إسلام ويب

تفسير سورة يونس (16)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يسلي الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بإخباره أن الناس ينقسمون في حقه إلى قسمين: قسم يؤمن به ويصدق بما جاء به من ربه من الهدى والنور، فأولئك هم الذين يسمعون ويبصرون، وبهداية ربهم يحيون ويسعدون، وأما القسم الآخر فهم الذين يجحدون، وبآيات الله الواضحات يكذبون، فهم عميان وإن كانوا يبصرون، صم ولو كانوا يسمعون، كتب الله عليهم الموت وهم يمشون، فلهم الويل مما يصفون.

    1.   

    أركان العقيدة وأهمية الإيمان باليوم الآخر

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة يونس بن متى المكية المباركة الميمونة.

    وأعيد إلى أذهانكم معاشر المستمعين أن المكيات من القرآن الكريم يعالجن العقيدة؛ لأن العقيدة الإسلامية الصحيحة بمثابة الروح، متى رزقها العبد صحيحة سليمة حيي وأصبح حياً يقدر على أن يأخذ ويعطي، أما إذا فقدها فهو ميت، أما إذا كانت معه ومعها الدخيل والزيادة والنقصان فهو كالمريض يقوى على أن يقول أحياناً ويعجز أحياناً أخرى، يقدر على أن يمشي مرة ويعجز أخرى؛ وذلك لضعفه بسبب ضعف روحه.

    والعقيدة -معاشر المستمعين- اذكروا أن لها ستة أركان عليها انبنت وقامت، ومتى اختل ركن أو سقط سقطت العقيدة وانتهت، هذه الأركان الستة جاءت مبينة في القرآن الكريم في سورة البقرة، وآخر أركانها الستة في سورة القمر، وحديث جبريل في الصحيحين بينها غاية البيان.

    فنقول: إنها: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هذه أركان العقيدة الإيمانية.

    وأعظم أركانها: التوحيد والنبوة والبعث الآخر، أعظم أركان الإيمان الستة: اعتقادك الجازم الصادق أنه لا إله إلا الله، وفي نفس الوقت تعبده وحده ولا ترضى بعبادة سواه، وإلا فما أنت بصادق فيما قلت، من شهد أن لا إله إلا الله يجب أن يعبد الله الذي شهد له بأنه لا معبود إلا هو.

    ثانياً: أن يعبده وحده ولا يشرك في عبادته سواه.

    ثالثاً: ألا يرضى بعبادة غير الله، وألا يقرها بحال من الأحوال.

    ثم تقرير النبوة المحمدية، من شهد أن محمداً رسول الله لزمه أن يحبه أكثر مما يحب نفسه وماله وولده ووالده والناس أجمعين، يجب أن يمشي وراءه ويترسم خطاه ولا يمشي أمامه ولا عن يمنيه ولا عن شماله، ولكن من ورائه يقول ما قال ويعتقد ما اعتقد، ويعمل ما عمل؛ لأنه تابع له صلى الله عليه وسلم.

    والإيمان بالبعث الآخر هو الذي يصون صاحبه من الوقوع في عظائم الذنوب والآثام؛ لأن الذي آمن أنه سيقف يوماً بين يدي الله وسيستنطقه الله، وسيسمع جوابه وسيجزيه؛ من اعتقد هذا المعتقد ما يخون ولا يغدر ولا يفجر ولا يسرف ولا يكذب؛ لأنه اعتقد أنه مسئول عن كل حركاته وسكانته، هذا الذي يعيش على هذه المراقبة هو العبد المستقيم، أما من ضعفت عقيدته في البعث الآخر وأصبح كالمرتاب أو الشاك أو الغافل فهو ذاك الذي ينغمس في الذنوب والآثام.

    وفي القرآن الكريم كثيراً ما يقول تعالى: إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59].

    فقووا هذا الجانب من عقيدتكم: عقيدة الإيمان بأن لا إله إلا الله ولا رب سواه، والإيمان بالبعث الآخر والحياة الآخرة، وهي حياة الجزاء على الكسب في هذه الحياة الدنيا.

