إسلام ويب

تفسير سورة القصص (20)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • امتن الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم بإنزال الكتاب عليه رحمة منه سبحانه، ثم حذره من كيد الكافرين، ومحاولتهم صده صلى الله عليه وسلم عما يدعو إليه من الحق والدين، ثم نهاه سبحانه أن يسلك طريقهم ويسير على خطاهم في دعاء إله آخر مع الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه الباقي الدائم الذي يرجع إليه الأمر كله، وهو الذي عبيده إليه راجعون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة القصص المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:83-88].

    إخبار الله بأن الدار الآخرة للذين لا يريدون العلو والفساد في الأرض

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا [القصص:83]، فالمقصود بالدار الآخرة هي الجنة دار السلام ودار الأبرار التي وصفها الله في كتابه بأدق الوصف وأعظمه، والتي قد رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينيه، ووطئ تربتها بقدميه، وشاهد حورها وقصورها وأنهارها، وذلك ليلة أسري به من مكة إلى بيت المقدس، ثم عرج به من بيت المقدس إلى الملكوت الأعلى إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا ، لمن؟ لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا ، أما الذين يريدون التكبر والاستكبار عن طاعة الله وعبادته، وعن الإذعان والخضوع لشرائعه، ويظلمون ويعتدون، فهؤلاء ليست لهم الجنة أبداً، وإنما لهم جهنم وبئس المصير.

    معنى قوله تعالى: (والعاقبة للمتقين)

    ثم قال تعالى: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83]، وهذا خبر عظيم يا عباد الله! إذ يخبر تعالى بأن العاقبة للمتقين، أن العاقبة الحسنى للمتقين هي النزول في دار السلام، وأن العاقبة الحسنى للمتقين في الدنيا هي بالطهر والصفاء والأمن والرخاء والسعادة الكاملة، وبالتالي فمن هم المتقون؟ هل هم بنو هاشم؟ بنو قينقاع؟ هل هم البيض أم السود؟ العرب أم العجم؟ يا عباد الله! اعلموا أن المراد بالمتقين هم المؤمنون الصادقون في إيمانهم، الذين فعلوا ما أوجب الله فعله، وتركوا ما أمر الله بتركه، والذين اتقوا غضب الله وعذابه بالإيمان به وبطاعته وطاعة رسوله، أما الذين ما آمنوا فكيف يكونون بالمتقين؟ إن الذين آمنوا إيماناً هزيلاً ضعيفاً، فلا يؤدون الواجبات ولا ينتهون عن المحرمات فأين التقوى منهم؟ ما اتقوا ولا هم بالمتقين.

    العلم بما فرض الله وبما حرم هو أساس التقوى

    واللطيفة التي أعيد قولها للسامعين والسامعات هي: أنك لن تكون من المتقين إلا إذا علمت ما فرض الله وما أوجب فعله واعتقاده وقوله، وعرفت ما حرم الله اعتقاده وقوله وفعله، ومن هنا لا بد من العلم، فلن يكون عبد ولياً لله وهو جاهل أبداً، فإذا قلتم: ماذا نصنع يا شيخ؟ ما عندنا مدارس، أقول: ليس شرطاً أبداً في العلم أن يكون في المدرسة، العلم أن تسأل صاحب العلم كيف تغتسل؟ كيف تزكي؟ كيف تركع؟ كيف تسجد؟ كيف تفعل الخير؟ فيعلمك بالسؤال، وليس شرطاً أبداً أن تقرأ وتكتب.

