إسلام ويب

تفسير سورة النمل (18)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خاطب النبي صلى الله عليه وسلم من كذبه من مشركي أهل مكة أن رب البلد الحرام مكة المكرمة أمره أن يفرده بالعبادة، ويبلغ قومه الرسالة ويتلو عليهم آيات الكتاب، فمن قبله وصدق به كان من المهتدين، وانتفع بذلك يوم الدين، وأما من كذب، فإنه يكون من الضالين، الذين يستحقون العذاب الأليم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ * وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [النمل:91-93].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا [النمل:91]، الآية.

    هذه خاتمة سورة النمل، وقد قص تعالى في هذه السورة قصصاً عجيبة، وهي قصص الأنبياء والمرسلين، وذكر الأدلة والبراهين والحجج القاطعة على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن البعث الآخر حق، وأن الجزاء فيه يتم بعدل الله ورحمته.

    وكل قصة من القصص تدل دلالة قطعية على أنه لا إله إلا الله، وعلى أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أن هذه الدار دار عمل، وليست دار جزاء، وأن الدار الآخرة حق، وأنها دار الجزاء على الكسب في هذه الدنيا. وراجعوا السورة وستجدون هذا فيها.

    ثم ختم السورة بقوله عز وجل: إِنَّمَا أُمِرْتُ [النمل:91]، أي: أنا ما علي إلا أنني بلغتكم. وهو هنا يخاطب أهل مكة وغيرهم من البشر. فهو يقول: أنا بلغت، ولكن لست مسئولاً عن هدايتكم، ولا أنا قادر على هدايتكم، بل بينا الطريق، وضحنا السبيل، ضربنا الأمثال، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها، وأما أنا فمسئوليتي هي خاصة بالبيان، وقد بينت، ولذا قال تعالى عنه: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ [النمل:91]. والمراد من البلدة: مكة، والبلد مذكر والبلدة مؤنثة، ورب هذه البلدة هو رب كل شيء، ولكن الإضافة هنا للتشريف، أضافها إليه ليزيد في شرفها ومكانتها ومنزلتها في الدنيا، فمكة بلد الله، وقد أقسم الله تعالى بها في قوله: وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين:3]، أي مكة، وقرأ ابن عباس : (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة التي حرمها)، وقرأ الجمهور: (الذي)، أي: الله عز وجل الذي حرمها.

    معنى تحريم الله لمكة

    معنى حرم مكة: حرم القتال والدماء فيها، فلا تراق أبداً، وحرم الصيد فيها، فلا يصاد في الحرم شيء، وحرم قطع الأشجار ومنعها؛ لأنها بلد الله المقدس. وحرم أيضاً اللقطة إلا لمن أراد أن يعلن عنها ويذكرها للناس، فلا تلتقط لقطتها إلا للمنشد الذي ينشد الناس ويبينها لهم، والذنب فيها ذنب أعظم من غيره. ووا أسفاه على ما حل بنا في مكة الآن البلد الحرام! فالأغاني والمزامير والطبول والعبث والسخرية وسائر الذنوب موجودة فيها، والعياذ بالله.

    وفي الجاهلية كنت إذا مررت برجل قتل أباك أو قتل أخاك أو قريبك ما تنظر إليه، ولا تفتح عينيك فيه؛ حتى لا يسيل دم في ذلك البلد الحرام، فكان القاتل إذا دخل الحرم أمن، وكل من يدخل مكة آمن على نفسه، وإذا أرادوه بسوء يتركوه حتى يخرج من الحرم، هذا والله في الجاهلية قبل الإسلام.

