إسلام ويب

تفسير سورة يونس (22)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء محمد صلى الله عليه وسلم قومه بدعوة الصدق وشهادة الحق، فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك ما كان يعبد آباؤهم من أصنام وأوثان وآلهة، فأتاهم بالقرآن الكريم معجزة خالدة تحدت بلاغتهم، وخاطب عقولهم وأفهامهم، إلا أنهم استمروا في غيهم، وسدروا في ضلالتهم، واتهموه صلى الله عليه وسلم بكل منقصة، فخاطبه ربه سبحانه داعياً إياه ألا يحزن لما ينعته به الضالون، أو يصفه به الجاهلون؛ لأنه رسول رب العالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعاً هو السميع العليم)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مازلنا مع سورة يونس بن متى المكية، وعلمنا أن المكيات من القرآن تعالج العقيدة وقضاياها الثلاث: التوحيد والنبوة والبعث الآخر، أي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والقيامة وما يتم فيها من حساب وجزاء.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم بعد ذلك نتدارسها إن شاء الله تعالى.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [يونس:65-67].

    نهي الرسول عن الحزن لما ينعته به الكفار

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يونس:65]، من الناهي ومن المنهي؟ الناهي هو الله عز وجل، نهى رسوله ومصطفاه محمداً صلى الله عليه وسلم، نهاه عن أي شيء؟ عن الحزن، لا تحزن يا رسولنا، إذ كان صلى الله عليه وسلم يكرب ويحزن ويتألم؛ هذا يسب وهذا يشتم، هذا يضرب وهذا يهدد، هذا يتآمر على قتله، وهذا يصيح في وجهه، كيف لا يكرب ولا يحزن؟ ولكن الرب تعالى وهو الرحيم بعباده نهاه عن الحزن، فقال له: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يونس:65]، ما هذا القول؟ يا ساحر! يا مجنون! يا شاعر! يا كذا، كل واحد يقول قولاً، ويضحكون ويسخرون، وهو حول الكعبة في ذلكم الحرم الأمين، والمشركون قوة كبيرة وجماعات متظافرة متعاونة، أرادوا أن يقطعوا هذا النور حتى لا يصل إلى غيرهم، فمن تربية الله لرسوله وإحسانه إليه ورحمته به أن نهاه عن الحزن من قولهم، فقال له: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يونس:65]، هذا القول الذي يحزن، أما قالوا: ساحر مفترٍ كذاب؟ قالوا أكثر من هذا القول.

    تولي الله تعالى نصرة نبيه لعزته وإحاطة سمعه وعلمه بأحوال عباده

    ثم قال له: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [يونس:65]، ليست لأحد أبداً سوى الله، الغلبة والقهر بيد الله عز وجل، فليقولوا ما يقولون، وليهددوا بما شاءوا أن يهددوا، فإنهم لا يقدرون على شيء من قهر أو إذلال أو إعزاز، إذ ذلك لله تعالى، إذ العزة بجميع أنواعها لله وحده، إذ هو القادر على كل شيء والقاهر لكل شيء، والذي بيده كل شيء: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [يونس:65].

    ثم قال تعالى: هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يونس:65]، السميع لأقوال عباده العليم بأعمالهم، ومن كان يسمع كل نبأ، كل حركة، كل صوت، ويعلم كل ما يجري في الكون فهو الذي بيده العزة، هذا الذي يقدر على أن يسلب هذا ويعطي هذا، يعز هذا ويذل هذا، أما شخص عنده قوة ورجال ولا يعلم ولا يسمع ما يتم ويجري فهذا أنى له أن يعز أو يقهر ويذل؟

    فهو تعالى لا سواه السميع لجميع أقوال عباده، العليم بجميع أحوالهم، فالذي له قوة ولكن لا يدري ماذا يجري، ما يسمع أصوات الدنيا والمتكلمين في العالم، ولا يعرف أحوال من وراءه، كل ما في الأمر أنه يسمع في حدود محدودة، ويرى ويعلم في شيء محدود أيضاً، أما السميع العليم فهو الله عز وجل، فلهذا عزته لا تغالب، فاعتمد عليها يا رسول الله ولا تخف، فإن العزة لله يعطيها من يشاء من عباده، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، إذ يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو على كل شيء قدير.

    هذا معنى الآية الكريمة الأولى، وهي قوله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يونس:65] لا غيره، ففي الآية تقرير نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي يكلمه الله ألا يكون رسوله؟ الذي يأمره الله ويبشره وينهاه أليس رسوله؟ هذا الجزء من الآية مقرر للنبوة المحمدية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ...)

