إسلام ويب

تفسير سورة ص (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أنبياء الله الذين تعرضوا للبلاء العظيم أيوب عليه السلام، فصبر على ما ابتلاه الله به في جسده وماله وولده حتى صار مضرب المثل في الصبر عبر الأزمان، ثم أذن الله بكشف ما أصابه بأن أخرج له ماء من الأرض يغتسل فيه ويشرب منه حتى زال ما به، ووهب له أهله مثلهم معهم وعوضه عما فقد من مال رحمة منه عز وجل وفضلاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:41-44].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ [ص:41]، أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يذكر هذه القصة؛ ليقرر بها أنه رسول الله، ولولا أنه رسول الله لما عرف هذه القصة، فإنه ما عرفها إلا من طريق الوحي الإلهي. فهذه الآيات تقرر بأن محمداً رسول الله، وأيوب هو ابن عيسو بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، فهو من أحفاد إبراهيم.

    وقوله: إِذْ نَادَى رَبَّهُ [ص:41]، أي: قائلاً: رب! أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص:41]. وفي سورة الأنبياء: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]، وقد ابتلاه الله عز وجل فصبر، ففاز ونجح، فقد ابتلاه بفقد أولاده وأهله وماله، ولكنه لما صبر ورجع إلى الله عوضه مثل ذلك وزيادة. وقد قال أهل العلم: لا فرق بين الفقير الصابر والغني الشاكر، فهما في منزلة واحدة، فالفقير صابر لا يجزع ولا يتسخط على الله، ولا يغضب ولا يسرق، ولا يكذب ولا يفعل ما يشينه، والغني شاكر لله ما أنعم به عليه، فهو ينفق ذلك المال في سبيل الله، فمنزلتهما واحدة. فالصابر كالشاكر.

    وقد نادى أيوب ربه قائلاً يا رب! أو أنه ناداه باسمه العلم قائلاً: يا ألله! أو ناداه بالصفة التي يتصف بها قائلاً: يا رب!

    وقوله: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص:41]، النصب هي: الآلام والأتعاب، والعذاب هو المرض أيضاً، وقد نسب هذا إلى الشيطان؛ لأنه كان السبب في الهفوة التي هفاها.

    والإعراض عن الحكايات الإسرائيلية الواردة في بعض كتب التفسير أولى، ولكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين المراد من العذاب فلا نستطيع أن نقول هو كذا؛ لأننا قد نكذب على الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب)

    يقول تعالى مخبراً عن استجابته دعوة نبيه: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [ص:42]، أي: اضرب الأرض برجلك، فلما ضربها برجله نبع الماء فاغتسل منه وشرب، فشفاه الله من مرضه. وهذه من آيات الله، وهي المعجزات التي يعطيها الله لمن شاء من أنبيائه ورسله. وقد قيل: إنه مرض ثماني عشرة سنة، مع أنه عبد الله ونبيه؛ وهذا ليكون عظة للمؤمنين الذين يبتليهم الله بالمرض، فلا ينبغي أن يجزعوا أو يسخطوا على الله، بل يجب عليهم أن يحمدوا الله ويصبروا على ما ابتلاهم به.

    وقوله: هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [ص:42]، أي: تغتسل منه، وشراب تشرب منه، فشفي شفاء كاملاً، كأنه لم يصب بالمرض، وعادت صحته وحاله كما كان قبل مرضه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ...)

    قال تعالى في امتنانه عليه: وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ [ص:43]، أي: الذين ماتوا، وزاده أضعافهم من زوجة وولد وأحفاد.

    وقوله: رَحْمَةً مِنَّا [ص:43]، أي: رحمنا عبدنا ورسولنا ونبينا حين دعانا فاستجبنا له، وقد ابتليناه فصبر، فبين له المخرج من هذه الأتعاب والآلام والأمراض، وقد كان يغتسل بالماء وإذا بالذهب والفضة يتساقط عليه كالجراد، فعوّضه الله كل ما فقده، وزاده على ذلك. وقد نال هذا كله: رَحْمَةً مِنَّا [ص:43]، أي: من عندنا نحن رب العزة والجلال والكمال.

