إسلام ويب

تفسير سورة عبس (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن عتاب الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن إنما هو عتاب المحب لحبيبه، ومن ذلك عتابه سبحانه له في حادثة إعراضه عن الأعمى ابن أم مكتوم، وذلك حين كان مشغولاً بدعوة رءوس قريش وصناديدها، مبيناً له أنه مسئول فقط عن الدعوة والتبليغ، وليس عليه هداية المكذبين المستكبرين، فمن شاء منهم أن يقبل الحق ويؤمن به فالمنفعة له، ومن أعرض وكذب بالحق لما جاءه فالويل والسعير ينتظره.

    1.   

    بين يدي سورة عبس

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    عدد آياتها ومكان نزولها

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن سورتنا اليوم لسورة مباركة ميمونة، إنها سورة عبس.

    وآياتها اثنتان وأربعون آية.

    والسورة مكية، ومرحباً بالمكيات والمدنيات. المكيات: يعالجن العقيدة.

    والمدنيات: يعالجن العبادة والآداب والأخلاق والسياسة في الحرب والسلم، يعالجن كل ما من شأنه أن يكمل عليه الإنسان ويسعد، فهي سور تشريع؛ لأنها نزلت بالمدينة بعدما وجدت الدولة الإسلامية، وارتفعت رايتها عالياً.

    أما المكيات وما أكثرهن فمهمتهن العقيدة.

    وأعيد إلى أذهان السامعين والسامعات، أعيد إلى أذهان الجميع أن العقيدة بمنزلة الروح للجسم، أيما جسم دخلته الروح حيي، وأصبح صاحبه يعي ويعقل يفهم.. يتكلف وينهض.. يعطي ويأخذ.. ويقبل ويرفض؛ حي، فإن فقد العقيدة فهو ميت.

    ولهذا لا نكلف ذمياً في بلادنا بأن يغتسل ولو من الجنابة، لا نكلف ذمياً من أهل الكتاب أو المجوس يعيش في دولة الإسلام ولو بقلم أظافره لا يقدر؛ ميت، فكيف نكلفه بالصيام أو بالجهاد أو بالإنفاق؟ لا والله، بل يعتبر من الأموات، فإذا نفخنا فيه الروح، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله عندئذ كلف، أخوك حي.

    إذاً: والسور المكية تعمل على إيجاد العقيدة فيمن انعدمت منه، كما تعمل أيضاً على تصحيح العقيدة فيمن وجدت وفسدت فيه، وتعمل على تقويتها وازدياد طاقتها وقدرتها فيمن كانت عندهم عقيدة ضعيفة. إذاً: فلا يخلو سامع ولا سامعة إلا وينتفع بالسور المكية متى آمن وأقبل.

    إذاً: والآيات المباركات التي ندرسها في هذه الأمسية بإذن الله تعالى تلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس:1-16] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! السورة مكية. أي: نزلت في مكة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيها حامل راية الدعوة إلى الله.

    سبب نزول سورة عبس

    ولاحظوا المنظر التالي! في المسجد الحرام في تلك الديار المقدسة والوادي الأمين كان النبي صلى الله عليه وسلم يتصدى لابني ربيعة: شيبة وعتبة ، والعباس بن عبد المطلب وأبي جهل وغيرهم من رجالات قريش الذين يرجو الرسول صلى الله عليه وسلم بهدايتهم أن يهتدي أهل الوادي؛ لأنهم زعماء ورؤساء متبوعون، فإذا أسلموا دخل أهل مكة في الإسلام، فكان عليه الصلاة والسلام يعنى عناية خاصة بدعوة الرؤساء والزعماء؛ لما يعلموا أنه متى آمن شيخ القبيلة دخلت القبيلة في رحمة الله، هذا الغالب حسب سنة الله عز وجل.

    ها هو ذا يتصدى لهؤلاء ويعظهم ويوجههم ويطلب إليهم أن يسمعوا.. أن يصغوا.. أن يتأملوا؛ ليدخلوا في الإسلام رحمة الله تعالى، وإذا برجل يقال له: عبد الله بن أم مكتوم، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها. ومن هي خديجة ؟ هذه المبشرة بالجنة، هذه أولى أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ماتت بمكة ودفنت بالمعلى، وقبرها إلى الآن موجود، خديجة أم أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبناته باستثناء إبراهيم .

