إسلام ويب

تفسير سورة يونس (25)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من حكمة الله عز وجل ورحمته بعباده أن بعث الأنبياء والرسل عبر الأزمان، لدعوة الناس إلى إخلاص العبادة للملك العلام، وتطهيرهم من آثار الشرك وآصار العبودية لغيره سبحانه، إلا أن المكذبين كانوا أكثر من المصدقين، والكافرين أغلب من المؤمنين، لكن هذا لم يثن أنبياء الله ورسله عن تبليغ الرسالة وأداء الأمانة طاعة لله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم بعثنا من بعده رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأحد من يوم السبت- والليالي الثلاث بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن ما زلنا مع سورة يونس بن متى عليه السلام، وهي مكية، والسور المكية تعالج قضايا العقيدة، ومن أعظمها: التوحيد وإثبات النبوة المحمدية والبعث الآخر.

    وها نحن مع هذه الآيات الست، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم بعد ذلك نتدارسها، والله أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ * ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ [يونس:74-78].

    تكذيب الأمم بعد نوح لرسل الله تعالى

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ [يونس:74] بعد من؟ من بعد نوح عليه السلام، فقد ذكر خلاصة موجزة لقصته وتجلى فيها معنى التوكل على الله والاعتماد عليه؛ إذ قال لقومه: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ [يونس:71].

    ولكن توكله على الله حماه ونجاه وأهلك أعداءه، فانظر كيف كان عاقبتهم حيث هلكوا عن آخرهم بحادثة الطوفان التي عمت الكرة الأرضية من شرقها إلى غربها.

    ثم قال تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ [يونس:74]، ابتدأت البشرية تنتشر في الأرض؛ إذ أهل السفينة نيف وثمانون رجلاً وامرأة، وبعد قرنين أو ثلاثة أو أربعة أصبحت هناك أمم، ومن بينهم عاد، فأرسل تعالى إليهم رسوله هوداً فأبوا إلا الكفر والشرك والعناد، فدمرهم الله واستأصل وجودهم.

    وبعد عاد كانت ثمود، فأرسل الله فيها وإليها صالحاً فكفروا وعاندوا وأصروا على الشرك والباطل فأهلكهم، وبعد صالح إبراهيم ثم لوط إلى قوم لوط، كل تلك الأمم مضى فيها حكم الله: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [يونس:74] والحجج القواطع الظاهرة من آيات الله والمعجزات التي يؤيد الله بها رسله، فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا [يونس:74] ويا للأسف! فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ [يونس:74] الذي كذبت به قوم نوح وقوم عاد ما صدق به من بعدهم فكذبوا.

    معنى قوله تعالى: ( كذلك نطبع على قلوب المعتدين)

    ولماذا كلما تأتي أمة تكذب كما كذبت الأمة التي قبلها؟ قال تعالى: كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ [يونس:74].

    هذه موعظة: هكذا يفعل الله عز وجل إذا اعتدى المرء وتوغل في الاعتداء وتجاوز الحد في السفه والشرك والباطل والشر، يطبع على قلبه فلا يهتدي، لو يبعث له كل يوماً رسولاً فلن يهتدي، فلنتأمل قوله تعالى: كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ [يونس:74] من هم المعتدون؟ المجاوزون للحد، مخلوقون ليعبدوا الله فعبدوا الأصنام والأحجار، مخلوقون ليطيعوا الله فأطاعوا الشيطان، مخلوقون لأن يستقيموا وينهجوا الحق فاعوجوا ونهجوا الباطل، وهكذا تواصلت جرائمهم فأصبحت كتلاً مظلمة على قلوبهم ذنوباً وآثاماً، فمن ثم لا يدخل الإيمان إلى قلوبهم.

    ونبهنا وعلمنا إخواننا فقلنا: يا عبد الله، يا أمة الله! لا تتوغلي في الفساد، إن وقع منك فساد فتوبي، إن وقع منك يا عبد الله فساد فتب واعجل، وامح ذلك الأثر وأزله، أما أن توالي الجريمة بعد الجريمة يوماً بعد يوم فيطبع على قلبك، وبعدها إذا قيل لك: أما تتقي الله فإنك تضحك وتخرج لسانك كما تشاهدون، يسمع كلام الله وكلام رسوله فيدخل من هنا ويخرج من هنا ولا يعرف بقلبه شيئاً، فهو مطبوع على قلبه، ما سبب هذا الطبع؟ هل ظلمهم الله؟ هل اعتدى عليهم؟ تعالى الله! سبب هذا الطبع توغلهم في الشرك والكفر والشر والفساد.

    وتأملوا هذه الآية الكريمة: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ [يونس:74]، هل السارق اعتدى أم لا؟ فإن واصل السرقة حتى في المدينة ومع الحجاج فمتى يتوب؟ لن يتوب.

