إسلام ويب

تفسير سورة يونس (29)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء موسى عليه السلام داعياً فرعون وقومه إلى الإيمان، لكن فرعون طاغية من طغاة الأرض، رفع نفسه فوق مقامها، وظن أن الدنيا قد حيزت له، فتجبر على عباد الله، واتخذهم سخرياً، ولما آمن المستضعفون من بني إسرائيل مع موسى أبى فرعون إلا القضاء عليهم واستئصال خضرائهم، فخرج في إثرهم مع جنوده الذين استخفهم، لكن الله عز وجل أنجى نبيه ومن معه المؤمنين، وأغرق في لجة البحر الباقين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأحد من يوم السبت- والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله إن شاء الله، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة يونس بن متى عليه السلام، تلكم السورة المكية التي تعالج -كغيرها من المكيات- أمور العقيدة، وأعظم أركانها: التوحيد، والنبوة، والبعث الآخر.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ونحن نتدبر ونتأمل، ثم نتدارسها، والله أسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ [يونس:90-92].

    خروج موسى عليه السلام ببني إسرائيل من مصر

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ [يونس:90] من هم بنو إسرائيل؟ إنهم أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، والآن هم اليهود، وتسميتهم باليهود بدأت يوم معصيتهم لموسى عليه السلام وتمردهم عليه.

    وقد تقدم أن عبدا الله ورسولاه موسى وهارون سألاه بأن يهلك فرعون ويشدد على قلبه، وأخبرهم تعالى بأنه قد استجاب دعوتهما: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا [يونس:89].

    وهنا يقول تعالى: وَجَاوَزْنَا [يونس:90] من المخبر بهذا الخبر؟ الله جل جلاله، بواسطة وحيه إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هذا كلام الله وهذا كتابه.

    وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ [يونس:90] الذين كانوا مع موسى وهارون وتمردوا بعد هذه الحادثة، وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ [يونس:90] والبحر هو هذا الذي يسمى ببحر القلزم، ولعله البحر الأحمر، فمن مصر يدخلون هذا البحر، هو بحر القلزم.

    وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ [يونس:90] وكان عددهم ستمائة ألف وكسراً، بنسائهم وأطفالهم ورجالهم، هذا العدد نشأ من يوسف وإخوته لما سكنوا الديار المصرية، تناسلوا فكثر عددهم فكانوا ستمائة ألف وكسراً، فلما طالت المدة وموسى يطالب ببني إسرائيل ليعود بهم إلى أرض القدس، ويخلصهم من فتنة الاستعباد والطغيان والظلم الفرعوني، مضت فترة طويلة وآن الأوان لأن يخلصهم الرحمن عز وجل، فأمر موسى أن يستقل بهم: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [يونس:87]، ومن ثم تهيئوا للخروج من الديار المصرية فخرجوا، ثم وصلوا إلى البحر، فكيف يجتازونه بلا سفن ولا قوارب؟ فأمر الله تعالى نبيه موسى أن يضرب البحر بعصاه التي هي آية من آيات الله، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وأصبح اثني عشر طريقاً، كل قبيل سلك طريقاً حتى لا يصطدم بالقبيلة الأخرى، فلما علم فرعون بخروج بني إسرائيل بقيادة موسى وهارون جند جنوده، فخرج -كما يقول الترمذي- بألفي ألف وزيادة، أي: بمليونين، وخرج على فرسه ليرد بني إسرائيل بالقوة، فلما انتهوا إلى البحر بقي البحر مفتوحاً طرقاً، حتى قيل: ما هي الأرض التي لم تر الشمس قط إلا مرة واحدة؟ قالوا: هذه الأرض طلعت عليها الشمس مرة واحدة، فلما توسط البحر هو ورجاله أطبق الله عليهم البحر، فأغرقهم أجمعين.

    أما فرعون الطاغية الجبار الكافر فقد قال له تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس:92] نجى بدنه بدون روحه، نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس:92] لا بروحك.

    وسبب هذا كثير الأسباب، من بينها: أن أتباع موسى لهزيمتهم الروحية ولمرارة ما ذاقوا من مر العذاب لولا أنهم شاهدوه ميتاً لقالوا: لا يموت فرعون، ولبقوا في بكاء وصراخ وخوف، إذاً: فرفعه الله بما شاء من أسباب على سطح البحر إلى مكان مرتفع، فبقيت جثته هناك تشاهد وترى، يراها كل من مر بها، والآن بدنه في المتاحف الفرعونية.