    ومع هذا الذي أكرر القول فيه فاسمعوا وبلغوا وسوف تعرفون هذا يوم القيامة: على أهل كل قرية من قرى المسلمين في الشرق والغرب، بين العرب وبين العجم، إذا مالت الشمس إلى الغروب ودقت الساعة السادسة وجب أن يتوضئوا ويحملوا أولادهم ونساءهم إلى بيت ربهم، أي: إلى المسجد، فيصلون المغرب كما صلينا، ثم بعد صلاة المغرب تجلس النساء وراء الستائر، والأطفال في الصفوف دونهن، والفحول كأنتم أمامهن، ويجلس لهم عالم بالكتاب والسنة، فيدرسون ليلة آية من المغرب إلى العشاء فيحفظونها، ويعرفون مراد الله منها، ويستعدون للتطبيق والعمل، وليلة حديثاً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحفظونه، ويعلمهم المعلم ماذا يفعلون به؟ وهكذا طول العام بل طول الحياة، وبدون هذا والله لن ينتشر العلم ولن تفقهوا أبداً، ولا تقولوا: إن الشيخ مجنون! والله إني لعلى علم، إذا لم يجتمع أهل القرية وأهل الحي في المدن بعد صلاة المغرب، فيوقفون العمل الدنيوي ويقبلون على الله بنسائهم وأطفالهم ورجالهم وذلك كل ليلة فيتعلمون، ومن قال: كيف يتعلمون؟ فسلهم الآن كم علماء الأمة الإسلامية؟ وكم العالمون في المدن والقرى؟ توجد قرى ما فيها عارف يعرف الله تعالى، إذاً فماذا نصنع؟ لم لا نتحرك؟ نحن أهل القرية نجتمع في بيت زيد أو عمرو ونقول: هيا ندعو الناس إلى أن يجتمعوا في المسجد بعد صلاة المغرب، أي مانع من ذلك سواء كنت في أوروبا أو في بلاد الإسلام؟ فيجتمعون لدراسة آية من كتاب الله كاجتماعنا هذا، فماذا كلفنا هذا الاجتماع؟ هل تعبتم؟ هل أنفقتم مالاً؟ كل ما في الأمر أنكم تعلمتم الهدى وعرفتم الطريق إلى ربكم لتكملوا وتسعدوا، فبلغوا هذا للناس جميعاً، وإن شئتم حلفت لكم مرة ثانية، لن يتفقه المسلمون إلا على هذا المنهج الرباني المحمدي، إذ كان صلى الله عليه وسلم يجتمع له الرجال والنساء فيعلمهم الكتاب والحكمة، وقد تعلموا وهم لا يقرءون ولا يكتبون، وإنما نادر منهم من يحسن القراءة والكتابة، فهل عرفتم من هم المتقون؟ الذين عرفوا ما يعبدون الله به فعبدوه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها...)

    ثم أخبر تعالى بخبر جديد فقال: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ [القصص:84]، أي: يوم القيامة، فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا [القصص:84]، أي: عشر أمثالها، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ [القصص:84]، أي: بالمعصية، فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [القصص:84]، وهذه عدالة الله عز وجل ورحمته وولايته.

    إذاً والله من جاء يوم القيامة بحسنة فإن الله يضاعفها له حتى يدخله الجنة، ومن جاء بالسيئة فإنه سبحانه وتعالى لا يزيد عليها ولا يجزى صاحبها إلا بها، وهذه عدالة الله تعالى، فقولوا: آمنا بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد...)

    وعد الله لرسوله بأن يعود إلى مكة بعد خروجه منها

    والآن ومع هذه الآيات المدنية التي ستأتي معنا، مع أن السورة مكية، فاسمع إلى يقول تعالى وهو يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول له: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ، وهذا خبر عظيم وصادق، إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ، أي: أنزله عليك وألزمك بالعمل به وتلاوته وتبليغه، لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ، والمعاد هو الذي كان فيه رسول الله ثم خرج منه وسيعود إليه، إذ للرسول معادان: الأول: الجنة دار السلام، إذ إنه عليه السلام ذهب إليها ونزل بها، ثم أمره الله أن يعود إليها، والمعاد الثاني هو مكة المكرمة، إذ إنه أُخرج منها ظلماً وعدواناً مع تعلق قلبه بها، فبشره الله بأنه راده إلى مكة المكرمة، وفعلاً بعد ثمان سنوات فقط فتح الله عليه مكة وعاد إليها ودخلها.

    إرشاد الله لرسوله في كيفية التعامل مع الأعداء

    ثم قال تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [القصص:85]، فهذه إحدى خمس توجيهات للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه هي الأولى منها، وهي خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم والأمة تقتدي به، فأولاً: علمه كيف يواجه الخصوم والأعداء من المشركين والكافرين واليهود، وذلك بالتي هي أحسن وبالآداب الفاضلة، قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى ، وهو أنا، وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [القصص:85]، وهو أنتم أيها المشركون أو اليهود.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك...)

