إسلام ويب

تفسير سورة المطففين (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا جاءت آيات الله تقرع الآذان، استفاد منها أهل القلوب الحية والضمائر النقية، أما أهل الإعراض والاستكبار فإنهم ينكرون هذه الآيات، زاعمين أنها من أساطير من خلا من الأمم، جراء ما ملأ صدورهم من الظلام، وما غطى قلوبهم من الران، فكان جزاؤهم العدل أن يحجبوا عن الواحد الديان، كما حجبوا عن أبصارهم نور الهداية الذي كان بارزاً للعيان.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة المطففين

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة المطففين، وإن الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:12-21] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم أن المكذب للبعث الآخر.. الكافر بيوم القيامة.. المنكر للجزاء بعد الحساب في الدار الآخرة.. والذي نعرفه بالملحد، الذي لا يؤمن بالله ولا بلقائه، ما حمله على أن يكذب بالبعث؟ ما علمه في ذلك؟! لو طلب دليلاً على صحة البعث الآخر لوجد ألف دليل ودليل.. لو طلب دليلاً على عدم وجود الدار الآخرة والله ما يجد دليلاً ولا ربع دليل.

    إذاً ما حمله على التكذيب؟ ما حمله على اعتقاد (لا إله والحياة مادة)، ولا بعث ولا جزاء.

    فإن قلنا له: ما أدلتك يا أحمق؟ قال: ليس عندنا دليل، ولهذا قلنا: الطبيعة.

    قلناً: الطبيعة! هل تستطيع الطبيعة أن تنوع فقط في الإنسان؟ ملايين البشر لا يوجد اثنان لا يفرق بينهما، ملايين البشر ينطقون ولا يوجد اثنان لا يميز بين لهجتهما.. الطبيعة تنوع هذا التنويع.

    ما هي الطبيعة؟ إنها التفاعلات الكيميائية.

    قال الملحد البلشفي الأحمر العلماني: إذا لم نقل الطبيعة نقول: الله؟

    وإذا قلت: الله قلتم: صلوا ولهذا لا نقول: الله. فانكشفت سوءتهم، وانكشفت عورتهم من سنين.

    قال: إذا لم نقل: الطبيعة ماذا نقول؟ نقول: الله. قلنا: إي نعم. قال: إذا قلت الله قلتم: صل. إذاً ما نقول الله.

    وكل هذا جرى في أيامنا هذه، ولكن القرآن الكريم أفصح عن هذه الحقيقة منذ مئات السنين والقرون.

    أما قال تعالى: بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ [القيامة:5]، واسمعوا السياق: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ [القيامة:1-5]، أي: المكذب بالبعث الآخر، يريد من تكذيبه لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ [القيامة:5]، فأزيح الستار وظهرت العورة، وليس عنده أي شيء يملكه ليدلل على ألا بعث ولا جزاء.

    إذاً: فقط يريد أن يواصل العهر، والسرقة، والسب، والشتم، والجريمة؛ حتى لا يصحو، وهكذا أفصح القرآن.

    وآيتنا هذه التي ندرسها من ثلاث ليال هي بعينها، أما قال تعالى: وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ [المطففين:12] أي: بالبعث الآخر.. بالدار الآخرة.. بالجزاء.. باليوم الآخر، إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [المطففين:12].

    أما المستقيم الطاهر النقي مشرق الروح فإنه لا يكذب، وكيف يكذب بالخير؟!

    ولكن المعتدي الأثيم المغموس في الآثام، الذي تجاوز حده فاعتدى حتى على ربه وأنكره وكفر به وكذبه، هذا الذي يكذب بيوم القيامة، فيقول: لا بعث ولا جزاء. وما يكذب به أحد إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ [المطففين:12] أي: كل مغموس في الظلم والشر والفساد فيسهل عليه، وإذا قلت له: قل لا إله إلا الله، يقول: لا بعث.. لا جزاء.

