إسلام ويب

تفسير سورة عبس (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن في خلق آدم عليه السلام من طين، ثم خلق نسله من سلالة من ماء مهين، لآية لأهل العقول، فأيما عبد من عباد الله تفكر في ابتداء خلقه من نطفة، ثم تدرجه في بطن أمه حملاً مستقراً في أحشائها، وساكناً بين أضلاعها، ثم يخرج طفلاً، وله في كل فترة من فترات حياته ما يناسبه من الطعام والشراب، ثم يشب ويقوى، ثم يشيخ ويهرم، وأثناء كل ذلك يسخر له ربه الرزق مما تنزل السماء وتنبت الأرض، ثم يموت ويقبر، ثم يوم القيامة يبعث وينشر، ففي هذا كله آية لمن شاء أن يتذكر.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة عبس

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة عبس، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها، والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ * قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [عبس:11-32] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    معاشر المستمعين والمستمعات! أعيد إلى أذهانكم أنكم في أسعد حال، إذ صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ويقول: ( من أتى مسجدي هذا لا يأتيه إلا لخير يعلمه أو يتعلمه، كان كالمجاهد في سبيل الله ). وهذا إنعام الله وإفضاله علينا، فالحمد لله ربنا.

    قول ربنا: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ [عبس:11].

    كَلَّا [عبس:11] لها معان بحسب المواطن والمواقف، لكنها هنا للردع وعدم العود إلى ما صدر منك، فإذا قال لك قائل: كَلَّا [عبس:11] فمعناها: لا تعد لمثل هذا الموقف.

    وقد علمتم بالأمس أن عبد الله بن أم مكتوم الأعمى رضي الله عنه وأرضاه، وقد أسلم في مكة وهو مكي، وهو ابن خال خديجة رضي الله تعالى عنها، وبحكم أنه آمن وأسلم وحيي بإيمانه وإسلامه، سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يتحدث مع بعض أشراف قريش، فجاء ينادي: يا رسول الله! علمني مما علمك الله.. علمني يا رسول الله! والرسول مشغول بهؤلاء العظماء؛ رجاء أن يدخلوا في رحمة الله فتنتصر دعوة الله بدعوتهم، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، فعبس وقطب وظهر عليه الغضب؛ لأن الرجل أعمى وينادي بأعلى صوته: علمني يا رسول الله مما علمك الله، والرسول مشغول، فلما غضب الرسول صلى الله عليه وسلم عاتبه ربه بما تسمعون: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى [عبس:1-4].

    هذا عتاب الحبيب لحبيبه. لم يقل له: عبست وتوليت أن جاءك الأعمى، لو وجه هذا الخطاب إلى الرسول يذوب، من يقوى أن يقول له الرب هذا؟ لكن رحمة به ولطفاً وإحساناً ورفعة لمقامه وعلو مكانته خاطبه خطاب شخص غائب؛ حتى لا يتألم.

    عَبَسَ وَتَوَلَّى [عبس:1] من هذا؟ حبيبنا.. هذا مصطفانا أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ [عبس:2-3] وما يعلمك لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس:3] يريد أن يتعلم علماً تتزكى به نفسه وتطيب وتطهر.

    أَوْ يَذَّكَّرُ [عبس:4] فتذكره بكلمة فيخشى الله، ويزداد إيمانه، وتعظم خشيته من ربه.

    لم تعرض عنه يا رسولنا؟! هذا أولى بأن تلتفت إليه وتقبل عليه وتسمع منه، أما أولئك الطغاة الجبابرة المتكبرون فما عليك هدايتهم.

    أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى [عبس:5] أي: عن الدعوة وأهلها .. عن الله وشرعه فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى [عبس:6] تقبل بوجهك عليه؟!

    وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى [عبس:7] إذا لم يتزك فأنت غير مسئول عنه ولا تعاقب، ولا تسأل عنهم أبداً يوم القيامة، فلا تسأل إلا عن البلاغ، حسبك ذلك، أما أن يقول الله لك: لم ما اهتدى أبو جهل؟ أين كنت أنت؟ لم ما اهتدى عمك؟ لم ما اهتدى فلان؟ فهذا لن يكون أبداً؛ إذ قال تعالى: وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [البقرة:119] وأيما مؤمن يبلغ دعوة الله لا يحزن ولا يكرب لأنهم ما آمنوا أبداً، فالإيمان -كما علمتم- عطية الله.. هبة الله.. رحمة الله يدخل فيها من يشاء، أما أنت فما عليك إلا أن تبلغ دعوة الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فمن أجاب نجا، ومن أعرض هلك وخسر، ولا تسأل عنهم يوم القيامة.

    وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى [عبس:8] وهو عبد الله يسعى يجري يسارع الخطى قائلاً: علمني يا رسول الله مما علمك الله.

    فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس:10] تتشاغل بغيره وتتلهى. أي: لا ينبغي لك هذا.

    هذا العتاب لو وجه إليكم من أمير.. من مسئول.. من شيخك.. من أبيك تتألم، والله يكرب العبد ويحزن، فكيف إذا كان من الله؟

    ما هو موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم مكتوم الأعمى؟

    اسمعوا! كان إذا جاء إلى المجلس يبسط له رداءه، ويقول: ( مرحباً بمن عاتبني ربي فيه). هذا الكمال المحمدي، يوسع له في المجلس ويبسط له بعض ردائه ويقول: ( مرحباً بالذي عاتبني ربي فيه ).

    وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يقوم قال له: ( هل لك حاجة يا عبد الله؟ ).

    ثم ما عزله من الوظيفة والمنصب، ما كان عبد الله موظفاً ولا له منصب، ولكن والله نصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم أميراً على المدينة مرتين. لم؟ لأن الله عاتب من أجله، فنصبه أميراً على هذه المدينة.. العاصمة مرتين، يخرج الرسول في غزو فيولي عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، وكان قد منحه منصباً أعظم من هذا أيضاً أن جعله يؤذن، فكان يؤذن لصلاة الصبح، ولكن بحكم أنه لا يرى الفجر أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت يا ابن أم مكتوم! أيما مؤمن ينظر إلى الفجر، فما كانت المباني عالية وشاهقة وكل مؤمن يشاهد الفجر إذا طلع يقول له: أصبحت أصبحت. فيؤذن.

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن بلالاً يؤذن بليل، فإذا سمعتموه فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ، فإنه لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت).

    وهنا لطيفة من عائشة. من عائشة هذه؟ هذه عائشة لو توزن بنساء العالم والله لوزنتهن عائشة!

    هذه حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم!

    هذه أم المؤمنين!

    هذه بنت أبي بكر الصديق العالمة.. العارفة بفنون العلم والمعرفة!

    عائشة تقول: لو كان بالإمكان أن يكتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن لكتم سورة عبس.

    لو كان في الإمكان -هو غير ممكن ومستحيل- أن يكتم النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن أو آيات لكتم عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:1-2].

    هل هناك من يسمح للناس أن يرددوا عتابه طول الدهر؟!

    طول الحياة إلى يوم القيامة والناس يرددون هذا العتاب الموجه إليه صلى الله عليه وسلم، فلو كان بالإمكان أن يجحد آية يكتمها كما يدعي المبطلون لكان يجحد هذه الآيات ولا يذكرها، ولكن هيهات.. هيهات!

    ثم قال تعالى: كَلَّا [عبس:11] لا تعد لمثل هذا، ونزل من سورة الأنعام: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:52] .

    وقد علمتم بالأمس أن وساطة سياسية تقول للرسول صلى الله عليه وسلم: إذا كنت تريد أن نجلس إليك ونسمع منك ما تدعو إليه وتقول فاطرد من حولك من هؤلاء البؤساء.. الفقراء.. أصحاب الثياب الرثة.. والرائحة الكريهة فرجالات قريش لا تطيب نفوسهم بأن يجالسوا هؤلاء الفقراء والمساكين. وهم يعنون: بلالاً وصهيباً وعماراً ووالده ياسراً .. مجموعة من الفقراء، وكأنه صلى الله عليه وسلم هش للعرض. وقال: ممكن إذا جلسوا وسمعوا يدخلون في رحمة الله؛ لأن هؤلاء الطغاة ما كانوا يجلسون إليه أبداً، ولا يطيقون أن يسمعوا منه، فقط يناله منهم السب والشتم والتعيير والتحرش بالفقراء والنساء والرجال. فهش لما قالوا: لو يفتح لنا المجال نسمع، فأنزل الله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52]. ومن سورة الكهف: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28].

    من هنا أفصح صلى الله عليه وسلم عن الحقيقة، وقال: ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ).