    وسر ذلك: أن الله حرمها؛ ليأمن سكانها، وليطيبوا ويطهروا، وليكملوا ويسعدوا، وحسبهم شرفاً وكمالاً أنهم ساكنوا بلد الله، فالمفروض ألا يذنب عبد الله ولا أمته في مكة ذنباً. وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما تلميذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جاء مكة ينصب خيمتين: خيمة في الحل، وأخرى في الحرم، فإذا أراد أن يأكل ويشرب ويضحك ويتكلم مع إخوانه دخل في خيمة الحل، وإذا أراد أن يعبد ويذكر دخل في خيمة الحرم. وهذا عبد الله بن عباس مات في الطائف، ولم يستطيع أن يعيش في مكة، ولم يقو؛ خشية أن يذنب ذنباً فيها. فهي بلد الله البلد الحرام.

    الأمر بعبادة الله وحده

    اسمعوا قول الله تعالى: فهو يقول: قل يا رسولنا! إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [النمل:91]. وما أمر به رسولنا صلى الله عليه وسلم أمرنا به، فنحن قد أمرنا بأن نعبد الله رب الكعبة الذي حرمها، وأن نؤمن بأن الله رب مكة ورب كل شيء، وله كل شيء، وليس هناك شيء لغير الله في الأرض أو في السماء، بل الشمس والقمر والكواكب والنجوم والبحار والأشجار والجبال والبشر والإنس والجن والحيوانات والطير كلها والله ملك لله.

    فلهذا إذا عرفت هذا فاطلبها منه، واطلب ما تريده من هذه الدنيا من مالكها الذي هو الله، ولا تطلبها من صنم أو حجر أو بشر، ولا تتجاهل مالكها وتفعل فيها ما تريد، وتأخذ ما تريد، وتعطي ما تريد، ووالله ما يجوز ذلك. فلا نأخذ إلا ما أذن لنا مالكها فيه، ولا نعطي إلا ما أذن لنا مالكها فيه، ولا نأكل ولا نشرب ولا نلبس إلا ما أذن لنا فيه الله مالك كل شيء، ولو عرفنا هذا ما ارتكبنا محرماً أبداً. ولكننا ما علمنا ولا عرفنا القرآن، فالقرآن نقرؤه على الموتى فقط، لا على الأحياء!

    وقوله: أُمِرْتُ [النمل:91] أمره ربه تعالى أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ [النمل:91]. فقد أمرنا ألا نعبد صنماً ولا حجراً، ولا موسى ولا عيسى، ولا البتول ولا فلان وفلانة، بل نعبد ربنا الذي حرم هذا البلد، وله كل شيء، ولا يخرج عن ملك الله شيء في الأرض أو في السماء، فإذا عرفنا أن كل شيء لله لم يجز أن نتصرف في شيء بدون إذنه.

    وأنت إذا عرفت أن هذا البستان لفلان أو هذا المتجر لفلان لم يجز لك أن تأخذ وتعطي بدون إذنه، أو تأكل بدون إذنه، فهذا والله ما يجوز. وإذا عرفنا أن كل شيء في الكون ملك لله فحينئذٍ لا نتناول منه إلا ما أذن لنا فيه، ولا نأخذ ولا نعطي ولا نمنع إلا حسب إذنه لنا في ذلك؛ لأنه كله ملكه، وليس لأحدٍ معه شيء، فلهذا لا نطلب ناقة ولا بعيراً ولا شاة ولا زوجة ولا ولداً ولا صحة ولا غير ذلك إلا منه؛ لأنه مالك ذلك، وغيره والله ما يملك ذلك.

    والمشركون معرضون عن الله ويدعون غيره، ويسألون غيره من المخلوقات المربوبة المملوكة لله؛ وذلك لجهلهم وعدم علمهم.

    وقوله: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ [النمل:91]، أي: أمرني ربي أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [النمل:91]. فالله أمر رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يكون من جملة المسلمين من الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين. وأنتم من كان منكم مسلماً حقاً وصدقاً فالرسول معه ومنه، فقد قال له تعالى أن يقول: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [النمل:91]. والمسلمون هم الذين أسلموا، أي: قدموا وأعطوا قلوبهم لله ووجوههم له. وفلان أسلم لفلان كذا أي: أعطاه، فالمسلم اسم فاعل، فهو الذي أسلم لله تعالى، وليس أسلم له ناقة أو بعيراً، وإنما أسلم له كل ما أراد منه وطلبه وبخاصة القلب والوجه، فقلب المسلم لا يتقلب إلا في طلب رضا الله، ووجهه لا يقبل به إلى على الله عز وجل، فلا يدعو غير الله، ولا ينادي غير الله.