    الآن عندكم بيان تستدلون به، فكل من ترونه ينكر البعث الآخر اعلموا أنه من أكابر المجرمين، فما ترك جريمة إلا انغمس فيها، وإن لم يظهر لكم، فالواقع والله لمغموس في الذنوب والآثام، وهذا كلام الخلاق العليم الذي غرز الغرائز في الإنسان وطبع الطبائع فيخبر عن عبده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين)

    ثم قال تعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [المطففين:13]، إذا قرأت عليه آية تدل على الله.. على لقاء الله.. على الحق.. على الفضيلة، على الاستقامة يقول: حكايات وأساطير. والأساطير: جمع أسطورة، أي: ما سطر وكتب من أحداث ماضية فتحكيها النساء والعجائز في القرى.

    أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [المطففين:13] هذا الذي يفزع إليه، وهل هذا عقل ومنطق؟

    والسبب هو أنه لا يريد أن يتوب فقط، ولا يريد أن يرجع إلى البشرية الكاملة والإنسانية الفاضلة ليتهيأ للسماء والسكون والنزول بها، لا يريد هذا. فغلبته شهوته واستولى عليه الشيطان، فهو مغموس في الذنوب والآثام، ولهذا لا يؤمن، ويرد القرآن والسنة والمنطق والعقل بكلمة واحدة: هذه حكايات وأساطير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)

    ثم قال تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14].

    قوله: كَلَّا [المطففين:14] أي: ليس الأمر كما ادعى وزعم بل ران على قلبه ما كسب.

    وفي قوله: كَلَّا بَلْ رَانَ [المطففين:14] يصح الإدغام، ويصح بالفصل أيضاً كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [المطففين:14] أي: على قلوب أولئك الملاحدة مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] من الاعتداء والآثام.

    معنى الران

    قوله: (رَانَ) يرين ويران راناً وريناً إذا علا وغشى وغطى.

    وإليكم تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للران، وكيف يعلو على القلب ويحجبه، فيصبح العبد كالبهيمة لا يعي ولا يفهم إلا العهر والشر والفساد والباطل، فقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يرفعه إلى الحضرة النبوية عليه الصلاة والسلام يقول: ( إذا أخطأ العبد -رجلاً أو امرأة- خطيئة نكتت على قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر الله وتاب وأقلع صقل قلبه -مسح- وإن هو عاد زادت حتى تعلو قلبه، وذلكم الران الذي قال الله فيه: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] ).

    أقول: عندما يذنب عبد الله أو أمة الله ذنباً، والذنب يا أبنائي! هو كل مخالفة لله ورسوله، فإذا أمر المولى بأن تقول أو تفعل أو تعتقد فلا ترضى بذلك وتقول ما نهاك عن قوله، أو تعمل ما نهاك عن عمله، فذاكم الذنب، والأمر من الرسول كذلك؛ لأنه مبلغ عن الله، فلا يأمر بغير ما يأمر الله به، ولا ينهى عن غير ما ينهى الله عنه.

    إذاً: إذا العبد أذنب ذنباً وقع أثر ذلك نكتة سوداء على قلبه، فإن زاد ذنباً وقع إلى جنب النكتة الأولى نكتة أخرى، وإذا ما تاب زاد ذنباً ثالثاً ورابعاً.. ولا يلبث أن ينتشر ذلك الظلام والسواد حتى يغطي القلب، فيرين عليه ويعلوه، وحينئذٍ حجب القلب، وما أصبح صاحبه يعي ولا يفقه ولا يفهم أبداً، ولم يبق له هم إلا الجرائم والموبقات، وهذا تفسير قول الله تعالى: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [المطففين:14] فليست القضية أن هذا الدين وهذه الشريعة وهذه العلوم أنها أساطير، لا. هذه الكلمات يقولون للتخلص من المواجهة، لكن الحقيقة هي أن قلوبهم اسودت.. اربدت.. وغشاها الذنب والجريمة فأصبحت غير مستعدة لقبول الحق ومعرفته.

    1.   

    أنواع الجوارح

    قوله تعالى: مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] يكسبونه بكواسبهم، والكواسب هي الآلات والجوارح التي نكسب بها، وعددها خمس، فما نكسب به الخير والشر هو ما يسمى بالجارحة: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21].