    إذاً: وكان هذا رجل أعمى. باللغة العامية كفيف، وإذا به يسمع كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقدم وهو يقول: علمني مما علمك الله يا رسول الله.. علمني مما علمك الله يا رسول الله! وتعرفون أيضاً الكفيف صوته عالي.

    إذاً: والرسول صلى الله عليه وسلم مشغول بهذه الزمرة؛ رجاء أن يهدي الله منها من يشاء، فما كان من الرسول مع ذلك الإلحاح: علمني مما علمك الله، تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبس.. قطب.. ظهر الغضب على وجهه؛ أزعجه ابن أم مكتوم رضي الله عنه، وتركه وأقبل على رجالات قريش، وانتهى المنظر، وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيته، وإذا بهذه الآيات النورانية ينزل بها الوحي الإلهي: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:1-2].

    معاشر المستمعين والمستمعات! هذه الآداب التي أدب الله بها رسوله هي التي أصبح بها رسول صلى الله عليه وسلم الله مضرب المثل، فوالله ما عرفت الدنيا أكمل من محمد في آدابه وأخلاقه وكمالاته، ومن هنا قال: ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ).

    ولما بلغ كماله قال تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:1-4] الله العظيم يستعظم هذا الخلق، كم تقدرونه؟ تعجز العقول والآلات عن تقويمه، الله العظيم يشهد لرسوله بأنه على خلق عظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (عبس وتولى ...)

    قال تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:1-2] هذا العتاب عتاب الأحبة للمحبين بهذه الكلمات الرقيقة اللطيفة.

    لم ما قال: عبست وتوليت لما جاءك الأعمى؟ لو واجهه بهذا كان يموت من الكرب، يواجهه ربه وسيده بكلمة عبست وتوليت أن جاءك الأعمى وما يدريك! كيف يكون موقفه؟ فرحمة الله بنبيه ولطف الله برسوله، وإكرام الله لمصطفاه خاطبه خطاب الغائب؛ لأن المواجهة من يقوى عليها؟! فكان يخاطب غائباً عَبَسَ وَتَوَلَّى [عبس:1]. من هذا؟ حبيبنا وولينا ورسولنا.

    عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:1-2] أي: لأن جاءه الأعمى عبس ورجع. إذاً: والأعمى هو عبد الله بن أم مكتوم .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما يدريك لعله يزكى ...)

    قال تعالى: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس:3].

    مَا يُدْرِيكَ [عبس:3] ما يعلمك يا رسولنا! أن هذا المؤمن الأعمى الذي جاء يجري وراءك يطلب العلم والمعرفة.

    لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس:3] بما يسمع منك.. لعله يطلب بيان عبادة تزكي نفسه.. يطلب بيان ما من شأنه أن يلوث نفسه ويخبثها من الذنوب والمعاصي؛ حتى يتركها ويتجنبها، فكيف إذاً تعرض عنه، وتغضب لما ألج أو ألح عليك في الطلب.

    قال تعالى: أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى [عبس:4] يتعلم منك علماً يذكر الله به، ويذكر ما عند الله فيذكر، فعلى أي الحالين لا ينبغي أن تعرض عنه يا رسولنا!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أما من استغنى ...)

    ثم قال له الآن لما لطف الجو، وما أصبح الرسول يكرب ولا يخاف ولا يحزن، قال له مواجهة: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى [عبس:1-6] وأصل تصدى تتصدى وأدغمت التاء في الصاد تصدى، والتصدي هو الإقبال للشيء والتوجه إليه.

    أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى [عبس:5-7] أي شيء يضرك أنت؟ ما أنت بمسئول عن هدايته، أنت مسئول عن إبلاغه، فبلغه بلطف ورفق آمن ما آمن لا تكلف الهداية أنت إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48] إلا البيان.

    لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:22].. الآيات كثيرة في هذا الباب.

    قضية القضاء والقدر في الهداية والضلال

    ومعنى هذا: أن على الداعي أن يقول كلمته ولا يكرب ولا يحزن إذا لم تستجب الدعوة ولم يقبل عليها، إذ لسنا مأمورين بأن نهدي الناس، إذ لو كلفنا بهداية واحد فقط ما استطعنا، إذ الهداية يملكها الله، من أراد أن ينزله في جواره في الملكوت الأعلى هداه، ومن أراد أن يبعده لعلمه بخبثه وشره وعدم صلاحيته للملكوت الأعلى يضله.

