إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء (15)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من أظلم قلبه بظلمة الشرك، وانطمست روحه بسواد الإثم والفسوق، لا يقبل دعوة ولا يؤمن لرسول، وهذا هو حال الكافرين على الدوام، فإذا جاءهم ما كانوا يستعجلون به من العذاب إذا بهم يجأرون، ويطلبون الإمهال والإنظار لعلهم يؤمنون، لكن هيهات أن يقبل منهم ذلك، أو يؤخرون ساعة من نهار، وما ينتظرهم يوم القيامة من العذاب والنكال أعظم وأدوم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن مع سورة الشعراء المكية، فتأملوا الآيات!

    قال تعالى: كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء:200-212].

    معاشر المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الشعراء:202] ما الذي يأتيهم مباغتة وهم لا يشعرون؟ عذاب الله. إذا أراد الله أن يهلك أمة أو قرية من القرى في العالم يأتيهم بغتة.. فجأة وهم لا يشعرون حتى تنزل نقمة الله بهم.

    والآية تخوف الناس من الإصرار على الشرك والكفر والفسق والفجور؛ فإن الله عز وجل على كل شيء قدير فإذا لم يستجيبوا له وأصروا وأرسل إليهم رسله فرفضوا دعوتهم وقاوموها وأصروا على ما هم عليه فقد يأتيهم العذاب بغتة.. فجأة وهم لا يشعرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فيقولوا هل نحن منظرون)

    في تلك الساعة حين يأتيهم العذاب بغتة يندمون، قال تعالى: فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ [الشعراء:203] أي: ممهلون أياماً حتى نعود إلى الدين الحق.. حتى نسلم لله قلوبنا ووجوهنا.. حتى نؤمن برسولنا الذي أرسل إلينا.

    يتمنون هذا، ولكن أنى لهم وقد أمهلهم الله وأنذرهم سنين عديدة فأصروا على عناده وحربه وعلى الشرك والكفر والعياذ بالله حتى دقت الساعة ونزل العذاب؟

    فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ [الشعراء:203] والله ما يمهلون ولا ينذرون.

    وهذا قد نزل بقوم نوح -كما مر بنا- ونزل بقوم هود، ونزل بقوم صالح ونزل بقوم شعيب كما مر بنا أيضاً، فكيف يطمع هؤلاء أن يؤجلوا وأن يؤخروا وأن يسمح لهم مرة ثانية ليسلموا وقد علم تعالى أن هؤلاء المشركين الكافرين لو أن الله رفع عنهم العذاب.. لو أن الله أحياهم بعدما أماتهم لعادوا لما كانوا عليه من الباطل والشر والفساد؟!

    ولكنهم يوم القيامة يسألون الله أن يردهم للحياة الدنيا ليؤمنوا ويسلموا ويعبدوا الله، وقد علم الله أنه لو ردهم لعادوا لما كانوا!

    شخص من هؤلاء الظلمة الفاسدين يمرض ويقول: لا أعود إلى ما كنت أتعاطاه وأعمله من الشر والباطل فما إن يصح جسمه وتعود طاقته حتى يعود لذلك الباطل والشر والفساد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفبعذابنا يستعجلون)

    ثم فقال تعالى: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الشعراء:204] هذا الاستفهام للتقريع.. للتوبيخ لإهانتهم.

    أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الشعراء:204] هل يستطيعون العذاب؟ هل يتحملونه؟

    لو يفقدون الماء فقط لضاعوا في الأرض! لو أصابكم فقط ريح عاصفة كما أصابت قوم شعيب لهلكوا، فكيف يستعجلون بالعذاب ويطالبون به ويقولون هات العذاب؟!

    واستعجالهم العذاب هو أنهم قالوا لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في مكة، قالوا له: تعدنا بالعذاب ولم تأت به؟!

    كبراؤهم رؤساؤهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة: تعدنا بالعذاب فلم لم تأت بهذا العذاب؟ فنزلت هذه الآية أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الشعراء:204]. أيليق بهم أن يستعجلوا عذاب الله وعذاب الله إذا نزل لا يسلم منه أحد؟ كيف يستعجلون بالعذاب؟

    والجواب: لظلمة نفوسهم وفساد قلوبهم؛ لأن ذلك الذنب العظيم وهو الكفر والشرك والاعتداء سلكه الله في قلوبهم فهم كالعميان يهرفون بما لا يعرفون ويطالبون بما لا يستطيعون، ويقولون ما ليسوا له بأهل.

    أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الشعراء:204]؟ أي: كيف يصح أن عذاب الله يستعجل ويطلب وجوده بعجلة؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفرأيت إن متعناهم سنين ...)

    ثم يقول تعالى لرسوله ولمصطفاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ [الشعراء:205]. أي: أخبرني يا رسول الله إن متعنا هؤلاء المشركين سنين يأكلون ويشربون وينكحون ويعبثون ويظلمون ويفسدون ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، كيف تكون حالهم؟

    هذه الآية الكريمة أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ [الشعراء:205] كان عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد يقرأها في كل صباح.

    هذا الخليفة الراشد من أحفاد عمر بن الخطاب كان على عهد الدولة الأموية، ما رأت الدنيا أعدل من عمر بن عبد العزيز إلا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا أصبح في الصباح أمسك بلحيته ثم تلا هذه الآيات الكريمة: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207] ثم يبكي ويبكي.

    عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء المسلمين الراشدين إذا استيقظ في الصباح يمسك بلحيته ويبكي ويقرأ هذه الآيات التي نتدارسها أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207] ثم ينشد الأبيات التالية، يقول:

    نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم

    فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم ولا أنت في النوام ناج وسالم

    تسر بما يفنى وتفرح بالمنى كما اغتر باللذات في النوم حالم

    وتسعى إلى ما سوف تكره غبه كذلك في الدنيا تعيش البهائم

    هذا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه يقرأ هذه الآيات مع كل صباح ويبكي.

    أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ [الشعراء:205] بالطعام والشراب واللباس واللهو والعب كذلك سنين ثم جاءهم وعد الله ما أغنى عنهم شيئاً، وهلكوا.

    أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ [الشعراء:205-206] من يعدهم به؟ الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:207] به. لا يغني عنهم شيئاً.. نحن أفراد نتمتع بالأكل والشرب والطعام فإذا جاء المرض القاتل هل ينفعنا هذا بشيء؟ والله ما يعود علينا بشيء.

    هلكنا ومتنا فهل نعود إلى الحياة الدنيا ويعود لنا شيء؟ الجواب: لا. أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207] لا طعام ولا شراب ولا لباس ولا دولة ولا سلطان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون)

    ثم قال تعالى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ [الشعراء:208] هذه سنة من سنن الله، هذا هو العدل الإلهي، هذه هي الرحمة الربانية، ما أهلك أهل مدينة من المدن -لأن لفظ القرية في الكتاب الكريم بمعنى المدينة- وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ [الشعراء:208] من القرى أي: أهلك أهلها إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ [الشعراء:208].

    حاشا لله تعالى أن تكون الأمة جاهلة غافلة لا تعرف شيئاً ثم يهلكها! فهذا ليس من سنته ولا من عدله وإنما يرسل إليها من يرشدها ومن ينبئها من يعلمها ومن ينذرها عاقبة ما هي عليه من الشر والباطل والفساد فإذا لم تستجب أهلكها.

    وما أهلكنا من قرية من القرى -وما أكثر ما أهلك الله من المدن- إلا لها منذرون ينذرون أصحابها وأقوامها وأهلها.

    والمنذرون هم الرسل الذين ينذرون البشر عواقب الكفر والشرك والشر والفساد وما يترتب عليه من الهلاك والدمار في الدنيا والآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذكرى وما كنا ظالمين)

    وقوله تعالى: ذِكْرَى [الشعراء:209] أي: موعظة.. عظة الرسل يعظونهم يرونهم يبينوا لهم الطريق ويرشدونهم، فإذا لم يستجيبوا وجب العذاب فأهلكهم الله عز وجل.

    وقوله تعالى: وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [الشعراء:209] إي والله حاشا لله أن يظلم عبداً من عباده أو أمة من خلقه أبداً.

    ما أهلك من أهلك ولا عذب من عذب إلا بالعدل والحق -كما قلت لكم- ما كانت أمة غافلة جاهلة تعيش على الباطل والشر والفساد وأهلكها لذلك أبداً حتى يبعث فيها الرسول ويرشدها ويعلمها فإذا أصرت حينئذ على الباطل والشر والفساد فإن ربك لا يظلم أحداً وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [الشعراء:209].

    هم من يعرضون أنفسهم للبلاء للشقاء.. للعذاب والخزي في الدنيا أما الله فحاشاه أن يظلم مخلوقاً من مخلوقاته وهو غني عنهم، وهذا صريح قوله: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [الشعراء:208-209].

