إسلام ويب

تفسير سورة القصص (15)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في يوم القيامة يعاين الظالمون العذاب، فيتبرأ التابع من المتبوع، وينادي المشركون شركاءهم فلا يستجيبون لهم ولا نداءهم يسمعون، فهؤلاء وهؤلاء مستحقون للعذاب المهين، جزاء ما كانوا يكذبون، ولأنبياء الله ورسله يعصون، أما الذين تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات في الحياة الدنيا فعسى أن يكونوا من المفلحين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة القصص المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ * فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ [القصص:62-67].

    التنديد بالشرك والمشركين

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هيا بنا نقضي هذه الساعة أو هذه الدقائق في الملكوت الأعلى، نقضي هذه الساعة مع الله عز وجل في ساحة فصل القضاء يوم القيامة، ونسمع من يسأل؟ ومن يجيب؟ إنه لولا فضل الله علينا بهذا الكتاب وهذا الرسول فكيف يتم لنا أن نقضي هذه الساعة في يوم القيامة فنشاهد ما يجري فيها ويتم لأهلها؟ ولذا فاسمع إلى الله تعالى وهو يقول: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ [القصص:62]، أي: ينادي العباد، والذي يناديهم هو الله خالقهم وخالق كل شيء، وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ [القصص:62]، ربهم خالقنا ورازقنا وموجدنا ومحيينا ومميتنا وباعثنا، فيقول لهم: أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:62] أنهم يستحقون العبادة دوني؟ إنه تقريع وتوبيخ وتأنيب.

    أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:62]، أنهم يُعبدون معي فعبدتموهم وتقربتم إليهم؟ فكيف يجيبون في تلك العرصات؟ ثم من يقوى على أن يجيب؟ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:62]، أنهم شركاء فعبدتموهم معي؟ فهذا ذبحتم له الذبائح، وهذا حلفتم به، وهذا قربتم إليه القرابين، وهذا استغثتم به، وهذا دعوتموه، وهذا وضعتم له صورة في صنم أو في غيره وعبدتموهم، أين هم؟ دلونا عليهم؟ وهذا الاستفهام من أجل التقريع والتوبيخ والتأنيب، وهو تعذيب روحي أشد من تعذيب البدن، وهذا كله في عرصات القيامة قبل الدخول إلى النار والعياذ بالله.

    وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ [القصص:62]، فيقول جل جلاله: أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:62]، أنهم شركاء معي فعبدتموهم؟ مع أنهم لا يخلقون ولا يرزقون ولا يميتون ولا يحيون، لا عيسى ولا أمه ولا عزيراً ولا كائناً من كان إلا الله عز وجل، إذ هو الذي يجب أن يُعبد، وذلك لأنه خالق ورازق العباد، فويل للمشركين! ويا له من موقف! ويا له من تقريع وتعريض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم ...)

    براءة الرؤساء في الضلالة من المرءوسين

    فما هو الجواب؟ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ [القصص:63]، أي: بدخول جهنم والخلود فيها، إذ إنهم استوجبوا العذاب لأنهم كانوا في الدنيا مشركين وفاسقين وفاجرين، وما آمنوا ولا عملوا الصالحات، وحينئذ نطق الذين حق عليهم بالخلود في جهنم والبقاء فيها فقالوا: رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا [القصص:63]، فهل هذا عذر ينجون به ويسعدون؟ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا [القصص:63]، أي: فسدنا نحن فأفسدناهم، هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا [القصص:63]، أي: نحن الذين فسدنا وظلمنا وفجرنا، وبالتالي فنحن الذين حملناهم على الفجور والفساد والشر، وهذا يتناول الشياطين من الإنس والجن الذين أفسدوا قلوب المؤمنين وصرفوهم عن الله وذكره وعبادته، وحولوهم إلى المجون والسخرية والباطل والشر والفساد، وهم الآن يعتذرون هذا الاعتذار: رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [القصص:63]، فهل ينفعهم هذا؟ لو قالوا هذا في الدنيا فنعم، أي: تبرءوا في الدنيا من عبادة غير الله فنعم، لكن في ساحة الفصل والقضاء والحكم الإلهي يقولون: تبرأنا إليك! لا ينفع أبداً.

