إسلام ويب

تفسير سورة القصص (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء موسى وأخوه هارون عليهما السلام إلى فرعون وملئه يدعوانهم إلى توحيد الله وشرعه، فما كان من فرعون وجنوده إلا أن تكبروا وأعرضوا، وبالنبي والرسالة استهزءوا، فكان عاقبتهم في الدنيا أن أغرقوا في اليم، وعلى النار في البرزخ صباحاً ومساءً عرضوا، ويوم القيامة بأشد العذاب وعدوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة القصص المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:38-43].

    ادعاء فرعون للألوهية

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ [القصص:38]، لما انبهر فرعون بالحجج والبراهين التي ألقاها موسى، وأفصح عنها أخوه هارون وبينها، فبدل أن يؤمن فرعون ويسلم انتكس وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وذلك لما دعاه موسى إلى التوحيد، إلى عبادة الله وحده، إلى التخلي عن هذه الدعوة الباطلة وأنه إله الكون، وأنه رب العالمين، وأغدق عليه الحجج والبراهين، فبدل أن يسلم ويؤمن قال هذه الكلمة التي أخبر الله عنها فقال: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ [القصص:38]، يعني: رجاله من جيش وغيره، يا من يملئون المجالس! مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، فادعى الألوهية، وأنه الإله المعبود بحق، ومرة قال عليه لعائن الله: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24].

    بيان أن فرعون كان على علم بأنه عبد مربوب لله تعالى

    فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ [القصص:38]، والمراد به الآجر، أي: الطوب الأحمر الذي يصنع بالنار، وقد قال أهل العلم: أول من استعمل هذا الآجر هو فرعون في هذه المرة، فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ [القصص:38]، وهامان رجل من رجالاته، ولعله وزير المال أو العمل، فَاجْعَل لِي صَرْحًا [القصص:38]، أي: بناءً عالياً نصل به إلى السماء لنبحث عن إله موسى الذي يدعي أنه فوق السماء، فما أقبح هذا المسلك! وما أفسد هذا الرأي! وبالفعل قام رجاله بصنع الآجر وبناء الصرح العالي المرتفع، لكنه سقط عليهم فقتلهم أجمعين، وما نجا منهم لا العمال ولا البناءون، إذ الكل هلكوا وما آمنوا بالله تعالى، لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [القصص:38]، وأصل إليه.

    ثم قال تعالى: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ [القصص:38]، فلا تعجبوا من هذا الكلام، إذ إن أهل الباطل والخبث والشر والفساد يقولون مثل هذا وأكثر، مع أن العقلاء يسخرون من هذا الكلام، ولكن لجبروته وطغيانه وعتوه ادعى هذه الدعوة والناس يسمعون ويبصرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق...)

    قال تعالى: وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ [القصص:39].

    تقرير صفة العلو والاستكبار لفرعون وجنوده

    وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ [القصص:39]، أخبر تعالى أن الذي حمل فرعون على هذا الكلام الشنيع من ادعاء الربوبية والألوهية هو الكبر، إذ كيف يتواضع وينزل ويقول: أنا عبد الله، ويتبع موسى وهارون ويعبد الله معهما؟ ثم هل الذي يحمل الخرء والبول في بطنه والوسخ في فمه يصلح أن يكون متكبراً؟! الذي لو انقطع عنه الماء مات وهلك يصلح أن يكون متكبراً؟! الذي لو انقطع عن الطعام يموت أيصلح أن يتكبر؟! أي حق يستكبر به؟! الكبر لا يكون إلا لله الخالق لكل شيء، المحيي المميت، المعطي المانع، الضار النافع، خالق كل المخلوقات، فهذا هو المتكبر الجبار، أما الذي يأكل ويشرب ويموت إذا جاءه العطش، ويحمل الخرء في بطنه كيف يتكبر؟!