    وقد عرفنا السر والحمد لله، فلو سألك سائل وقال لك: ما علة هذه الحياة؟ فبم تجيبه؟ أتقول: للأكل والشرب والنكاح؟ علة وجودها أن نعمل فيها عملاً صالحاً.

    وما سر الحياة الثانية؟ أن نتلقى فيها الجزاء على عملنا في هذه الدنيا، هذه دار العمل وتلك دار الجزاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ...)

    ها نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعاني من جراء صلف المشركين وعنادهم وعتوهم وطغيانهم وهو يتحمل ويصبر.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم نتدارسها إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ * وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ * إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:40-44].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ [يونس:40]، هذا خبر، فمن المخبر؟ الله جل جلاله وعظم سلطانه، والمخبر المنزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والضمير في قوله: يُؤْمِنُ بِهِ [يونس:40]، أي: بالقرآن الكريم؛ لأنه كلام الله أوحاه إلى رسوله كتاباً يحمل الهداية الإلهية لعباد الله ببيان كل سبل السلام والطهارة والصفاء.

    وكذلك الضمير صالح لأن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من آمن بالقرآن كلام الله، وآمن بمحمد نبي الله ورسول الله، ومنهم من لم يؤمن بالقرآن ولا بالنبي، ومن لم يؤمن بالقرآن لا يؤمن بالنبي، أما من آمن بالنبي فسيؤمن بالقرآن أنه كلام الله ووحيه، والله يخبر بواقع البشرية، فلهذا فالآية عامة تتناول من كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جاءوا بعدهم إلى يوم القيامة.

    إلى الآن من الناس من آمن بالقرآن كلام الله، وملايين ما آمنوا به أنه كلام الله، من الناس من آمن بأن محمداً نبي الله ورسوله، وبلايين أبوا أن يؤمنوا به أنه نبي الله ورسوله، وصدق الله العظيم.

    معنى قوله تعالى: (وربك أعلم بالمفسدين)

    وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ [يونس:40]، هذا خبر معناه: التهديد بالوعيد الشديد، والمفسدون من هم؟

    الذين يفسدون أولاً نفوسهم وأرواحهم، لما دخلت الروح الجسم كانت نورانية نفخها ملك روحاني وتعيش مع طفل طاهرة نقية، فإذا بلغ سن التكليف فاحتلم ونبت شعره وبلغ الخامسة عشرة من عمره يصبح إذا قال سوءاً ينعكس أثره على نفسه، إذا تحرك حركة ما أذن الله فيها ينعكس أثرها على نفسه، ويصبح هو المفسد لنفسه المجرم عليها.

    فالمفسدون هم الذين كفروا بالله ورسوله، كفروا بكتاب الله ووحي الله، هؤلاء هل يقيمون الصلاة؟ هل يؤتون الزكاة؟ هل يحبون في الله ويكرهون في الله؟ الجواب: لا، ما هي أعمالهم؟ هي صب قناطير الذنوب والآثام على تلك الروح حتى تمسخ وتصبح غير أهل للملكوت الأعلى، وذلكم الإجرام والإفساد.

    فالمكذبون برسول الله نبياً ورسولاً كالمكذبين بالقرآن وحي الله وكتابه، مفسدون لأرواحهم ولغيرهم، والله أعلم بهم، وسوف يجزيهم الجزاء اللائق بهم في الدنيا بما ينزل من عذاب، وفي الآخرة يقودهم إلى أتون الجحيم، هكذا يخبر تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ [يونس:40]، من المخاطب؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل مؤمن مخاطب بهذا، فربنا أعلم بالمفسدين أم لا؟ من كان مفسداً بيننا فالله يعلمه، ومن كان خارجاً عن طاعته يعلمه، ومن كان في الأولين أو الآخرين، الكل معلوم لله، وسوف يجزيه بسبب إفساده لنفسه، لروحه وقلبه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم ...)