    الآن يقع في نفوس بعض السامعين: إذا كانت القضية هكذا فهيا نمشي إلى السوق إذاً، ومن أراد الله هدايته هداه، ومن لا يريد هدايته فلن يهديه، فهيا بنا نمشي ونفرفش. يخطر في بالكم هذا؟ يخطر نعم. ولكن يهدي من يشاء، مشيئته تابعة للحكم العالية.

    باختصار أجيب عن هذا التساؤل وهو في باب القضاء والقدر، وما أحوج السامعين والسامعات إلى مثل هذه الحقائق العلمية.

    أقول: لما خلق الله تعالى الأرواح أولاً، فنظر إليها فعرف وعلم الروح التي إذا دعيت إليه أجابت، والروح التي إذا دعيت إليه أعرضت وأدبرت.

    نظر إلى الروح فعرف الروح التي متى دعيت إليه أجابت الداعي وآمنت وأطاعت واستقامت رغبة فيما عنده وحباً فيه، فهذه الروح كتب سعادتها، وهذه التي يشاء هدايتها، والروح التي عرف أنها تعرض عنه، وتبغضه وتبغض أولياءه، ولا تريد أن تؤمن به ولا تعبده في الخلق، هذه الروح إذاً كتب شقاوته، وهذه لا يشاء هدايتها.

    مثال: الفلاح يحمل في كفه بذر الحنظل وبذر البطيخ وبذرهما سواء، لا تفرق بين بذرة هذا وهذا، وشجرهما لما ينبت سواء، والثمر أيضاً، إلا أن الحبحب يكبر والحنظل لا يكبر وإلا هو هو، فالفلاح لما يأخذ البذرة في كفه يعرف مسبقاً ويحلف بالله على أن هذه تنتج حبحبة وبطيخة حلوة، وهذه تنتج حنظلة مرة، يعرف ذلك يقيناً. عرفتم هذا المثل، فالله لما خالق الأرواح عرف الروح التي تقبل دعوة الله، وتهاجر إلى الشرق والغرب طالبة لها، وتجاهد دونها، وتخرج من مالها ودارها ومن أهلها. هذه تستحق إذاً الهداية، هذه يشاء هدايتها، والتي عرف أنها لو جاءتها الرسل تترى ما جاء رسول إلا كذبوه وأعرضوا عنه، ولا يريدون دعوة الله كتب ذلك.

    فمن هنا إذا جاء ملك الأرواح .. الملك المختص بنفخ الروح في الجنين في بطن أمه، هذا الملك المكلف يأتيه لما يبلغ الجنين الطور الرابع؛ لأن الرسول أخبر فقال: ( إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ) فقط قطرة مني ( ثم يكون علقة مثل ذلك ) في أربعين يوماً أخرى فيصبح علقة كمح البيضة يعلق بالأصبع ( ثم يكون مضغة مثل ذلك ) في أربعين يوماً أخرى يصبح لحماً بقدر ما يمضغ الإنسان بفمه. تسمى: مضغة ( ثم يأتي الملك فينفخ فيه الروح ثم يؤمر الملك بكتب أربع كلمات ) لن تقوى يد البشر والجن على محو كلمة منها ولو أجمعوا.

    ( أربع كلمات: بكتب رزقه ) كم يأكل من قنطار بر أو شعير أو تمر، والله ما ينقص جرام ولا يزيد جرام، فلهذا اقتلوا أو لا تقتلوا أولادكم، فهذا رزقه، كل شيء مقدر فإذا أكل كذا.. كيلو لحم وكان عمره ثمانين سنة، والله لا يزيد بجرام لحم، ولهذا كل شيء بمقدار، لا يزيد شيء أبداً ولا ينقص، كما كتب.

    ( عمله خيراً كان أو شراً ) كما كتبه، يقوم وكأنه آلة يشتغل طول حياته حتى يفرغ مما كتب.

    ( وشقي أو سعيد ) أربع كلمات، يكتب شقياً إن كان في ديوان اللوح المحفوظ شقياً، أو سعيداً إن كان سعيداً.

    ثم يخرج من بطن أمه فلا يكلف السنة الأولى والثانية والثالثة والرابعة.. إلى السابعة فيصبح قادراً على أن يتحمل التوجيهات والتعليمات والتأديبات، فعلى أبويه أن يأخذا بتعليمه، فإذا بلغ السابعة علم طفلك، فإنه مهيأ لأن يحفظ القرآن كله، واستمر في تعليمه سبع سنوات، وإياك أن تفرط في صيفه أو شتوه -كما يقولون- سبع سنين كاملة وأنت تملؤه بالآداب.. الأمثال.. الحكم.. الفقه، كل العلوم.