    معنى قوله تعالى: (فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً)

    هكذا يقول تعالى مخبراً عن تدبير أوليائه وصالح عباده: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا [يونس:90] ظلماً واعتداء، لا حق لهم أبداً في أن يتبعوهم ولا أن يلحقوهم ولا أن يردوهم، أكثر من أربعين سنة وموسى يطالب بأن يرسل معه بني إسرائيل ليعود بهم إلى ديارهم، فبأي حق -إذاً- يتبعهم ليردهم بالقوة؟ لا حق له أبداً، فلهذا كان خروجه بغياً، أي: ظلماً وعدواناً، ليس له أدنى موجب لأن يستردهم ويقهرهم ليعودوا إلى مصر.

    إذاً: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ [يونس:90] جرى وراءهم وَجُنُودُهُ [يونس:90] وقد عرفنا أنهم -كما قال الترمذي والقرطبي في تفسيره- ألفا ألف، مليونان، بَغْيًا وَعَدْوًا [يونس:90] أي: ظلماً وعدواناً، ليس لهم أي حق في أن يتبعوهم أو يردوهم إلى مصر.

    معنى قوله تعالى: (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين)

    حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ [يونس:90] لأن الماء انطبق عليهم، فلما وصل إلى نهاية قوته قال هذه الكلمة التي سجلها القرآن له: قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] أعلن عن إيمانه وإسلامه، الإيمان والتصديق بما كان يكذب به وينكر، وإن كان تكذيبه وإنكاره جحوداً وعناداً، وإلا فقد كان يعرف الله، وما قال: أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى [النازعات:24]و مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]إلا تمرداً وجحوداً كما أخبر تعالى.

    فقال: آمنت بأنه لا معبود إلا الله، آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90] قالت العلماء: من خبثه وفساد طويته أبى أن يقول: إلا الله؛ لأنه عاش زمناً يقول: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، ويقول: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، فخجل واحتشم -إن كانت له حشمة- أن يقول: لا إله إلا الله، قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90] تحاشياً لأن يذكر الله عز وجل.

    وروي أن جبريل كان يلقمه حمأة البحر حتى ما يقول: لا إله إلا الله فينجو، كان يلقمه من طينة البحر؛ حتى لا يقول: لا إله إلا الله، فانظر كيف انصرف عن الكلمة وقال: آمنت بأنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل! لو قال: إلا الله فهذا المطلوب.

    ثم قال: وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] فالآن خذل وانخفض وهبط وذهب ذلك التعالي والعلو والغطرسة، وقال: أنا من جماعة الإسلام، الذين يسلمون قلوبهم ووجوههم لله، فلا يعبدون إلا الله ولا يعصونه ويتمردون عليه في أوامره ونواهيه، أولئك المسلمون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين)

    فأجابه تعالى بقوله: آلآنَ [يونس:91] أهذا أوان الإسلام؟ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91] وهنا يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( تقبل توبة العبد ما لم يغرغر )، والغرغرة: تحريف الصوت؛ لأن الروح ارتفعت إلى الحلقوم.

    وفي القرآن الكريم: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:17-18].

    يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( تقبل توبة العبد ما لم يغرغر )، أما قبل أن تصل الروح إلى الحلقوم فلو فعل ما فعل وقال: آمنت بالله تبت إلى الله؛ قبلت توبته، ففرعون غرغر، فهنا الغرق وصل إلى حلقومه، والآية صريحة: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء:18]، قد يشاهد ملك الموت وأعوانه، فإذا شاهد ملك الموت لا تقبل له توبة، أما قبل ذلك وإن ارتفعت الروح من رجليه إلى بطنه فبالإمكان أن يتوب، ما لم تصل إلى حلقومه.