    رحمة الله برسوله بأن انزل عليه الكتاب

    ثانياً: وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص:86]، هل كان الرسول قبل الأربعين سنة وهو شاب في الثلاثين أو في العشرين يرجو أن ينزل عليه الكتاب؟ والله ما كان يخطر بباله حتى بلغ الأربعين سنة، وَمَا كُنتَ تَرْجُوا ، أو تأمل يا محمد! أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ ، أي: ينزل عليك القرآن العظيم، إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ، رحمك الله بها فأنزل عليك هذا الكتاب وبعثك رسولاً للعالمين.

    معنى قوله تعالى: (فلا تكونن ظهيراً للكافرين)

    وقوله تعالى: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ [القصص:86]، أي: فقد أكرمك الله وأعزك وشرفك وأرسلك، وبالتالي فإياك أن تكون ظهيراً ومعيناً للكافرين فتقف إلى جنبهم وتساعدهم أو تعينهم، إذ إنهم كافرون بربهم وبلقائه وبشرعه ووحيه، وكذلك الأمة مأمورة بهذا، أي: لا تكونن ناصرة ومعينة للكافرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك...)

    تحذير الله لنبيه أن يصده المشركون عن آيات الله تعالى

    ثالثاً: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ [القصص:87]، أي: إياك يا رسولنا! أن يصرفوك عن آيات الله بعد أن أنزلها الله إليك فتهملها ولا تقرأها ولا تطبقها ولا تعمل بها، وسواء بالتخويف أو بالتهديد أو بالإغراء المالي وما إلى ذلك، وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ ، آه! لقد صد المسلمون في الشرق والغرب عن آيات الله بعد أن أنزلها الله على نبيهم، إذ إنهم لا يجتمعون عليها ولا يتدبرونها ولا يعملون بما فيها إلا من شاء الله، فلم تطبق شرائع الله ولم تقم حدوده ولا أحكامه، وإنما إعراض كامل عن كتاب الله تعالى.

    وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ ، لو أن الله ما أنزلها الله فليس هناك عذر ولا بأس، لكنه سبحانه وتعالى أنزلها وبينها.

    أمر الله لرسوله بالدعوة إليه ونهيه له أن يكون من المشركين

    رابعاً: وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ [القصص:87]، أي: ادع البشرية كلها -الإنس والجن- إلى الله ليؤمنوا به وليعبدوه من أجل أن يكملوا ويسعدوا في الحياتين، أي: هذه الدنيا والآخرة المقبلة بإذن الله تعالى.

    خامساً: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [القصص:87]، أي: لا تكن يا رسولنا! من المشركين، فيا عباد الله! من هم المشركون؟ هم الذين يعبدون مع الله غيره، مع أنك لو سألتهم: من ربكم؟ لقالوا: الله ربنا خالق السموات والأرض، ومع ذلك تجدهم يعبدون صنماً أو حجراً أو شهوة أو إنساناً أو جاناً أو ملكاً من الملائكة، مع أنهم يؤمنون بأن الله هو الحق، ومع ذلك يعبدون معه غيره، واقرؤوا قول الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]؟ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ [المؤمنون:86]؟ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [المؤمنون:87]، فهكذا كان المشركون في مكة يعرفون أن البيت بيت الله، وأن الله قد نبأ إبراهيم وإسماعيل، ومع ذلك يعبدون الأصنام فيركعون أمامها، ويذبحون الذبائح باسمها، ويحلفون بها.

    ومع الأسف لما أعرض المسلمون عن القرآن وحولوه إلى الموتى أصبح كل بلد يُعبد فيه الأولياء بالذبح لهم والنذر لهم والعيدة كما يسمونها وبالحلف بهم وبالخوف منهم، وإليكم مثالاً قد كررناه كثيراً: كنت جالساً إلى جماعة من كبار السن وأنا طفل، فقال أحدهم: إن فلاناً إذا زنى أو فجر فخرج عن طاعة ربه وفسق عن أمره، لا يمر بالشارع الفلاني حتى لا يمر بالسيد علي! فهل عرفتم كيف كان حالنا؟ إن كل ذلك لأننا انصرفنا عن القرآن وحولناه إلى الموتى، فلا يجتمع اثنان ولا ثلاثة على تدبر آية وشرحها وبيان ما فيها أبداً، بل قد قالوا قاعدة: تفسير القرآن صوابه خطأ، وخطؤه كفر! فكمموا أفواه الناس وما أصبح هناك من يقول: قال الله أبداً، وذلك من اندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً إلا من رحم الله، وبالتالي فكيف يكونوا علماء؟ كيف يعرفون؟ كيف يكونوا أولياء الله؟ ومن شك فيما أقول لضعفه فالجواب: هل استعمرت أوروبا بلاد العالم الإسلامي من اندونيسيا إلى موريتانيا؟ إي والله، إذاً فكيف سلط الله عليهم أعداءه وهم أولياؤه؟ والله ما كانوا أولياءه، فمن هنا أذلهم الله وسلط عليهم أعداءه، وهذه آية كالشمس لا ينكرها ذو عقل أبداً، وإلى الآن وهم ينتظرون محنة ربانية لا نظير لها إلا أن يتداركهم الله بالتوبة الصادقة فيجتمعون على بيعة إمام المسلمين، ويطبقون شرع الله في الظاهر والباطن، ويومها سينجون بإذن الله، أما قبل هذا فوالله إنهم لتحت النظارة، واقرؤوا: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14].

    وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ ، أي: ادع الناس إلى الإيمان والإسلام، وها هي فرصة متاحة للمسلمين، وهي أن أوروبا كأمريكا واليابان قد فتحت أبواب بلادهم للدعوة الإسلامية، فبنيت المساجد والمدارس، وبالتالي فعلى المسلمين أن يجمعوا سبع أموالهم كل سنة وتنفق على الدعاة، وتبنى بها المساجد والمدارس في هذا العالم الكافر، ونكون بذلك قد أدينا واجب الجهاد في سبيل الله تعالى، فمن يبلغهم هذا؟ بلغوهم، وسبع الزكاة يكون في سبيل الله، إذ إن مصارف الزكاة ثمانية، ومنها السابع وهو: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60]، وسبيل الله هو الدعوة إليه والجهاد في سبيله ليؤمن الناس ويهتدوا؛ لأنه ما دام أنه قد فتحت الدنيا أبوابها فلا جهاد باق الآن أبداً، وإنما بقيت الدعوة والجهاد باللسان والمال في هذه الظروف الجميلة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تدع مع الله إلهاً آخر لا إله إلا هو...)

    نهي الله لرسوله بأن يدعو معه إلهاً آخر

    قال تعالى: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص:88]، يا محمد! وهل كان الرسول يدعو مع الله أحداً؟ حاشا وكلا، لكن نحن المعنيون بهذا، وبالتالي فإياكم أن تدعوا مع الله عبد القادر ولا البدوي ولا سيدي فلان أو فلان، لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [القصص:88]، أي: الله، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26]، فلا يبقى إلا وجه ربنا ذي الجلال والإكرام.

    معنى قوله تعالى: (له الحكم وإليه ترجعون)

    لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88]، فنرجع إليه سبحانه وتعالى، إذ كنا عنده فنفختنا الملائكة في أرحام أمهاتنا وعشنا في هذا الدار ذكرناه وشكرناه، ونعود إليه ليجزينا إما بالنعيم المقيم في الجنة، وإما بالعذاب الأليم في النار والعياذ بالله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: حرمة التكبر والاستطالة على الناس، والعمل بالمعاصي وأنه الفساد في الأرض ]، حرمة الاستكبار والظلم والطغيان وأذية المؤمنين والمؤمنات، وصاحبها من الهالكين.

    قال: [ ثانياً: بيان فضل الله ورحمته وعدله بين عباده بمضاعفة الحسنات وعدم مضاعفة السيئات ]، إي نعم، ففضل الله على البشرية ورحمته بهم أن الحسنات يزيد فيها ويضاعفها إلى الآلاف، والسيئات ما يزيد فيها سيئة، وإنما يجزي صاحبها بها، وهذا من فضل الله ورحمته وعدله.

    قال: [ ثالثاً: العاقبة الحسنى وهي الجنة لأهل الإيمان والتقوى ]، العاقبة الحسنى هي الجنة، أي: الجنة التي هي فوق السماء السابعة، وقد رآها محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفها خالقها في كتابه الذي أنزله.

    قال: [ رابعاً: معجزة القرآن في وقوع الغيب بعد الإخبار به، وذلك حيث عاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة بعد الخروج منها ]، القرآن معجزة بدليل أنه وعده بأن يرده إلى مكة وهو محاصر ومقاتَل وفي ضيق، ومكة قوية بسلطانها ورجالها، فوالله ما هي إلا ثمان سنوات حتى دخلها منتصراً فاتحاً، وصدق وعد الله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85].