    نعم. الذي لا يؤدبه المؤدبون كيف يتأدب؟

    مستحيل أن يتأدب متأدب بدون معلم ومربي ومؤدب

    فإذا كان المصطفون المختارون يحتاجون إلى تربية.. إلى تهذيب.. إلى تأديب بالعتاب وغيره حتى يكمل في آدابهم البشرية فما بالنا نحن الذين نعيش كالأبقار السائمة في كل مكان؟!

    أين الآداب؟ قل لي يا شيخ! أين مظاهرها في أمتنا؟ ولا تعجب من أدبنا، من يقول: أنا عشت وتربيت في حجر الصالحين؟! لا يوجد.

    ثم قال تعالى: إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ [عبس:11] أي: هذه السورة .. هذه الآيات .. هذه القصة تذكرة، من قرأها أو سمعها ذكر.

    ماذا يذكر؟ تأديب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.. تربية الله لنبيه.. ما يجب أن يكون عليه المؤمن، وهو أن يقبل على الفقراء والمساكين المؤمنين، وأن يتنزه عن الطغاة المتكبرين المتجبرين.

    الفقراء الصالحون المؤمنون هم الذين يجالسهم، ويقبل عليهم، ويسمع منهم، ويأتيهم، أما الآخرون إذا رفعوا رءوسهم لا يلتفت إليهم، وما هو بمسئول عن هدايتهم بل يبلغهم دعوة الله فقط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فمن شاء ذكره ...)

    ثم قال تعالى: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس:12-16] هذا اللفظ يتناول الملائكة، ويتناول أهل القرآن، اللهم اجعلنا منهم!

    كيف؟ اسمع! فِي صُحُفٍ [عبس:13] إنها أي: هذه الحادثة .. هذه القصة .. هذه الآيات موجودة في صحف فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ [عبس:13] لو يدوسه أحد برجله أقطع رأسه.

    هل هناك من يدوس؟ نعم يا شيخ، جهال العرب وضلال المسلمين فعلوا العجب، يدوسون المصاحف بأرجلهم، ويرمونها في المزابل؟

    ستقولون: يا شيخ! ما هم بالمسلمين.. ما هم بالعارفين.. ما هم بالمؤمنين.. أحلاس صعاليك المقاهي، لو آمنوا لا يستطيعون أن يمسوا المصحف، يقولون: حرام علينا أن نمسه على غير طهارة، بل العلماء تحاشوا أن تبل بريقك الصفحة! حقاً والله صحف مكرمة، كرمها الله.

    مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ [عبس:14] فليس فيها دنس ولا كذب ولا نقص ولا غش.

    بِأَيْدِي [عبس:15] من؟ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ [عبس:15]. السفرة: جمع سفير، سفير وسفراء.

    إذاً: فالسفرة جبريل إذ كان يتردد بهذا الكلام من اللوح المحفوظ إلى سيد المرسلين.

    كِرَامٍ [عبس:16] فإذا كان الملائكة ليسوا بكرام فمن يكون كريماً سواهم؟

    بَرَرَةٍ [عبس:16] جمع بارٍ صادق في طاعته لله عز وجل.

    إذاً: يا من يريد هذه الحادثة أو القصة ليذكر بها فإنها موجودة فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس:13-16].

    وأيما مؤمن صادق الإيمان.. طاهر النفس.. زكي الروح يقرأ كتاب الله ويجلس في بيت الله أو بيت عبد الله مستقبلاً القبلة وهو يتلو هذا الكتاب والله يصدق عليه هذا اللفظ: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس:15-16].

    ويشهد لهذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيح: ( من قرأ القرآن وهو به ماهر فهو مع السفرة الكرام البررة، ومن قرأه وهو عليه شاق فله أجران )..

    ( من قرأ هذا القرآن وهو ماهر به ) أي: حافظ له، لا يحتاج إلى أن ينظر في المصحف ( فهو مع السفرة الكرام البررة، ومن قرأ وهو شاق عليه يتعتع فله أجران: أجر القراءة وأجر التعب الذي يحصل له ).

    إذاً: فويل للمعرضين عن هذا الكتاب فقط! أما الذين يقرءون ويحفظونه أو لم يحفظوه فهم في خير وعافية، ويل لمن أعرضوا عن كتاب الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قتل الإنسان ما أكفره)

    بعد هذه القصة والحادثة وهذه البشرى -اللهم اجعلنا من أهل هذا الكتاب- قال تعالى: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس:17].