    فإذا بلغ الخامسة عشر صاحبه، اجعله صاحبك، لا يفارقك ولا تفارقه أبداً، إلا عندما يأخذه النوم فأدخله الغرفة لما ينام وأغلق عليه الباب حتى لا تختطفه الشياطين، اجعله صاحبك، يحبك وتحبه، فإن هذه الفترة التي عرفها علماء النفس و.. وبسن المراهقة هذه معناها تحتضنه الشياطين احتضاناً، فإذا أنت فرطت فيه وأهملته وتركته فعليه السلام.

    ما معنى لا يفارقني يا شيخ؟! أنا تاجر.. أنا فلاح.. أنا موظف؟

    نعم. إن كنت تاجراً لا تطلب له إلا وظيفتك، يشتغل معك في الدكان أو في الرحلات البرية أو البحرية، حتى يكون مثلك، فلاح المزرعة البستان هو معك ليكون خليفتك لا يفارقك، صانع بيدك الحديد المنشار هو معك، موظف اطلب له وظيفة معك. قالوا: ما عندنا، قل لهم: مع السلامة. يا حاكم وظفونا! قال: لك وظيفة أما ابنك فليس عندنا.

    إذاً: مع السلامة، كيف أترك ولدي؟ واطلب عمل مع ولدك، وكن فقط بطلاً، إلى الواحدة والعشرين، فإذا بلغ الواحدة والعشرين فقد نسخك وأصبح هو أنت وأنت هو، أتركه يبني المنزل ويتزوج ويولد له ويربي الأولاد.

    قل فينا من أخذ بهذا المنهج؟ نادر.

    من وضع هذا المنهج؟ أي فيلسوف تربوي؟ من وضعه علماء اليونان والإغريق.. علماء من؟

    هذا المنهج من فتوحات الله على عبده عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.

    ولك أن تأتي بعلماء الاجتماع.. علماء النفس.. علماء الكون، والله ما ينقضون هذا المخطط، ولا يمكنهم نقضه بما هو فساد أو شر، مستحيل. لم؟ لأن عمر كان ربانياً، حارب الشيطان فقهره وأذله وأخافه وأفزعه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: ( ما سلك عمر فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجه ) الشيطان ترتعد فرائصه ويخاف فلا يمشي في شارع مع عمر ، الشارع ليس ضيقاً بل فج، لكنه لا يقوى.

    وبلغ من صفاء روحه ما أخبر به عبد الله ولده رضي الله عنهما، قال عبد الله : ما قال والدي في شيءٍ كذا.. إلا كان كما قال. أي: ما قال أبي في شيء أظنه كذا إلا كان كما ظن. وهذه هي الفراسة.

    الآن عند السحرة والدجالين، هذه الفراسة هي صفاء الروح.. طيبوبة النفس، زالت الحجب التي تمنع دون الوحي والإدراك والفهم، فكان إذا نظر إلى الشيء، وقال: أظنه كذا.. ينكشف الغطاء ويرى كما ظن عمر .

    وكم من ماكر جاء ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيف قد تأبطه تحت ثيابه فينظر إليه فيقول له: جئت لقتل محمد ألق السيف؛ فيطرحه من يده.

    وهل فيكم من يرجو أن يكون مثل عمر؟

    وإليكم هذا العرض السريع لتعرفوا عمر :

    أولاً: عمر في تواضعه وهو خليفة يحمل اللحم في ثوبه، من السوق يلفه في رداء ويأتي به إلى بيته، فهل تفعلون أنتم هذا؟ عيب! لا تستطيعون.

    عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه دعاه أحد الولاة أيام خلافته إلى طعام وضيافة فوضع بين يديه سفرة ملونة من المطاعم فنظر كالأسد ثم قام ترتعد فرائصه، فخاف الوالي قال: ما لك يا خليفة رسول الله؟! اطعم. قال: إني خشيت أن أكون ممن قال الله عز وجل فيهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20] .

    فهل عرفتم عمر؟ لا يجمع بين أكلتين أبداً، إما رز وإما خبز، هذا الذي وضع هذا المنهج الذي نتحدى به البشرية أن توجد منهجاً يضاهيه أو ينازعه، ومع الأسف لم يعمل به المسلمون في أيام الهبوط والسقوط والموت، أما أيام ما كان المسلمون مسلمين فهذا المنهج الذي وضعه عمر هو منهجهم.

