إسلام ويب

تفسير سورة يس (8)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يبقى سلوك أهل الكفر والطغيان هو نفسه مهما تغيرت الظروف وتطاولت الأزمان، فمهما جاءهم المنذرون وتعاقبت فيهم الآيات فإنهم يحكمون فيها عقولهم القاصرة، وأفهامهم السقيمة، فيرفضونها ويعرضون عنها، وبعضهم يستعجلون حصول العقاب ونزول العذاب استهزاء وسخرية، فإذا جاء الوعد الحق جمع الله الأولين والآخرين، فعندها لا يظلم أحداً شيئاً، ولا ينفع أولئك معذرتهم ولا ينصرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن ما زلنا مع سورة يس المكية، فهيا بنا نتدارس هذه الآيات المباركة ونتأمل ونتدبر معانيها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس وما نسمع.

    بسم الله الرحمن الرحيم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس:47-54].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قال ربنا جل ذكره: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [يس:47]، أي: أن أبا بكر الصديق والمؤمنين في مكة كانوا يقولون للأغنياء من أهل مكة: أنفقوا على الفقراء والمساكين، إذ كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ينفق نفقة عجب.

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [يس:47]، فالمال الذي بين أيديكم وفي جيوبكم وفي بيوتكم، هو الله عز وجل الذي أعطاكم ووهبكم إياه، فأجابوا وعلى رأسهم أبو جهل عليه لعائن الله: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [يس:47]، وهذه كلمة أبي جهل قالها لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ إذ كان أبو بكر ينفق ويطعم الفقراء والمساكين، وهي كلمة لا يقولها مؤمن، وما قالها إلا أبو جهل الكافر -والعياذ بالله تعالى-، ثم ختم على ذلك: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:47]، أي: أنتم مخطئون في سلوككم وفي حياتكم، وفيما تدعون من الإسلام.

    فهذه كلمة الكفر قالها أبو جهل، وواجه بها الصديق رضي الله عنه، فأنزلها الله آية تقرأ إلى يوم القيامة: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [يس:47] أي: أنفقوا على الفقراء والمساكين قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:47] أي: ما أنتم إلا مخطئون ضالون فيما تقولون ولستم على حق، وهذه كلمة الكافرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)

    قال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [يس:48]، أي: هذا الوعد الذي تعِدوننا به، وهو أن القيامة ستقوم والساعة ستأتي، ونبعث ونجزى ونحاسب وندخل النار، متى هذا الوعد الذي تقولون؟!

    وهذه الكلمة أيضاً لا يقولها مؤمن، بل كلمة الكافرين وإلى الآن يقولونها، فإن هذا القول الذي قاله أبو جهل والله! إنه ليقال اليوم في العالم الإنساني، فإذا واجهت الكافر الملحد العلماني يرد عليك بهذا الكلام: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [يس:48] الذي تعِدوننا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [يس:48] أي: صادقين فيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون)

    قال تعالى في الرد عليهم وبيان المطلوب: مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس:49]، وهي نفخة إسرافيل، نفخة الفناء والدمار والهلاك.

    مَا يَنظُرُونَ [يس:49] أي: في عدم إيمانهم ودخولهم في الإسلام، وإصرارهم على الكفر والشرك.

    بل ما ينتظرون: إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس:49] فقط، وهي نفخة إسرافيل الملك عليه السلام.

    تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس:49] بمعنى: يختصمون في الأسواق في البيع والشراء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون )

    قال تعالى: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً [يس:50]، أي: لا يمكنهم أن يوصي بعضهم لبعض -كما هي الآن، فإن المرء -مثلاً- إذا أراد أن يسافر أوصى، وإذا مرض أوصى كذلك، لكن هؤلاء إذا أخذتهم ضجة نفخة إسرافيل تلك، واهتز الكون كله، فلن يكون هنالك -حينها- من سيستطيع أن يوصي أو يتكلم.

    فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس:50]، فمن كان في بيته في بيته، ومن كان خارج البيت والله! لا يمكن أن يرجع إلى بيته، ولا يعرف ما يجري، وهذا إذا نفخ نفخة الفناء، قال تعالى: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:1-5].

    فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً [يس:50] أي: ليس بمقدورهم أن يوصي بعضهم بها بعضاً.

    وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس:50] أي: لا يرجعون إلى أهليهم.. هذا في دكانه، وهذا في مقهاه، وهذا في مزرعته، وهذا في بيته، وهذا في المسجد، بل تأخذهم صيحة واحدة فيهلكون أجمعين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون)

    ثم قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [يس:51] أي: البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل وخلق لهذه المهمة، وهو -الآن- لا ينظر إلا إلى الله عز وجل وفمه في البوق، منتظراً متى سيأمره الله عز وجل.

    فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ [يس:51] أي: من القبور إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس:51] أي: آتين إلى ربهم مسرعين. وهذه هي النفخة الثانية وهي نفخة البعث، فالأولى نفخة الفناء.

    وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ [يس:51] أي: من القبور التي كانوا فيها في الأرض إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس:51] أي: ذاهبين إلى ربهم مسرعين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ...)

    ثم قال تعالى: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس:52]، أي: يا هلاكنا احضر، فهذا وقت حضورك، من بعثنا من مرقدنا في قبورنا حيث كنا راقدين؟

    فأجابهم المؤمنون الموحدون العالمون العارفون، فإنهم بعثوا هم والكافرين في ساعة واحدة: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52]، أي: هذا ما وعد الرحمن به عباده، وصدق المرسلون المبلغون للأمم والبشرية أن يوماً سيأتي وهو يوم القيامة؛ يوم تفنى فيه الخليقة، ويوم يبعثها الله عز وجل للحساب والجزاء.

    وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52] أي: الأنبياء والرسل؛ إذ بلغوا ذلك وأعلنوه وعرفوا به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون)

    ثم قال تعالى: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:53]، وهذه النفخة التي بعد الصعق نفخة أخرى، فإذا الخليقة كلها بين يدي الله، قال تعالى: فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ [يس:53] والله! لا يتخلف أحد، لَدَيْنَا [يس:53] أي: عندنا بين أيدينا مُحْضَرُونَ [يس:53]، وهذه كلمة الله عز وجل.

    إِلَّا صَيْحَةً [يس:53] أي: ما هي إلا صيحة، وهي نفخة إسرافيل، فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا [يس:53] أي: عندنا مُحْضَرُونَ [يس:53] لا يتخلف أحد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون)

    قال تعالى: فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [يس:54]، فصاحب الحسنات يجزى بحسناته، ولا ينقص من حسناته حسنة، وصاحب السيئة يجزى بسيئاته، ولا يزاد على سيئاته سيئة أبداً؛ إذ الله هو الحكم العدل.

    فَالْيَوْمَ [يس:54] أي: هذا يوم الحساب والجزاء.

    لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [يس:54] وإن قل، لا بزيادة حسنة ولا بنقصها، ولا بزيادة سيئة.

    وَلا تُجْزَوْنَ [يس:54] أي: عباد الله مؤمنهم وكافرهم.

    إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس:54] أي: ما كنتم تعملونه في هذه الدنيا فقط.

    فقوله تعالى: وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس:54]، يعني: هذا يعمل الحسنات، وهذا يعمل السيئات، وهذا مؤمن موحد، وهذا كافر مشرك، والجزاء بحسب العمل في هذه الدنيا، -وهذا الذي نقرره دائماً- وهو أن الحكمة من وجود الحياة الأولى هو من أجل أن يذكروا الله ويشكروه، فمن كفر هيأه الله للدار الثانية ولجزائه فيها كذلك، فالحياة الأولى ليست للبقاء فيها دائماً، وإنما هي دار عمل محدد بالشهر والعام، والجزاء يكون في دار الخلد والبقاء وهي الدار الآخرة.

    فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس:54] أي: ما كنتم تعملونه من خير وشر، ومن حسنات وسيئات.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [يس:47]، القائل أبو بكر رضي الله عنه والمؤمنون، فكان الجواب: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [يس:47]، أي قالوا: لِم الله ما يطعمهم، حتى لا ينفقون ولا يبذلون.

    إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:47] أي: أنتم في جهل وتأخر وتخلف في اللغة العصرية.. متخلفون ما عندكم فهم ولا وعي ولا بصيرة.

    وقالوا مرة ثانية: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [يس:48] الذي تعِدوننا به وتخوفوننا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [يس:48] متى.. غداً بعد غد.. بعد ألف سنة بعد كذا.. بينوا لنا؟

    قال تعالى: مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس:49]، والله! ما هي إلا صيحة إسرافيل في البوق، وإذا بالدنيا تهتز والعفنة في ساعة.

    مَا يَنظُرُونَ [يس:49] أي: هذا الذي ينتظرونه إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً [يس:49-50] لبعضهم البعض وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس:50]، فمن كان في دكانه يهلك في دكانه، ومن كان في المزرعة يهلك في المزرعة لا يرجع إلى بيته وأولاده؛ لأنها ساعة فقط فتتحرك الدنيا وتفنى الكائنات كلها، وهذه نفخة الفناء.

    ثم قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس:51] أي: مسرعين تائهين. وهذه نفخة البعث.

