إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء (14)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما استمر مشركو العرب في التكذيب بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، والإنكار لحقيقة أن القرآن كلام الله نزل من عنده، جاءهم الخطاب هنا من الله العلي العظيم بأنه منزل من عند رب العالمين، جاء به الروح الأمين، بلسان عربي مبين، وألقاه على محمد النبي الأمي، منكراً عليهم سبحانه تكذيبهم وقد سبق إلى علمهم ذكر هذا الكتاب وهذا الدين القويم في كتب أهل الكتاب، وعلموا منهم صدق ما جاء به نبي الله، فجعل سبحانه وتعالى جزاءهم على فسقهم وفجورهم أن أمات قلوبهم فما فهموا الحق ولا انتفعوا به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنه لتنزيل رب العالمين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن مع سورة الشعراء المكية، فتأملوا الآيات!

    قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [الشعراء:192-201].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:192]. ما هذا الذي هو تنزيل رب العالمين؟

    إنه القرآن العظيم، كتاب الله، القرآن الكريم الذي حوى هذه القصص السبع التي قصت علينا.

    كيف ينكر هذا المشركون؟ وكيف يكذبون والرسول أمي لا يقرأ ولا يكتب وبلغ الأربعين من السنين، وما جلس بين يدي معلم ثم يقص هذا القصص؟! كيف يكون هذا؟! والله ما هو إلا تنزيل رب العالمين، ما هو بكلام بشر لا محمد ولا غيره من الناس، بل تنزيل رب العالمين.

    من رب العالمين؟ الله موجد الكائنات والمدبر لها، خالق من خلق ورازق من رزق.

    الله هو رب العالمين، إذا لا يوجد للعالمين رب إلا الله. والله ما يوجد رب للعالمين إلا الله، إذ العالمين كلهم مخلوقون مربوبون خالقهم واحد رازقهم وحد، مميتهم.. محييهم واحد، لا إله إلا هو ولا رب سواه، ومن قال: يوجد كذا.. فليشر بيده أو برأسه. مستحيل أن يوجد إله مع الله.

    أما الآلهة المزعومة الباطلة التي صنعوها ووضعوا لها التماثيل والصور وعبدوها فليست إله حق، وإنما هي أباطيل وتراهات وأكاذيب زينها الشيطان للناس، أما الإله الحق فهو الخالق الرازق، الخالق لهذه المخلوقات الرازق لها، ذالكم الله هو رب العالمين.. القرآن الكريم تنزيله، هو الذي نزله على قلب نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (نزل به الروح الأمين ...)

    قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ [الشعراء:192-193].

    (الرُّوحُ): هو جبريل عليه السلام، جبريل يقال له: الروح، والملائكة: أرواح، وهو سيد الملائكة، والأمين على ما يرسله الله به.

    وبالأمس عرفنا أن الرسل يقولون: إنا رسل الله إليكم أمينون. إذاً: فجبريل كذلك رسول من الله إلى نبيه ومصطفاه، أمين على ما يعطيه الله ليبلغه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما ينقص كلمة ولا يزيد أخرى، كما يعطيه الله يبلغه إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم يبلغه فلا يتهم في شيء، وحسبه أن الله قال: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ [الشعراء:193].

    ثم قال تعالى: عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء:194]، الخطاب لمن؟ لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء:194]؛ لأن القلب هو موضع الإدراك والفهم والوعي والحفظ والفهم.. محطة التلقي والإرسال هي القلب.

    عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء:194]، يا رسولنا! لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشعراء:194]، للبشرية، إما أن يستقيموا على عبادة الله وطاعته، وإما أن يخلدوا في العذاب الأليم.

    وصف الرسل بأنهم مرسلون، ووصفه هنا بأنه من المنذرين، ينذرون، أي: يخوفون عواقب الكفر والشرك والخبث والشر والفساد، فإنها عذاب أليم في الدنيا وفي الآخرة معاً.

    نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء:193-194]، لماذا؟ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشعراء:194].

    وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الوحي كيف يأتيه؟ سألوه أصحابه عن الوحي كيف يأتيك يا رسول الله؟ فقال: ( أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس -الصوت- فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ). يأتيني كصلصة الجرس فترة ثم يفصم عني ويبعد وقد وعيت ما قال لي ونزل به علي.

    قال: ( وأحياناً -أوقات أخرى- يتمثل لي الملك رجلاً -وهو جبريل- فيكلمني فأعي ما يقول وأفهم ).

    إذاً: فقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء:193-194]، يا رسولنا لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشعراء:194].

    ما معنى: (الْمُنذِرِينَ)؟ المخوفين عواقب الشر والفساد، والخبث في الدنيا، عواقب جهنم والمصير المظلم يوم القيامة يخوفون العباد الذين ينصرفون عن عبادة الله ويعبدون غيره يخرجون عن طاعته ويطيعون الشياطين، ينذرهم وهو من المنذرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بلسان عربي مبين)

    ثم قال تعالى: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195]، أي: هذا الوحي الذي ينزل على رسولنا وينزل به جبريل ينزل به بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195]، واضح بين. حتى لا يقال: كيف فهم هذا عن جبريل وهو ملك وهو بشر إنسان؟ قال: ينزله به بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195]، ومن ثم والرسول عربي فصيح يتلقاه ويقوله، ويمليه على من يكتبه كما هو بلسان عربي مبين.

    ولو كان القرآن بغير لسان العرب فقد يعذرون إذا قالوا ما فهمناه، ما عرفنا ما تقول فنحن عرب وهذا أعجمي.. قد يعذرون، لكن الله قطع عذرهم فأنزل كلامه بلسانهم.. جبريل ينزل به بلسان العرب حتى لا تبقى حجة لهم في أن يردوا هذا الكلام أو يبطلوه ولا يأخذوا به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنه لفي زبر الأولين)

    ثم قال تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ [الشعراء:196]، أي: هذا القرآن الكريم وهذه النبوة المحمدية ثابتة في الكتب السابقة في التوراة والإنجيل. والزبر: جمع زبور، كالرسل جمع رسول، والزبرة: صفحة، والجمع صحف أيضاً.. في زُبُرِ الأَوَّلِينَ [الشعراء:196].

    [ جاء في التوراة ] والتوراة كتابه أوحاه الله، بل أنزله كاملاً على عبده ورسوله موسى بن عمران عليه السلام، التوراة نزلت مكتوبة صحفاً على موسى عليه السلام. ماذا في التوراة؟ قال: [ جاء في التوراة أن الله تعالى قال لموسى: أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به ]. هذه الكلمات في التوراة، يخاطب الله موسى عليه السلام في كتابه فيقول له: [ أقيم لهم نبياً] أي: أجعل لهم نبياً [ من وسط إخوانهم] العرب [ مثلك] يا موسى [ وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به]. هذه التوراة، إذ قال تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ [الشعراء:196].

    [ وفي الإنجيل يقول: وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزياً آخر؛ ليمكث معكم إلى الأبد وهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم ]. هذه كلمات الله في الإنجيل اسمعوها: [ وأنا أطلب من الأب] يعني: من الرب تعالى [ فيعطيكم معزياً آخر] أي: نبياً آخر غير عيسى [ ليمكث معكم إلى الأبد]. من مكث دينه إلى الأبد؟ محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، وفي المآذن أشهد أن محمداً رسول الله [ وهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم]. هذه كلمات الإنجيل؛ لأن الله قال وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ [الشعراء:196]، أي: في كتب الأولين.

    وهذا عبد الله بن سلام اليهودي الذي أسلم.. أول من أسلم من اليهود في المدينة رأى رؤيا وفسر الرسول أنها الجنة يكون من أهلها، فهو مبشر بالجنة. ماذا يقول؟ يقول عبد الله بن سلام : والله إني لأعلم أن محمداً رسول الله.

    يحلف هكذا لبني إسرائيل.. لليهود وللمسلمين، والله إني لأعلم أن محمداً رسول الله أكثر مما أعلم أن فلاناً ولدي. يقول: والله إني لأعلم أن محمداً رسول الله أكثر مما أعلم أن ولدي فلاناً -ويسمي ولده- لأن ولدي في الإمكان أن تكون أمه خانتني فزنت أو فجرت وليس بولدي، وأما محمد فلا يمكن أن يكون غير رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هذا عبد الله بن سلام قرأ التوراة والإنجيل، يقول: والله يحلف بالله إني لأعلم أن محمداً رسول أكثر مما أعلم أن فلاناً ولدي.

    ويعلل فيقول: لأن ولدي في الإمكان أن تكون أمه قد خانتني، وما هو بولدي، أما محمد فلا يمكن أن يكون غير رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والله لا يمكن أن يكون محمد غير رسول الله وهذا الكتاب الكريم ينزل عليه، ومع هذا أصر كثيرون من العرب على الكفر به، وأصر البلايين من البشر على الكفر به.