    فها هو تعالى يؤنبه ويرد عليه بقوله: آلآنَ [يونس:91] أهذا وقت الإيمان والإسلام؟ وقت الإيمان والإسلام مضى أيام كنت تقوى على أن تصلي وتصوم، أيام كنت تقدر على أن تعبد الله وتوحده، وليس الآن، آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [يونس:91] عصى الله وعصى رسوله موسى، وتمرد عليهما، وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91] في الأرض، وأي فساد في الأرض أكثر ممن يدعي الألوهية والربوبية، أكثر ممن يستعبد ويستغل الأفراد ويتعبهم في مصالحه وظلمه وفساد لا حد له؟! ويكفيه أن يسجل الله عليه قوله: وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91] في الأرض.

    انحصار الصلاح في الطاعة والفساد في المعصية

    عبارة ينبغي ألا ننساها: الفساد في الأرض والصلاح فيها، لو سئلت: ما الفساد في الأرض، وما الصلاح؟

    فالجواب: الصلاح في الأرض يكون بعبادة الله تعالى وهي طاعته في أوامره ونواهيه؛ إذ ما أمر ولا نهى إلا للإصلاح، والفساد في الأرض يكون بمعصية الله في أوامره ونواهيه.

    فالصلاح في الأرض يكون بطاعة الله، وطاعة الرسول تابعه له، ومن يطع الرسول فقط أطاع الله، لماذا يكون الصلاح بالطاعة؟ لأن الله تعالى لا يأمر بأمر إلا وفيه صلاح، ونواهيه -والله- ما ينهى عن شيء إلا وفيه الفساد، فالذي يعمل بطاعة الله ورسوله في الأرض عامل للإصلاح، والذي يعمل بمعصية الله ورسول الله عامل بالإفساد، ولو بنى القصور ولو شق البحار.

    فالمفسدون في الأرض هم الذين يعملون بالمعاصي، بيضاً كانوا أو سوداً، رؤساء أو مرءوسين، أغنياء أو فقراء، هم الذين يعملون بمعصية الله ورسوله فيضيعون أوامر الله والرسول وينتهكونها ويأتون المحرمات فيفعلونها، أولئك -والله- المفسدون في الأرض، والمصلحون من هم؟ هل هم بنو هاشم؟ بنو فلان؟ إنهم الذين يعملون بطاعة الله ورسوله.

    فإن قيل لنا: لم هذا الحصر؟ قلنا: لعلمنا اليقيني أن الله تعالى لا يأمر بقول أو اعتقاد أو عمل إلا للإصلاح، ولا ينهى عن قول أو اعتقاد إلا للإصلاح، فمن عكس فترك أوامر الله وفعل نواهيه أفسد وهو من المفسدين، فمدينتنا هذه الذين يعملون بالمعاصي فيها يفسدون، والله! لهم المفسدون، والذين يعملون فيها بطاعة الله ورسوله والاستقامة هم المصلحون، وعلى هذا قس كل شبر في الأرض.

    آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91]؟ فكيف تدعي الإيمان الآن؟ كيف يقبل منك؟! وتركه على سطح الأرض على مكان مرتفع كأنه بهيمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ...)

    ثم قال تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس:92]، لا بروحك، والقائل هو الله تعالى، وقد يكون جبريل كان هناك هو الذي يقول، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس:92]، لا بروحك، لو قال: فاليوم ننجيك لكان ينجو البدن والروح، لكن لما قال: بِبَدَنِكَ [يونس:92] علم أن الروح لا، بل البدن فقط، الذات والهيكل العظامي هذا، ولماذا؟ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:92]، علامة كالشمس على أنه لا إله إلا الله وأن موسى رسول الله، وأن فرعون كان على الباطل، وموسى كان على الحق، وآية أيضاً لقوم موسى حتى يستريحوا ويطمئنوا من القلق لما شاهدوا فرعون قد مات، وكذلك أتباع فرعون يشاهدونه ميتاً، لأنهم قد يقولون: لا يموت.

    وأذكر هنا لطيفة، فقد كان عندنا في منطقة قائد مسلم جبار وطالت حياته، لما مات فوالله! إن كثيراً من القرى قالوا: لا يموت، ما صدقوا أنه مات! فلولا أن الله تعالى أظهر جثته وبدنه لكان الكثيرون يقولون: ما يموت أبداً، سوف يجيء في يوم من الأيام ويخرج، لكن لما كانت جثته ماثلة بين الناس قروناً ما بقي واحد يشك، هذا تعليل الله في قوله: لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:92]، علامة على قدرتنا وسلطاننا وصدق أنبيائنا ورسلنا.