    وقوله: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [النمل:91]، أي: الذين سبقوني والذين يأتون بعدي، أي: أن أكون منهم. ووالله إن هذا لشرف لكم عظيم لكم أيها المسلمون! والحمد لله. فهيا نصدق في إسلامنا، ونسلم قلوبنا لله، بحيث لا تتقلب ولا تتفكر إلا فيما يرضي الله عز وجل طول العمر، ونسلم وجوهنا لله، ولا ننظر إلى غير الله ولا نلتفت إليه، ولا نسأله ولا نرهبه ولا نخافه، فليس لنا إلا الله مالك أمرنا، فنحن من المسلمين.

    ومع هذا كما قلت غير ما مرة: إذا غرك العدو وزلت قدمك فعجل بالتوبة، وعد إلى نطاق إيمانك وإسلامك، واعبد الله عز وجل، إذ لا معصوم بيننا إلا من عصمه الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ...)

    قال تعالى: وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ [النمل:92]، أي: وأمرني ربي أن أقرأ القرآن، وكان يقرأه الليل والنهار. والمسلمون اليوم ملايين لا يقرءونه أبداً، ولا همت نفوسهم بذلك، ولا فكروا في أن يقرءوا القرآن، ولا أن يتعلموا السورة والسور، والجزء والأجزاء، والحزب والأحزاب، ويقرءوا القرآن أسوة بنبيهم صلى الله عليه وسلم.

    وتلاوة القرآن لها شأنها العظيم، وكما سمعتم البارحة أن أبا موسى الأشعري قال لـمعاذ بن جبل: كيف تقرأ القرآن؟ قال: فواقاً، أي: ساعة وساعة، وما بين القراءتين كما بين الحلبتين، وأنت؟ قال: أنا أنام لله وأستيقظ لله؛ لأقرأ القرآن في الليل. فمن استطاع أن يقرأ القرآن بالنهار فليقرأ، فإن شغل في النهار فليقرأ بالليل، فيقوم آخر الليل يتهجد ويقرأ القرآن. وأنتم تعرفون الجزاء، فالحرف الواحد بعشر حسنات، ثم إن تالي القرآن مع الله، والذي يقرأ القرآن والله مع الله؛ إذ ليس هناك آية إلا وتذكره بالله، ولا كلمة إلا وهو مع الله عز وجل، وهذا الرسول أمر بهذا، ونحن أتباعه، فيجب أن نعرف أننا مأمورون بقراءة القرآن.

    إخواننا الجهلة يقرؤونه على الموتى، فإذا مات فلان اطلبوا سبعة .. ثمانية .. عشرة قراء للقرآن، فيحضرون في بيته سبع ليالٍ .. ثلاث ليالٍ، وبعضهم أربعين ليلة.

    ونحن نكرر هذا القول؛ حتى يبطل هذا العمل الباطل، فالقرآن لا يقرأ على الموتى يا عباد الله! بل يقرأ على الأحياء؛ ليقوى إيمانهم، وترتفع درجات كمالهم، ويعظم إسلامهم، ويصبحون أولياء الله بحق، يتعظون ويعتذرون، ويعلمون ويفهمون، ويتعلمون من كتاب الله عز وجل.

    وأما الميت فإنك توبخه عندما تقرأ عليه القرآن، فأنت تقول له: قم صل، أو اتق الله يا ميت! ولا تزن ولا تكذب، وهو لا يخاطب بهذا، ولا يؤمر به، بل قد انتهى عمله، وهو الآن مع الجزاء خيراً كان أو شراً.