    ولهذا يخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم فيقول: ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر )، أي: لا يدخل الجنة دار السلام من كان في قلبه أيام حياته مثقال ذرة من كبر؛ لأنه إذا وجد هذا المثقال من الكبر فصاحبه لا يعبد الله ولا يستقيم أبداً؛ لأنه مصاب بهذا المرض وهذا الداء، فلا يعترف بالحق ولا يذعن له، فنعوذ بالله من الكبر! اللهم إنا عبيدك أبناء عبيدك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، أنت ولينا ولا ولي لنا سواك.

    معنى قوله تعالى: (وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون)

    ثم قال تعالى: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ [القصص:39]، وفي قراءة: ( لا يَرجعون )، والظن هنا بمعنى: اليقين، إذ يطلق الظن على اليقين، لكن هل هم موقنون أنهم لا يرجعون؟ إذاً هم في الشك، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ [القصص:39]، أي: بعد موتهم، فلا يقفون بين أيدينا فنسألهم ولا نحاسبهم ولا نجزيهم إما بالنعيم المقيم في الجنة دار السلام، أو بالعذاب الأليم في النار دار البوار والهلاك والعياذ بالله تعالى، ومعنى هذا أنهم مكذبون بالبعث الآخر.

    أعيد القول فأقول: أركان الإيمان ستة، وأعظمها: لا إله إلا الله، وذلك بأن تعتقد أنه لا يستحق أن يعبد في هذه العوالم كلها العلوية والسفلية إلا الله، لا يستحق أن يعبد بالركوع والسجود وبالذكر والدعاء إلا الله تعالى، وثانياً: الإيمان بأن محمداً بن عبد الله رسول من الله قطعاً، وثالثاً: الإيمان بالبعث الآخر، أي: أن تؤمن أنك ستبعث في يوم من الأيام بعد موتك حياً كما كنت، فتسأل وتجيب وتجزى بعملك، ولذا فإن كثيراً من الآيات يقول الله تعالى فيها: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [الطلاق:2]، وهذا الذي نقوله هو في من يؤمن بالله واليوم الآخر، أما الشخص الذي لا يؤمن بالدار الآخرة وما يجري فيها ويتم فهذا شر الخلق، فلا يوثق به في شيء، ولا يعول عليه في شيء، ولا يسند إليه شيء أبداً، إذ الذي ينكر ألوهية الله ونبوة رسوله والبعث الآخر هو شر الخلق والعياذ بالله.

    وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا [القصص:39]، ماذا؟ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا [القصص:39]، أي: إلى الله تعالى، لا يُرْجَعُونَ [القصص:39]، والله ليرجعون إلى الله رغم أنوفهم، فالذي أوجدكم في هذه الأرض وعشتم فيها عشرات السنين ثم أماتكم رغم أنوفكم وأنتم كارهون، هل يعجز عن أن يردكم مرة أخرى؟ أي عقل وأي فهم يفهم هذا؟! كيف ينكر البعث والجزاء؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم...)

    قال تعالى: فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص:40].

    بيان عاقبة الظلم والاستكبار في الأرض

    بعد أن أعلن الله عن كفر فرعون وباطله وشره وطغيانه قال: فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ [القصص:40]، والمراد باليم بحر القلزم المتصل بالبحر الأحمر، فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص:40]، يا رسولنا! يقول القرطبي: كانوا ألفي ألف وستمائة ألف، أي: مليونان وستمائة ألف، وكلهم غرقوا في البحر، فَنَبَذْنَاهُمْ [القصص:40]، في إهانة، فِي الْيَمِّ [القصص:40]، فهلك فرعون ومن معه من أهل الظلم والشر والفساد.

    فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ [القصص:40]، أي: عساكره، فَنَبَذْنَاهُمْ [القصص:40]، أي: طرحناهم، فِي الْيَمِّ [القصص:40]، أي: في البحر، فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص:40]؟ وقد بين لنا تعالى ذلك، وذلك لما خرج موسى يريد أرض فلسطين بعدما انهزم فرعون الانهزام العجيب، وصل موسى إلى البحر فأمره الله أن يضرب بعصاه البحر فانفلق البحر إلى فلقتين، ثم دخل بنو إسرائيل وجاء فرعون وجنوده يطاردهم ويلاحقهم، فلما دخلوا في اليم أو في البحر وخرج بنو إسرائيل من البحر، أغلق الله عليهم البحر فهلكوا كلهم في البحر.

    فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ [القصص:40]، من؟ الظَّالِمِينَ [القصص:40]، وفعلاً فقد كانوا ظالمين، فهل يوجد اليوم في الأرض ظالمون؟ ومن هم الظالمون؟ إن كل كافر ومشرك بالله في عبادته والله إنه لظالم، فضلاً عن السرق والفجرة والخونة والخادعين، بل كل من يضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم، فالذين يعبدون غير الله أي ظلم أفظع من هذا الظلم؟ إذ إنه يأخذ حق الله ويعطيه للمخلوقين فيعبدونه! فأي ظلم أفظع من هذا الظلم؟ والذين يسلبون الناس أموالهم وينتهكون أعراضهم ويهينونهم ويدوسونهم بنعالهم أليس هذا ظلماً؟!

    فَانظُرْ [القصص:40]، يا رسولنا! كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ [القصص:40]، ونهاية، الظَّالِمِينَ [القصص:40]؟ وهو الإغراق والتدمير حتى خربت البلاد واستولى عليها بنو إسرائيل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار...)

    قال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ [القصص:41].

    دعاة الدعارة والخنا والضلال والشرك أئمة أهل النار يدعون إليها

    وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً [القصص:41]، وأئمة جمع: إمام، والإمام هو الذي يقتدى به ويُمشى وراءه، يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص:41]، أي: فرعون وملؤه، جعلناهم هداة ودعاة يدعون إلى النار، فمن هو الذي يدعو إلى النار؟ الذي يدعو إلى الكفر يدعو إلى النار، والذي يدعو إلى الشرك.. يدعو إلى النار، والذي يدعو إلى الخبث يدعو إلى النار، والذي يدعو إلى الظلم يدعو إلى النار وهكذا، إذ المشركون والظالمون والفسقة كلهم يدعون إلى النار، فهل هناك من يدعو إلى النار؟ لا أبداً، إذ هو لا يقول: تعالوا وادخلوا النار، وإنما يقول: ليس هناك نار ولا عذاب أبداً، ويدعوهم إلى الشرك والباطل والشر والفساد، وهو في الواقع يدعوهم والله إلى النار والعياذ بالله، وهو في الظاهر يدعوهم إلى الأكل والشرب والنكاح، لكن في الباطن يدعوهم إلى جهنم والعياذ بالله، وهذا خبر الله تعالى.

    إخبار الله بعدم نصرة أئمة الضلال يوم القيامة

    ثم قال تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ [القصص:41]، إي والله العظيم، فمن ينصر أعداء الله يوم القيامة؟ ومن يتكلم مع الله مجادلاً عنهم؟ إلا من أذن الله له أن يقول كلمة، وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26]، للذي تدعوه أنت له.

    وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ [القصص:41]، إلى الجنة؟! يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص:41]، أما أئمة التوحيد والإيمان والإسلام يدعون والله إلى الجنة، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ [القصص:41]، أما دعاة الهدى والإيمان والإسلام والله لينصرهم الله يوم القيامة ويدخلهم دار السلام، بل ويشفعهم في غيرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة...)

    قال تعالى: وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ [القصص:42].

    معنى قوله تعالى: (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة)

    وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً [القصص:42]، فلا تنتهي لعنة الله على الظالمين والمشركين أبداً، إذ هي إلى يوم الدين، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ [القصص:42]، فعيونهم زرق، ووجوههم سود، وحالهم منتنة وعفنة، فأي قبح أعظم من هذا؟ ولذا يحشرون إلى جهنم على أبشع صورة وأقبحها.