    لو يقوم الإنسان الآن ويرمي نفسه من السطح ليموت من الفقر هل ظلمه الله؟ آلله أمره بذلك؟!

    لو يحتسي سماً فيقتل نفسه الله ظلمه بذلك؟! هو الذي ظلم نفسه.

    أمة تترك الشريعة الإسلامية كما هي أمة الإسلام اليوم معرضة عنها لا تطبقها ولا تحكم بالكتاب الكريم إذا جاء عذاب يوم من الأيام يكون الله قد ظلمها، والله ما ظلمها.

    وقد سبق أنه فسدت عقائدها هبطت أخلاقها شاع بينها الظلم والشر والفساد في مدنها يأكل بعضهم بعضاً من إندونيسيا إلى موريتانيا، فلما استوجبوا العذاب سلط عليهم الكفار الصليبيون المشركون الكافرون فسادوهم وحكموهم وأذلوهم وأهانوهم. ما فعل الله هذا؟ ما فعل.

    أيام كانوا مؤمنين موحدين ربانيين صالحين متعاونين كانت خلافتهم واحدة ثلاثمائة سنة، لم تحلم الدنيا بمثلها ولم يعرف العالم أبداً عدلاً ولا حقاً ولا معروفاً ولا كمالاً في أمة من الأمم إلا في أمة الإسلام كالقرون الثلاثة الأولى.

    ولكن خدعهم العدو فاندس بينهم، وأفسد قلوبهم وعقائدهم، وتمزقوا وهبطوا واستعمرهم الكافرون فأذلهم ثم صاح المؤمنون ورفعوا أيديهم إلى ربهم يا ربنا يا ربنا وتحركت العقيدة في الشرق والغرب فأنقذهم الله من الاستعمار وحكموا وسادوا وهم والله تحت النظارة.

    لما حكمتم وسدتم هل طبقتم شرع الله؟ هل ساد فيكم الأمن والإخاء والمودة والمحبة؟ هل عمكم الطهر والصفاء؟ ما الذي حصل؟ الخبث الشر والظلم والفساد، وقل ما شئت، في المائة واحد.. لا ينجو إلا واحد أو اثنان إذاً فتنزل بهم. هذا الذي حلفت بالله إما أن يستدركهم الله بتوبة عاجلة وعودة صادقة إلى ربهم وإما أن يسلط عليهم محناً وآلاماً وأتعاباً أخرى وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].. وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:118].

    وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ [الشعراء:208] من القرى والقرية المدينة في قصد القرآن إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَى [الشعراء:208-209] لهم وموعظة وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [الشعراء:209] ينفي تعالى عن نفسه الظلم وأنه أهلك من أهلك بظلمهم لا بظلمه هو، بل بعدله تعالى أهلكهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما تنزلت به الشياطين ...)

    ثم قال تعالى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ [الشعراء:210]ج أي: بالقرآن؛ لأن المشركين في مكة رؤساء الضلالة قالوا: هذا القرآن ليس بكلام الله، هذا من وحي الشياطين كالذين يأتون للكهان والعرافين ويزورون لهم الكلام، فهكذا محمد ما هو بقرآن ولا بكلام الله، هذا من وحي الشياطين، وأشاعوها في الناس ورددها الكبير والصغير، فأبطلها الله وانتزعها من ألسنتهم وقلوبهم.

    وَمَا تَنَزَّلَتْ [الشعراء:210] أي بالقرآن الشياطين، وأنى لها لذلك؟ كيف يتم لها والشياطين ممنوعون من السماع والشهب تحرقهم وقل من يسترق كلمة ويضيف إليها تسعة وتسعين كلمة؟!

    فهذه الفرية.. هذه الكذبة الباطلة أبطلها الله تعالى بقوله: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ [الشعراء:210] أي: بالقرآن الشَّيَاطِينُ [الشعراء:210] بل نزل به جبريل الملك وسيد الملائكة أجمعين جبريل عليه السلام.

    وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ [الشعراء:211] ما يتأتى لهم والله وما يستطيعون.

    كيف يدخل الشياطين السماء وهم محجوبون عنها؟ قال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك:5] تحاول الشياطين أن تسترق السمع من الملائكة ويرجمون بشهب فنشاهدها بأعيننا، فكيف يكون القرآن من كلام الشياطين؟ هذه فقط فرية ليصرفوا الناس عن القرآن حتى لا يقولوا محمد رسول الله ولا يقولوا القرآن كلام الله.