    جارحة اللسان

    أولاً: جارحة اللسان، وهو جارحة أكثر من الباز والعقب، بل هو أعظم جوارح الإنسان كسباً؛ ولهذا يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( كف عنك هذا )، فقد سأله مؤمن كيف الطريق إلى الجنة، فبين له، ثم علمه أن اللسان هو السبب في السقوط والهبوط: ( كف عنك هذا ) وأخذ بطرف لسانه؛ ليوضح للسائل والسامعين. ثم قال الصاحب الذي سأل: ( أوإنا لمؤاخذون بما نقول يا رسول الله؟! )، يستفهم: أيؤاخذنا ربنا على الكلام الذي نتكلم؟ فقال: ( ثكلتك أمك يا معاذ -أي: فقدتك أمك- وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ).

    وعندنا مثل مصري يقول: لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن خنته خانك.

    جارحة السمع

    ثم بعد اللسان: السمع، فأذناك يا عبد الله.. أذناك يا أمة الله! جارحة قوية، فمن أصغى يسمع الباطل: الكذب.. الغيبة.. الكفر.. السوء، كل ذلك يتحول إلى دخان ينصب على قلبه، وحتى هذه واصلة بالقلب، ولهذا من الجوارح والكواسب التي نكتسب بها الشر والخير السمع، والسمع قوي؛ لأنك إذا أملت رأسك وأصغيت تسمع نفذ ذلك السماع إلى القلب، ولهذا إن كنت حكيماً وسمعت ما لا ينبغي فأدخل أصبعيك في أذنيك.

    وبعض العجائز كنا نعرفهن في الصغر كانت لما تكره كلامك تضع أصبعيها في أذنيها، وتقول: لا أسمع.

    والقرآن الكريم أفصح عن هذا، فلما كان نوح يدعو قومه لما يدعو يجعلون أصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم، فلا نسمع كلامك ولا نراك.

    وإليكم الحادثة التالية: روي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان أيام الجهاد والغزو خارج الحجاز مع الغزاة، وكان يمشي إلى جنبه مولاه نافع، فمروا براعي غنم أو بقر في الجبال أو الأودية يزمر بالزمارة وهي من قصب أو حديد، فلما سمع عبد الله زمارة الراعي أدخل أصبعيه في أذنيه، وعدل عن الطريق، وأسرع في المشي على دابته ومشى، ثم قال لـنافع: هل انقطع صوت الزمارة يا نافع؟ قال: نعم. فأخرج يديه من أذنيه وعاد إلى الطريق، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.

    وفي بداية الطيران كنا لا نقوى على الركوب حتى يعطونا قطناً نحشوه في آذاننا حتى لا نسمع صوت الطائرة.

    إذاً: يا عبد الله.. يا أمة الله! إذا سمعت كلام سوء فأدخل أصبعيك في أذنيك، وعطل هذه الحاسة، وإلا سوف ينكت في قلبك نكتة سوداء.

    والعجب لكم أيها الفحول كيف تسمعون أصوات المغنيات وتتلذذون بها؟! يا ويحكم!

    إن التي تغني امرأة أجنبية فمن أذن لك يا عبد الله أن تسمع صوتها؟ آلله أذن لك؟ لو كانت زوجتي لذبحتك، كيف تسمع صوت زوجتي، هل يجوز؟ لا. أنا مع الذين ما زالت الفطرة الإسلامية عندهم.

    يا أبا عبد العزيز! هل تسمح لفحل أن يسمع صوت زوجتك؟ لا. تخنقه أليس كذلك؟

    إذاً: من أين لك أن تسمع صوت هذه المغنية؟ هذه أمك.. بنتك.. زوجتك؟

    قال قائل: هذه عاهرة.

    إذاً: يكون صوتها أخبث أيضاً.

