إسلام ويب

تفسير سورة يونس (20)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل هو خالق الخلق ومدبر الأمر، بيده ملكوت كل شيء، هو الذي يحل وهو الذي يحرم، تبارك اسمه وتعالى جده، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ومع ذلك يأتي خلق من خلقه الضعفاء الذين أعمتهم الخطيئة واستهوتهم الشياطين، فيحلون من تلقاء أنفسهم ويحرمون، وكأنهم لا يعلمون أنهم بذلك على ربهم يعتدون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع هذه الآيات المباركات من سورة يونس المكية، فباسم الله نصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله، والله نسأل ألا يحرمنا الأجر والعلم.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ * وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ * وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس:59-61].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم أن هذه السورة المكية شأنها شأن المكيات يعالجن العقيدة، وأعظم ما يعالجنه: التوحيد والنبوة والبعث الآخر، والآيات في سياق تقرير النبوة، وإثبات الوحي من الله إلى من اصطفاه وهو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

    واسمعوا قوله جل ذكره: قُلْ أَرَأَيْتُمْ [يونس:59]، يأمر الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يسأل المشركين المكذبين بالوحي الكافرين به: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ [يونس:59] من السماء مِنْ رِزْقٍ [يونس:59]، والأرزاق كلها -وإن كانت اللحوم والحبوب والخضر والفواكه- متوقفة على المطر الذي ينزل من السماء، ولا بأس أن تقول: كل شيء ينزل من السماء؛ إذ الله عز وجل من فوق عرشه من فوق سماواته يأمر به فينزل، ومنه: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد:25].

    تقرير بطلان صنيع المشركين في التحليل والتحريم

    يقول تعالى لنبيه: قل لهم: أخبروني. قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا يونس:59]، إذ حرموا السائبة والوصيلة والحامي، وأحلوا الميتة، وقالوا: كيف نحرم ما قتله الله ونبيح ما قتلناه بأيدينا؟

    قالوا: الميتة من قتلها؟ الله. فكيف لا تؤكل، هي أولى بأن تؤكل مما يقتله الإنسان ويذبحه وينحره!

    فهذا الاستفهام معناه: أخبروني عن هذا الذي جعلتم منه حلالاً وجعلتم منه حراماً، آلله أوحى إليكم فحللتم وحرمتم بوحيه؟ فإن قالوا: نعم؛ فقل: إذاً: لم تكفرون بالوحي وتكذبون به وهو ينزل على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

    وإن قالوا: هو مجرد افتراء وكذب مسخوا وهبطوا، كيف تفترون على الله وتحللون وتحرمون وتكذبون وليس بوحي أوحاه إليكم وشريعة نزلها عليكم؟

    إذاً: فهذه الآية تقرر النبوة المحمدية بهذا الأسلوب المنطقي: قل لهم يا رسولنا: أخبروني عما أنزل الله لكم من الرزق، وهي هذه الأطعمة واللحوم على اختلافها، فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا [يونس:59]، قلتم: هذا حرام وهذا حلال، فهذا يتم بالوحي من الله أم بماذا يتم؟ فإن قالوا: بالوحي؛ فقل: لم تنكرون الوحي الآن، وتدعون أن رسول الله ما يوحى إليه؟ وإن قالوا: بالكذب فقد مسخوا أنفسهم وهبطوا، كيف تحللون وتحرمون والله يقول: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [المائدة:103]؟

    قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس:59]؟ والجواب معروف، يفترون على الله، ويختلقون الكذب، ويقولون: أذن لنا في كذا ومنعنا من كذا، وهذا لا يتم إلا بوحي من السماء، فكيف تنكرون الوحي إذاً؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ...)

    ثم قال تعالى: وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [يونس:60]، ما ظنهم إذا وقفوا بين يدي الله وهم قد افتروا الكذب على الله واختلقوه في الدنيا، وحرموا ما لم يحرم وأحلوا ما لم يحل، هؤلاء المجرمون المفترون الكاذبون كيف يكون موقفهم بين يدي الله؟

    وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [يونس:60]، ظنهم هابط، فيا ويلهم! ما عرفوا، ابتعدوا عن المعرفة، كذبوا بالوحي وبما أنزل الله في كتابه وعلى رسوله، وعلى كل حال الآيات نزلت لهدايتهم، لتأخذ بأيديهم إلى سبيل السلام وطريق النجاة، والله يدخل في رحمته من يشاء.

    قال تعالى: وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ [يونس:60].