    وقوله: وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ [النمل:92]، أي: أتلوه على نفسي وعلى من بين يدي من المؤمنين، وأن أتلوا القرآن على الناس بعد ذلك. فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ [النمل:92] فإنما يضل عليها أيضاً. بمعنى: أن الرسول ما هو مكلف بهداية الخلق، ولا يملك أبداً أن يهب هذا إيماناً وهذا هداية، فهو لا يقدر على هذا، بل هذا لا يملكه إلا الله عز وجل، فمن طلب الهداية فليطلبها من الله قائلاً: اللهم اهدنا الصراط المستقيم، اللهم اهدنا ولا تضلنا. فليطلب الهداية من الله، ولا تطلب من غير الله أبداً.

    والرسول ليس مسئولاً عن هداية الخلق، بل مسئول عن إبلاغهم ما جاء عن ربهم، ومسئول عن إنذارهم وتخوفيهم، وبيان عواقب الكفر والشرك، وعواقب الإيمان وصالح الأعمال. هذه هي مهمته، وهي متمثلة في قراءة القرآن، كما في قوله تعالى: وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ [النمل:92].

    ولم يكن الرسول يقرأ كتب السابقين، ولا مؤلفات الآخرين، بل القرآن فقط، فهو وحده كافٍ؛ لأن العرب كانوا يفهمون القرآن؛ لأنه بلغتهم ولسانهم، فإذا قرأ الآيات فهمها البدوي وفهمها الحضري. فمهمته أن يقرأ القرآن، ويعلم الناس معاني هذا القرآن، وما تدعو إليه الآيات في الكتاب الكريم.

    معنى قوله تعالى: (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ...)

    قال تعالى: فَمَنِ اهْتَدَى [النمل:92]، أي: بتلاوتي عليه فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ [النمل:92]. وأما أنا فلا ينالني من ذلك شيء أبداً، بل هدايته تعود على نفسه؛ ليكمل ويسعد في الدنيا، وينجو من عذاب الآخرة، ويدخل الجنة دار الأبرار مع الصالحين. وَمَنْ ضَلَّ [النمل:92] فضلاله لا يعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أبداً، بل يعود على نفسه. فضلال العبد يعود عليه هو، لا على جيرانه ولا إخوانه، ولا آبائه ولا أبنائه، بل من ضل فقد ضل على نفسه. وقل أنت يا رسول الله! فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ [النمل:92]. وإن اهتدى فلنفسه، وإن ضل فقل ما أنا المسئول عن هدايتك، ولا أقوى عليها، ولا أقدر على أن أغرز الإيمان في قلبك، بل أنا مهمتي هي الإنذار، فأنا من المنذرين من الأنبياء والرسل والصالحين الذين ينذرون الأفراد والجماعات والأمم. وينذروهم أي: يخوفونهم عقاب الله وعذابه وسخطه عليهم إن استمروا على الكفر به، والشرك في عبادته، والخروج عن طاعته.

    ونحن المسلمون هكذا، فنحن بمثابة الرسول صلى الله عليه وسلم ننذر ونخوف، ونسلم قلوبنا ووجوهنا لله، ونحن إن شاء الله من المسلمين.

    وفي قوله: فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ [النمل:92]، أي: فلا تقل لماذا ما اهتدى فلان وفلان؟ أو لماذا ما اهتدى أبوه أو عمه؟ فهذا ليس عليك، بل الذي عليك هو أن تنذر وتخوف عواقب الكفر والشرك، وعواقب الشر والفساد، والظلم والخبث. فأنت عليك أن تنذر الناس، لا أن نهديهم، فأنت لا تستطيع هذا، بل الهداية بيد الله، كما قال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي [الأعراف:178]. وقال: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ [الأعراف:186]، أي: فلن يهتدي.

    ومعنى هذا يا أبناء الإسلام!: لا تفارقوا باب الله، بل كل يوم اقرعوا الباب بالدعاء والذكر والعبادة، ولا تستغنوا عن الله طرفة عين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها ...)