    وأنت يا فتاة الإسلام! أيتها المؤمنة الجامعية! هل يجوز لكِ أن تصغي وتسمعي صوت فحل يغني؟

    وسل زوجها: هل تسمح يا أيها الفحل لامرأتك أن تسمع رجلاً يغني وتطرب لغناه؟ هل يمكن هذا؟ لا يسمح أحد بالفطرة، ونحن لولا أن هذا الصوت ينقل هذا الدمار والخراب ليقضي على الفطرة فليس عندنا مانع، ولكنا سمعنا الله يقول: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]. كيف يفسد القلب؟ هل تجري له عملية وتصب عليه النتن؟ لا. إنما يفسد من طريق هذه الكواسب والجوارح التي نجترح بها ومنها السمع.

    إذاً: احفظوا ألسنتكم فلا غيبة.. لا نميمة.. لا كذب.. لا زور.. لا باطل.. وأسماعكم فلا تسمعوا إلا الهدى، وإنما اسمع المعروف، أما المنكر فلا تسمعه، ومن أظهر مناكر المنكر أن تسمع أصوات المغنين والمغنيات.

    جارحة البصر

    ثالثاً: جارحة البصر، والبصر جارحة قوية. وفي البصر عدة أمور:

    أولاً: إياك أن تنظر إلى شيء يعجبك ولا تبرك، ولا تقول: ما شاء الله، تبارك الله، فإنك قد تحرقه ببصرك، يا ويلك! الحسود لا يسود، وإذا كنت تحمل هذا الداء فغض بصرك ولا تحملق ولا تنظر في شيء، وإذا أعجبك فعجل بالبلسم الشافي وقل: ما شاء الله.. بارك الله فيه، وإلا قتلته بعينيك، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: ( العين تدخل الرجل القبر، وتدخل الجمل القدر ).

    لكن ليس كل إنسان يملك هذه المادة، بل هذه في خواص وأناس وضع في أعينهم هذه المادة، فإذا نظر إلى الشيء وأعجبه يتمزق، وهذا الداء له علاج موجود، وهذا البنسلين لا تفارقه، وهو قول: ما شاء الله، بارك الله فيك أو فيها أو في كذا، كما في قوله تعالى: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ [الكهف:39] وهكذا علمه.

    وكما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا أعجبك شيء فبرك ) أي: قل: ما شاء الله.. بارك الله.

    ثانياً: النظر بالعين إلى المرد.

    والمرد: جمع أمرد، وهو الذي لا ينبت الشعر في وجهه، فهذا الأمرد لا تحملق فيه، ولا تنظر بعناية، فإن العدو يستطيع أن يجهز عليك من خلال ذلك، فيخطر ببالك سوء فتهلك.

    وعامة فقهاء الإسلام على أن الأمرد لا ينبغي إطالة وإدامة النظر إليه.

    فإن قيل: لم يا أهل العلم؟

    قالوا: لأن هذا النظر بواسطته ينتقل الأذى إلى قلبك، وأنت تحافظ على نور قلبك، فإذا انطفأ ذاك النور أصبحت عاهراً نجساً، فماذا تصنع؟ الوقاية خير من العلاج، فلا تطيل النظر ولا تديمه في أمرد.

    فإن قيل: يا شيخ! نحن الآن نمرد أنفسنا.

    قلت: كيف تصنعون؟

    قالوا: نحلق الشارب والوجه واللحية.

    قلنا: من أذن لكم في هذا؟ آلله أمركم بهذا؟ وهل الرسول أذن؟ نسأل.

    قالوا: لا يا شيخ! فقط اليهود أرادوا أن يخنثوا البشرية بأساليب عجيبة.

    إذاً: فهم يحدثون أحداثاً عجيبة.

    ومنذ فترة وجدنا ورقة للدعاية منشور فيها أسورة راميا. والأسورة: جمع سوار، سوار وأسورة وأساور، وهذه الأسورة للنساء وليست للرجال، وهل رأيتم رجلاً يلبس سواراً في يده؟ لا. وهذه الأسورة من ذهب وفضة، والسوار بثلاثمائة ريال، وتوضع في اليمين، والفضي منها بمائتي ريال فقط، وهي -كما يقولون- تشفي من كل الأمراض والعلل: الروماتيزم.. ضغط الدم.. الجو.. كذا...