    فإرسال الرسول وإنزال الوحي والتشريع فضل منه وإحسان، إنزال هذا القرآن وحجاجهم وبيان الباطل لهم، وبيان الحق لهم من فضل الله وإحسانه، لولا فضل الله ما بالى بهم ولا أنزل كتاباً، ولا أرسل رسولاً، ولكن الله ذو فضل على الناس، أبيضهم وأسودهم، أولهم وآخرهم، ولكن -مع الأسف- أكثرهم لا يشكرون.

    فالذي ينكر وجود الله كيف يشكر الله؟ الذي يكذب بوحي الله وشرعه كيف يشكر الله؟ الذي لا يعبد الله بما شرع من العبادات كيف يشكر الله؟ فالشكر -كما علمنا- يكون بالاعتراف بالقلب أولاً، ثم ترجمة ذلك باللسان، ثم صرف النعمة فيما من أجله وهبها الله وأعطاها.

    فالذين لا يحمدون الله أبداً ولا يشكرونه بألسنتهم يكف ينجون من عذاب يوم القيامة؟! ولولا فضل الله اليوم فإنكارهم للوحي فقط يستوجب إبادتهم واستئصال وجودهم، تكذيب الله عز وجل في رسوله وكتابه يستوجب دمارهم وخرابهم، ولكن الله ذو فضل على الناس، ومع الأسف أكثر الناس لا يشكرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه ...)

    ثم قال تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ [يونس:61] يا رسولنا من شئون دعوتك: تأمر وتنهى وتبلغ وتبين الحق وتهدي إليه، أو تكون في شأن من شئونك الخاصة، وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ [يونس:61] أي: من القرآن، مِنْ قُرْآنٍ [يونس:61] من آيات تدعم بها الحجة، وتبين بها الحق، وتهدي بها الناس، وَلا تَعْمَلُونَ [يونس:61] يا معشر المؤمنين أتباع النبي الكريم مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:61]، في الوقت الذي تندفعون فتعملون أو تقولون، نحن معكم، وعلى علم كامل بكم. فهذا الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته، فلنعلم هذا.

    وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ [يونس:61] من شئون الدعوة يا رسولنا، تأمر أو تنهى أو تبين وتعلم أو تبلغ، وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ [يونس:61] أي: من القرآن من آيات بينات، أو من الكتاب، وَلا تَعْمَلُونَ [يونس:61] أيها المؤمنون مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:61]، الوقت الذي تندفعون وتنطلقون فتعملون نحن معكم فيه.

    وقد علمنا -وهو يقين عندنا- أن العوالم كلها في قبضة الله عز وجل، فلا يخفى عليه شيء منها، واقرءوا: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67]، فالخليقة كلها بين يديه، فهو معنا حيثما كنا بعلمه وقدرته، يعلمنا أكثر مما نعلم أنفسنا، ويقدر على أن يعطينا أو يأخذ منا أكثر مما نقدر نحن على أنفسنا، إذ هو معنا بقدرته وعلمه حيثما كنا، وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ [يونس:61] من الشئون الدينية، وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا [يونس:61] في الوقت الذي تفيضون فيه. ‏

    معنى قوله تعالى: (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين)

    وأخيراً: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس:61].

    هذه عظمة الجبار جل جلاله، وعظم سلطانه، هذه سعة علمه، هذه مظاهر قدرته وحكمته، يبينها لنا إن عقلنا عن الله، فيقول تعالى: وَمَا يَعْزُبُ [يونس:61] أي: يغيب ويذهب ويخفى، عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ [يونس:61]، والذرة كنا نقول: هي النملة أو بيض النمل أصغر ما نعرف، والآن بالمجاهر والمكبرات عرفنا أن الذرة أصغر من هذا كله، أصغر من هذا الذي كنا نتصور، والله يعلم ذلك إذ هو خالقه وموجده، وخالق الأسباب التي أوجدته، فكيف لا يعلمه؟

    وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [يونس:61]، الكل بين يدي الله، وعلم الله محيط بها، ولا أصغر من الذرة، إذاً: هناك ما هو أصغر من الذرة، إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس:61]، ألا وهو اللوح المحفوظ، ألا وهو كتاب المقادير، والإمام المبين، إذ علمنا أنه لما أراد الله أن يخلق الخلق خلق أولاً القلم وقال: اكتب. قال: ماذا أكتب، قال: اكتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة. فكتب القلم كل ما أراد الله إيجاده وخلقه، وكتبه محدد الزمان والمكان والصفة والذات، والله علم ذلك قبل أن يكتبه ويأمر به، فآمنا بالله، علم الله الذي وسع كل شيء وأحاط بكل شيء وهو على كل شيء قدير.