    قال تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [النمل:93]. والكمال والجمال لله، والحسن الكامل التام لله، فلا يحمد على الحقيقة إلا الله. فقل يا رسولنا!: الْحَمْدُ لِلَّهِ [النمل:93]. وهذه الكلمة هي مفتاح النعمة وإغلاقها، فمن حمد الله أعطاه الله وزاده، ومن لم يحمد الله حرمه ومنعه. والشكر لله والحمد له كما عرفنا مجلبة للخير وقيد للنعمة، فإن كانت موجودة فالشكر يثبتها ويبقيها لك، وإن كانت غير موجودة يجلبها لك. والشكر هو الحمد.

    كيفية شكر الله على نعمه

    قد بينا للسامعين والسامعات غير مرة: أن شكر الله تعالى يكون أولاً: بالاعتراف بالقلب بأن هذه النعمة من الله. فتعرف أن هذا الساعة التي في يدك والنظارة التي على عينيك من الله والله، ولولا الله ما رزقتها، ولا كانت في يدك. هذا الاعتراف بالقلب بالنعمة.

    ثانياً: ثم تترجم ذلك بكلمة: الحمد لله.

    ثالثاً: صرف تلك النعمة التي اعترفت بها لله وحمدت الله عليها فيما يحب الله، لا فيما يغضب الله. ولنبدأ بنعمة البصر، فإذا اعترفتم أن الله هو الذي وهبكم أبصاركم فاصرفوها إذاً فيما يحب، ولا تنظر بها إلى ما لا يحب الله عز وجل، لا المحرمات من النساء، ولا الصحف ولا المجلات، ولا الصور ولا الخلاعة ولا الدعارة، فكل هذا لا تنظر إليها؛ لأن الله لا يرضى بذلك.

    وكذلك الأذن والسمع نعمة، ولم ينعم بها علينا آباؤنا ولا أجدادنا، بل البشرية كلها لا تستطيع أن توجد لك سمعاً، بل الله هو واهب هذا السمع، فهيا نقول: الحمد لله على أن رزقنا هذا السمع، ثم لا نسمع به ما لا يرضاه ربنا ويريده منا. وكذلك لا نسمع الغيبة والنميمة، ولا الكلام الباطل، ولا السب والشتم، ولا والتعيير للمؤمنين، وكذلك دعاء غير الله عبادة. فهذا كله يجب أن ننزه أسماعنا عنه، ولا نرضى بالسماع أبداً.

    وقد ذكرت لكم مرة: أن أحد الصالحين استدعي في المدينة إلى وليمة، فلما دخل وجدها حفلة بدعية، فيها الأغاني وغير ذلك، قال: فأغلقت أذني بأصبعي حتى ما أسمع وخرجت. فهو لما حضر وجلس وأخذوا في الأباطيل والترهات والخرافات أغلق أذنيه بأصبعيه وخرج.

    فنعمة السمع كنعمة البصر، بل أعظم، فإياك إياك أن تصغي وتسمع ما يغضب ربك! بل اسمع ومد سمعك وأصغي لما فيه رضا الله، وأما ما فيه غضب الله وسخطه وهو ما حرمه من الأقوال والأعمال فلا تسمع. وإذا كنت في مجلس غيبة ونميمة فأغلق أذنيك واخرج.

    وكذلك يداك ورجلاك من النعم الإلهية، فلا تمد يدك آخذاً أو معطياً إلا فيما يرضي ربك، فإذا أذن لك أن تعطي فأعط، وإذا أذن لك أن تضرب فاضرب، وإن لم يأذن لك فلا تعط بيدك ولا تضرب ولا تأخذ إلا ما أذن لك فيه، وكذلك رجلاك لا تمش بهما خطوة واحدة في غير مرضاة الله عز وجل، ولا يجوز لك تمشي إلى مخمرة أو إلى مكان زنا، أو إلى دار قمار أو إلى مجلس لهو وباطل، أو إلى خيانة وكذب والله. ولا يجوز أن تنفق هذه النعمة في سخط الله، فلا تمش إلا حيث يرضى الله عز وجل بمشيك؛ لأنه أعطاك هذه الرجل؛ لتمش بها إليه فيما يرضيه: إلى بيوته .. إلى العمل الصالح .. إلى العمل الذي ينفعك في دنياك وأخراك، فتمشي بها في هذا ولو مسافات طويلة.