    وظلوا سنين وهم يقولون هذا، وإلى الآن البشرية كلها -ونستثني المسلمين فقط- كلهم لا يؤمنون بأن القرآن كلام الله ولا وحيه أوحاه إلى رسوله، ولو آمنوا لعملوا بقرآنه وأسلموا ودخلوا في رحمة الله، لكنهم ما آمنوا.

    وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [الشعراء:210-211] لو فعلوا.. لو حاولوا لو أرادوا والله لا يستطيعون أبداً. وفي آخر سورة الجن ماذا قالت الجن؟ قال تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [الجن:9].

    وإذا أراد الله أن يوحي يحمي ذاك الرسول حماية خاصة حتى ما تتصرف الشياطين لتأخذ ما يوحى إليه. كا قال تعالى من آخر سورة الجن : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:26-27].

    حماية خاصة ينزل جبريل بالقرآن والملائكة تحميه ولا تستطيع الشياطين أن تصل إليه حتى لا تسرق كلام الله عز وجل.

    وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [الشعراء:211] لماذا؟ قال: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء:212] عن السماع لكلام الملائكة في الملكوت الأعلى معزولون عزلاً كاملاً، لا يستطيعون.. حتى لما ينزل جبريل لا يستطيعون أن يسترقوا كلمة أيضاً، وهذه حماية الله عز وجل.

    هكذا يقول تعالى في تقرير أن القرآن كلام الله، وأن الشرع شرع الله، وأن النبي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا سعادة ولا كمال ولا نجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة إلا بالإيمان بأن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الدار الآخرة حق، وأن يعبد الله بما شرع تلك العبادة التي تهذب النفوس وتزكي الأرواح وتعد أهلها لدار السلام: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15].

    أكرر هذا القول: يقسم الجبار جل جلاله وعظم سلطانه.. يقسم ربنا تبارك وتعالى فيقول: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8].

    هذه أيمان الله.. هذه أقسام الله أقسم بها وحلف على هذا الحكم الصارم القاطع وهو قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9] أي: النفس وَقَدْ خَابَ [الشمس:10] أي: خسر مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10] أي: دسا نفسه.

    من ينقض هذا الحكم والله يقول: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41] بمجرد أن تؤخذ الروح من بدن الشخص إن كانت زكية طاهرة نقية يعرج بها إلى الملكوت الأعلى وتفتح لها أبواب السماء حتى تصل إلى العرش وتخر ساجدة بين يدي الرب ثم يدون اسمها في كتاب يسمى: عليين، ثم تنزل أيضاً إلى الفتنة في القبر ثم تعود إلى دار السلام، وإن كانت خبيثة عفنة منتنة مظلمة فإنها عندما يعرجون بها إلى السماء يستأذنون فلا يؤذن لهم أبداً، وتعود إلى الجسم وتتم محنة القبر ثم تنزل إلى أسفل سافلين.

    يا معشر المؤمنين! هيا بنا نزكي أنفسنا! بم نزكيها؟ دلونا؟ بالماء والصابون؟ بالعطورات وأنواع الطيب؟ لا لا لا. تزكى بالإيمان الصحيح والعمل الصالح.

    فهيا بنا نصحح إيماننا ليكون كإيمان رسولنا! هيا نعبد الله بما كان رسولنا يعبده فتزكو بذلك نفوسنا!

    هيا نبعد أنفسنا عن أنواع المفاسد والشرور والمظالم وسائر معاصي الله ورسوله؛ وبذلك نتأهل والله لسعادة الدنيا والآخرة.

    أما أن تكون عقائدنا مهلهلة ضعيفة فاسدة وسلوكنا منحرف تغشانا أنواع الآثام والباطل ولم يرحمنا الله بتوبة قبل الموت فإن مصيرنا هو الخسران الأبدي والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    تأملوا الآيات! فَيَأْتِيَهُمْ [الشعراء:202] ما الذي يأتيهم؟ العذاب بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ [الشعراء:202-203] أي: ممهلون. هل يستجيب الله لهم؟ هل استجاب لقوم نوح أو هود أو صالح أو شعيب؟ الجواب: لا.

    أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الشعراء:204] من هم الذين استعجلوا عذاب الله؟ رؤساء الظلم في مكة وقالوا لرسولنا تعدنا بالعذاب ولن تأتينا به؟ إلى متى؟ قالوها استخفافاً والعياذ بالله.

    أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الشعراء:204] لو بعذاب إنسان ضعيف لا بأس لكن عذاب الله يستعجل به؟ من يقوى عليه؟ من يقدر على تحمله؟ من يطيقه؟ عجباً لحالهم.

    أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ [الشعراء:205] متعناهم بالأكل والشرب واللباس والمركوب والنكاح سنين ثم دقت الساعة ونزل العذاب كيف يكونون؟ هل ينفعهم ذلك الذي أكلوا وشربوا ونكحوا؟ ما ينفع انتهى الأمر.

    ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:206-207] لا ننسى أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح في الصباح أمسك بلحيته وقرأ هذه الآيات: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207] ويبكي يبكي ثم ينشد تلك الأبيات التي مرت بنا.

    وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ [الشعراء:208] هذه عدالة الله.. هذه حكمة الله.. هذه رحمة الله، لا يهلك أمة ولا قرية ولا فرد أبداً إلا بعد أن يبلغه دين الله وينذر ويحق ويبين له الطريق الذي ينجو به والذي يهلك به.

    ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [الشعراء:209] نزه ربنا تعالى نفسه عن الظلم وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] وحاشا لله أن يظلم وبيده كل شيء وهو على كل شيء قدير.

    لم يظلم؟ يظلم الإنسان الضعيف فيأخذ مال أخيه للحاجة إليه، أما الله فكيف يظلم تعالى الله عن الظلم، قال تعالى: وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [الشعراء:209].

    وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ [الشعراء:210] أي: بالقرآن كما يدعي الدجالون والمفترون، حاشا لله أن تأخذ الشياطين من كلام الله وتنزل على أوليائها.

    وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ [الشعراء:211] أبداً بحال من الأحوال، وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [الشعراء:211] لو أرادوا ما استطاعوا أن يسترقوا كلمة واحدة من كلام الله الذي ينزل به جبريل على قلب سيد المرسلين.

    إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء:212] من عزلهم عن سماع الملائكة؟ الله جل جلاله وعظم سلطانه، فثبت بذلك أن القرآن كلام الله وليس كلام البشر ولا كلام الجن ولا الشياطين، بل هو وحي الله يوحيه إلى رسوله بواسطة الملك جبريل عليه السلام.

    وقد عرفنا أن الوحي أحياناً يأتي في صورة ملك وأحياناً كصلصلة الجرس ثم ينزع عنه وإذا به قد وعى ما قال له، وأحياناً يأتي في صورة رجل من الناس من أجمل الناس وأحسنهم ويلقي إليه بكلمات فيحفظها صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    يقول المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في تقرير النبوة المحمدية واثبات الوحي الإلهي.

    لقد جاء في السياق أن المجرمين لا يؤمنون بهذا القرآن حتى يروا العذاب الأليم فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً [الشعراء:202] أي: فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الشعراء:202] أي: لا يعلمون به حتى يفاجئهم فيقولون حينئذ: هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ [الشعراء:203] أي: يتمنون أن لو يمهلوا حتى يؤمنوا ويصلحوا ما أفسدوا.

    وقوله تعالى: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الشعراء:204] عندما قالوا للرسول: لن نؤمن لك حتى تسقط السماء علينا كسفاً ] وجاء هذا في سورة الإسراء وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء:90-93].

    إذاً: عرفتم ما عانى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولئك الطغاة الجبابرة المتكبرين من العناد، وسمعتم ماذا قالوا، لن نؤمن لك حتى تفجر لنا الأرض أنهاراً، وحتى يكون لك بيت من زخرف، وحتى تأتينا بالرب والملائكة نشاهدهم وإلا لا نؤمن.

    عشر سنوات وهو كذلك في مكة بل ثلاث عشرة سنة، ولما هدى الله من هدى من المؤمنين ونزل بالمدينة انتصرت دعوة الله، وأسلم المشركون ووحدوا ربهم.

    [ وقوله تعالى: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الشعراء:204] عندما قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: لن نؤمن لك حتى تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً من السماء أي قطعاً] أحمقى هم أم مجانين يستعجلون عذاب الله الذي إن جاءهم كان فيه حتفهم أجمعين؟!

    [ ثم قال لرسوله: أَفَرَأَيْتَ [الشعراء:205] يا رسولنا إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ [الشعراء:205] بأن أطلنا أعمارهم ووسعنا في أرزاقهم فعاشوا سنين عديدة ثم جاءهم عذابنا. أي: أخبرني هل يغني ذلك التمتع عنهم شيئاً؟ والجواب: لا والله. مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:207] أي: لم يغن عنهم شيئاً لا بدفع العذاب ولا بتأخيره ولا بتخفيفه.