    الآن من الصين إلى اليابان إلى الأمريكان لا يؤمنون برسالته. هل آمنوا بأنه رسول الله؟ ما آمنوا، لأن الشياطين استولت على قلوبهم وصرفتهم عن الله، فلا يستطيعون أن يأتوا إلى المسلمين ويسألونهم عن هذا الدين، عن هذا النبي، عن هذا القرآن علنا نكمل ونسعد.. أبداً إلا نادراً، والمفروض أنهم يأتون أفواجاً يسألون عن هذا الدين الذي خلد وبقي هذا الزمن الطويل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل)

    ثم قال تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197]، أولم يكن لهؤلاء العرب المنكرين للبعث المكذبين بالرسالة المحمدية من مشركي مكة وغيرهم أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً [الشعراء:197]، دالة دلالة الشمس على وجود الرب.. آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197]، علماء بني إسرائيل عرفوا أن محمداً رسول الله، وأن الدين الإسلام هو الدين الحق، وأسلم من أسلم منهم.

    أما يكفي هذا دليلاً للعرب؟ وقد آمن العرب كلهم إلا جماعة كتب الله شقاوتها فهي في جهنم، الذين آذوا رسول الله وآلموه.

    أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ [الشعراء:197]، أي: لهؤلاء المكذبين برسالتك المنكرين للبعث والدار الآخرة، المكذبين بتوحيد الله، أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً [الشعراء:197]، علامة قطعية تدل على أنك رسول الله، وأن لا إله إلا الله، وأن الدار الآخرة حق أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197]، وقد مر بنا كلام ابن سلام .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين * فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين)

    ثم قال تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ [الشعراء:198]، لو نزلنا القرآن على بعض الأعاجم من الشام أو من العراق أو من أي جهة، لو نزلنا القرآن على بعض الأعجمين الذين لا ينطقون بالعربية ولا يعرفونها فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ [الشعراء:199]، أي: قرأه على العرب مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:199].

    لو أن الله عز وجل أنزل القرآن على رومي من الروم أو تركي من الأتراك في ذلك الزمان وقرأه على العرب والله ما يؤمنون، بدليل: أنه أنزله بلسانهم وعليهم فما آمنوا، فكيف لو جاء به شخص غريب، وقال: أنا نزل علي قرآن، والله ما يقبلون أبداً ولا يصدقون وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:198-199]، ولا مصدقين أبداً، بل يكذبون ويقولون: باطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ...)

    لماذا يكذبون؟ بين تعالى العلة في ذلك فقال: كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء:200]. هذا التكذيب وهذا العناد وهذا الكفر نحن الذين أدخلناه قلوبهم بسبب ظلمهم وفسقهم وفجورهم، ففسدت قلوبهم وما أصبحت قادرة على الوعي ولا الإدراك ولا البصيرة؛ لأنها كالميتة.

    وهذه التي نكررها معاشر المؤمنين! القلب قلب إذا تواردت عليه الخطايا وتوالت الذنوب لا توبة ولا إنابة ولا رجعة إلى الله.. هذا القلب تمضي عليه فترة فيصبح أصم أبكم لا يعي ولا يفهم ولا يعقل أبداً، ينكر الواقع ويقول هذا غير موجود، واقرءوا قول الله تعال: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]، والحبيب صلى الله عليه وسلم بين هذا بالتفصيل فيقول: ( إذا أذنب العبد ذنباً وقع نكتة سوداء على قلبه، فإن تاب منها صقل ذلك الذنب ومحي) وبقي القلب مستشرقاً مستنيراً ( وإن هو لم يتب وزاد ذنباً آخر) وثالث ورابع ( نكتت نكتة أخرى حتى يعم القلب، وذالكم الران الذي قال الله فيه: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] )، من الظلم والخبث والشر والفساد والشرك والكفر.

    فالله يسلكه حسب سنته في الخلق. أليس كذلك؟ الماء والصابون ينظفان الجسم ويطهرانه، والغائط والبول و.. يعفنان الجسم ويخبثانه.. سنة من سنن الله تعالى، فكذلك الذنوب إذا توالت ولا توبة ولا رجعة إلى الله يتحول القلب إلى أن يصبح لا يسمع صاحبه ولا يعي ولا يفهم أبداً، بل يضحك ويسخر.

    ثم قال تعالى: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [الشعراء:201]، هذه الجماعة التي أصرت على الكفر.. ماتت كافرة وما آمنت لا يُؤْمِنُونَ بِهِ [الشعراء:201]، أي: بالقرآن، بالوحي الإلهي، بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بأنه لا إله إلا الله، بأن البعث الآخر حق.. مع الأدلة والبراهين والحجج آلاف حتى يشاهدوا العذاب، وإذا نزل بهم العذاب لا ينفعهم الإيمان.