    معنى قوله تعالى: (ما كانوا إيانا يعبدون)

    وقولهم: مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [القصص:63]، وهذه حقيقة، فعيسى ما أمر الناس أن يعبدوه، ومريم البتول ما أمرت النصارى أن يعبدوها، وعبد القادر الجيلاني قد عُبد في ديارنا بالذبح والنذر له، ومع ذلك ما أمر أحداً أن يذبح أو أن ينذر له، وفاطمة والحسين عبدوهما، ومع ذلك لم يأمرا الناس أن يعبدوهما، ولذلك هم في الحقيقة عبدوا الشياطين التي زينت لهم تلك العبادة، وهو الواقع، وهكذا يتمثلون ويخرجون من الموقف، ولكن أنى لهم الخروج؟

    مرة ثانية: قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ [القصص:63]، أي: بخلودهم في النار، رَبَّنَا [القصص:63]، أي: يا ربنا! هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [القصص:63]، فالذين يعبدون الأولياء بالذبح والنذر لهم والحلف بهم والعكوف على قبورهم، هل الأولياء أمروهم بهذا؟ وهل هؤلاء في الحقيقة يعبدون الأولياء؟ إنهم في الحقيقة يعبدون الشيطان الذي زين وحسن لهم هذا، إذ الله تعالى لا يعبد إلا بما شرع من أنواع العبادات من صيام وصلاة ودعاء واستغاثة وذكر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم...)

    قال تعالى: وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ [القصص:64].

    خذلان المعبودين عابديهم يوم القيامة وتبرؤهم منهم

    وَقِيلَ [القصص:64]، لهم، ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ [القصص:64]، أي: ادعوهم ونادوهم: أنقذونا! اشفعوا لنا! أنتم الذين ورطتمونا هذه الورطة! تعالوا فمدوا أيديكم لنا، فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا [القصص:64]، فمن يستطيع أن يقول: يا رب! هذا الذي عبدني فشفعني فيه؟! لن يستطيع أن يقولها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي صالح، إذ لا يقوى أحد على أن يقول هذا، فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [القصص:64]، أي: نادوهم: من كان يعبد شيئاً ناداه، لكن هل يستجيب له فيسجل على نفسه أنه كان معبوداً مع الله فيهلك ويدخل النار؟ الجواب: لا، بل يسكتون ولا يتكلمون أبداً.

    معنى قوله تعالى: (ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون)

    وَرَأَوُا الْعَذَابَ [القصص:64]، إذ جهنم أمامهم، لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ [القصص:64]، آه لو كان هذا في الدنيا فنعم، إذ قد يتوبون وتقبل توبتهم، ويرجعون إلى الله ويقبل رجوعهم، لكن في هذا الوقت ليس هناك توبة ولا هداية أبداً، وبالتالي تزداد حسرتهم وألمهم النفسي وكربهم، ويعظم ذلك في نفوسهم؛ لأنهم وجدوا أنفسهم أمام الواقع، وَرَأَوُا الْعَذَابَ [القصص:64]، أي: شاهدوه، ولو كانوا في الدنيا فلربما كانوا يتوبون ويرجعون إلى الله، لكن لا تنفعهم ولا تقبل منهم الآن توبة، إذ تلك الدار دار جزاء لا دار عمل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين)

    قال تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65].

    وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ [القصص:65]، أي: ويوم يناديهم الرب تبارك وتعالى في عرصات القيامة، فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65]؟ أي: بينوا لنا؟ دلونا؟ قولوا لنا: كيف أجبتم رسلنا؟ هل آمنتم بهم؟ هل اتبعتموهم؟ هل مشيتم وراءهم؟ هل قلدتموهم أم حاربتموهم وكذبتم برسالتهم؟ يناديهم الرب تبارك وتعالى وهم في ساحة فصل القضاء يوم القيامة والنار أمامهم، فيناديهم فيقول: عبادي! فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65]؟ بينوا لنا؟ فالذين كفروا بعيسى وموسى ومحمد ونوح وصالح والأنبياء ماذا يقولون؟! والذين آمنوا ولم يستجيبوا ولم يعملوا الواجبات ولم يتخلوا عن المحرمات والمنهيات ماذا يجيبون؟

    فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65]؟ أي: ماذا أجبتم المرسلين إليكم؟ وهم رسلٌ أرسلهم الله وأمرهم أن يأمروا الناس بأن يؤمنوا بالله فيعبدوه ويوحدوه ولا يشركوا به شيئاً، والآن العالم بأسره قد أرسل الله إليهم محمداً صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:28]، لكن الآن كيف العالم من اليابان إلى الأمريكان مع محمد صلى الله عليه وسلم؟ هل استجابوا؟ هل آمنوا به؟ هل مشوا وراءه؟ هل سألوا عنه؟ الجواب: لا، إذاً فهذا هو موقفهم يوم القيامة!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين)

    قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ [القصص:67].