    وقوله تعالى: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ [يونس:66] إعلام عام، يُعلِمُ تعالى بأن له من في السماوات ومن في الأرض من الكائنات، إذاً: كيف تعبدون أصناماً وأوثاناً مادام أنه يملك من في السماوات ومن في الأرض؟ والله! لا يوجد شيء في الملكوت الأعلى في السماوات ولا في الأرض ما هو بمملوك لله، كل الموجودات مملوكة مقهورة مربوبة، والله ربها ومالكها، إذاً: ابحثوا عن إله مع الله فلن تجدوا، سواء عيسى أو الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء أو الصالحون.. الكل مربوب مخلوق مملوك عبد مقهور لله، فكيف -إذاً- تسوونهم بالله وتعبدونهم كما يُعبد الله؟ ‏

    معنى قوله تعالى: (وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون)

    أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ [يونس:66]، ومع الأسف: وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ [يونس:66]، وما يتبع الذين يدعون من الله شركاء حقيقيين شاركوا الله في الملكوت الأعلى والأسفل، يحيون كما يحيي ويميتون كما يميت، يعطون أو يمنعون ويضرون أو ينفعون، ليس لله شريك في الكون إذ هو وحده مالكه والمدبر له والمتصرف فيه، ولكن إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [يونس:66]، ما يتبعون إلا الأوهام والظنون، أما اعتقاداً حقيقياً أن هذا ينفع ويضر ويعطي ويمنع في الكون؛ فلا وجود لهذا إلا لله، ما يتبعون في عبادتهم لغير الله وفي شركهم إلا مجرد الظن والوهم فقط، أما أنهم يعرفون أن فلاناً يعطي ويمنع ويحيي ويميت وبيده كل شيء؛ فوالله ما يعرفون هذا ولا وجود له، ما يتبعون إلا الظن وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [يونس:66]، والخرص معروف: التحزير بالظن، كما يخرص الفلاح النخلة كم فيها من صاع أو مد، فيكذب أكثر مما يصيب، والخرص هذا شأنه، فهم كذبة يكذبون ويخرصون، وفي هذا تحطيم لعبادة غير الله وإنهاء لها، إذ لا يستحق العبادة إلا الله، إذ كل المعبودات ما تخلق ولا ترزق ولا تعطي ولا تمنع ولا تضر ولا تنفع، أين مظاهر قدرتها في السماء أو في الأرض؟

    إِنْ يَتَّبِعُونَ [يونس:66]، أي: ما يتبعون إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ [يونس:66]، أي: وما هم إِلَّا يَخْرُصُونَ [يونس:66]، والخرص: الكذب والتخمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً ...)

    ثم قال تعالى في الآية الثالثة: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا [يونس:67] لتبصروا فيه، فمن شارك الله في هذا؟ فليرفعوا أيديهم، فهذه وحدها تكفي هذه، عجب هذا القرآن، والله! لا يوجد سواه تعالى جعل لنا الليل مظلماً لنسكن فيه ونستريح من أعمال النهار وأتعاب النهار، هل هناك من شارك الله في هذا؟ أو ساعد الله على إيجاد الليل؟ والله! ما كان ولن يكون، فكيف -إذاً- يعبد معه غيره؟

    جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا [يونس:67] أي: جعله مضيئاً حتى نتمكن من العمل للحصول على أقواتنا وأرزاقنا، هل هناك شريك مع الله في آية الليل والنهار؟ الجواب: لا، إذاً: فلا إله إلا الله، وليكرهوا وليصرخوا، لا إله إلا الله، ما هي بالقول فقط، لا يعبد إلا الله، لا أحد يسأل ولا يرجى ولا يطمع ولا يرغب فيه ولا يذل له ولا يخضع بين يديه إلا الله عز وجل.