    الآن مناهجنا مستوردة من أوروبا والله العظيم!

    مناهج التعليم مأخوذة من الغرب حرفياً!

    سمعتم عمر يقول: لاعب ابنك سبعاً، وأدبه سبعاً، واصحبه سبعاً، ثم اتركه يذهب حيث شاء.

    إذاً: نعود إلى قضية القضاء والقدر، يهدي من يشاء ويضل من يشاء فبعدما عرفنا هذا: اعلم يا عبد الله! أن الله عز وجل كلفك وأعطاك الحرية الكاملة في اختيار الصالح أو الطالح.

    لما بلغت الخامسة عشر أصبحت مكلفاً، ليس هناك ضغط قط إن شئت تتناول كأس اللبن أو كأس الخمر، والله لا ضغط أبداً، إلا إذا كان هناك ضغط من الإنسان بيده عصا قال: اشرب لو شربت الخمر ما تعلق بنفسك شيء؛ لأنك معذور.

    جاء دور الاختيار والإرادة الحرة، جالس العباد والزهاد، أو جالس الفساق والمجرمين، أنت حر.

    ثانياً: ما تركك فقط لإرادتك الحرة وعقلك، بل بعث إليك رسولاً يعرفك بربك ويهديك إليه كما بعث أمس موسى إلى فرعون وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى [النازعات:19]. أما إذا ما جاءتك رسالة ولا رسول فلست بمكلف.

    ثالثاً: أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم الكتاب الذي به تعرف الله معرفة يقينية معرفة كاملة، فترهبه وتحبه، ثم بعد ذلك أنت وما تختار، إن اخترت الهداية يسر الله أسبابها، وأعانك عليها؛ لأنك مسوق لها، كتبت لك، وإن اخترت الضلالة والشقاوة يسرت لك أسبابها وأنت طالبها فتنتهي إليها.

    تزكية النفس وتطهيرها

    إذاً: معاشر المستمعين والمستمعات! نحن مأمورون أن نعبد الله، لنزكي أنفسنا ونطهر أرواحنا؛ ليقبلها في السماء والملكوت الأعلى، فنحن مأمورون أن نتجنب وأن نبتعد عن كل ما من شأنه أن يخبث أرواحنا أو يدسي نفوسنا، حتى نظفر بالسعادة المطلوبة لنا في السماء، جاءت الرسالة، بلغ الرسول، القرآن بين أيدينا، العقول وافية، ما الذي بقي؟ أن نسأل الله في إلحاح، وأن نطرح بين يديه دوماً وأبداً أن يزيد في هدايتنا، ولا عذر لأحدنا يوم القيامة عندما يقف بين يدي الله، فقول الله تعالى: وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى [عبس:7] فـأبو جهل أو ربيعة أو شيبة أو فلان، الذين أقبلت عليهم تواجههم وتريدهم، والمؤمن وراءك يدعوك: أقبل علي.. علمني، أنت معرض عنه! فهل أنت مكلف بهداية هذا الإنسان؟ لا. ليس عليك من وزر ولا إثم ولا مسئولية إذا لم يهتد، ما عليك إلا أن تقول: قال الله وقال رسوله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما من جاءك يسعى ...)

    ثم قال له: وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى [عبس:8-9] يخشى ممن؟ من الله. هذه الكلمة التي أمس عرفناها مع فرعون.

    إذاً: الهداية تنتج الخشية، من اهتدى أي: إلى الله .. عرف الله.. خافه، وقد علمتم بالأمس أن كل من لا يخاف الله ما عرف الله.

    علل يا حكيم: لم فلان يقتل الأرواح.. يمزق القلوب.. يكسر العظام؟ أليس هو إنسان؟ إنسان عربي. ما له؟ علل؟ ما عرف الله، والله ما عرفه، ومن لم يعرف الله ما يخشاه.

    إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] هل هم علماء التقنية؟ الميكانيكا؟ الفيزياء؟ ماذا؟ السباحة؟

    تتخبط البشرية، العلماء الذين يخشون الله العالمون بربهم.. العارفون بسيدهم ومولاهم.. العارفون بمحابه ومكارهه.. العالمون بكيفية تقديم المحبوب له ليحبك ويرضى عنك، وكيفية ابتعاد المكروه له لتبتعد من ساحة بغضه وكراهيته لك. هذا هو العلم.

    ونحن ملأنا عقول أبنائنا من إندونيسيا إلى الدار البيضاء بالعلوم والمعارف المادية فما ارتقينا ولا سدنا ولا.. ولا.