    وقد عاصرنا ضلالاً كانوا يمشون أربعين ميلاً ليبيتوا ويسمعون الأغاني والمزامير، وهذا بسبب الجهل؛ لأنهم ما عرفوا الطريق والله، ولا جلسوا مجلساً هكذا، ولا حُدِّثُوا عن الله، ولا عُرِّفوا به.

    وكذلك الفرج نعمة، وليس هناك نعمة أكرم من نعمة الفرج، ولولا الذكر لما قدرت أن تفرز هذا الماء، ولمت وهو في بطنك، وكذلك العذرة لولا الدبر لما خرجت، وكذلك الشهوة والغريزة التي بها تنجب البنت والولد لولا الله ما وهبكها، فيجب أن يصرف هذا فيما يحب الله.

    فهذه النعمة يجب صرفها فيما يرضي الله تعالى ويحبه، سواء كانت نعمة السمع أو البصر، أو العقل أو القلب، والعقل أكبر نعمة، فلا تستعمل عقلك إلا بما يرضي ربك.

    وقوله: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [النمل:93]، أمر الله رسوله أن يحمده على ما أعطاه، فقد جعله نبياً خاتم الأنبياء، رسولاً من المرسلين، وهدى الله على يديه ما شاء الله أن يهدي، فقال له: احمد لله على هذا الإنعام، ولا تقول: أنا دعوت أربعين سنة أو عشرين سنه وما استجاب لي أحد.

    وعد الله أن يري المشركين آياته

    قال تعالى: سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ [النمل:93] يا عباد الله! فَتَعْرِفُونَهَا [النمل:93]. وقد أرى آياته أهل مكة في بدر أولاً، حيث سقط رجالهم، وتحطموا وألقوا في حفرة في بئر.

    وثانياً: في فتح مكة، فقد فتحها الله على رسوله، ودخلها مع رجاله الأبطال الصناديد، حتى وقفوا أذلاء بين يديه، ثم قال لهم: ( يا أهل مكة! ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ). وقد شاهدوا هذا.

    وقد أراهم انتشار الإسلام، فقد تجاوز الجزيرة بعدما عمها، وانتقل إلى الشرق والغرب. وقد أدركوا هذا. وهذا تحقيقاً لوعده تعالى في قوله: سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ [النمل:93]. هذا في الدنيا، وفي القبر يشاهدون كل شيء، فما إن تلفظ النفس حتى تشاهد مقامها في دار السلام أو في دار البوار، ويشاهدون عجائب المشاهدات، ويعرفون ذلك.

    الحث على مراقبة الله عز وجل

    قال تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [النمل:93] يا بني آدم! ويا أيها الناس! فإياك أن تفهم أن الله غافل عنك! فالله لا يغفل عن نظرتك، ولا يغفل عن مشيتك، ولا يغفل عن حركتك ولا سكونك وأنت بين يديه، بل وَمَا رَبُّكَ [النمل:93] يا رسولنا! بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [النمل:93] أنتم أيها الناس!