    ومع هذا يقول إخواننا: يا سيدي فلان! يا مولاي فلان! يا رسول الله! يا فاطمة ! يا حسين ! يا كذا! فما لهم عن هذا القرآن، من صرفهم عنه؟ صرفهم عنه الثالوث الأسود، قال لهم: اقرءوه على الموتى، أما على الأحياء فلا يجوز لكم قراءته ولا تدبره ولا تفسيره، تفسير القرآن قالوا: صوابه خطأ، وخطؤه كفر، والله الذي لا إله غيره! لو أن أهل قرية أو مجموعة اجتمعوا يوماً من الأيام وتدارسوا آية كهذه؛ فوالله! لن يرفعوا أيديهم لغير الله، ولن يلفظوا بـ(يا سيدي فلان) أبداً، ولن ينذروا له نذراً، ولن يحلفوا به، ولكن حرموا هداية الله من كتابه، حرمهم العدو، هذا العدو ما زال يعمل إلى الآن، ننتصر في جانب فيدخل في جانب آخر، الآن قلَّت الشركيات في العالم الإسلامي بالنسبة إلى ما سبق، ومع هذا لا يفتر يعمل ليلاً ونهاراً على إضلال هذه الأمة، وإلا فهل أمة القرآن تبني قبة وتعكف حولها؟! هل أهل القرآن يفعلون هذا، ويسوقون قطعان الغنم والعجول لتذبح عندها؟

    في الديار المصرية حيث الأزهر والعالم والعلم، ما هو في موريتانيا وأندونيسيا فقط، بل في العالم بأسره، ما درسوا هذه الآيات، ما اجتمعوا عليها -والله­­- ولا تدارسوها، ما وجدوا من يفعل ذلك.

    هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [يونس:67]، فاحمدوه واعبدوه واشكروه، جعل لكم لا له هو، ما هو في حاجة إلى دنيا وإلى آخرة، لا إلى ظلام ولا إلى ضياء، ولكن لكم ومن أجلكم جعل الليل الذي لا تنكرونه، وهل هناك من ينكر وجود الليل؟ لا أحد، من أوجد الليل؟ سلوهم، ما يستطيع أحد أن يقول إلا: الله.

    نقد مخالفة المسلمين السنة الكونية بالحركة في الليل

    لِتَسْكُنُوا فِيهِ [يونس:67]، ومع الأسف: حولنا ليلنا إلى نهار، وهذا من دس وكيد الثالوث، فالمفروض نظاماً قانوناً أنه إذا انتهى الناس من صلاة العشاء لم يبق ضوء في الشوارع أبداً، والأمة كلها في بيوتها، سبحان الله! هل هذا رجعية وتخلف؟! الرسول صلى الله عليه وسلم ينهى عن النوم قبل صلاة العشاء وينهى عن الحديث بعد صلاة العشاء، وأنتم تبيعون وتشترون وتغنون وترقصون بعد العشاء الساعتين والثلاث والأربع تحدياً لرسول الله! أعوذ بالله منا إذاً، أعوذ بالله من حالنا، نظامنا غير نظام أوروبا وأمريكا واليابان والصين؛ نظامنا هو أنا إذا صلينا العشاء أغلقت بيوت الله، دخل المؤمنون في بيوتهم، يتناولون طعامهم وينامون إلى قبيل الفجر ليقوموا بعد صلاة الفجر لتشغيل المصانع وفتح المتاجر والمزارع والعمل؛ لأنهم نوع غير النوع الهابط من أنواع البهائم من الكفار والمشركين، فماذا تقولون؟ والله! إنه الحق، إذا صليت العشاء تنطفئ الشوارع، لا كهرباء ولا عبث ولا أولاد يبيتون إلى نصف الليل وهم يعبثون في الشوارع!

    يقول تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ [يونس:67] هل لتلعبوا فيه؟ لتعملوا فيه؟ أما نستحي؟! جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [يونس:67]، والسكون والسكن ليس هو الهيجان والعمل.

    وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا [يونس:67] مضيئاً، مشرقاً بالنور، تعملون فيه ما تستطيعون أن تعلموا لجلب قوتكم، لحياتكم، هذا فضل الله عليكم، من فعل هذا سوى الله؟ إذاً: فلا إله إلا الله.

    معنى قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون)

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [يونس:67]، وكما قال الشاعر:

    لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي.

    إِنَّ فِي ذَلِكَ [يونس:67] المذكور لَآيَاتٍ [يونس:67] علامات أوضح من الشمس وأقوى من القمر، تدل على أنه لا إله إلا الله، فلا يعبد إلا الله بأي نوع من العبادة، ولا يعصى في أمره ولا في نهيه، ولكن لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [يونس:67]، عقلاء، ذوو بصائر وآذان تصغي وتسمع، أما المعرضون عن الحق وأهله، المتنكبون عن دعوة الله فما يسمعون أبداً؛ لأنهم أموات غير أحياء وما يشعرون: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [يونس:67].