    بنوا عمارات بالسرقة، وقد قال الحكماء: عندما يأخذ الشرطي أو البوليس السارق والحديد في يده وهو يجره إلى السجن، في تلك الساعة فيم يفكر السارق؟ يفكر كيف يسرق إذا أطلق.

    ما سر ذلك؟ الطبع على القلب، واصل الجريمة فأصبحت خلقاً من أخلاقه وطبعاً من طباعه، فلهذا يجب أن نتوب على الفور، ولا تترك التوبة إلى غد خشية أن يطبع على القلب فتنتهي الهداية إلى يوم القيامة.

    أما فهمتم قوله تعالى: كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ [يونس:74]؟ ما قال: بنو تميم ولا هاشم ولا أبيض ولا أسود ولا عرب ولا عجم؟ المعتدي ذكراً كان أو أنثى شريفاً أو وضيعاً في الأولين أو الآخرين، هكذا سنة الله، كما أن الماء يروي والطعام يشبع والنار تحرق والحديد يقطع، والشاهد عندنا أن لله سنناً لا تتبدل ولا تتخلف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا ...)

    ثم قال تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ [يونس:75] أي: من بعد تلك الأمم: عاد وثمود ومدين وقوم إبراهيم وقوم لوط، ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ [يونس:75] ابنا عمران عليهما السلام، أخوان شقيقان نبيان رسولان، ومن غريب وألطف اللطائف أن موسى سأل الله تعالى أن ينبئ أخاه وأن يرسلهما.

    ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ [يونس:75] أي: من بعد تلك الأمم الهالكة المكذبة الكافرة المطبوع على قلوبها، بعثنا موسى وهارون، بعث بهما إلى من؟ إلى فرعون وملئه، فرعون ملك مصر وملؤه رجاله من رجال القضاء والحكم والشرطة والمال وما إلى ذلك، والملأ: الذين إذا نظرت إليهم ملئوا عينيك.

    ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا [يونس:75] ألا وهي تسع آيات معجزات خارقة للعادة، اقرءوا منها قوله تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ [الأعراف:133] والعصا انقلبت جاناً وانفلق البحر، هذه هي تسع آيات.

    فَاسْتَكْبَرُوا [يونس:75] مع الأسف تكبروا وتعالوا وترفعوا وقالوا: هذا سحر وهذا تدجيل وهذا باطل، هذه مؤامرة ضد ملكنا وحكومتنا، وما هو فرعون وحده، بل معه رجالات أقوياء.

    قال تعالى: فَاسْتَكْبَرُوا [يونس:75] عن قبول الحق والإذعان له والدخول في الإسلام وتسليم موسى بني إسرائيل ليخرج بهم من ديار الاستعمار إلى ديار الاستقرار في فلسطين، ثم ليترك فرعون ألوهيته الكاذبة وربوبيته الباطلة ويترك الناس يدخلون في رحمة الله فيسلمون قلوبهم وجوههم لله، كذبوا بآياتنا فاستكبروا عنها وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [يونس:75] والإجرام: الفساد، فكل فساد في الأرض إجرام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين)

    قال تعالى في بيان القصة: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا [يونس:76] يحمله موسى وأخوه هارون قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ [يونس:76] العصا تنقلب إلى عفريت تهتز كأنها جان، هذه الأحداث التي شاهدوها: الطوفان الذي عمهم، الدم والعياذ بالله تعالى، القمل، الضفادع، كل هذه قالوا عنها: سحر، سحرنا فقط، وأبوا أن يقولوا: هذه آيات الله وهذه معجزات وهذه آيات النبوة.

    قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ [يونس:76] واضح بين، وهم يشاهدون السحر كيف بطل مع موسى في ذلك المؤتمر العظيم الذي جمع فرعون فيه كل السحرة في دياره، واجتمعوا في ساحة واحدة، وعصا موسى ابتلعت ذلك الباطل كله، مع هذا قالوا: سحر، السحر عندكم، أما هذا الذي جاء به موسى من هذه الآيات التسع فليس من السحر في شيء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون)

    ثم قال لهم موسى: أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا [يونس:77] يعتب عليهم يوبخهم يلومهم، أتقولون -يا للأسف- للحق لما جاءكم: سحر؟ ثم قال: أَسِحْرٌ هَذَا [يونس:77] الذي شاهدتموه؟ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ [يونس:77] فكيف أفلحت إذاً؟ لو كان عملي وآياتي سحراً فلن أفحل، لكن جماعتكم وسحرتكم خابوا وخسروا فما أفلحوا؛ لأنهم يتعاملون بالسحر، أما أنا فكيف تقولون فيما أتيت به: سحر وقد قهركم وأذلكم؟

    أَسِحْرٌ هَذَا [يونس:77] وأنتم تعرفون أنه لا ينفع وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ [يونس:77]، وكيف أفلحت أنا وحطمت سحركم وسحرتكم؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض...)