    وقوله: وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ [ص:43]، أي: وفيها ذكرى ينتفع بها أصحاب العقول النيرة التي تعقل عن الله وتفهم، وذلك حتى يلجئوا إلى الله في مصابهم، ويفزعوا إليه في آلامهم، فيستجيب لهم كما استجاب لأيوب وغيره، وأصحاب العقول النيرة المبصرة هم الذين يفرقون بين الحق والباطل، والخير والشر، والضار والنافع. جعلنا الله وإياكم منهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث...)

    قال تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ [ص:44]، أي: وقلنا لأيوب: خذ بيدك ضغثاً، والضغث: هو عبارة عن مجموعة مائة من العيدان؛ لأنه توعد امرأته أن يجلدها مائة جلدة، فأفتاه الرب تبارك وتعالى بفتيا عجب، وهي أن يأخذ بيده ضغثاً من العيدان مائة عود، ثم يضربها ضربة واحدة، فتكون كالمائة ضربة.

    وهذه الفُتيا لا يفتي بها أحد أبداً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنها كانت في شرع من سبقنا، وليست في شرعنا، إلا أنه روى أبو داود في سننه أن رجلاً من الصحابة رضوان الله عليهم لزمه حد من الحدود مائة جلدة، فأخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه لاصق بالأرض، أي: أنه عظم لا لحم فيه وليس له فوق العظم سوى الجلد، وأنه لا يقوى على شيء، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بفُتيا الله سبحانه وتعالى التي أفتى بها أيوب فقال لهم: ( خذوا عرجون من عراجين النخل فيه مائة عود واضربوه ضربة واحدة ). وهذا معقول ولا حرج؛ لأنه وجب عليه حد، وهو لاصق بالأرض من الهزال، والزاني يجلد مائة جلدة بعصا ما بين الغليظة والرقيقة في ظهره، ولا يقتل، والجلد لا يقتل، وينبغي في الجلد ألا يشين جارحة ،ولا يكسر عضواً، وهذا الرجل لا يستطيعون ضربه أبداً، فأفتاهم الرسول أن يفعلوا معه كما فعل أيوب عليه السلام مع امرأته.

    وقوله: وَلا تَحْنَثْ [ص:44]، أي: ولا تخفر يمينك؛ لأنه حلف أن يفعل، مع أن نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما حلفت على شيء ثم بدا لي أن غيره خير منه إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني ).

    وقوله تعالى: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا [ص:44]، يخبر تعالى أنه ابتلى أيوب عليه السلام بفقد الأهل والأولاد، وما أصابه من المرض، وأنه وجده صابراً فأثنى عليه بسبب صبره بقوله: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ [ص:44]. وهذا ثناء من الله عليه عظيم، فإنه يقول عنه: نِعْمَ الْعَبْدُ . وعلل هذه النعمة وهذا الشرف بقوله: إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44]. والأواب هو: الذي كلما زلت به القدم في المعصية رجع إلى الله، وكلما غفل عن ربه رجع إليه، والأواب لا يستمر على معصية أبداً، ولا يبقى على ذنب من الذنوب أبداً، بل كلما أذنب ذنباً عاد إلى الله وآب إليه، ورجع واستغفره، فيتوب الله عليه، فلنكن من الأوابين.

    وقوله: إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44]، أي: كثير الأوبة والرجعة إلى الله عز وجل.

    وبهذا تقررت نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لكونه يتحدث عن رسول مضى عليه أكثر من ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف سنة، فلا شك أن الذي علمه ذلك هو الله تعالى.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية هذه الآيات:

    أولاً: تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من طريق هذا القصص الذي لا يتأتى إلا بالوحي الإلهي ] ووالله إن محمد بن عبد الله رسول الله ونبي الله، ولهذا نقول: أشهد أن محمداً رسول الله، وإلا لما أمكنه أن يقص هذه القصص وقد عاش في مكة أربعين سنة لا يقرأ ولا يكتب، ولو قصه رجل من بني إسرائيل لقيل: رواه من كتبه، ولكن النبي محمداً لم يقرأ ولم يكتب، ولا جالس اليهود ولا عاشرهم ولا عرف عنهم. فكل القصص في القرآن شاهدة على أن محمداً رسول الله. وهذه آية رسالته ومعجزة نبوته.