    ثم قال تعالى: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ [يونس:92]، هذه صفعة على وجه كفار مكة وقريش، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ [يونس:92]، إلى الآن وبعد الآن عَنْ آيَاتِنَا [يونس:92] الدالة على وجوده تعالى، على قدرته، على علمه، على سلطانه، على صحة شرعه لَغَافِلُونَ [يونس:92]، لا يعرفون منها شيئاً، فاللهم لا تجعلنا منهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    معاشر المستمعين! إليكم شرح الآيات مرة ثانية من الكتاب، فتأملوا؛ لتزدادوا علماً وبصيرة.

    قال المؤلف غفر الله تعالى له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق في قصة موسى وهارون مع فرعون وبني إسرائيل، قال تعالى: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ [الأعراف:138]، وذلك بداية استجابة الله تعالى دعوة موسى وهارون، ومعنى وَجَاوَزْنَا [الأعراف:138]، أي: قطعنا بهم البحر حتى تجاوزوه، وذلك بأن أمر موسى أن يضرب بعصاه البحر فضرب فانفلق البحر فكان كل فرق كالطود العظيم ] أي: الجبل العالي، [ ويبست الأرض ودخل موسى مع بني إسرائيل يتقدمهم جبريل عليه السلام ].

    وهنا لطيفة: وهي أن أحد بني إسرائيل وهو السامري لما كان يشاهد الفرس التي يركبها جبريل وهو قائدهم، رآها كلما رفعت حافرها نبت النبات تحتها في تلك الأرض التي لا نبات فيها، فوسوس له الشيطان وزين له أن يأخذ من التراب الذي وطئته فرس جبريل، فاحتفظ به، فلما نجا بنو إسرائيل ونزلوا خارج البحر، وسوس له الشيطان فجمع حلي الذهب من نساء بني إسرائيل، وقال: هذا الحلي حلي القبطيات لا حق لكن فيه فهاته نجمعه ونحرقه، فجمع الحلي -الذهب والفضة- وصنع عجلاً بذلك الذهب والفضة، صنع عجلاً وصار ينفخ فيه؛ لأنه مجوف، فيصبح له صوت، فلما تركهم موسى عليه السلام وذهب إلى الله بجبل الطور ليأتيهم بالقانون بعدما استقلوا؛ إذ لا بد من قانون يحكمهم به، قال: اجلسوا هنا حتى آتي بالشريعة، وهذه اللطيفة قررناها أكثر من خمس وأربعين سنة، وقلنا: المفروض في الإقليم الذي يستقل عن الدولة الكافرة أن يطلب دستوراً أو قانوناًيحكم به بلاده، فهذا موسى لما استقل أراد أن يأخذ بما يحكم به بني إسرائيل، فذهب إلى الله إلى الطور ليأتي بالقانون والدستور، فإخواننا العرب والمسلمون كلما استقل إقليم عن دولة كافرة طبقوا شرعها، ولو أراد الله بهم خيراً لكان أول إقليم يستقل يأتي إلى عبد العزيز فيقول: استقللنا فخرجت بريطانيا من ديارنا، ابعث لنا علماء، أعطنا الدستور، أقسم بالله لو كنا صادقين فإنه إذا استقل هذا الإقليم يقول: استقللنا فابعث لنا علماء ووالياً عنك يحكمنا، ألسنا مسلمين؟ فهل يجوز استقلالهم؟ والله! ما يجوز، هذه أمة واحدة، فلو ألهمهم الله وما فتنهم الشيطان؛ فإنه كلما استقل إقليم جاءوا عبد العزيز ، وهم يشاهدون الدولة القرآنية في الأمن والطهر والصفاء، فلو فعلوا لكانت أمة الإسلام أمة واحدة، من أندونيسيا إلى موريتانيا، كلما يستقل إقليم يبعث رجاله: ابعثوا لنا قضاة وابعثوا لنا والياً عاماً، فهل فعلوا؟ حتى الدويلات الممسوخة ما فعلت.

