من الرجلين، صاحبه ما يقوى على الجهاد والمشي.

    وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [الفتح:17] مرض من الأمراض التي تصيب الإنسان ملازمة له، ما يستطيع الجهاد، هؤلاء لا إثم عليهم، ولا يطالبون بالخروج للجهاد، حتى اليوم وإلى يوم القيامة، رفع الله عنهم الحرج، منة الله ونعمته على عباده المؤمنين؛ لأنهم بكوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: كيف نحن؟ ما نستطيع أن نخرج للجهاد فهل نصبح مع هؤلاء؟ قال: لا، لا حرج عليكم.

    وبين تعالى فقال: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [الفتح:17] والحمد لله تعالى.

    وأنت تعلمون أن الحرج مرفوع أيضاً في الصلاة، من لم يستطع أن يصلي قائماً صلى قاعداً ولا حرج، من لم يستطع أن يصلي قاعداً صلى متكئاً أو مضطجعاً ولا حرج أبداً، والصيام كلك، فالمريض الذي ما يستطيع أن يصوم لا حرج أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً.

    وهكذا رفع الله الحرج والضيق عن عباده المؤمنين الصالحين إذا كانت هذه الأعذار موجودة حقيقة وهم لا يرغبون فيها، بل يرغبون أن يصوموا وأن يصلوا، ولكن العذر هو المرض والعجز.

    هؤلاء بكوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: كيف بنا نحن؟ ما نستطيع أن نخرج ونجاهد لما نحن فيه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [الفتح:17].

    معنى قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار)

    ثم قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الفتح:17] ومن يطع الله ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، أضافه إليه: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الفتح:17] يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وكلمة: (من) من ألفاظ العموم، سواء كان أبيض أو أحمر، عربياً أو أعجمياً، من أي نوع من أنواع البشر، من يطع الله تعالى بأن يؤمن حق الإيمان، ويطيع الله فيما يأمره باعتقاده، بقوله، بعمله، بحبه، بالتشبه به، ويطيع الله عز وجل فيما نهى الله عنه وحرمه على عباده الصالحين المؤمنين، سواء كان عقيدة فاسدة أو قولاً باطلاً أو عملاً سيئاً أو سلوكاً منحرفاً، هذه طاعة الله عز وجل ومعها طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً فيما يأمرنا به أن نقوله، أن نفعله، أن نعتقده، وما ينهانا عنه من قول أو عمل أو اعتقاد، هذه الطاعة لله ورسوله جزاؤها عظيم: يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [الفتح:17].

    هذا اللفظ عام للبشرية كلها، من يطع الله ورسوله في أي زمان، في أي مكان، في أي وقت، وطاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لن تتم لأحد إلا إذا آمن حق الإيمان، وأصبح يعيش مع الله يستحي منه أن يسمع كلمة باطلة، أو يمشي مشية محرمة.

    ثم بعد ذلك لا بد من معرفة محاب الله ومكارهه من الاعتقادات والأقوال والأعمال والصفات والذوات، فلهذا كان طلب العلم فريضة، وكثيراً ما أقول: لن تتحقق ولاية الله لعبد ويصبح ولي الله إلا إذا آمن أولاً ثم اتقى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، وكأن سائلاً يقول: من هم أولياؤك يا ربنا؟

    فكان الجواب: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] طول الحياة، يتقون الله ليلاً ونهاراً مدى الحياة، كيف يتقونه؟ يجعلون بينهم وبين عذابه وقاية، بينهم وبين سخطه وقاية، بينهم وبين غضبه وقاية، ما هذه الوقاية؟

    والله! إنها لطاعته وطاعة رسوله فقط، أطع الله وأطع الرسول، جعلت وقاية بينك وبين الله، لا يعذبك ولا يذلك ولا يهينك لا في دنياك ولا في أخراك.

    هكذا يقول تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [الفتح:17]، وفي قراءة سبعية: (ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات)، وقراءة أخرى: (يدخله)، بالنون وبالياء، والكل صحيح.

    أنهار الجنة

    جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [الفتح:17] أي أنهار هذه؟ نحن نعرف نهر النيل والفرات ودجلة، لكن هذه الأنهار أخبرنا تعالى أنها أربعة أنهار، قال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15] من عسل مصفى ليس فيه ما يوجد مع العسل الآن عندنا من بقايا النحل.

    ومن هم أهل الجنة يرحمكم الله؟ هل هم بنو هاشم؟ بنو فلان؟

    أهل الجنة المؤمنون المتقون، وأما الكافرون الفاجرون فأهل النار، ولا يوجد مؤمن حق الإيمان وهو فاجر، فهؤلاء الأعراب الذين عشنا مع الحديث عنهم ما آمنوا حق الإيمان وما عرفوا، وإنما قلدوا فقط فقالوا: نحن مسلمون، فلهذا عصوا رسول الله وتمنوا هلاكه، ولو كانوا مؤمنين فهل سيفعلون هذا؟

    فالمؤمن الحق ما يستطيع أن يعصي الله ولا أن يخرج عن طاعته أبداً، هذا الإيمان الذي جعل الله تعالى كل ذرة في الكون تقويه وتدل عليه، تأمل، ضع رأسك بين ركبتيك وفكر: من أنت؟ ما أنت؟ ما هذا الكون؟ من أوجده؟ لن تجد جواباً إلا: الله فقط، فحينئذ تقول: ما صفاته؟ فالجواب: في كتابه بأسمائه وصفاته، ماذا يحب مني؟ يحب كذا وكذا، ماذا يكره مني؟ يكره كذا وكذا، وتطيعه بالفعل لأنك آمنت وعرفت، وبذلك تصبح ولي الله.

    معنى قوله تعالى: (ومن يتول يعذبه عذاباً أليماً)

    يقول تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ [الفتح:17] فما يقبل هذه الدعوة، يصر على معصية الله ورسوله، يبيح الربا والزنا واللواط والكذب والغش والخداع والحسد والباطل؛ لظلمة قلبه وخبث روحه، وسبب ذلك: أنه ما آمن الإيمان الحق ولا عرف محاب الله ولا مكارهه، ولا محاب رسول الله ومكارهه.

    فالجهل ظلمة ما فوقها ظلمة، فلهذا يجب أن نتعلم، وطريق التعلم -كما علمتم وكررنا القول- بأن تسأل أهل العلم في صدق ونية صادقة: ماذا يجوز لي في كذا؟ هل يجوز لي أن أقول كذا؟ هل يباح لي كذا؟ هل أُمنع من كذا؟ لقول الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، إن شغلتك الشواغل وما استطعت أن تجلس في حلق العلم فعلى الأقل أن تسأل بالصدق، وإذا علمت تؤمن على الفور وتعمل وتطبق، إن قال العالم: هذا لا يجوز فلن تعود إليه، إن قال: هذا ينبغي أن تفعله فينبغي أن تفعله.

    ولكن طلب العلم كما كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يجلس في روضته ويلتف حوله أصحابه، يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]، بم يزكيهم؟ يطهر قلوبهم ويزكي نفوسهم ببيان الطريق لهم وبدعوتهم إلى هداية قلوبهم وإصلاحها حتى يصبحوا أزكياء النفوس.

    وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح:17] العذاب الأليم ذو الألم الموجع، ولا تستطيع أن تقدره ولا أن تعرفه، ألا وهو عذاب النار، ألا وهو عذاب الجحيم، ما هذا العذاب؟

    نستعرض بعض الآيات فيه، حيث يقول تعالى: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:19-21] هذه صورة فقط، يصب الماء الحار على رأسه حتى يغلي بطنه، وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:21-22]، طعامها الزقوم وشرابها الحميم، والغربة فيها لا نظير لها، من دخلها لا يعرف أباً ولا أماً ولا أخاً ولا أختاً ولا أحداً أبداً ملايين السنين، أفيؤمن عبد هذا الإيمان ويستطيع أن يعصي الله ويخرج عن طاعة الرحمن؟

    وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح:17]، والله تعالى نسأل ألا يجعلنا من أهل الكفر والشرك والفسق والفجور.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: وعد الله رسوله والمؤمنين بغنائم خيبر وهم في طريقهم من الحديبية إلى المدينة وإنجازه لهم دال على وجود الله، وعلمه، وقدرته، وحكمته، ورحمته، وكلها موجبة للإيمان والتوحيد وحب الله والرغبة إليه والرهبة منه.

    ثانياً: بيان حيرة الكافر واضطراب نفسه وتخبط قوله وعمله ]، والفاسق مثله والظالم مثله، لا هدوء ولا سكينة ولا استقرار؛ لظلمة نفوسهم وخبث أرواحهم.

    [ ثالثاً: ذم الجهل وتقبيحه، إنه بئس الوصف يوصف به المرء، ولذا لا يرضاه حتى الجاهل لنفسه، فلو قلت لجاهل: يا جاهل! لا تفعل كذا، أو لا تقل كذا؛ لغضب عليك ].

    من هداية هذه الآيات: التنديد بالجهل، والتحذير منه؛ فإنه ظلمة لا يحبها عاقل أبداً ولا يرضى بها غير فاسق أو فاجر، وظلمة الجهل بم نزيلها؟ نزيلها بالكتاب والسنة، بسؤال أهل العلم، بمجالستهم نتعلم.

    الجاهل تقول له: يا جاهل فيغضب وهو جاهل، فلهذا الجهل من أخس الصفات والعياذ بالله تعالى.

    [ رابعاً: مشروعية الاختبار والامتحان لمعرفة القدرات والمؤهلات ].

    هذا خاص بالمسئولين عن الجهاد وما إلى ذلك، لا بد من الاختبار والامتحان.

    [ خامساً: بيان أن غزو الإسلام ينتهي إلى أحد أمرين: إسلام الأمة المغزوة، أو دخولها في الذمة بإعطائها الجزية بالحكم الإسلامي وسياسته ].

    وهذا كما بينت لكم، فحين نغزو دولة من الدول وراية لا إله إلا الله في أيدينا نطالبهم بالدخول في الإسلام، فإن رفضوا قلنا: اسمحوا لندخل لنعلمكم، فإن رفضوا فإنا نقاتلهم، ما هناك حالة أخرى، فإن أذنوا لنا بالدخول دخلوا تحت رايتنا وانقادوا لحكمنا وهم على دينهم، ولكن ما يلبثون أن ينتقلوا إلى الإسلام؛ لأنهم يشاهدونه وأهله.

    [ سادساً: دفع الإثم والحرج في التخلف عن الجهاد لعذر العمى أو العرج أو المرض ].

    من هداية هذه الآيات: رفع الإثم والذنب والحرج عن المريض الذي ما يقوى على الجهاد، كالأعرج والأعمى والمريض، بكتاب الله هذا: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [الفتح:17].

    [ سابعاً: بيان وعد الله ووعيده لمن أطاعه ولمن عصاه، الوعد بالجنة، والوعيد بالنار ].

    وعد الله لأوليائه وصالحي عباده بالجنة ورضاه، ووعيده للكافرين أهل الشرك والكفر -والعياذ بالله تعالى- بالعذاب الأليم في جهنم وبئس المصير.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.