    فماذا يقولون الآن؟ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [يونس:78] هذه مهمتك، عرفنا هدفك، تريد أن تحكم وتملك، هذا هو الغرض، لا تريد أن يعبد الله ولا غير الله، ولكن كل ما في الأمر أنك تريد أن تعلو وترتفع فتصرفنا عما عليه آباؤنا وأجدادنا من عبادات، وتكون أنت الحاكم والسلطان في الأرض! هذا قول السياسيين، كلمة السياسيين.

    قالوا: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا [يونس:78] أنت مع أخيك الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ [يونس:78] أي: الملك والسلطان، وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ [يونس:78] لكما، لا نصدقكما ولا نتبعكما، وأعلنت الحرب، وستأتي بقية القصة في الدرس الآتي إن شاء الله تعالى.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    لما ذكر تعالى طرفاً من قصة نوح عليه السلام وأبرز فيها مظهر التوكل على الله تعالى من نوح ليقتدى به، ومظهر نصرة الله تعالى لأوليائه وهزيمته لأعدائه؛ ذكر هنا سنة من سننه في خلقه، وهي أنه تعالى بعث من بعد نوح رسلاً كثيرين، بعثهم إلى أممهم فجاءوهم بالبينات أي: بالحجج والبراهين على صدقهم وصحة ما جاءوا به ودعوا إليه من توحيد الله، فما كان أولئك الأقوام ليؤمنوا بما كذب به من سبقهم من أمة نوح.

    قال تعالى: كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ [يونس:74] هذا بيان سنة الله تعالى في البشر، وهي أن العبد إذا أذنب وواصل الذنب بدون توبة يصبح الذنب طبعاً من طباعه لا يمكنه أن يتخلى عنه، وما الذنب إلا اعتداء على حدود الشارع، فمن اعتدى واعتدى وواصل الاعتداء حصل له الطبع وكان الختم على القلب، فيصبح لا يقبل الإيمان ولا يعرف المعروف ولا ينكر المنكر ] كما بينا.

    [ وقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ [يونس:75] أي: من بعد الأمم الهالكة بعثنا رسولينا موسى وهارون ابني عمران إلى فرعون وملئه، بعثناهما بآياتنا المتضمنة الدليل على صحة مطلب رسولينا وهو توحيد الله تعالى وإرسال بني إسرائيل معهما، فَاسْتَكْبَرُوا [يونس:75] أي: فرعون وملؤه، وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [يونس:75] حيث أفسدوا القلوب والعقول وسفكوا الدماء وعذبوا الضعفاء.

    يقول تعالى عنهم: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ [يونس:76] أي: لما بهرتهم المعجزات -وهي آيات موسى- وأبطلت إفكهم وكذبهم قالوا: إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ [يونس:76] تخلصاً من الهزيمة التي لحقتهم، فرد موسى عليهم بقوله: أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ [يونس:77] هذا سحر؟! ثم بعد توبيخهم استدل على بطلان قولهم بكونه انتصر عليهم فأفلح بينهم وفاز عليهم، فقال: أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ [يونس:77] فلو كان ما جئت به سحراً فكيف أفلحت في إبطال سحركم وهزيمة سحرتكم؟

    فلما أفحمهم بالحجة قالوا مراوغين: أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا [يونس:78] أي: لتصرفنا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ [يونس:78] أي: وتكون لكما السيادة والملك في أرض مصر، فسلكوا مسلك الاتهام السياسي، وقالوا: وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ [يونس:78] أي: مصدقين ولا متبعين ].

    هكذا يدرس كتاب الله، وهل للآيات من هداية نهتدي بها إلى الحق والنجاة والسعادة؟ الجواب: نعم.

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    بيان سنة الله في البشر، وهي أن التوغل في الشر والفساد والظلم يوجب الختم على القلوب، فيحرم العبد الإيمان والهداية ]، وذكرنا غير ما مرة أن الذين أصروا على التدخين شيشة أو حشيشة أو دخاناً إذا دخنوا عشرين سنة لا يتوبون وما يستطيعون، وهكذا كل الجرائم.

    [ ثانياً: ذم الاستبكار وأنه سبب كثير من الإجرام ] والعياذ بالله، المتكبر ما يطأطئ رأسه ولا يتوب ولا يقبل الحق كما فعل فرعون وملؤه.

    [ ثالثاً: تقرير أن السحر صاحبه لا يفلح أبداً ]، من يأتينا بساحر أفلح؟ نهايته الدمار والخراب.

    [ تقرير أن السحر صاحبه لا يفلح أبداً ولا يفوز بمطلوب ولا ينجو من مرهوب ]، فنعوذ بالله من السحر وأهله.

    [ رابعاً: الاتهامات الكاذبة من شأن أهل الباطل والظلم والفساد ]، يتهمون بالباطل الشخص من أجل تحقيق أهدافهم الباطلة والإصرار على منكرهم وظلمهم، من أين أخذنا هذه الهداية؟ من قوله تعالى: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ [يونس:78] وهكذا.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.