    وما إن قرأنا إلا ووقفنا على سرها؛ لأنهم قالوا: راجت في أمريكا وراجت في اليابان وراجت في أوروبا، والآن نريد ترويجها في دول الخليج باعتزاز، وهذا يتكلم على لسان اليهودي المفكر، فقلت: اسمعوا! والله ما أرادوا بهذا إلا تخنيث الرجال؛ ليصبح رجالنا في أيديهم الأساور كالنساء.

    إذاً: فحلق الوجوه مدبر ومقصود؛ ليصبح الرجال كالنساء لا فرق بينهم، وليؤتى الرجال كما يؤتى النساء، وأندية اللواط في أوروبا وأمريكا والعالم، ولا تظنوا أننا نتكلم ونهرف بما لا نعرف، فانزع هذا من ذهنك يا عبد الله!

    إذاً: إلى الله نشكو أن يبقى المسلمون تابعين ذليلين للهابطين والساقطين أو المحتالين المجرمين، فيجب أن نعتز بالعزة التي أعز الله بها الإسلام والمسلمين، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8].

    ولنأمر جيوشنا بأن تلتحي، فالعسكري كالأسد يجب أن تكون لحيته إلى صدره؛ يخيف ويرعب، ولا نخنثه ونمسح وجهه كالفتاة، أهذا ينتصر؟

    والحمد لله، فقد تجلت الحقيقة العظمى، فقد كانوا يرون إذا العسكري بلحيته فإنه لا يقاتل.. متأخر.. لا ينفع.. احلقوه، وقد رأيناهم طيارين لحاهم إلى صدورهم، ويتحدون الحالقين.

    وقد كان الرئيس الروسي خرتشوف إذا صرح فإن المظاهرات في أوروبا على الأرجل خوفاً من ضربة الروس وهجمته يطالبون بالسلم، فإذا ذكرت روسيا ارتعدت القلوب، والعرب دخلوا في ظلها وحمايتها خائفين، فيسوق الله الأقدار إلى أقدار، ويعلن عن حرب ضد الشيوعية في أفغانستان، فيقاتل الروس رجال أفغان لحاهم إلى صدورهم، وعمائمهم كالزنابيل والقفاف على رءوسهم، فلا برنيطة ولا وجه محلوق -لعلي كاذب.. ممكن أدجل عليكم- لحاهم إلى صدورهم، والعمائم كالزنابيل، وهزموا روسيا، ولم تهزم الشيوعية على يد كائن من يوم أن وجدت إلا على أيدي المجاهدين الأفغان.

    وقد يقول الغافل: أين هذه الهزيمة؟ خرتشوف ما أعلنها؟ متى انسحبت روسيا من المنطقة؟ متى انسحبت من صحراء البلزاريو وما سحبت؟ متى انسحبت أو أعلنت عن انسحابها؟ دلوني.

    نعم أعلنت عن انسحابها من الأفغان.

    وها نحن المسلمين هابطين والعرب ما عندنا قيمة.

    سلوا أوروبا، فأوروبا انتعشت بجهاد الأفغان، حييت بعد موت، وارتفعت معنويات رجالها ونسائها، فقد شاهدوا الروس يساقون بالعصي من قبل أرباب اللحى، والمسلمون لم يشعروا بعد، وما زالوا نائمين، فاحلقوا وجوهكم حتى تنتصروا، آه ما فعل بنا العدو!

    إذاً: البصر جارحة قوية، فلا تحسد ببصرك، ولا تنظر إلى أمرد ولا إلى امرأة ليست عجوزاً ولا هي من محارمك.

    نعم عندك إذن في العجوز، وإن أخذت بمبدأ الشافعي عالم قريش، حيث قال: حتى العجوز أنا لا أسمح أن تنظر إليها؛ لكل ساقطة يد لاقطة، من الممكن أن الحبل يلتقط، وكذلك الريال يلتقط، فلكل ساقطة لاقطة.