    مرة ثانية أسمعكم الآيات: قال تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [يونس:65-67]، أما الذين لا يسمعون فلا يشاهدون ولا يبصرون فضلاً عن أن يسمعوا.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    إليكم شرح الآيات من الكتاب؛ لتزدادوا يقيناً بما سمعتم.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق في تقرير قضايا قضايا التوحيد الثلاث: التوحيد والنبوة والبعث الآخر ]، هذه الأركان من العقيدة وأجزاء العقيدة صاحبها حي، وفاقدها -والله­- ميت لا يعي ولا يفهم ولا يبصر، هذه القضايا العظيمة: التوحيد والنبوة والبعث الآخر.

    [ قال تعالى مخاطباً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يونس:65]، أي: لا يجعلك قول المشركين المفترين: لَسْتَ مُرْسَلًا [الرعد:43]، وإنك لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات:36] تحزن، فإن قولهم هذا لا ينتج لهم إلا سوء العاقبة والهزيمة المحتمة.

    إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [يونس:65]، فربك القوى القادر سيهزمهم وينصرك عليهم، إذاً: فاصبر على ما يقولون ولا تأس ولا تحزن، إنه تعالى هُوَ السَّمِيعُ [يونس:65] لأقوال عباده الْعَلِيمُ [يونس:65] بأعمالهم وأحوالهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم.

    أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ [يونس:66] خلقاً وملكاً وتصرفاً، كل شيء في قبضته وتحت سلطانه وقهره، فكيف تبالي بهم يا رسولنا فتحزن لأقوالهم؟!

    وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ [يونس:66]، أي: آلهة حقاً بحيث تستحق العبادة؛ لكونها تملك نفعاً أو ضراً، موتاً أو حياة، لا، بل ما هم في عبادتها بمتبعين إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [يونس:66]، أي: يتقولون ويكذبون.

    وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا [يونس:67]، أي: الإله الحق الذي يجب أن يدعى ويعبد: الله الذي جعل لكم أيها الناس ليلاً مظلماً لتسكنوا فيه فتستريحوا من عناء العمل في النهار.

    وجعل لكم النهار مبصراً، أي: مضيئاً لتتمكنوا من العمل فيه، فتوفروا لأنفسكم ما تحتاجون إليه في حياتكم من غذاء وكساء، وليست تلك الآلهة من أصنام وأوثان بالتي تستحق الألوهية فتدعى وتُعبد.

    وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [يونس:67]، أي: إن فيما ذكر تعالى من كماله وعزته وقدرته وتدبيره لأمور خلقه آيات، أي: علامات واضحة على أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره، ولكن يرى تلك الآيات من يسمع سماع قبول واستجابة، لا من يسمع الصوت ولا يفكر فيه ولا يتدبر معانيه، فإن مثله أعمى لا يبصر وأصم لا يسمع والعياذ بالله ].

    هداية الآيات

    هل لهذه الآيات من هدايات؟ هل تخلو آية من هداية؟ لا أبداً، لا والله، كل آية تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، واجه الأبيض والأسود في العالم كله، كل آية تقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

    بيان ذلك: هذه الآية من أنزلها؟ من قالها؟ هل يقولون: جورج أو فلان وفلان؟ سيسكتون، لأنه أنزلها الله، إذاً: فالله موجود عليم حكيم، ومن نزلت عليه ألا يكون رسولاً وقد أوحى الله تعالى إليه وأنزل عليه كتابه؟ فكل آية تقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، إذاً: لكل آية هداية.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: على المؤمن الداعي على الله تعالى ألا يحزنه أقوال أهل الباطل وأكاذيبهم حتى لا ينقطع عن دعوته ]، كل من يدعو إلى الله ولو في بيته يجب ألا يحزن لأقوال المبطلين ولا يترك دعوة الله، فليصبر كما صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [ على المؤمن الداعي إلى الله تعالى ألا يحزنه أقوال أهل الباطل وأكاذيبهم حتى لا ينقطع عن دعوته، وليعلم أن العزة لله جميعاً وسوف يعزه بها ويذل أعداءه ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [يونس:65].

    [ ثانياً: ما يعبد من دون الله لم يقم عليه عابدوه أي دليل، ولا يملكون له حجة، وإنما هم مقلدون يتبعون الظنون والأوهام ]، سواء كانوا النصارى الذين عبدوا عيسى أو كانوا غيرهم.

    [ ثالثاً: مظاهر قدرة الله تعالى في الخلق والتدبير كافية في إثبات العبادة له ونفيها عما سواه ]

    مظاهر قدرة الله تعالى في الخلق والتدبير، فالليل سكن والنهار مضيء، هذه كافية في إثبات العبادة له ونفيها عما سواه.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.