    وهنا تأتي المراقبة. ومعنى فلان من المراقبين لربهم أي: أن حاله أنه لا يأكل حتى يعرف هل مسموح له بهذا الأكل أو لا، ولا يشرب حتى يعرف هل مسموح له بهذا الشرب أو لا، ولا يتطيب بطيب حتى يعرف هل هو مأذون فيه أو لا. ومن فعل هذا فلن يشرب الخمر، ولن يشرب الحشيش، ولن يدخن، ومن عرف هذا فلن يغمز بلسانه ولا بعينه، ولن يطعن في المؤمنين والمؤمنات، وهذا والله ما يكون. من عرف أن الله مطلع عليه استحيا من الله عز وجل من أن يرتكب إثماً من الآثام، وإن زلت القدم كما قدمنا تاب إلى الله على الفور، واستغفره وبكى بين يديه، وأصر على أن لا يعود إلى هذا الإثم، وإن اضطر له في بلد فإنه يرحل من هذا البلد، أو في مدينة من المدن فإنه ينتقل منها، بل لو لم يستطع أن يتقي الله عز وجل في عمارة لم يحل له البقاء فيها، والهجرة فريضة إلى يوم الدين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات، جعلنا الله من المهتدين.

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: بيان وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها عبادة الله والإسلام له، وتلاوة القرآن إنذاراً وإعذاراً، وتعليما وتعبداً به وتقرباً إلى مُنزله عز وجل ] وهذا الذي أمر به رسول الله من تلاوة القرآن من الإسلام .. من الدعوة، نحن والله مأمورون به؛ لأننا أتباعه.

    [ ثانياً: بيان وتقرير حرمة مكة المكرمة والحرم ] حولها، فمكة محرمة، لا يحل فيها صيد ولا لقطة تلتقط إلا لمنشد، ولا يقال فيها منطق سوء، ولا ينظر فيها نظرة حرام، ولا يؤكل فيها حرام، ولا يشرب فيها حرام أبداً؛ لأنها بلد الله، فقد أضافها الله لنفسه، فهي بلده. فلا يحل لعبيده أن يعصوه في بلده. وأنت إذا استدعيت شخصاً إلى بيتك ضيفاً لم يعقل أن يسبك ويشتمك في بيتك ويؤذيك ويضرك. وكذلك إذا دعاك ربك إلى بلده ونزلت بها فيجب أن تعبده وحده، وأن تطيعه فيما يأمر به وينهى عنه، فإن عصيته فقد عظم عصيانك واشتد قبحه؛ لأنك في بلده.

    وقد قلت لكم: ابن عباس سكن في الطائف، وابن عمر كان ينصب خيمتين؛ حتى ما يقول كلمة سوء في مكة، وحسبنا قول ربنا وقوله الحق: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ [الحج:25]، أي: بميل عن الحق بظلم نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25]. فمجرد النية الفاسدة تعذب عليها في مكة، فإذا لم تستطع أن تستقيم فارحل. وبلغوا أهل مكة أن من لم يستطع أن يستقيم في هذا البلد فيخرج منه، وينزل في جدة أو في الطائف، أو في الرياض أو في بلد آخر.

    [ ثالثاً: الندب إلى حمد الله تعالى على نعمة الظاهرة والباطنة ولا سيما عند تجدد النعمة وعند ذكرها ] وقد قال تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [النمل:93]. فكلما تجددت النعمة يجب أن نحمد الله عز وجل، والنعم تتجدد صباح مساء، فلا نفارق كلمة الحمد لله أبداً طول النهار والليل.

    [ رابعاً: بيان أن عوائد الكسب عائدة على الكاسب خيراً كانت أو شراً ] فإذا فلان ظلم أو أساء أو فسق أو فجر فذنوبه عائدة عليه هو، وأما أنا فلا علاقة لي بذلك أبداً إلى يوم القيامة، إلا إذا شاركته أنا في ظلمه فعلي قسط من هذا الفساد، وأما وأنا بريء فظلمه عليه ولو كان أطناناً وقناطير، فأنت لا تسأل عنه، ولا تحاسب عنه أبداً.

    [ خامساً: بيان معجزة القرآن الكريم، إذ ما أعلم به المشركين أنهم سيرونها قد رأوه فعلاً، وهو غيب ] تماماً [ فظهر كما أخبر ] تعالى، فقد انهزموا في بدر، وقد انهزموا في مكة، وانتصر الإسلام، وانتشر دين الله. فهذه غيوب أخبر بها تعالى على لسان رسوله، وقد أراه الله ذلك.