    هكذا يقول تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ [يونس:61] من مثقال الذرة وَلا أَكْبَرَ [يونس:61] من ذلك إلا وهو فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس:61]، مدون محفوظ، وبذلك يجزي الجزاء يوم القيامة.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة ثانية أسمعكم الآيات وتأملوها، إنها كلام الله عز وجل، أوحاه وأنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو جزء من كتابه الكريم، هذه آيات من ستة آلاف ومائتين وست وثلاثين آية، كل آية تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا [يونس:59] وهنا نقرر ما قرره أهل العلم، أنه لا يحل لأحد أن يحرم ما حرم الله، ولا يحل لأحد أن يحل ما حرم الله، فالمحرم والمحلل هو الله، وعرفنا السر في ذلك: أولاً لأنه ملكه، هو الذي وهبه ويعطيه، يمنع ويعطي من يشاء، ثانياً: لا يحرم إلا ما فيه ضرر على عباده، ولا يحل إلا ما فيه نفع لعباده، وهذا لا يقدر عليه إلا هو، الله وحده الذي يبيح ويمنع، ويحظر ويأذن، يحلل ويحرم، لماذا؟ لعلتين:

    الأولى: أنه المالك، هو صاحب الملك، يحظر ما يشاء، ويأذن فيما يشاء، أليس كذلك؟ إذا كان لك ملك فأنت تعطي من تشاء وتمنع من تشاء، هذه العلة الأولى.

    والثانية: أن الله لا يحرم إلا ما فيه ضرر لعباده، ولا يحلل إلا ما فيه نفع لعباده، وهل الإنسان يملك هذا؟

    والآية كما قدمنا تقرر الوحي الذي نفاه المشركون، وتأخذ بحناجرهم وتقول: بينوا لنا آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس:59]، فإن قالوا: أذن الله قلنا: إذاً: الله يوحي، فكما أوحى إليكم أوحى إلى محمد، فلم تنفون الوحي؟ وإن قالوا: كذبنا مسخوا أنفسهم، فنقول: لم تحللون وتحرمون؟

    وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [يونس:60]، يا ويلهم، يا ويحهم! ما ظنهم إذا وقفوا بين يدي الله وهم الكاذبون عليه، المختلقون للأحكام، المختارون، موقف لا يطاق أبداً، يؤتى بالكاذب ويقف بين يدي الله، فيقول له: لم تكذب علي، لم تفتر وتختلق؟

    وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [يونس:60]، ولكن إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ [يونس:60]، لولا فضله لكان يمسخهم، تقول على الله وتكذب عليه، وهو قادر على إبادتك واستئصالك ويفعل ذلك، لكن فضله على الناس عظيم، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ [يونس:60].

    ثم قال تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ [يونس:61]، يخاطب رسوله الموحى إليه، وهذا تقرير للنبوة والوحي الإلهي على رسوله صلى الله عليه وسلم، وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس:61].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    أسمعكم شرح الآيات من الكتاب لنزداد بصيرة:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    سياق الآيات في تقرير الوحي وإلزام المنكرين له من المشركين بالدليل العقلي، قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ [يونس:59]، أي: أخبروني عما خلق الله لكم من نبات وطعام وحرث فجعلتم منه حراماً كالبحيرة والسائبة والثياب ]، حرموا على الطائفين أن يطوفوا في ثياب غير ثياب الحمس، هذا مما حرموا، يقولون لمن من غير الحمس: أتريد أن تطوف؟ إما أن تستأجر أو تأخذ من فلان ثوبه، أو تطوف وأنت عار، على أساس أنه حرام على الطائف أن يطوف إلا عارياً أو بثوب من الحمس.

    قال: [ فجعلتم منه حراماً كالبحيرة والسائبة والثياب التي تحرِّمون الطواف بها، والحرث الذي جعلتموه لآلهتكم ]، وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الأنعام:136]، هكذا يحرث قطعة الأرض فنصفها للآلهة ونصفها لله، آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس:59]، ثم -مع الأسف- إذا أنتجت الأرض التي لله وما أنتجت الأرض التي للأصنام يأخذون مال الله ويعطونه للأصنام، يقولون: الله في غنى وما هو في حاجة، وإذا كان العكس فلا أبداً، فما جعلوا لله هو لله تعالى أنتج أو ما أنتج، وما جعلوا للآلهة إن أنتج ما يجعلون منه شيئاً لله، فذمهم الله وقبح مسلكهم في سورة الأنعام.