    باب التوبة مفتوح لكل عبد مهما كانت ذنوبه

    وهنا يقول تعالى: فَأَمَّا مَنْ تَابَ [القصص:67]، أي: من الكفر والظلم والفسق والفجور، وتخلى عنه وابتعد، وَآمَنَ [القصص:67]، بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وَعَمِلَ صَالِحًا [القصص:67]، فهؤلاء، فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ [القصص:67]، و(عسى) تفيد من الله الوجوب قطعاً لا الرجاء كعسى التي بين الناس، فيا بشراكم! اسمعوا: فَأَمَّا مَنْ تَابَ [القصص:67]، من الليلة، فيا من كان يذبح لـعبد القادر من الليلة اترك، ويا من كان يحلف بالصالحين من الليلة اترك، ويا من كان يتعامل بالربا من الليلة اعزم على ألا تعود إليه، ويا من كان يتعاطى الزنا والقمار من الآن تب، ويا من كان عاقاً لوالديه متمرداً عليهما ولم يعترف بحقهما من الليلة تب، وَآمَنَ [القصص:67]، أي: حق الإيمان، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، آمنت بالله وبما جاء عن الله وعن رسول الله، ثم وَعَمِلَ صَالِحًا [القصص:67]، فأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج بيت الله الحرام وبر والديه وأحسن إلى عباد الله ولم يسئ إليهم؛ فهؤلاء بشرهم بـ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ [القصص:67]، أي: الفائزين بالنجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار.

    حكم الله على الخلائق أن الفلاح لمن زكى نفسه والخيبة لمن دساها

    وأذكركم بحكم قد صدر علينا يا بني الناس! أبيضنا وأسودنا، ذكرنا وأنثانا، وهذا الحكم الإلهي لا أحد يعقب عليه أبداً، ولا يجرؤ أحد أن يراجعه، إذ يقول تعالى: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]، فهيا بنا نستمع إلى هذا الحكم الإلهي: يقول تعالى بعد أن أقسم بأيمان ما أقسم مثلها في القرآن: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [ الشمس:9-10]، فهل أسمعكم الأيمان التي حلفها الله قبل هذا الحكم؟ بسم الله الرحمن الرحيم، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس:1-7]، فهذه سبعة أيمان، والذي حلف من أجله هو: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، ومعنى أفلح، أي: فاز، قال تعالى: مِنَ الْمُفْلِحِينَ [القصص:67]، أي: من الفائزين، وقد فسر لنا تعالى الفوز في كتابه بقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185]، فمن يقول منا: لا! إلا أنا؟! كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185]، وهذا الحكم صارم وقاطع وينفذ بالحرف الواحد، وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ [آل عمران:185]، أيتها العملة! فيا عملاء! ويا عاملين! وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ [آل عمران:185]، متى؟ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]، وذلك كاملة على أعمالكم يوم القيامة، إذاً فما هذه الأجور؟ كم ملياراً؟ كم ديناراً؟ وهل هي من الإبل أم من البقر أم من الغنم أم من الذهب أم من الفضة؟ اسمعوا إلى هذه البيان: قال تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، والفوز هو الذي يعنيه تعالى بقوله: من الْمُفْلِحِينَ [القصص:67]، أي: الذين يبعدون عن عالم الشقاء ويدخلون الجنة دار النعيم المقيم.

    إذاً: هذا حكم الله تعالى في الخلائق جميعاً، فلمَ لا تبلغوه؟ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، أي: نفسه، وَقَدْ خَابَ [ الشمس:10]، أي: خسر، مَنْ دَسَّاهَا [ الشمس:10]، أي: دسا نفسه والله العظيم.

    بيان كيفية تزكية النفس

    والسؤال الآن: لمَ نزكي أنفسنا؟ وكيف نزكيها؟ دلونا على عالم من العلماء سواء في الصين أو في اليابان أو في الأمريكان يدلنا على كيفية تزكية أنفسنا؟ وبم نزكيها حتى نكمل ونسعد؟ الجواب: معشر المستمعين! إن تزكية النفس بمعنى: تطهيرها وتطييبها وتعطيرها، وذلك حتى يرضاها الله في جواره، وهذه التزكية تكون بالإيمان وصالح الأعمال لا بالماء ولا بالصابون ولا بالعطورات، إذ يقول تعالى: مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ [القصص:67]، أي: من الفائزين.