    معنى قوله تعالى: (ويوم القيامة هم من المقبوحين)

    وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ [القصص:42]، مِن مَن؟ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ [القصص:42]، والقبح أن تكون وجوههم سوداء، وعيونهم زرقاء، وحالهم منتنة عفنة، فيكونون أقبح ما يكونون والعياذ بالله، والمراد بيوم القيامة هو يوم أن نقوم من قبورنا، فالآن نموت جيلاً بعد جيل، وسينتهي هذا الموت بانتهاء آخر واحد منا، ثم بعد ذلك يحيينا الله ويبعثنا من قبورنا، فيوم أن نقوم من قبورنا تلك هي القيامة، ويقال فيه: يوم البعث الآخر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى...)

    بيان إفضال الله تعالى على بني إسرائيل بإنزال التوراة فيهم كتاباً كله بصائر وهدى ورحمة

    وأخيراً يقول الله تعالى وقوله الحق: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى [القصص:43]، والمراد بالقرون الأولى قوم نوح وهود وثمود وصالح وإبراهيم، فهذه أمم قد هلكت والعياذ بالله تعالى، آتَيْنَا مُوسَى [القصص:43]، أي: الكتاب العظيم ألا وهو التوراة التي كتبها الجبار بيمينه، وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [القصص:43]، وموسى هو الذي قاوم فرعون حتى هزمه، وبعدما انتهى من فرعون مشى في طريقه إلى أرض القدس فاستدعي رسمياً إلى ربه وأعطاه التوراة.

    ثم قال تعالى: مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى [القصص:43]، أي: قوم نوح وعاد وثمود وصالح وإبراهيم، ثم جاء موسى من بعد ذلك، وهذا الكتاب -التوراة- يقول الله فيه: بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً [القصص:43]، فالتوراة بصائر، أي: يبصرون بها الحق فيعرفونه، ويبصرون بها الباطل فيعرفونه، ويبصرون بها الخير فيعرفونه، فأنوار الله كتابه كما هو القرآن الكريم، قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء:82]، كذلك آتى الله موسى التوراة بصائر لبني إسرائيل ولمن آمن معهم ودخل في دين الله تعالى، وهدىً يهتدون بها إلى ما يكملهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة، ورحمة تعمهم وتغمرهم، فلا خبث ولا ظلم ولا شر ولا فساد.

    معنى قوله تعالى: (لعلهم يتذكرون)

    ثم قال تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:43]، أي: يتعظون بذلك فيعيشون كرماء سعداء، وها نحن يا أهل القرآن! قد أوتينا القرآن والله لأعظم من التوراة، فماذا حدث؟ حدث أن أقام السلف الصالح راية القرآن وجاهدوا ورابطوا وعبدوا الله واستقاموا فسعدوا سعادة ما عرفتها البشرية أبداً، ففي خلال ثلاثمائة سنة لم تر الدنيا نظير تلك الأمة أبداً في كمالها وسعادتها، لكن لما احتال العدو علينا وصرفنا عن القرآن، وأبعده عنا وحوله للموتى ما أصبحنا نجتمع عليه ولا نتدارسه ولا نقول: قال الله أبداً، وإنما نقرأه على الموتى وفي المقابر، فهبطنا إلى الأرض بعدما كنا والله في علياء السماء، مع أن القرآن أعظم من التوراة بصائر وهدى ورحمة، لكن احتالوا علينا وأبعدونا عن القرآن.

    فأسألكم بالله يا أبنائي! أرأيتم لو أن أهل قرية يجتمعون على كتاب الله كاجتماعنا هذا كل ليلة وطول العمر، هل يبقى فيهم فاسق أو ظالم أو جاهل؟ والله ما يبقى، فكذلك لو أن كل حي من أحياء المدينة صلوا المغرب واجتمعوا بنسائهم ورجالهم يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم كل ليلة وطول العالم، هل يبقى بينهم ظالم أو فاسق أو فاجر؟ والله لا يمكن، إذ إنهم يعلمون، فإذا علموا عرفوا، وبالتالي فكيف يفسدون أو يفجرون؟ ومع هذا ما انتبهنا ولا أفقنا أبداً، بل ما زلنا كما يعلم الله تعالى.