    ثم قال تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ [يونس:41] يا رسولنا فلا تحزن ولا تكرب ولا تتألم، وكان -والله- يحزن ويكرب ويتألم، ولولا أن الله يحمله على الصبر وينزل عليه من الآيات ما يخفف آلامه، إنه بشر، وجربوا أنتم أنفسكم، اخرج إلى الشارع وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر وانظر ما يلحقك، وماذا ينزل بك حتى في بيتك، والرسول يواجه الإنس والجن بأشياء ما عرفوها، ويطالبهم بها، فكيف لا يتألم؟

    يقول له مولاه الرءوف الرحيم به: وَإِنْ كَذَّبُوكَ [يونس:41] فيما دعوت إليه وجئت به من الإيمان والعمل الصالح من الإسلام، فَقُلْ لِي عَمَلِي [يونس:41]، قل لهم هكذا: نتائج عملي لي أنا، أنا أسأل عنها وأنا أحاسب بها، ولكم أنتم أعمالكم، لي عملي ولي ثواب عملي وجزاؤه أتحمله، إن ادعيتم أني ساحر أو دجال أو كاذب أو كذا أو كذا فعوائد عملي تعود علي، وأنتم ماذا؟ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ [يونس:41]، أي: ثوابها وجزاؤها، أنتم تجزون به في الدنيا والآخرة.

    ما نسخ من الآية الكريمة بآية الجهاد

    أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس:41]، قالت العلماء: هذه الآية منسوخة بآية الجهاد، ولنا في هذا تفصيل:

    أولاً: ما فرض الله الجهاد على رسوله في مكة، ما أذن له أن يسب أو يشتم أحداً أو يضربه أو يقتله، ولم يأذن للمؤمنين من ذلك بشيء، ثم لما نزل بالمدينة والتف حوله المهاجرون والأنصار وكانت لهم الكلمة وظهرت لهم الدولة وأصبحوا أمة أذن الله لرسوله في جهاد الكفار المشركين الذين في الجزيرة، وذلك قرب وقت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وينبغي ألا يبقى على ظهر هذه الديار مشرك؛ لأنها قبة الإسلام وعاصمته، فأمر الله رسوله والمؤمنين بجهاد المشركين، وأذن لهم أربعة أشهر أن يخرجوا من الجزيرة، فقيل لهم: التحقوا بالفرس، بالرومان، التحقوا بالأحباش أو أسلموا وإلا فستقتلون، واقرءوا: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5]، أعطاهم أربعة أشهر، فكروا أيها العرب، من أراد أن يدخل في رحمة الله فليعلن عن إسلامه، وإذا ما أراد فليلتحق بالشرق أو الغرب، فإن بقي كافراً بعد الأربعة أشهر فسيقتل.

    فهذا اللفظ ناسخ لهذه الآية، أما عموم الآية فهي أعم، إلى الآن يقول الدعاة للكفار هذا الكلام إذا ردوا عليهم وكذبوهم، يقولون: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، أليس كذلك؟ وإلى يوم القيامة.

    إذاً: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ [يونس:41]، قل لهم: لِي عَمَلِي [يونس:41]، أي: ثواب عملي وجزاؤه إن كان خيراً أو غيره، ولكم أنتم أيضاً أعمالكم إن كان خيراً أو شراً، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس:41]، إعلان البراءة الكاملة؛ حتى يستريح من غلوائهم وشدتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون)

    ثم قال تعالى له: وَمِنْهُمْ [يونس:42]، من هؤلاء المشركين المعاندين، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [يونس:42]، إذا أخذ يقرأ أو يصلي حول الكعبة منهم من يأتي ولكن لا يفقه شيئاً، أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ [يونس:42]، لا تسمعهم، يستمعون ولكن لم يدخل نور القرآن في قلوبهم، يسمعون هذا الكلام العجب ولكن لا إيمان ولا خوف من الله ولا تقوى لله عز وجل، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ [يونس:42] الذين لا يسمعون، وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ [يونس:42]، لا تقدر، ومعنى هذا: لا تحزن، لا تكرب، هون على نفسك.