    وإن قلت: تريد منا يا شيخ أن نرجع إلى القرون الوسطى فلا نتعلم ميكانيكا.. ولا نتعلم طيراناً ولا.. ولا؟

    فأقول لك: أنا قلت وسجلوا: أن العلوم المادية علوم الصناعة والتقنية والفلاحة و.. و.. هذه العلوم نعطيها وقتاً واسعاً من صلاة الصبح إلى غروب الشمس!

    ليس عندنا بطالة اعمل، وإذا أحدنا لم يجد عملاً يجب عليه أن ينظف الشوارع مجاناً.

    إذا ما وجدت عملاً فخذ زنبيلاً في يدك والتقط الحصى والشوك وأوراق كذا وقشور البطيخ من شوارع المؤمنين إن كنت مؤمناً.

    أما سمعتم البيان الرسمي عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى من الطريق ).

    هل رأيتم مؤمناً يلتقط الحصى والحجارة من طريق المؤمنين؟! ما وجدتم. ما نحن بمؤمنين بحق. عاطل باطل فرغت من شغلك مررت بمؤمن يبني في جدار منزله أو بستانه فشمر عن ساعدك وساعد أخاك ساعتين أو ثلاث. وقد كان أجدادكم يفعلون هذا.

    وأما طلب الهدى وطلب المعرفة التي نعرج بها إلى الملكوت الأعلى فكما قلنا لكم: ما بين المغرب والعشاء فقط، تصبحون ربانيين كـعمر، ومن تفرغ وطلب العلم بعد صلاة العشاء عن أهله مثلاً ليصبح إماماً فينا له ذلك، أما أمتنا.. أما شعبنا.. أما عامتنا فقط نشتغل من الصبح إلى المغرب وما بين المغرب والعشاء تجدنا في بيوت ربنا، النساء وراء وأطفالنا أمامهن ورجالنا دونهم، ونتلقى المعرفة هكذا.

    أسألكم بالله لو كان هناك استعداد ونجلس هذا المجلس لعام كامل في الهدى هل يبقى بيننا من لا يعرف الله ولا يخافه؟ ممكن؟ غير ممكن أبداً.

    هل يبقى من لا يعرف محاب الله ما هي ولا مكارهه ما هي؟

    الجواب: لا. فمع هذا تقولون: تريدون أن ترجع بنا إلى القرون الوسطى!

    اعملوا من صلاة الصبح إلى قبيل الغروب، والاستراحة للصلاة أو للغداء معلومة، وهذا الوقت من المغرب إلى العشاء يجتمع فيه أهل كل حي من أحياء العالم الإسلامي، كل قرية من قرى المسلمين من المغرب إلى العشاء طول العام وطول الحياة.

    فهل بعد ذلك نشكو آلامنا كما هي اليوم؟

    هل يبقى فينا حسدة.. متكبرون.. جبابرة.. طغاة.. لصوص.. مجرمون.. سفاكون للدماء.. زناة وبغاة؟

    والله ما يبقى.

    ما الذي منعنا؟ أين وزراء التربية والتعليم ووزراء الأوقاف في العالم الإسلامي؟

    هل يسمعون هذا الكلام؟ لا يستطيعون، لا يريدون أن يحبسوا أنفسهم لله، ولو ساعة ونصف فقط.

    إذاً: اتركه للذئاب تأكله، نبحث عن ولي من أولياء الله فلا نجده، وهكذا..

    وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى [عبس:8-9] والحال أنه خائف من الله، يريد أن يتعلم الهداية ليهتدي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأنت عنه تلهى ...)

    قال تعالى: فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس:10] الأصل تتلهى. أي: تتشاغل بغيره.

    ثم قال تعالى: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ [عبس:11].

    كَلَّا [عبس:11] هذه الكلمة وإن قيلت في الحبيب صلى الله عليه وسلم، لكن من حبيبه لا تضر، لو قيلت من عدو لتمزقنا، لكن قيلت من حبيبه، من مولاه وسيده.

    ومعنى كَلَّا [عبس:11] لا تعد لمثل هذا الموقف، كلمة الردع لا أراك بعد اليوم.

    ومن ثم جاء زعماء قريش واتصلوا بعمه أبي طالب وقالوا: إن أراد ابن أخيك أن نسمع منه فليطرد من حوله، هؤلاء البؤساء أصحاب المناظر المزرية والرائحة الكريهة، لا نستطيع أن نجلس معهم!