    العرب يقولون: قاتل الله فلاناً ما أكرمه! لعن فلان ما أشد شجاعته. جرياً على عادتهم، وقتل هنا بمعنى لعن، والله يتنزه أن يقول: لعنته أو ألعن.

    فيقول: قُتِلَ [عبس:17] لعن الإنسان أي: الكافر، لعن الإنسان الكافر ما أعظم كفره.. ما أقبح كفره.. ما أسوأ كفره.

    لم؟ أي كفر أقبح من أن يجحد خالقه.. واهب حياته كلها، سمعه.. بصره.. عقله.. يده.. رجله، كل الحياة وهبه، ويقول: لا أعرفه.

    هل هناك كفر أعظم من هذا؟

    قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس:17] ما أعظم كفره بربه .. خالقه.. موليه النعم.. معطيه الإفضالات، الذي لولاه ما كان ولا كانت الحياة.

    كيف يكفر الله ويقول: لا إله والحياة مادة؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من أي شيء خلقه ...)

    ثم قال تعالى: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [عبس:18]، هذا الذي يجحد الله كبرياءً وعناداً حتى لا يركع ولا يغتسل من جنابة سلوه من أي شيءٍ خلقه الله؟ من الذهب.. من الحرير.. من ماذا؟ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ [عبس:19]، نطفة تقطر، وأنتم تعرفون قطرة المني تتقززون منها، من تلك القطرة، كونك الإنسان الواعي البصير ثم تتجاهله وتكذب به وتنكره لا لشيء إلا لتواصل الجرائم والموبقات.

    لعن هذا الإنسان الكافر مَا أَكْفَرَهُ [عبس:17]، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ [عبس:18-19] كما عرفتم نطفة ثم علقة ثم مضغة نفخ فيها الروح فتمت له الحياة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم السبيل يسره)

    ثم قال تعالى: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس:20].

    هل تفهمون معنى السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس:20]؟ لو لم يشأ الله أن يخرج الولد من بطن أمه من يخرجه؟

    الآن تقول: عندنا عملية جراحية وكذا.. لو كان كل واحدة لا تلد إلا بعملية جراحية، وقبل اليوم كيف ولدت البشرية؟ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس:20]، تحمله في بطنها في أمنٍ وعافية شهراً.. شهرين.. ثلاثة.. أربعة.. خمسة.. ستة.. وهو موجود، لما يأذن الله في خروجه فتح له الباب، أو المرأة تخرج ولدها بيدها؟ أو تتقيؤه؟

    من يسر له هذا الطريق؟ جده؟ لا يقولون: الله؛ لأنهم لا يريدون أن يصلوا.

    ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس:20]، من فعل به هذا الفعل؟

    هل هناك من يقول: سوى الله؟!

    الله وحده هو الذي من نطفة خلقه وقدره هذا التقدير، وقد عرفتم التقدير مما سبق من ينظر إلي لو كانت عين في هذا المكان والعين في مكان آخر كيف التقدير؟

    أو أذن في مكان والأخرى في مكان آخر؟!

    أصابعي أصبع في مكان وثلاث في مكان آخر. كيف سيكون منظري؟

    فقط هذا النظام في هذه الخلقة وهذا التقدير فقط منة الله على العبد.

    أم هو الإنسان الذي رسم نفسه وصورته؟ تقدير بالمليمتر بالسنتيمتر بالعجب، وحسبنا فقط أن نقول: لو اجتمعت البشرية كلها في ملعب في نيويورك وإلا في القاهرة والله ما تجد اثنين لا يميز بينهما، كلهم سود أو حمر أو صفر أو بيض، ومع هذا لا يوجد اثنان يتعذر التمييز والتفرقة بينهما، مع أن العينين والأذنين هيكل بشري.

    من فعل هذا؟ الطواغيت؟ الأوهام؟ الطبيعة؟ وقع تفاعلات كيمائية تحدث هذا العجب؟

    وَمِنْ آيَاتِهِ [الروم:20] يا بني الناس علامات علمه وقدرته وحكمته، علامات ربوبيته أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ [الروم:20-21] الدالة عليه، أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم:21]. قولوا: الحمد لله.

    خَلَقَ لَكُمْ [الروم:21] الله عز وجل مِنْ أَنفُسِكُمْ [الروم:21] لو شاء أن يخلقنا أزواجاً من البهائم أو من الأخشاب والحيطان والجدران، مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21].