    وقوله تعالى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ [الشعراء:208] كتلك القرى التي مر ذكرها في هذه السورة المباركة إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ [الشعراء:208] أي: كان لها رسل ينذرون أهلها عقاب الله إن أصروا على الشرك والكفر والشر والفساد.

    وقوله: ذِكْرَى [الشعراء:209] أي: عظة لعلهم يتعظون. وقوله: وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [الشعراء:209] أي: في إهلاك من أهلكنا بعد أن أنذرنا وبينا.

    ونزل رداً على المشركين المجرمين الذين قالوا: إن الشياطين يلقون القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم كما يأتون للكهان بأخبار السماء.

    وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ [الشعراء:210] كما يزعم المكذبون وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ [الشعراء:211] أي: للشياطين. أي: لا يصلح لهم ولا يتأتى منهم ذلك؛ لأنهم معزولون عن السمع. أي سماع كلام الملائكة إذ أرصد الله تعالى شهباً حالت بينهم وبين السماء من السماع فلذا دعوى المشركين باطلة من أساسها ]. إذاً: القرآن كلام الله وليس كلام الشياطين.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: بيان أن المجرمين إذا شاهدوا العذاب تمنوا التوبة ولا يمكنون منها ].

    بيان أن المجرمين الظالمين إذا شاهدوا العذاب تمنوا أن لو يرفع عنهم العذاب ليستقيموا ويصلحوا، ولكن لا يستجاب لهم.

    [ ثانياً: بيان أن استعجال عذاب الله حمق ونزغ في الرأي وفساد في العقل ].

    بيان أن استعجال العذاب دال على حمق المستعجل وعلى غفلته وغلطه وجهله. كيف يستعجل العذاب؟ نستعجل الرحمة، ندعو الله أن يرحمنا ولا ندعو أن يعذبنا والعياذ بالله، فلا يستعجل العذاب ولا يطالب به إلا هالك والعياذ بالله.

    [ ثالثاً: بيان أن طول العمر وسعة الرزق لا يغنيان عن صاحبهما شيئاً من عذاب الله إذا نزل به ].

    طول العمر وسعة الرزق ووجود القوة والسلطان والدولة لا تغني شيئاً إذا أراد الله أن يعذب تلك الأمة وينزل نقمته بها، والله ما يغني ذلك شيئاً، وما أغنى ذلك عن عاد وثمود.

    قال: [ ذكر القرطبي أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207] ]. هذا عمر بن عبد العزيز السلطان الملك الخليفة الراشد لم تر الدنيا نظيره بعده قط، كان إذا صلى الصبح يمسك بلحيته ويبكي ويذكر هذه الآيات الكريمة، فلا يذكر الطعام والشراب واللباس والزوجة والسلطان [ ثم يبكي ويقول:

    نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم

    فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم ولا أنت في النوم ناج وسالم

    تسر بما يفنى وتفرح بالمنى كما اغتر باللذات في النوم حالم ]

    تسر بما يفنى من أوساخ الدنيا الفانية وتحبها، وتتمنى الباطل.

    [ تسر بما يفنى وتفرح بالمنى كما اغتر باللذات في النوم حالم ]

    كالحالم في المنام يرى الإنسان رؤية جميلة حسنة في النوم يعتز بها ويستيقظ وهو على فراشه جائع وإلا عار. هل نفعته تلك الرؤيا؟ لا

    [ وتسعى إلى ما سوف تكره غبّه كذلك في الدنيا تعيش البهائم ]

    [ رابعاً: بيان سنة الله تعالى في أنه لا يهلك أمة إلا بعد الإنذار والبيان ].

    سنة الله في خلقه أنه لا يهلك أمة ولا شعباً ولا قرية ولا فرداً إلا بعد أن يبين له وينذره ويأتيه البيان، وبعد ذلك إذا أصر يهلكه، فما ظلمه الله وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].

    [ خامساً ] وأخيراً [ إبطال مزاعم المشركين في أن القرآن من جنس ما يقوله الكهان، وأن الشياطين تتنزل به ].

    أبطل الله تلك الدعوة الباطلة التي أشاعها بعض المجرمين في مكة وقالوا: القرآن هذا من كلام الشياطين وما هو من كلام الله، فأبطل هذه الفرية نهائياً وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء:210-212]. فثبت أن القرآن كلام الله نزل به جبريل على رسول الله وهو محمي بالملائكة؛ حتى لا يسترق الشيطان كلمة من الكلمات.