    اجعلوا هذا الدرس في بلادكم وانظروا هل ترون حكامكم يجلسون معكم؟ أجيبوا؟ الجنرالات والقادة والمسئولين هل يجلسون معكم في الدرس؟ والله ما يجلسون، إلا من أراد الله رفع درجته. هذا هو الواقع فلا تلوموا أبا جهل.

    كلام منطقي، قال: إذا أراد ابن أخيك أن نسمع منه ونتعرف إلى ما يقوله ويدعو إليه -لأنهم بعيدون تنقل إليهم الأخبار فقط- فإذاً فليجعل لنا حصة من الزمن.

    وهش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأنه لان للمقترح؛ لأن همه أن يهتدي رجالات قريش، لا لأجله ولا لأجل المال، ولا لأجل سمعة أبداً، فما إن هش فقط وما نفذ حتى تدارك الله الموقف، فنزل قوله تعالى من سورة الأنعام: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:52].

    من أدب رسول الله؟ الله.

    ما فعل بعد؟ فقط رأى النظرية أنها ممكن تنفع وكان سيجتمع بالمسلمين وسيقول: يا أبنائي! يا إخواننا! ما بين طلوع الشمس إلى الضحى أنا مع الفلانيين فلا تحضروا معنا؛ لأنهم يتقززون منكم ولا يريدونكم.

    ولكنه صلى الله عليه وسلم ما قال ذلك بعد حتى نزل عليه قول الله: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام:52].

    من هم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي؟ أهل المساجد أو أهل المقاهي؟ تارك الصلاة أو المصلي؟

    أجيبوا، تارك الصلاة كافر، كيف كافر؟ الذي لا يذكر ربه مؤمن؟!

    هل رأيت تارك الصلاة واقف يدعو الله؟!

    هل وجدتم تارك الصلاة يقرأ القرآن ويتملق به إلى الله؟

    أجيبوا!

    هل وجدتم تارك الصلاة يذكر الله: سبحان الله وبحمده.. سبحان الله العظيم مائة .. مائتين مرة؟!

    لا. تارك الصلاة عدو الله، أخذه الشيطان وضمه إلى صفوف الأباليس.

    من ينقذه يا شيخ؟ إخوانه لو كانوا صالحين، أخوكم استولى عليه العدو، أخذه في حرب دارت بينه وبينهم، وأنتم المسئولون عن إنقاذه.

    من هم الذين ينقذونه؟ الدعاة، جماعة الدعوة يذهبون إلى المخمرة ويستخرجون إخوانهم.. يذهبون إلى المزناة ودور البغاء ويستلون إخوانهم.. يذهبون إلى المحاشش والمقاهي ويستلونهم.

    هؤلاء جزاهم الله خيراً عن إخوانهم، رأوا إخوانهم أسرهم العدو واستولى عليهم الشيطان لا يذكرون الله ولا يأتون مسجده ولا بابه.

    إذاً: من يردهم على الله؟

    ومن هنا منصب الداعي إلى الله منصب يسامي منصب النبوة؛ لأنه ينقذ عباد الله، وقد عبرت بتعبير عامي بسيط واضح فقلت غير ما مرة: تريدون أن تعرفوا منزلة الدعاة إلى الله؟ قالوا: نعم. فقلت: منزلتهم كمثل سيد يملك عشرين عبداً، هؤلاء العبيد استولى عليهم شياطين الإنس والجن وبغضوهم في سيدهم، وكرهوهم فيه، وأخذوهم واحداً بعد واحد، لا يشتغلون عنده.. لا يخدمونه.. لا يذكرونه؛ شاردين، فهذا السيد ماذا يفعل؟ هل يذبحهم ويستريح؟ لا. ينظر عباده الصالحين أن يأتوا بهم، فيقوم العباد الصالحون ويبحثون عن الشاردين الهاربين ويأخذون في رياضتهم وفي تأديبهم إلى أن يأتوا بهم إلى سيدهم، ها هم ذا قد رجعوا إليك.

    ماذا يعطيهم مولاهم؟ جائزة لا تقدر، هذا مثال من ينقذ أخاه، لا يصلي ويراه ما يصلي ويسكت، أخوك ليس في خير الشيطان استولى عليه، أنت أخوه أنقذه، استعن بأخٍ لك آخر عليه، والشاهد عندنا وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:52] .

    ومن سورة الكهف يقول الله تعالى له: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الكهف:28].