    ولكن هل قرءوا هذا القرآن؟ موسى عليه السلام وأخوه هارون نبيان رسولان، ومع هذا قال: اجلسوا حتى آتيكم بالدستور من الله عز وجل، ولما ذهب زين لهم الشيطان والسامري ، فقال لهم: هذا هو إلهكم وإله موسى، موسى تأخر، فبدل أن يرجع في شهر تأخر أربعين يوماً، هذا هو إلهكم وإله موسى، فعكفوا حوله يعبدونه، إلا من سلم الله عز وجل، فلما رجع موسى وجدهم يعبدون العجل، وأحرقه ورمى به في البحر.

    قال: [ وَجَاوَزْنَا [الأعراف:138]، أي: قطعنا بهم البحر حتى تجاوزوه، وذلك بأن أمر موسى أن يضرب البحر بعصاه فضرب فانفلق البحر فكان كل فرق كالطود العظيم، ويبست الأرض، ودخل موسى مع بني إسرائيل يتقدمهم جبريل عليه السلام على فرس ]، ولو لم يكن جبريل في صورة إنسان وعلى فرس لما آمن اليهود بنو إسرائيل، لن يصدقوا، حين يدخلون البحر سيقولون: الآن نغرق، لكن جبريل يقودهم يتقدمهم [ حتى تجاوزوا البحر إلى الشاطئ، وجاء فرعون على فرسه ومعه ألوف الجنود، فتبعوا موسى وبني إسرائيل فدخلوا البحر، فلما توسطوه أطبق الله عليهم البحر فغرقوا أجمعين، إلا ما كان من فرعون فإنه لما أدركه الغرق -أي: لحقه ووصل الماء إلى عنقه- أعلن عن توبته فقال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90]، ولكبريائه لم يقل: لا إله إلا الله ]، ولو قالها لتاب الله عليه فأنجاه، لكن أبى، [ بل قال: لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90] ] تحاشى أن يقول: الله [ وهو يعرف أنه الله، وقوله: وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] مبالغة في طلب النجاة من الغرق بالتوبة، حيث أعلن أنه من المسلمين، أي: المستسلمين المنقادين لأمره، فرد الله تعالى بقوله: آلآنَ [يونس:91]، أي: وقت التوبة والإسلام بعد الإيمان، وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [يونس:91]، وتمردت على الله وشرعه وكفرت به وبرسوله، وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91] للبلاد والعباد بالظلم والشر والفساد، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ [يونس:92]: أي نجعلك على نجوة من الأرض، أي: مرتفع منها، بِبَدَنِكَ [يونس:92] أي: يجسمك دون روحك، وبذلك لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ [يونس:92]، أي: بعدك من الناس، آيَةً [يونس:92]، أي: علامة على أنك عبد مربوب، وليس كما زعمت أنك رب وإله معبود، وتكون عبرة لغيرك فلا يطغى طغيانك ولا يكفر كفرانك فيهلك كما هلكت، وقوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ [يونس:92]، إخبار منه بواقع الناس، ومن أولئك الغافلين عن آيات الله وهي تتلى عليهم أهل مكة من كفار قريش، وما سيق هذا القصص إلا لأجل هدايتهم لو كانوا يهتدون ]، وما بقيت هذه الآية تتلى إلا من أجل هداية البشر لو كانوا يهتدون.

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: لا تقبل التوبة عند معاينة العذاب ]، لو أن شخصاً زنى أو فجر وقتل، ولما شاهد السيف القاتل قال: أتوب، فما تنفعه توبته لما شاهد العذاب، [ وفي الحديث: ( تقبل توبة العبد ما لم يغرغر ).

    ثانياً: أكمل الأديان وأفضلها الإسلام ]، باعتراف فرعون عند الغرق أنه من المسلمين، [ ولهذا أهل اليقين يسألون الله تعالى أن يتوفاهم مسلمين ]، ويوسف نبي الله بنفسه يقول: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101].

    [ ثالثاً: فضل لا إله إلا الله، فقد ورد أن جبريل كان يحول بين فرعون وبين أن يقول: لا إله إلا الله فينجو، فلم يقلها فغرق وكان من الهالكين.

    [ رابعاً: تقرير حقيقة، وهي أن أكثر الناس في هذه الحياة غافلون عما يراد بهم ولهم، ولم ينتبهوا حتى يهلكوا ]، والعياذ بالله تعالى.

    والله نسأل أن يتوب علينا وعليهم، إنه تواب رحيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.