    إذاً: حتى العجوز لا تنظر إليها، أغمض عينيك.

    أما سمعتم الله تعالى وهو يضع هذا القانون للمؤمنات يقول من سورة النور الإلهي: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ [النور:60]. والقواعد: جمع قاعد لا قاعدة؛ لأن الرجل لا يقعد بكبر السن، فالقواعد من النساء: هي التي قعدت عن الحمل والحيض، وأما الرجل فلا يحيض ولا يلد، ولا يقال فيه: قعد؛ لأن الرجل لا يقعد، دائماً قائم، لكن المرأة تقعد عن الحيض فلا تحيض، وعن الحمل فلا تحمل، لأنها وصلت سن العجز والشيخوخة، وأصبحت عجوزاً.

    وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ [النور:60] اسمع البيان الإلهي: اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا [النور:60] أي: لا يأملن في أن يتزوجن، من يتزوج بنت السبعين والتسعين؟ يوجد؟ لا. آيسة من الزواج، لا ترجوه.

    فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ [النور:60] أي: إثم أو حرج أبداً في أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ [النور:60] أي: أن تترك الملاءة على المشجب وتخرج بدرعها الطويل ووجهها مكشوف وتمشي، فلا بأس.

    وجاء الاحتراز، فقال الحكيم العليم: غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60] وهذا منصوب على الحال، أي: حال كونهن غير متبرجات بزينة، فأذن لها سيدها أن تكشف عن وجهها وعن يديها، لكن عندما تخرج في هذه الصورة بهذا الإذن لا تجعل في يديها أساور.. ولا في رجليها خلاخيل.. ولا في أذنيها أقراط.. ولا في عنقها سخاب.. ولا في عينيها كحل.. ولا في شفتيها أحمر.. ولا في خديها أبيض.. كل هذا ممنوع، ولا تستغل الرخصة وتعبث بها، وتخرج كأنها عروس في الشوارع وتقول: أمكم، لا تخرج إلا تفلة في ثياب مهلهلة ما عليها ولا فيها ما يلفت النظر، لا أحمر ولا أكحل ولا سوار ولا خاتم.

    وهذا ليس كلام المتزمتين، وإن قلت هذا تكفر انتبه! إنما هذا كلام الله.

    وأخيراً: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور:60] أي: يطلبن العفة بالملاءة السوداء والحجاب السابغ، فلا تخرج إلى الشوارع ولا تكشف وجهها، وإن كانت بنت التسعين والمائة والعشرين فذلك خير لها؛ لأن الذي اختار لها هذا هو سيدها ومولاها، لتبقى طاهرة ولا تفتن أولياءه.

    وهذه آية من سورة النور، وهناك من يقول: هذه الآية منسوخة؟ والله ما نسخها ناسخ، والله إنها لمحكمة إلى يوم القيامة.

    فإن قيل: يا شيخ! نحن نريد أن نطور نساءنا وبناتنا لنواكب الحضارة.

    قلنا: كيف؟

    قالوا: لم تبق المؤمنة دائماً ملفوفة في لفافة سوداء؟ لم هذا؟ يجب أن تتحضر.

    قلنا: هذا صوت بني عمنا اليهود أولاد إسحاق يا أولاد إسماعيل! كيف يحكمون العالم؟ حفنة من بني إسرائيل يريدون أن يسودوا العالم، وقد سادوا يا شيخ! قل لي ولا تخف، يعبثون بالدول ويسخرونها، وصلوا إلى القمة، فقط ما زالت انطلاقة، ويغطون المنطقة هذه من النيل إلى الفرات ويومئذٍ يعلنون عن مملكة بني إسرائيل.