    وَاصْبِرْ نَفْسَكَ [الكهف:28] احبس نفسك. مع من؟ مع أبي جهل وعقبة بن أبي معيط وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ [الكهف:28] اسمع! لا تمد عينيك هناك، ينظر إلى أبي جهل أو عقبة أو الأخنس أو فلان من الأغنياء ورجال الدولة، خل بصرك هنا، عجب! لا ناهية لا تَعْدُ [الكهف:28] لا تتجاوز عينك النظر إلى أولئك وتتجاوز هؤلاء، لا إله إلا الله.

    وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] هذا الكلام من قاله؟ الله. لمن قاله؟ لرسوله. ماذا يصنع؟ يؤدبه. أدبه، ومن أراد منكم أن يؤدبه ربه فليأخذ بآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، لا يصبح إلا وهو أديب، الأديب عندكم صاحب الشعر والرواية والتمثيلية والقصة والحداثة هذا هو الأديب، هذا ليس أديب هذا ذئب، والله ذئب.

    الأديب: الذي ينطق نطق محمد.. يلحظ لحظ محمد.. يمشي مشية محمد.. يأكل أكل محمد.. يركب وينزل ركوب محمد.. يحمل السلاح كما يحمله رسول الله.. يصلي كما يصلي رسول الله.. يستقبل ضيفه كما يستقبله رسول الله، هذا هو الأديب. وكيف نتأدب أين الرسول؟ الرسول مات، لكن آدابه كلها مدونة أقبل عليها أنت وأهلك وتعلموها وطبقوها.

    أزيد أيضاً أبشر أو أعلن: إن كتاباً يطبع الآن اسمه: (كتاب المسجد وبيت المسلم)، هذا الكتاب يحوي ثلاثمائة وخمسة وستين درساً، أول يوم من محرم آية، وثاني يوم حديث، وهكذا.. إلى نهاية الحج، هذا الكتاب إن أحيانا الله سوف ندرسه هنا لتشاهدوا طريقة التدريس، إن تم طبعه وأحيانا الله سوف نعلمكم كيفية تدريس هذا الكتاب، يجلس المعلم في مسجده مع المؤمنين والمؤمنات ما بين المغرب والعشاء كل ليلة وطول العام، صاحب الدكان يغلق دكانه مع غروب الشمس، صاحب الصناعة يوقف صناعته، صاحب اللهو ما بقي اللهو، يا شيخ! كيف ما بقي اللهو؟ أقول: نحن الآن مشغولون بالرحلة إلى السماء، كيف نشتغل باللهو؟ الطلوع للسماء بسيط أو صعب؟ مسافة ثلاثة آلاف وخمسمائة عام، كيف وأنت طالع؟ فلهذا ممنوع اللهو عندنا والباطل، لا وجود له.

    إذاً: يقرأ الشيخ الآية مختارة من كتاب الله رب العالمين، يرددها ربع ساعة ما يبقى مؤمن ولا مؤمنة إلا حفظها غيباً، بعد حفظها يأخذ المربي في بيان هداية الله منها. ما المراد من هذه الآية؟ ما المطلوب؟ يا عبد الله.. يا أمة الله! ماذا يريد الله منك؟ يخاطبك بكذا.. وكذا.. أنت مستعدة لأن تفعلي؟ أمؤمنة؟ يوجد فيهم روح، القدرة على العمل، تنتهي النصف الساعة يضع بين أيديهم ما ينبغي أن نقول أو نعمل؟ أذن العشاء صلوا المغرب وعادوا إلى بلادهم إلى دورهم، والله يعودون قانعين ليس هناك شراسة.. ولا طمع.. ولا كثرة أكل.. ولا.. ولا، تغذوا غذاء كاملاً، الموجود يكفي، من الغد حديث واحد من صحاح الأحاديث، ربع ساعة يحفظه المستمعون والمستمعات، نصف ساعة يشرح ويبين، ربع ساعة يوجهون ماذا أراد الرسول لهم، اعملوا فقد علمتم.

    أسألكم بالله بعد عام كامل يبقى جاهل.. يبقى فاسق.. يبقى ظالم؟ لا. لا يبقى الباطل انتهى.

    إذاً: هذا هو الطريق وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] .

    فلهذا لا نطع الجهلة.. ولا الفسقة.. ولا الظلمة.. ولا المجرمين.. ولا الطاغين لا. نطيع الله رب العالمين.

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعني وإياكم بما ندرس ونقول ونسمع.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين..