إسلام ويب

تفسير سورة الأحقاف (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من نعمة الله عز وجل على الإنسان أن سخر له أماً وأباً، فأمه تحمله في بطنها تسعة أشهر في المعتاد، وتقاسي من أجل رعايته وإحاطته الآلام، فإذا ولد تعهدته بالرعاية والرضاعة حتى يبلغ العامين من عمره، ثم يدرج بين أبوين حانيين حتى يبلغ أشده، لذلك فقد أوجب الله على العبد حفظ الجميل لأبويه، وقرن طاعتهما بالإيمان به وشكره سبحانه، وأمر برعايتهما وتولي شئونهما خاصة عند كبرهما وضعفهما، فهنيئاً لمن أدخله أبواه الجنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فها نحن مع سورة الأحقاف سابعة آل حم، ومع هذه الآيات، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:15-16].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! يقول الله تبارك وتعالى: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف:15]، الإنسان هو هذا المخلوق هذا الجنس في الأولين والآخرين، أوصاه الله وأمره وبالغ في الأمر فكان وصية، فالوصية أعظم من الأمر؛ إذ الأمر إذا شدد يصبح وصية. وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا [الأحقاف:15] ألا وهما أمه وأبوه، والإحسان طول الحياة، وذلك بأن لا يقصر في الإكرام والإنعام عليهما، وألا يتعرض لأذاهما بأدنى أذى، الإحسان بالوالدين إيصال الخير لهما مع كف الأذى عنهما، وكونه يوصل الخير ويؤذيهما إساءة لا إحسان، وبر الوالدين بعد الموت، يبرهما وهما حيان ويبرهما بعد موتهما وذلك ببر من كانا يبرانه، وبالدعاء لهما ما دام الولد حياً.

    وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا [الأحقاف:15] أي: مع شدة ومشقة وتعب من ساعة أن يتخلق الولد وهي تعاني وتتألم، وحين الولادة من باب أعظم، فقد تموت في ولادتها.

    حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا [الأحقاف:15] ولدته كرهاً، فهي تتعذب في بداية الأمر وفي نهايته، فلهذا يجب أن يحسن بها، يجب أن يبرها، يكفيها هذا الذي قدمته لك يا ولد، حملتك كرهاً ووضعتك كرهاً، واستمرت أيضاً ثلاثين شهراً ترضعك.

    دلالة الآية على اعتبار الستة الأشهر أقل مدة الحمل

    وهنا لطيفة علمية: جاءت امرأة إلى عثمان رضي الله عنه على أنها ولدت في الشهر السادس، فقالوا: هذه إذاً زانية! فأراد أن يقيم الحد عليها، فجاء علي رضي الله تعالى عنه فقال: لا يا إمام المسلمين، فالله تعالى يقول: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف:15] ويقول: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233] فالحولان أربعة وعشرون شهراً، والستة الأشهر الباقية تتمة للثلاثين، إذاً: المرأة إذا تزوجت فقد تحمل وتلد في ستة أشهر.

    فلو ولدت المرأة في الشهر الخامس أو الرابع فهذا ليس ابن الزوج أبداً، هذا جاء في رحمها من زنا، لكن إذا تزوج الرجل وبقيت معه ستة أشهر وأنجبت فلا حرج، وذلك لقول الله تعالى وقوله الحق: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233] والحول هو العام الكامل اثنا عشر شهراً، وقبل ذلك الستة الأشهر للحمل، فتتم ثلاثون شهراً للحمل والإرضاع.

    قال تعالى في هذه الآية الكريمة: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ [الأحقاف:15] أي: انفطامه وانقطاعه ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف:15] الحمل مع الرضاعة ثلاثون شهراً.

    معنى قوله تعالى: (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ...)

    ثم قال تعالى: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف:15]، إذا بلغ الخامسة عشرة أو السادسة عشرة أو الثامنة عشرة واحتلم فقد بلغ سن التكليف وأصبح مكلفاً، ولكن إذا بلغ الثامنة عشرة ولو لم يحتلم فقد بلغ سن التكليف وأصبح مكلفاً بالواجبات يفعلها وبالمنهيات يجتنبها ويبتعد عنها، لكن بلوغ الأشد عقلاً وبدناً من ثلاث وثلاثين سنة إلى الأربعين، ولهذا كان الله يوحي إلى الأنبياء حين يبلغون الأربعين من السنين.

    حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف:15] أي: زاد بعد ذلك بكذا سنة.

    فضل الصديق بدخوله في الآية الكريمة

    وهذه الآية الكريمة تتفق مع أبي بكر الصديق اتفاقاً كاملاً كأنها نزلت فيه، مع أنها عامة.

    وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف:15] ودخل في الإسلام قَالَ رَبِّ [الأحقاف:15] يا رب! أَوْزِعْنِي [الأحقاف:15] أعني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي [الأحقاف:15]، هكذا أبو بكر الصديق لما بلغ الثامنة والثلاثين دخل في الإسلام، والرسول كان قد بلغ الأربعين، فلما بلغ الصديق الأربعين كانت هذه دعوته: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي بدخولي في الإسلام، وَعَلَى وَالِدَيَّ [الأحقاف:15]، فلم يوجد صحابي أسلم أولاده وأبوه وأمه قط إلا أبو بكر الصديق ، فأبوه أبو قحافة التيمي عثمان ، يكنى بـأبي قحافة من بني تيم، وأمه أم الخير سلمى كذلك، آمن أبوه وأمه وهما شيخان كبيران، وأولاده من عائشة إلى عبد الرحمن ما منهم أحد إلا أسلم، هذه الآية تتفق مع الصديق اتفاقاً كاملاً، وهو الذي يدعو بهذا الدعاء: رَبِّ [الأحقاف:15] يا رب! أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ [الأحقاف:15] أي: بنعمة الإسلام، وَعَلَى وَالِدَيَّ [الأحقاف:15] بأن أسلما ودخلا في رحمة الله، وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي [الأحقاف:15] وهم عائشة وأسماء ومحمد وعبد الرحمن .

    وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ [الأحقاف:15] إذ كان في الجاهلية يعبد غير الله، وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15] لك قلوبهم ووجوههم، واستجاب الله له، فهذه الآية فاز بها أبو بكر كأنها نزلت فيه، مع أنها صالحة لكل من يوفق لهذا.

    فقوله: وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي [الأحقاف:15] كل ذرية أبي بكر من الصالحين والصالحات، إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ [الأحقاف:15] أي: رجعت إليك بعدما كنت جاهلاً في الجاهلية ضالاً، وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15] لك، أسلمنا قلوبنا ووجوهنا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ...)

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا [الأحقاف:16]، من كان على هذه الصورة أخبر تعالى أنه يتقبل منه أحسن ما عمل.

    وهناك لطيفة أخرى في الحديث الصحيح تدل على فضل أبي بكر الصديق : فقد جلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه يوماً فقال: ( من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة )، ما اجتمعت الصفات الأربع في أحد إلا دخل صاحبها الجنة، إذاً: فكان بشرى لـأبي بكر بدخول الجنة.

    وأما دعوة الولد الصالح فلا ننس الحديث النبوي الشريف؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله ) إذا مت يا عبد الله ما بقي عمل، صلاتك انتهت، صيامك انتهى، رباطك انتهى، جهادك انتهى، إلا ثلاث:

    الأولى: صدقة جارية، كأن بنى مسجداً، حفر بئراً، عبد طريقاً، أوقف بستاناً، الصدقة الجارية يثاب عليها وهو ميت ولو بعد مائة سنة.

    ثانياً: علم ينتفع به، إذا علم ناساً علماً ينتفعون به يكون صدقة جارية بعد موته.

    وأخيراً: ولد صالح يدعو له.

    فاجتهدوا أن تفعلوا هذه الثلاثة وهي سهلة، فعليكم بالصدقة الجارية، فساهموا في مسجد، في بئر، في قرية أو منزل للفقراء.

    ثانياً: العلم الذي ينتفع به، هذا يحتاج إلى أن نتعلم مسألة كهذه ونعلمها، فينتفع بها صاحبها.

    ثم ولد صالح يدعو له، وكيف يكون الولد صالحاً؟ لا بد من تربيته عند نشأته وحال بلوغه وعند رجولته، لا بد من تربيته والحفاظ عليه حتى يكون صالحاً، وإذا كان صالحاً فوالله! لا يفتر يدعو لك ما دام حياً؛ فأيما عبد صالح إلا وهو يدعو لوالديه في كل صلاة، في كل يوم.

    وهكذا فاز أبو بكر الصديق بهذه: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا [الأحقاف:16] أحسن ما عملوه يقبله الله عز وجل ويثيبهم عليه.

    وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ [الأحقاف:16] إذا كانت له سيئة يتجاوز الله عنها ويتركها ولا يؤاخذه بها، ويدخله الجنة، والتجاوز عن السيئة عدم الالتفات إليها وترك ذكرها بين الناس يوم القيامة: وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ [الأحقاف:16].

    ثم قال تعالى: وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16]، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [محمد:12] هذا وعد الله وعد الصدق الذي يعد به، ومن أصدق من الله حديثاً؟ لا أحد، فهنيئاً لـأبي بكر الصديق ومن اتصف بهذه الصفات معه من الصحابة والتابعين وإلى يومنا هذا.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    أسمعكم الآيات مرة ثانية:

    قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا [الأحقاف:15] أليس كذلك؟ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف:15]، أليس كذلك؟ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف:15] أبو بكر لما بلغ ثمانية وثلاثين عاماً أسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم أوحي إليه في الأربعين.

    وتعرفون أن المرء يبلغ سن التكليف إذا احتلم، وإذا نبت الشعر حول فرجه على عانته فقد بلغ سن البلوغ وأصبح مكلفاً، أو بلوغ سن الثامنة عشرة، فإذا بلغ الثامنة عشرة ولو لم يكن احتلام ولا شعر فقد دخل في التكليف، لكن الرشد من الثلاث وثلاثين فما فوق إلى الأربعين، يكتمل عقله تماماً وبدنه، فلا يزيد البدن بعد ذلك ولا العقل.

    قال تعالى: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي [الأحقاف:15]، فلندع كلنا بهذه الدعوة: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15] هذه دعوة يدعو بها كل مؤمن.

    ثم قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ [الأحقاف:16] نأخذ أحسن ما عملوا ليعظم أجرهم، ونتجاوز عن السيئات ولا نبالي بها ولا نأخذهم بها، فاللهم اجعلنا منهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: وجوب البر بالوالدين بطاعتهما في المعروف والإحسان بهما بعد كف الأذى عنهما ].

    من هداية هذه الآيات التي تدارسناها: وجوب البر بالوالدين والإحسان بهما، وذلك بفعل الخير معهما وعدم الأذى لهما بحال ولو بكلمة، لا يتم إحسانك بوالديك إلا إذا كنت توصل الخير إليهما ولا تؤذيهما أي أذى ولو بكلمة عالية، والله يقول: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23] يفرحان به ويسعدان، لا كلمة قاسية.

    [ ثانياً: الإشارة إلى أن مدة الحمل قد تكون ستة أشهر فأكثر، وأن الرضاع قد يكون حولين فأقل ].

    في الآيات إشارة إلى أن مدة الحمل قد تكون ستة أشهر، سبعة، ثمانية، تسعة، وقد تبلغ عشرة، لكن بدايته الستة، والرضاع لا يزيد على الحولين، لو أرضعت امرأة طفلاً بعد حولين فذاك الرضاع لا يعده ابناً لها، فالرضاع في الحولين، أي: في العامين، فإذا تجاوز سنه العامين وأرضعته لا يكون ابناً لها؛ لأنه ما يتغذى بذلك اللبن، لكن يتغذى به لما كان في السنة الأولى والثانية.

    [ ثالثاً: جواز التوسل بالتوبة إلى الله والانقياد له بالطاعة ].

    من هداية هذه الآيات: جواز التوسل إلى الله بالطاعة، نتوسل إلى الله ليرضى عنا، ليعطينا ما نريد، ليرحمنا، بم نتوسل إليه؟ بطاعته، لقوله: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15]، هذا توسل به أبو بكر الصديق ، وليتوسل به كل مؤمن ومؤمنة.

    فكيف نتوسل إلى الله ليغفر لنا، ليعلمنا، ليحفظنا، ليرفع البلاء عنا؟ كيف نتوسل؟ بالعبادة، بالطاعة، بذكره وعبادته، تلك هي الوسيلة.

    [ رابعاً: فضيلة آل أبي بكر الصديق على غيرهم من سائر الصحابة ما عدا آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    هذه هداية أخيرة: فضيلة أبي بكر وآل بيته على كل المسلمين، اللهم إلا على آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، وما عدا ذلك فـأبو بكر وأسرته وأولاده أفضل أسرة على الإطلاق، لماذا؟ لأنه أول من أسلم، ثانياً: أسلم أولاده كلهم، ثالثاً: أبواه الشيخان الكبيران أسلما ودخلا الإسلام، فـعمر أمه ما أسلمت، وعثمان والده ما أسلم، اللهم إلا أبا بكر الصديق فقد أسلم أمه وأبوه وأصلح الله أولاده رجالاً ونساء، فأسرته من أعظم الأسر، ما تفوقها إلا أسرة النبي صلى الله عليه وسلم آل البيت.

    [ خامساً: بشارة الصديق وأسرته بالجنة، إذ آمنوا كلهم وأسلموا أجمعين وماتوا على ذلك ].

    من هداية الآيات: حمل البشرى لـأبي بكر الصديق ولأولاده، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون، وهنيئاً لهم، وإنهم -والله- لفي الجنة دار النعيم.