    من ينكر هذا؟ لا أحد.

    وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الروم:22]. أما تبصرون يا بني الناس؟!

    وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [الروم:22] كم واحد أنتم؟ ألف واحد، كل واحد يقول: لا إله إلا الله، والله لتختلف اللهجة بين واحد وآخر، ولا يتفق اثنان أبداً، جربوا!

    من جعلها تختلف حتى تتميز، حتى يعرف إبراهيم من صالح، وعثمان من علي؟

    إنه تدبير العزيز العليم، هذا الخالق.. هذا الرب.

    فكيف يكفره عبد الله الأحمق، ويقول: أين الله؟! إذاً: لله الحق في أن يلعنه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره)

    ثم قال تعالى: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:21].

    ثُمَّ أَمَاتَهُ [عبس:21] من يقول: أنا لا أموت، أو جدي ما مات؟

    ليس هناك شعب ولا قبيلة ولا أمة تتعالى على الله، وتقول: نحن لن نموت، أوقفنا مبدأ الحياة والموت أنهيناه.

    فشل الغرب في الحصول على مادة حياة الروح

    وهنا كذبة حصلت في الاتحاد السوفييتي، وذكرناها مئات المرات للعبرة: لما ترقوا في هذه المخترعات التي لولا الله ما عرفوها، لما أراد الله أن يحدث ما أحدث في هذه المخترعات طمعوا في أنهم بالإمكان أن يعثروا على مادة الحياة .. مادة الروح، وإذا أمكن روسيا أيام خروتشوف أن تعثر على هذه المادة في إمكانها أن تخلق جيشاً من البلاستيك فقط الصورة، هيكل ينفخ فيه هذه الروح وتحمل جيشاً أو تقود جيشاً بالملايين لا عقل له ولا خلق ولا دين ولا بشرية فتسلطه على أي إقليم يجتاحه، عسكر لا يؤمنون بالله ولا يعرفون خلق ولا دين ولا.. ولا. كيف يصنعون بالبشرية؟

    إذاً: فطلبوا من وزارة الصناعة أو التقنية أن توفر لهم طاقات عديدة ليواصلوا البحث حتى يعثروا على مادة الروح وحينئذٍ بالإمكان أن يخلقوا البشر.

    نعوذ بالله، لو وفقوا كيف تكون بشريتهم؟

    إذاً: وعمل ذلك المركز السري ثمانية عشر سنة، وهم يعملون الليل والنهار يحللون ويركبون، وأخيراً أعلنوا عن فشل المركز بعلة تعرفها جدتي وأمي.

    ما هذه العلة؟ قالوا: مادة الحياة.. مادة الروح هذه جاءت من فوق، لا توجد في الكون الأرضي.

    قلنا: هذه عقيدتنا منذ أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا [التحريم:12] فالروح يأتي بها ملك وينفخها في تلك المضغة من اللحم، لا تنبت في الأرض حتى يطلبوها.

    وفشلت المحاولة وضاعت الجهود والأموال كما ضاعت جهودهم في الهيدروجين والذرة.

    والشاهد عندنا ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:21] وهنا ستقول: كيف أقبره؟ أنا الذي أقبرت أبي.

    فنقول لك: وأنت من خلقك؟ من هداك إلى أن تقبره؟ كيف عرفت القبر أنت؟!

    ولنذكر هنا تبياناً لهذه الحقيقة وهو أن الله هو الفاعل، ليس إلا الله، أفعالنا هو الذي أحدثها، واقرءوا: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96].

    فإن قلت: لا أفهم هذا. أنا أفهمك حتى تفهم، صقلبي أبيض جاء من الاتحاد السوفييتي في زمان مضى لا يعرف التمر ولا النخل ولا يسمع به، نزل عندنا في الواحات والصحارى وقدمنا له طبقاً من الرطب العجوة فأكل. من صنع هذا؟ الله سبحانه، قال: الله! قلنا: نعم الله. قال: إن ربكم عظيم هذا، رحيم الذي خلق هذه الثمرة الحلوة. قلنا: نعم، الله الذي خلق هذا، كل واحمد الله، ثم خرجنا معه إلى البستان.. إلى الجنان في تجوال فوجد الفلاح يحفر الأرض ويغرس ويسقي ويؤبر قال: ما هذا؟ قال: هذا الفلاح يأتي بالفسيلة يحفر لها الأرض ويسقيها بالماء فتنمو، بعد عام عامين تطلع فيؤبرها ثم بعد التأبير تصبح تمراً. قال: إذاً خدعتموني.. غششتموني حين قلتم: ربي هو الذي فعل، هذا الفلاح هو الذي فعل، بدل أن تحمدوا الفلاح وتثنوا عليه تتنكرون له، وتقولون: الحمد لله. قلنا له: يا مسيو أو مستر أو هر فيهم الهر والسنور والمستر، قلنا له: يا مستر! هذه التربة هل خلقها الفلاح؟ قال: لا.