    بالأمس قوم شعيب لما اجتمعوا تحت تلك الظلة لم ينفعهم الإيمان، أهلكم الله عن آخرهم.

    هكذا يقول تعالى: كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ [الشعراء:200]، أي: ذلك الكفر والعناد والشرك، فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء:200]، ما قال: في قلوب الناس، أو قلوب المؤمنين، فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء:200]، كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم يا عبد الله! إذا أذنبت ذنباً عجل بمحوه وإزالته، بكلمة: أستغفر الله.. أستغفر الله وأتوب أليه، فإن كان حقاً لإنسان رددته إليه، وإن كان من حق الله فيكفيك البكاء والاستغفار والدعاء، أما أن تتوالى الذنوب ذنباً بعد ذنب فسيأتي يوم تصبح تسخر وتستهزئ بمن يقول لك: اتق الله.

    هذه سنة الله.. كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء:200]، الذين أجرموا على قلوبهم وأنفسهم بارتكاب المناهي وترك الواجبات لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [الشعراء:201]، وإذا شاهدوا العذاب وآمنوا لا ينفعهم إيمانهم وقد بين رسول الله ذلك فقال: ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر )، وقال تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18]، لا تقبل لهم توبة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: لقد أنكر كفار مكة] أنكروا ماذا؟ [ أن يكون القرآن وحياً أوحاه الله تعالى] والله العظيم [ وبذلك أنكروا أن يكون محمداً رسول الله] ما دام كذبوا بالقرآن كذبوا بالرسول [ ومن هنا ردوا عليه كل ما جاءهم به من التوحيد وغيره] لما كذبوا وأنكروا ردوا على الرسول صلى الله عليه وسلم كل ما جاءهم به من التوحيد وغيره [ فإيراد هذا القصص يتلوه محمد صلى الله عليه وسلم وهو لا يقرأ ولا يكتب دال دلالة قطعية على أنه وحي إلهي أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو بذلك رسوله.

    فقوله تعالى: وَإِنَّهُ [الشعراء:192]، أي: القرآن الذي كذب به المشركون، لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ [الشعراء:192-193]، أي: جبريل عليه السلام.

    عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء:194]، أي: الرسول؛ لأن القلب هو الذي يتلقى الوحي إذ هو محط الإدراك والوعي والحفظ.

    وقوله تعالى: لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشعراء:194]، أي: علة نزول القرآن عليك ] هي [ من أجل أن تكون من الرسل المنذرين لعباد الله حتى لا يهلكوا.

    وقوله: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ [الشعراء:196]، أي: القرآن العظيم، مذكور في الكتب الإلهية التي سبقته كالتوراة والإنجيل.

    وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ [الشعراء:197]، أي: لكفار قريش، أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً [الشعراء:197]، أي: علامة على أن القرآن وحي الله وكتابه وأن محمداً عبد الله ورسوله. أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197]، أي: علم بني إسرائيل به كـعبد الله بن سلام ، فقد قال: والله إني لأعلم أن محمداً رسول أكثر مما أعلم أن فلاناً ولدي] لماذا يا عبد الله ؟ قال [ لأن ولدي في الإمكان أن تكون أمه قد خانتني، أما محمد فلا يمكن أن يكون غير رسول الله، وفيهم قال تعالى: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146]، ومن عرف محمداً رسولاً عرف القرآن وحياً أيضاً إلهياً.

    وقوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ [الشعراء:198]، أي: وبلسان عربي مبين] لكن على أعجمي [ فكان ذلك آية] من آيات الله [ وقرأه عليهم الأعجمي مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:199]، أي: من أجل الأنفة والحمية؛ إذ يقولون أعجمي وعربي؟ ] والعياذ بالله.

    [ وقوله تعالى: كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ [الشعراء:200]، أي: التكذيب وعدم الإيمان فِي قُلُوبِ [الشعراء:200] ] من [ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء:200]، أي: كما سلكنا التكذيب في قلوب المجرمين لو قرأ القرآن عليهم أعجمي، سَلَكْنَاهُ [الشعراء:200]، أي: التكذيب، فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء:200]، إن قرأه عليهم محمد صلى الله عليه وسلم.

    والعلة في ذلك هي: أن الإجرام على النفس بارتكاب عظائم الذنوب من شأنه أن يحول بين النفس وقبول الحق لما ران عليها من الذنوب وأحاط بها من الخطايا.