    قال: [ فجعلتم منه حراماً كالبحيرة والسائبة والثياب التي تحرِّمون الطواف بها، والحرث الذي جعلتموه لآلهتكم، وحلال كالميتة التي تستبيحونها، آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يونس:59] في هذا التشريع بوحي منه أوحى إليكم، أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس:59]؟ فإن قلتم: الله أذن لنا بوحي فلم تنكرون الوحي وتكذبون به؟ وإن قلتم: لا وحي ولكننا نكذب على الله فموقفكم -إذاً- شر موقف، إذ تفترون على الله الكذب والله تعالى يقول: وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [يونس:60]، أي: إذا هم وقفوا بين يديه سبحانه وتعالى، ما ظنهم: أيغفر لهم ويعفى عنهم، لا، بل يلعنون وفي النار يخلدون ].

    أي: إذا هم وقفوا بين يديه سبحانه وتعالى ما ظنهم: أيغفر لهم ويعفى عنهم؟ لا، بل يلعنون وفي النار هم خالدون.

    [ وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ [يونس:60]، في كونه لا يعجل لهم العقوبة وهم يكذبون عليه ويشركون به ويعصونه ويعصون رسوله ]، ولا يعجل لهم العقوبة، هذا فضل الله، [ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ [يونس:60]؛ وذلك لجهلهم وسوء التربية الفاسدة فيهم، وإلا فالعهد بالإنسان أن يشكر لأقل معروف وأتفه فضل وأقله ]، المعهود على الإنسان بطبعه أن أدنى شيء يشكر عليه، فكيف -إذاً- لا يشكر من وهبك الحياة كلها؟

    قال: [ وقوله تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ [يونس:61]، أي: وما تكون يا رسولنا في أمر من أمورك الهامة، وما تتلو من القرآن من آية أو آيات في شأن ذلك الأمر إِلَّا كُنَّا [يونس:61] أي: نحن رب العزة والجلال عَلَيْكُمْ شُهُودًا [يونس:61] أي: حضوراً، إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:61] أي: في الوقت الذي تأخذون فيه.

    وقوله تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس:61] يخبر تعالى عن سعة علمه تعالى وإحاطته بسائر مخلوقاته بحيث لا يعزب ] أي: لا يغيب [ عن علمه تعالى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ [يونس:61] أي: وزن ذرة، وهي النملة الصغيرة، وسواء كانت في الأرض أو في السماء، وسواء كانت أصغر من النملة أو أكبر منها؛ بالإضافة إلى أن ذلك كله في كتاب مبين، أي: في اللوح المحفوظ، لهذا العلم والقدرة والرحمة استوجب التأليه والعبادة وحده دون من سواه ].

    هداية الآيات

    معاشر المستمعين! إليكم هداية الآيات المستنبطة من هذه الآيات الأربع.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير الوحي وإثباته للنبي صلى الله عليه وسلم ]، فوالله! إن محمداً رسول الله.

    [ ثانياً: التحريم والتحليل من حق الله تعالى دون سائر خلقه ]، لا عالم ولا جاهل، التحريم والتحليل حق الله، لسببين ولعلتين لا ننساهما:

    الأولى: أنه هو المالك، والمالك هو الذي يمنع أو يعطي، أليس كذلك؟ هو خالق كل شيء.

    الثانية: أنه ما يحرم إلا ما فيه ضرر، ولا يحل إلا ما فيه نفع، والإنسان لا يعرف الضرر والنفع.

    [ ثالثاً: حرمة الكذب على الله، وإن صاحبه مستوجب للعذاب ] ولو بكلمة، ما هناك ذنب أعظم من الكذب على الله عز وجل، لاسيما إذا كان يكذب ليحل ما حرم الله أو يحرم ما حرم الله، أو ليشرع ما لم يشرع الله، أو ليبعد الناس عما شرع الله والعياذ بالله، إذ أكثر الكذب على الله يكون لهذه الأسباب.

    [ رابعاً: ما أعظم نعم الله تعالى على العباد، ومع هذا فهم لا يشكرون، إلا القليل منهم ]، ما أعظم نعم الله على العباد! ولكن -مع الأسف- أكثرهم لا يشكرون.

    [ خامساً: وجوب مراقبة الله تعالى، وحرمه الغفلة في ذلك ]، وجوب مراقبة الله؛ لأننا بين يديه، لا يعزب عنه من أمرنا شيء، لا يخفى من أمرنا عليه شيء، إذاً: يجب أن نستحي منه ونخجل ونخاف ونرهب، حتى لا نعتدي ولا نفعل محرماً.

    [ سادساً: إثبات اللوح المحفوظ وتقريره كما صرحت به الآيات والأحاديث النبوية ]، اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه أحداث الكون كلها في هذا لوجود.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.