    وقوله تعالى: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس:52]، فقال المؤمنون الموحدون: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52] أي: المرسلون الذين أخبرونا بهذا وعلمونا.

    وقوله تعالى: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:53] أبيضهم وأسودهم، أولهم وآخرهم، وعربهم وعجمهم، وذكرهم وأنثاهم.

    ثم قال تعالى: فَالْيَوْمَ [يس:54] إذاً وقد حضروا بين يدي الله للجزاء بعد الحساب: لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [يس:54] وإن قلّ، فلا تزاد على حسناتك حسنة، ولا تؤخذ من حسناتك حسنة، ولا يزاد على سيئاتك سيئة.

    وقال: وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ [يس:54] أي: ما كنتم في دنياكم هذه تَعْمَلُونَ [يس:54] من الخير والشر، من الإيمان والتوحيد، أو الكفر والشرك والعياذ بالله تعالى.

    فيا أبناء الإسلام! إن معاني هذه الآيات أوضح ما يكون وأوضح من كلامنا، فينبغي أن نجتمع عليها ونتدبر ونتأمل، فإن الله أنزلها لهدايتنا وبيان الطريق لنا.

    هداية الآيات

    من هداية هذه الآيات: [أولاً: بيان علو الكافرين وطغيانهم وسخريتهم واستهزائهم، وذلك لظلمة الكفر على قلوبهم].

    وهذه هي ظلمة الكفر التي جعلتهم يستهزئون ويسخرون، ويكذبون وينكرون، فظلمة القلب الكفر الذي غطى على قلوبهم، فلا يرون النور أبداً، ولهذا استهزءوا وسخروا.

    [ثانياً: تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر مبادئها ونهاياتها].

    تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر مبادئها ونهاياتها، وقد علمنا أن السور المكية عملها هو إيجاد عقيدة سليمة فيكون صاحبها حي، وهذه العقيدة مبناها: لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، والدار الآخرة حق.

    [ثالثاً: الساعة لا تأتي إلا بغتة].

    الساعة لا تأتي إلا بغتة، قال تعالى: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس:53] وهذه مباغتة، ينفخ إسرافيل كالنفخة فتهتز الأرض كلها وتتحلل الجبال والأودية، ويذوب كل شيء.

    [رابعاً: الانقلاب الكوني الذي يحدث لعظمه اختلفت آراء أهل العلم في تحديد النفخات فيه، والظاهر أنها أربع: الأولى: نفخة الفناء، والثانية: نفخة البعث، والثالثة: نفخة الفزع والصعق، والرابعة: نفخة القيام بين يدي رب العالمين].

    هذه المسألة -معاشر الأبناء- علمية، اختلف في كم النفخات التي ينفخها إسرافيل، وأجمعت الأمة على أنها ثلاث نفخات، واختلفوا في النفخة الرابعة.

    النفخة الأولى: نفخة الفناء، يتحلل الكون ويذوب فلا يبقى حي.

    النفخة الثانية: بعث الناس من قبورهم، فلما تتكون الأجسام في الأرض بما ينزل من الماء، ولما تكتمل الأجسام ينفخ إسرافيل نفخة الأرواح، وكل روح تدخل في جسدها.

    نفخة أخرى: نفخة الصعق. البشرية كلها أنسها وجنها، والعالم بأسره على صعيد واحد، ينفخ إسرافيل نفخة فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، والدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( فأكون أول من يفيق، وإذا بأخي موسى قائم آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أصعق أم لم يصعق، وجوزي بصعقة الطور في الدنيا ).

    ثم بعد ذلك صيحة واحدة، وإذا هم قيام ينظرون بين يدي الله عز وجل، فيبدأ الحساب والجزاء.

    فالجمهور على أنها ثلاث، وزاد بعضهم رابعة وهي نفخة الصعق، كالامتحان وهم واقفون وكلهم على صعيد واحد بعد نفخة البعث، ينفخ إسرافيل فيصعقون كلهم ثم يفيقون، فإذا أفاقوا جاء الرحمن ونفخ إسرافيل في الصور نفخة وإذا هم قيام ينظرون.

    [ وأخيراً: تقرير العدل الإلهي يوم الحساب والجزاء، ليطمئن كل عامل على أنه يجزى بعمله لا غير].

    تقرير العدل الإلهي يوم القيامة، فلا تُظلم ولا تؤخذ حسنة من حسناتك، ولا يضاف إلى سيئاتك سيئة، بل العدل الكامل؛ لأن الله هو الحكم وهو العدل، ولا تظلم نفس أبداً شيئاً، لا بنقص حسناتها ولا بزيادة سيئاتها.