    ثم دلوني على أهل قرية يجتمعون على كتاب الله كل ليلة وطول العام بنسائهم وأطفالهم ورجالهم؟ دلوني عليهم والله نذهب نزورهم، سواء في الشرق أو في الغرب، في العرب أو في العجم، فلم لا يكون هذا؟ كيف نعرف ربنا؟ كيف نخافه؟ كيف نحبه؟ كيف نطمع ونرغب فيه ونحن بعداء؟ كيف نعرف ما نتقرب به إلى الله تعالى؟ كيف نجاهد أنفسنا ونبعدها عن الهوى والدنيا والشهوات والأهواء؟ من أين يأتي ذلك؟ إن الطريق الوحيد هو أن نجتمع على كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم كما فعل سلفنا الصالح، ووالله إن رسول الله ليجلس في تلك الروضة وحوله أصحابه بالمئات يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وقد امتن الله عليهم بهذا فقال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]، علموا أو ما علموا؟ علموا وأصبحوا علماء ربانيين مع أن أكثرهم والله ما يقرأ ولا يكتب، ولو تعرف تاريخهم وكمالهم لتعجب من صلاحهم، فما سبب ذلك؟ القرآن العظيم الذي هجرناه وابتعدنا عنه بحيلة اليهود والنصارى والمجوس.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن أسمعكم شرح هذه الآيات من الكتاب مرة أخرى فتأملوها!

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: بيان أن فرعون كان على علم بأنه عبد مربوب لله، وأن الله هو رب العالمين ]، بيان أن فرعون كان عالماً في نفسه أنه عبد الله، وأنه مربوب لله تعالى، وأن الله خالقه، ومع هذا يغطي هذا كله ويتظاهر بالباطل.

    قال: [ ثانياً: تقرير صفة العلو والاستكبار لفرعون، وأنه كان من العالين ]، فرعون كان من الجبارين المتكبرين، ويكفي أن يقول: ما علمت لكم من إله غيري، هكذا يقول للعوام ويستخف بهم، ويقول أيضاً: أنا ربكم الأعلى، فأين مصيره؟ في جهنم لا ينتهي عذابه أبداً هو والمتبعون له.

    قال: [ ثالثاً: بيان كيف تكون عاقبة الظلمة دماراً وفساداً ]، بيان كيف تكون عاقبة الظالمين دماراً وخساراً؟ فكيف انتهى فرعون وقومه؟ بشرونا؟ أخبرونا؟ أليسوا من الغرق إلى جهنم؟ فهذه هي نهايتهم ونهاية كل الظالمين.

    قال: [ رابعاً: دعاة الدعارة والخنا والضلال والشرك أئمة أهل النار يدعون إليها وهم لا يشعرون ]، من هم دعاة أهل النار بيننا؟ دعاة الربا والزنا والخمر واللواط والكذب والعقوق والشرك والباطل والخرافة والضلالة، فهم والله لدعاة النار، أي: يدعون الناس إلى النار، لا أنهم يقولون: ندعوكم إلى النار، وإنما يدعونهم إلى الأفعال والعقائد التي توجب لهم النار والعياذ بالله، وقد سمى الله فرعون وملأه دعاة إلى النار، إذ إنهم يدعونهم إلى الكفر والشرك والظلم حتى يدخلوا النار والعياذ بالله.

    قال: [ خامساً: بيان إفضال الله تعالى على بني إسرائيل بإنزال التوراة فيهم كتاباً كله بصائر وهدى ورحمة ]، بيان إفضال الله وإنعامه على بني إسرائيل، إذ أنقذهم من فرعون وجبروته، وأرسل فيهم موسى عليه السلام، وأنزل عليهم التوراة، وعاشوا سعداء كذا قرن من الزمان، وبعد ذلك انتكسوا وهبطوا لما أعرضوا عن كتاب الله وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، وذلك كما هي حالنا اليوم والأسف.