    قلنا له: هل خرج من بطن أمه يعلم ذلك؟ قال : لا.

    فقلنا له: هذا الماء الذي يسقي به الفلاح خلقه هو أم أمه؟ فقال: لا.

    فقلنا له: التفاعل الذي يتم بين البذرة والتربة والماء حتى تصبح قصيباً هذه من صنع الفلاح؟ قال: لا.

    وقلنا له: والفلاح لما رفع يده يضرب الأرض يده من خلقها؟ عيناه اللذان يبصر بهما من أعطاهما؟ قدرته .. من أقدره؟ من وهبه؟ الله.. الله.. الله. إذاً: انتهينا إلى أن كل شيء لله، فلم اللف والدوران؟

    قصة هابيل وقابيل

    ونعود إلى عمنا وإلى أخينا! تذكرون أن آدم عليه السلام أبا البشرية نزل من السماء، نزل من الملكوت الأعلى، ونزلت معه الوالدة الرءوم الحنون حواء.

    من ولد حواء.. من ولد آدم؟ آدم ما ولد خلقه الله تعالى بيديه من مجموعة التراب المجموع من هذه الأرض بعد خلقها، وحواء خلقت بكلمة التكوين كوني فخرجت من ضلعه الأعوج الأيسر.

    وعيسى هل لعيسى من أب؟ لا. إنه بكلمة التكوين فكان، أنا ابن أم وأب، فلهذا المخلوقات أنواع:

    من خلق بدون أب وهو عيسى عليه السلام، مخلوق بدون أب.

    ومخلوق من أب بدون أم وهو حواء.

    ومخلوق من أب وأم وهو أنا وأنتم. هذه أنواع الخلق.

    إذاً: هابيل وقابيل ابنا آدم إخوان أو أعمام لنا؟ كله واحد، قابيل وهابيل تقرب كل منهما بقربان لله، صدقة يتملق بها إلى الجبار؛ لأن الله هو الغني ومع هذا تعبدنا بالصدقة، أنت تتصدق بريال أو ألف لله.

    إذاً: فتقبل الله صدقة هابيل ولم يقبل صدقة قابيل . لم؟ لعلة، هذا أخلصها لله وأراد بها وجه الله، وهذا انعكست بصيرته فنظر إلى نفسه، وشح بصدقته وما قدمها مرضية لربه، وكانت آية قبول الصدقة أن تنزل نار من السماء، فالصدقة المقبولة تأتي عليها وتحرقها، والتي لم تقبل تبقى كما هي، وهذا حصل على عهد يوشع بن نون في فلسطين كما تعرفون، قص هذا أبو القاسم، ولم يستطع اليهود أن يردوا كلمة يقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما تقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل حسده وغضب عليه وقال: والله لأقتلنك. واقرءوا الآيات واسمعوها من سورة المائدة: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ [المائدة:27] اقرأ يا رسول الله عليهم وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [المائدة:27-29].

    لما ألح عليه التهديد والوعيد ونفعل قال: افعل أنا أريد أن تقتلني حتى تدخل جهنم، قال تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:30] .

    إذاً: أول ميت هو هذا.

    كيف يصنع؟ ماذا يصنع؟ أخذ يحمله على ظهره ويمشي حيث يمشي، وإذا أراد أن يجلس أو ينام وضعه، ميت يحمله، ما عرف القبر ولا الإقبار أبداً، يومين وثلاثة وأربعة وهو في آلام وكروب وأحزان، فبعث الله تعالى غراباً يبحث في الأرض، غرابان تقاتلا فقتل أحدهما الآخر فسقط ميتاً، فأخذ الغراب أخوه يبحث له الأرض برجليه.. مخالبه ثم دفنه وغطاه، فما إن رأى قابيل الغراب يفعل ذلك حتى قال: يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:31].

    يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ [المائدة:31] أصبح شيخه الغراب.. معلمه الغراب، ما قال: ما نأخذ برأي الغراب الأسود، بل خذ الحكمة.

    إذاً: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي [المائدة:31] يغطي سَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة:31] عورته وقبحه.

    من يقول إذاً: كيف يقول الله: أنا الذي أقبرته؟ الله الذي أقبره هو الذي علمنا، وقبره يقبره إذا دفنه، وأقبره إذا هيأه للإقبار، وفي الآية: أقبره.

    قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس:17-20] أي: الخروج من بطن أمه، ثُمَّ أَمَاتَهُ [عبس:21] بعد عمر طويل وقصير فَأَقْبَرَهُ [عبس:21].

    لولا أن الله أوجد هذه الروح في البشرية.. هذه النزعة وهي الإقبار لا يعرفون، يموت الناس ويتركونه في البيوت والحانات!

    ليس بعجب، وأريك فيبطل عجبك! هذه الكهرباء الحياة الآن دائرة عليها وقد مضى على البشرية عشرات الآلاف من السنين وما عرفتها، ولو شاء الله ما تعرف، لو شاء الله أن الكهرباء ما كتبت ما كانت موجودة .. هي موجودة في عناصرها ولكن ما هدى الله البشرية إلى طلبها والحصول عليها لعشرات الآلاف من السنين، ولما أراد الإذن كانت، فلو لم يرد الله عز وجل إقبار الإنسان لكان الإنسان يموت ويترك كالحيوانات، لا الأم تدفن ابنها، ولا الابن يدفن أباه أبداً، فإذا مات تركه.

    كيف ستصبح الدنيا؟ جيف وعظام. قولوا: الحمد لله!

    ثم قال تعالى: ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ [عبس:22]. أنشره. أي: أحياه بعد موته، نشره فانتشر، كان جامداً لاصقاً فتحرك، وإن كان المراد من إنشاره: الحياة الثانية، وقد شاء أن ينشره ويحيه عندما تنتهي الحياة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلا لما يقض ما أمره)

    ثم قال تعالى: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ [عبس:23].

    كَلَّا [عبس:23] يا أيها الإنسان الكافر! انزجر.. انتبه! إلى أين تسير في العمى والضلال؟

    أما ترتدع؟

    أما تفكر في نفسك وفي حياتك في الكون كله؟

    إلى متى وأنت تائه؟

    ثم قال تعالى: لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ [عبس:23] ما قضى الإنسان.. ما كلف به، أولاً ما نظر في الكون ولا في نفسه حتى يعرف الله!

    أول زلة للآدمي: أنه لا يسأل: من أين خلق؟ ولم خلق؟ ومن خلقه؟ مع أن هذا السؤال يكون ضرورياً.

    أنت الآن تدخل إلى منزلك فتجد سفرة عليها قصعة من الثريد فتسأل: من أين هذا؟

    حتى ولو كنت جائعاً وأكببت تأكل لما تفرغ تقول: من أين؟ وكيف إذاً أنت موجود والكون كله موجود لك ومن أجلك وأنت تشاهد هذا بنفسك ولا تسأل من ربك؟!

    عجب هذا الإنسان، أول تفريط لا ينبغي أن يفرط فيه الآدمي: أنه لا يسأل عن خالقه.

    كيف لا تسأل؟! أنت حيوان أم إنسان؟ كأس مملوء بالشاي أو بالقهوة أو بالحليب، تقول: هذا وجد من نفسه.

    هل هناك من يقول وجد من نفسه؟ يدخل البيت على الطاولة إبريق حليب يقول: هذا وجد من نفسه.

    هل هناك من يقول: هذا وجد من نفسه؟! مستحيل. إذا كان إبريق ما يوجد من نفسه والشمس كلها وجدت من نفسها، وهكذا..

    لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ [عبس:23] ما كلفه الله به.. ما قام به، ولعل هذا هو السر في كفره، ولو كان قضى بعض الذي كلف به، وهو النظر في الكون والكائنات؛ لعرف الله أو سأل عنه حتى عرفه، وإذا عرفه فقال: اطلب ربي ما تريد.. اطلب ما تشاء، عبدك وابن عبدك وابن أمتك، لكن ما فعل.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.