    [ ثانياً: قد يبتلي الله تعالى من يحبه من عباده؛ ليزيد في علو مقامه ورفعة شأنه ] وهذه لطيفة أخرى، فقد يبتلي الله عبده المؤمن بالمرض والفقر، والأتعاب والآلام، فيصبر، فيرفع درجته ويعلي مقامه. فلا تقل في مريض: هذا لا يحبه الله، ولا تقل للفقير: لو أحبه الله ما أفقره. فإن هذا كلام باطل، فإن الله قد يبتلي عبده بما شاء من أنواع البلاء، إما بالفقر أو بالمرض، أو بالسجن أو بالأتعاب أو بالآلام؛ من أجل أن يعلي مقامه، ويرفع درجته، كما فعل هذا بعبده أيوب، فقد ابتلاه ثمانية عشر عاماً بالمرض، بعدما سلب ماله وأهله وأولاده، فصبر فعوضه الله خيراً من ذلك.

    [ ثالثاً: فضل الصبر وعاقبته الحميدة في الدنيا والآخرة ] والصبر خلق عظيم، ووصف كريم، فمن صبر ظفر وفاز ونجح، فلنصبر على أي شيء ابتلانا الله به، ولا نجزع ولا نسخط، ولا نقل: لم يا رب؟! بل نحمده ونشكره ونصبر على ما ابتلانا؛ حتى يفرج ما بنا، وإن توفانا قبل ذلك فدرجتنا أعلى الدرجات، ومقامنا أسمى المقامات، والفقير الذي لا يكذب ولا يسرق، مع أنه يجوع ويتألم، ويربط بطنه بعصابة كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يمد يده للناس، ولا إلى ما حرم الله عليه صابر، والمريض الذي يعاني من الآلام والأتعاب ولا يعرف إلا الله، فهو يدعوه ويسأله ويطلب منه الشفاء، ولا يسأل غيره ولا يلتفت إلى سواه، ولا يحسد من كان ذا صحة وعافية، ولا يقول: يا ليتني كنت مثله أبداً! يعد صابراً على ما ابتلاه الله به، فنعم هذا المقام لمن فاز به.

    والصبر هو: حبس النفس وهي كارهة على ما يحب الله عز وجل فتفعله، وحبسها عما يكره الله، فتبتعد عنه ولا تفعله. اللهم اجعلنا من الصابرين.

    [ رابعاً: مشروعية الفتيا، وهي خاصة بأهل الفقه والعلم ] ولقد أذن الله تعالى أن يفتي العلماء، ولكن لا يفتي إلا العالم الرباني بكتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم. فالفتيا مشروعة، وقد أفتى الله أيوب فتيا عجيبة كما ذكرنا. والفتيا المشروعة هي أن تأتي إلى عالم رباني بالكتاب والسنة تستفتيه، فيفتيك افعل كذا أو كذا، أو لا تفعل كذا أو كذا.

    [ خامساً: وجوب الكفارة على من حنث في يمينه ] فمن حلف بالله ألا يأكل ثم أكل أو حلف بالله ألا يلبس فلبس وحنث يجب عليه أن يكفر عن يمينه.

    والكفارة ثلاثة أنواع:

    أولاً: إن وجد رقيقاً أعتق رقبة.

    ثانياً: وإن كان عنده طعام فإنه يطعم عشرة مساكين، فيعطي كل مسكين كيلو تمر أو أرز أو دقيق بحسب عيش البلاد.

    ثالثاً: وإن كان عنده كسوة فإنه يكسي عشرة مساكين

    رابعاً: فإن عجز عن هذا كله يصوم ثلاثة أيام. وقد بين تعالى هذا في كتابه في سورة المائدة فقال: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89]. وعلى هذا إجماع الأمة.