    كانوا يستمعون قراءته ودعوته وبيان هدايته للناس ولكن لا يصل شيء إلى قلوبهم، وهذه الصفة موجودة في البشر، أعداء التوحيد يسمعونها فما يقبلون أبداً، أصحاب العلمانية والشيوعية يسمعون القرآن ولكن لا يدخل في قلوبهم كأنهم لا يسمعون، فلا تحزن؛ لأنهم صم، والأصم لا يسمع.

    وهم لا يعقلون، لو كان لهم عقول تعي وتفهم لكانوا يستفيدون من سماع القرآن، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ [يونس:42]، هذا الاستفهام للإنكار، أي: لا تستطيع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون)

    وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ [يونس:43]، الرسول يصلي أو يقرأ وهو ينظر إليه، ولكن ما يشاهد الأنوار المحمدية لا في كلامه ولا في وجهه ولا في سلوكه أبداً، ومن هداه الله دخل على أهل الحلقة في المسجد في الروضة، فيسأل: أين محمد؟ فإذا نظر إلى وجهه قال: والله! ما هذا بوجه كذاب، والخصوم ينظرون إليه فما يفهمون أبداً كأنهم عمي.

    ومع هذا يا أبناء الإسلام إذا أغلق الباب على القلب بما ران عليه من حب الدنيا وشهواتها وأطماعها والعادات الباطلة؛ فصاحب هذا القلب ما يعي ولا يفهم، ينظر فما يستفيد من النظر، يسمع كأنه ما يسمع، لماذا؟ أغلق عليه الباب، طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون.

    فهيا نحذر كل الحذر من أن نصاب بورطة الختم على القلوب، والطريق إلى ذلك معروف يا أبنائي، فالذين يواصلون الذنب يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام يطبع على قلوبهم، الذين يواصلون الجريمة يوماً بعد يوم وشهراً بعد آخر وعاماً بعد عام سيأتي يوم يضحكون من الإسلام ويسخرون منه، وإن قلت له: اتق الله ضحك ولوى رأسه، مطبوع على قلبه: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ [يونس:42]، أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ [يونس:43]، هل الأعمى تهديه إلى بلاده إلى داره إلى حاجته وهو لا يبصر؟ لا تقوى على ذلك، فما سبب عماهم وصممهم؟ إنه الكفر والعناد، الشرك والمكابرة، وإيثار الدنيا على الآخرة.

    هكذا يقول تعالى مخبراً رسوله بحالة قومه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ [يونس:42]؟ الجواب: لا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ [يونس:43]؟ الجواب: لا، إذاً: فلا كرب ولا حزن أبداً، فاصبر على دعوة الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون)

    ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا [يونس:44]، إن الله تعالى الرب الخالق لا يظلم أبيضهم وأصفرهم عربهم وعجمهم شيئاً، فإذا أهلكهم بإنزال العذاب بهم فما ظلمهم ولكن كانوا هم الظالمين، هؤلاء المعاندون المكابرون سيسلط الله عليهم الرسول في يوم من الأيام ويذلهم ويخزيهم ويقتلهم، فهل ظلمهم الله بهذا؟ الجواب: لا، ما ظلمهم، وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:44]، إذا دخلوا النار وخلدوا في عذابها هل ظلمهم الله؟ الجواب: لا، حاشا لله أن يظلم أحداً، بل وهبهم العقول والأسماع والأبصار، وبعث الرسول الكريم المصطفى المختار وواجههم بالدعوة إلى الله فرفضوا وتكبروا وعاندوا وحاربوا وأصروا على باطلهم وشركهم وظلمهم، فسوف يكون الجزاء بحسب ذلك، والله ما ظلمهم إذاً، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].

    هكذا يقول تعالى يخبر عن نفسه: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا [يونس:44] من الظلم أبداً، وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:44]، يا شيخ! ما ظلم النفس؟

    ظلم النفس: أن تكفر بالله خالقك وتتنكر لكماله وجماله وجلاله، أن تكفر بنبي نبأه الله وأرسله إليك، أن تكفر بوحي أوحاه الله إليك، أن تكفر بشرائع أنزلها الله تعالى لهدايتك وإصلاح آدابك وأخلاقك، أن تتنكر لكمالات البشرية، هذا هو الظلم لنفسك، وستلقى جزاءك في الدنيا والآخرة، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ [يونس:44] لا غيرهم يَظْلِمُونَ [يونس:44]، فالذي يؤذيك أنت ما ظلمك، بل ظلم نفسه، إن سبك وشتمك فدعه فسيعود ذلك إلى نفسه.

    والآيات تحمل الصبر للدعاة بأن يثبتوا ويصبروا ويتحملوا ويعرفوا واقع الأمة التي ينادونها ويخاطبونها ويدعونها إلى الله عز وجل، فإذا وجدوا الصلف والكبرياء والعناد فليسلكوا مسلك رسول الله في هذه الأمة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    هذا ولنقرأ على مسامعكم معنى الآيات من الكتاب؛ لنزداد معرفة إن شاء الله.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق ]، سياق الآيات من أول السورة [ في تقرير نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى في خطاب رسوله ليُسلِّيه ويصبِّره على عدم إيمان قومه مع ظهور الأدلة وقوة البراهين: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ [يونس:40]، أي: بالقرآن وبالنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً؛ إذ الإيمان بواحد يستلزم الإيمان بالثاني ].

    قلنا: من آمن بالقرآن آمن بالرسول، ومن آمن بالرسول آمن بالقرآن.

    [ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ [يونس:40]، وهذا إخبار غيب، فتم كما أخبر تعالى، فقد آمن من المشركين عدد كبير ولم يؤمن عدد آخر.

    وقوله: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ [يونس:40]، أي: الذين لا يؤمنون، وفي الجملة تهديد لأولئك الذين يصرفون الناس ويصدونهم عن الإيمان والتوحيد.

    وقوله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ [يونس:41]، أي: استمروا في تكذيبهم لك؛ فلا تحفل بهم، وقل: لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس:41]، فإذا كان هناك عقاب دنيوي فإنك تسلم منه ويهلكون هم به ]، إن كان عقاب في الدنيا فأنت يا رسول الله تبرأ وهم يهلكون به.

    [ وقوله تعالى في الآية: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [يونس:42]، أي: إلى قراءتك القرآن، وإلى قولك إذا قلت داعياً أو آمراً أو ناهياً، ومع هذا فلا يفهم ولا ينتفع بما يسمع، ولا لوم عليك يا رسول الله في ذلك، لأنك لا تسمع الصم، وهؤلاء صم لا يسمعون، ومنهم من ينظر إليك بأعين مفتحة ويرى علامات النبوة وآيات الرسالة ظاهرةً في حالك ومقالك، ومع هذا لا يهتدي، ولا لوم عليك؛ فإنك لا تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون.

    وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:44] بيان لسنة الله تعالى في أولئك الذين يسمعون ولا ينتفعون بسماعهم، ويبصرون ولا ينتفعون بما يبصرون، وهي أن من توغل في البغض والكراهية لشيء يصبح غير قادر على الانتفاع بما يسمع منه ولا بما يبصر فيه، ولذا قيل: حبك الشيء يُعمي ويُصم ]، حبك الشيء يعميك ويصمك، تصبح لا تسمع ولا تبصر، [ والبغض كذلك ]، بغضك للشيء يعمي ويصم، [ كما أن الاسترسال في الشر والفساد مدة من الزمن يحرم صاحبه التوبة إلى الخير والصلاح، ومن هنا قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:44]. ]

    والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.