    وقوله: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ [الشعراء:201]، تأكيد لنفي الإيمان حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [الشعراء:201]، أي: يستمر تكذيبهم بالقرآن والمنزل عليه حتى يروا العذاب الموجع، وحينئذٍ لا ينفعهم إيمانهم ولا هم ينظرون ] أي: ولا يمهلون.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات: من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير معتقد الوحي الإلهي والنبوة المحمدية ]. من هداية هذه الآيات: تقرير التوحيد الإلهي والنبوة المحمدية والبعث الآخر؛ إذ كل السور المكية نزلت لهذا الغرض، لإيجاد عقيدة بقلب العبد بها يحيا ويسمع ويبصر. وهذه العقيدة تقوم على هذه الأسس الثلاثة:

    أولاً: لا إله إلا الله في الكون أبداً. ثانياً: محمد رسول الله قطعاً، وبدون ما شك. ثالثاً: البعث الآخر لابد منه، والأدلة قائمة.

    وجود الله دال على ألوهيته، نزول الوحي على محمد دال على نبوته، إيجاد هذه الحياة يستلزم حياة أخرى؛ لأن هذه دار عمل وليست دار جزاء، والجزاء يكون في الدار الأخرى ولابد منها، حتماً لابد من حياة أخرى ليتم فيها الجزاء.

    [ ثانياً: بيان أن جبريل هو الذي كان ينزل بالوحي القرآني على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ].

    وهذا أمر مقطوع به ولا خلاف فيه بين المسلمين ولا بين غيرهم، القرآن نزل به جبريل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما عملتم- أحياناً يأتيه ويغشاه نور ويلقيه في قلبه ويسمع له صوت كصلصة الجرس، ثم ينفصل عنه ويعرف ما قال له، وأحياناً يأتيه جبريل في صورة رجل ويجلس إليه ويعلمه، وقد علمنا أن جبريل في يوم من الأيام جاء في صورة دحية بن خليفة الكلبي وكان رجلاً جميلاً ذا بصيرة وعلم ومعرفة ودخل من باب المسجد والرسول جالس بين رجاله في الروضة وشق والصفوف ودخل وجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع يديه على فخذيه ثم يأخذ يسأله عن الإسلام والإيمان وعن الإحسان وعن الساعة وانصرف، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أتدرون من هذا؟ قالوا: ما ندري. قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم )، شاهدوه بأعينهم.

    وأيام كان الرسول في مكة في بداية الوحي كان الرسول منعزل في غار حراء فيأتيه جبريل في صورة إنسان ويجلس ويعلمه، ويضمه إلى صدره رحمة به وتجلى له في أجياد فسد الأفق كله بستمائة جناح.

    [ ثالثاً: تقرير أن النبوة المحمدية وأن محمداً من المنذرين ].

    تقرير النبوة المحمدية وإثباتها وأن محمداً صلى الله عليه وسلم من المرسلين إلى البشر.. من النبيين المنذرين، واحد منهم، والله يقول: لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشعراء:194]، أوحينا إليك وأرسلناك لتكون من جملة المنذرين وهم الرسل والأنبياء عليهم السلام.

    [ رابعاً: بيان أن القرآن مذكور في الكتب السابقة بشهادة علماء أهل الكتاب ].

    بيان أن القرآن مذكور في الكتب السابقة في التوراة والإنجيل بشهادة أهل التوراة والإنجيل، كما مر بنا قول عبد الله بن سلام .

    وإلى الآن العلماء من اليهود والنصارى غير المقلدين الجامدين بل الأحرار يعرفون أن القرآن كلام الله، وأن محمداً رسول الله، ويدخلون في الإسلام واحداً واحداً، لكن المسحورون والماديون الذين طغت عليهم المادة يعرفون ولا يبينون ليبقوا على مناصبهم.

    [ خامساً:] وأخيراً [ إذا تراكمت آثار الذنوب والجرائم على النفس حجبتها عن التوبة ومنعتها عن الإيمان ].

    هذه الحقيقة التي يجب أن لا ننساها وأن لا تغيب عن أذهاننا، وهي أن المعصية إذا تكررت يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر بلا توبة والله لتحول القلب إلى ميت، والنفس إلى مظلمة، ويصبح يسخر من الدين ويستهزئ بأهله، فلهذا واجبنا ونحن بشر إذا زلت القدم وسقط سقطة قال: الله أكبر.. أستغفر الله وأتوب إلى الله إن كان حق ردته إلى صاحبه إن كان سباً أو شتماً فقل: سامحني وعافني وهكذا، وإن كان بترك واجب انهض به بفعل محرم واجتنبه وتب إلى الله خشية أن يستمر الذنب فيهلك القلب والعياذ بالله فيموت على سوء الخاتمة.

    هذه سنة الله: كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء:200].