    وبالتالي فلو سئلت يا عبد الله! في أمريكا أو في فرنسا: بم تزكو النفس البشرية؟ فالجواب: بالإيمان والعمل الصالح، وهذه الثياب تزكو وتطيب وتطهر بالماء والصابون، بينما النفس التي هي في جسدي تزكو بالإيمان والعمل الصالح، وبالتالي فمن أراد أن يزكي نفسه فليقل: آمنت بالله وبما جاءني عن الله، ثم يغتسل ويصوم ويصلي ويعبد الله تعالى، ويتجنب ما حرم الله تعالى، وبذلك يكون قد زكى نفسه وطهرها.

    إذاً: قَدْ أَفْلَحَ [الشمس:9]، من زكى نفسه بالإيمان وصالح الأعمال، وَقَدْ خَابَ [ الشمس:10]، أي: خسر، يقال: خاب في تجارته وفي صناعته، بمعنى: خسر، وَقَدْ خَابَ [ الشمس:10]، من دسى نفسه، وليس معنى دساها: خبأها، وإنما دساها بمعنى: لوثها وخبثها وأنتنها وعفنها، فلا يقبلها الله في جواره ولن تفتح لها أبواب الجنة، وبالتالي ما الذي تتدسى به النفس حتى نتجنبه ونبتعد عنه؟ هل هو الخرء والبول والدم والقاذورات؟ الجواب: لا، وإنما فقط بالشرك والمعاصي، إذ النفس البشرية تزكو وتطيب على الإيمان والعمل الصالح، وتخبث وتنتن على الشرك بالله ومعصيته، وذلك بترك الواجبات وفعل المنهيات.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ أولاً: التنديد بالشرك والمشركين ]، فالآيات التي تدارسناها أول ما فيها من هداية: أنها تندد بالشرك والمشركين، والتنديد هو عيبهم وسبهم وشتمهم وتقبيحهم، أي: تندد بالشرك والمشركين حتى نبتعد عن الشرك وعن المشركين.

    قال: [ ثانياً: براءة الرؤساء في الضلالة من المرءوسين ]، أي: براءة الرؤساء الذين فتحوا الحانات للخمر، وبيوت الدعارة للزنا، والبنوك للربا، إذ يحاول المرتابون أن يعتذروا بهؤلاء الرؤساء فيتبرءون منهم ويقولون: ما أغويناكم، إذ ما أمرناكم ولا أجبرناكم ولا اضطررناكم إلى هذا، بل أنتم اتبعتمونا.

    قال: [ ثالثاً: التحذير من الغواية وهي الضلال والانغماس في الذنوب والآثام ]، أي: التحذير من الغواية التي هي الظلم والخبث والشر والفساد والكفر والشرك، إذ الآيات قد حذرت من هذا.

    قال: [ رابعاً: خذلان المعبودين عابديهم يوم القيامة وتبرؤهم منهم ]، وذلك كعيسى عليه السلام وأمه عليها السلام وأوليائنا الذين عبدناهم في كل بلد، وذبحنا لهم وحلفنا بهم، وعكفنا عليهم، فهؤلاء والله ليتبرءون منا يوم القيامة، ولن يعترفوا أننا عبدناهم، بل وما يستطيعون، إذ يتبرءون منهم.

    قال: [ خامساً: باب التوبة مفتوح لكل عبد مهما كانت ذنوبه، ولا يهلك على الله إلا هالك ]، من هداية هذه الآيات التي تدارسناها: أن باب التوبة مفتوح على مصراعيه ليلاً ونهاراً، للأبيض والأسود، للأصفر والأحمر، للإنس والجن، فأيما كافر أو مشرك أو فاجر أو فاسق أراد أن يتوب إلى الله، وتخلى عن ذلك تاب الله عليه ودخل الجنة، وهذه نعمة عظيمة، إذ لو كان باب التوبة مغلقاً فهل ينفعنا أن نبكي وأن نضرب رءوسنا؟ والله إنه سيأتي يوم لا تنفع فيه التوبة ولا تقبل! واقرءوا: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [الأنعام:158]، فبمجرد ما تطلع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة نهائياً، الفلك يدور، أي: لما يقرب الوقت عند ذلك لا تواصل الشمس دورتها، بل ترجع إلى الوراء، فإذا ظهرت أو طلعت الشمس من المغرب فهي آية نهاية الدنيا وإيذان بخراب العالم، ومن ثم لا تقبل توبة عبد أبداً، وإنما الكافر كافر، والمؤمن مؤمن، والفاجر فاجر، والبار بار، والصالح صالح.