    هل تسمعون أيها السياسيون من ساسة الغرب والشرق والمتعلمين هل تسمعون عن نقد الملوك، والتقزز من كلمة ملك، حصل لكم هذا أم لا تعرفون؟ فكلمة ملك يتقزز منها، ومن بغض إليكم الملوك؟ بنو عمكم، قالوا: الدين هذا يحمى باثنين: برجال الكنيسة والملوك، فلا نستطيع أن نفرض سلطاننا على النصارى والمسلمين إلا إذا قضينا على هذين العنصرين، فقالوا في التعاليم الماسونية: اسمع يا ماسوني! اذبح القس رجل الدين؛ لأنه عميل للملوك، فتيبس وتجفف مصارينه، واخنق بها الملك، هذه هي التعاليم، فما دام هناك ملوك الأرض ورؤساء دين، فلا تنتصر دعوتنا، فيتم القضاء على هذا العنصر.

    واستجاب الناس وأصبحوا يفرحون.

    ومنذ سنوات كان الكنيست في اجتماع حار أيام موشي ديان فقالوا له: أنت الملك؟ قال: اسكت ما حان الوقت بعد، ففضحهم الله ونحن نسمع، فعلمنا أنهم ينتظرون اليوم الذي يعلنون فيه عن مملكة إسرائيل، فيحكمها ملك من بني إسرائيل، أما قال تعالى عنهم: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:246]؟ وأنتم الذين ذبحتم ملوككم أين وصلتم؟

    إذاً: انتبه! غض بصرك عن الأمرد والمرأة، وعن المعجب به حتى لا تهلك وتهلكه، والدواء أن تقول: ما شاء الله، بارك الله فيك.

    جارحة اليد

    رابعاً: من الكواسب والجوارح اليد.

    هل تتم السرقة بدون اليد؟ هل يتم ضرب أي شيء بدون اليد؟ لا يتم هذا لا بد من اليد.

    إذاً: اليد جارحة كاسبة، فلا تأذِ بها مؤمناً ولا مؤمنة، حتى باللمس لا تلمس، ولا يحل لك أن تؤذي أحداً بيدك إلا بحق، فإذا وجب الأذى أذن الله لك، كأن تدفع عن نفسك، أما أن تؤذي المؤمن وتصفعه وتلطمه وتضربه بيدك أو تقتطف وردة من بستانه بدون إذنه فلا.

    اليد قوية، فما سالت الدماء وضاعت الأموال وانتهكت الأعراض وحصلت الفتن إلا باليد.

    جارحة الرجلان والبطن والفرج

    خامساً: جارحة الرجل والبطن والفرج.

    البطن تأكل فيه الحرام؟ إي نعم، أما الفرج فلا تسأل؛ ولهذا في الحديث الصحيح: ( من ضمن لي ما بين لحييه ورجليه ضمنت له الجنة )، فاضمن لرسول الله لسانك لا تستخدمه إلا في مرضاة الله، وفرجك لا تتعاطى ما لا يحل الله مضمون لك الجنة.

    إذاً: فالجوارح والكواسب سبعة.

    أما الشم فلا يعد من الجوارح ولا من الكواسب؛ هل هناك من يقول: إذا شممت رائحة أنت آثم؟ لا. طيبة وإلا خبيثة، الخبيثة تأخذ بأنفك وتمشي.

    إذاً الكسب يكون بواسطة هذه الكواسب، فقول الله تعالى: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] أي: يكسبونه. وآيات الكسب سبعة: اللسان، السمع، البصر، اليدان، الرجلان، البطن، الفرج.

    1.   

    كيفية حفظ الجوارح

    البطل عندنا هذا الذي يتغلب على الكواسب والجوارح، فيمشي مع النساء لا ينظر إلى امرأة أبداً، وإذا سمع الباطل يعرض أو يغلق أذنيه، وإذا خاض الناس في الباطل والسوء إما أن يقوم من المجلس وإما أن يشتغل بذكر الله ولا يسمع، ولا يخالطهم فيما يقولون، ولا يمشي برجله عشر خطوات إلى محل باطل أو مكان سوء أو فساد.

    وعندنا آلة سريعة التحقيق، من يريد منا أن يحفظ الله سمعه وبصره ويده ورجله؟

    إليكم هذا البيان، وتأملوا وأنتم أولياء الله، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) أي: أعلنت الحرب عليه. من هو هذا؟ إنه الذي يعادي مؤمناً أو مؤمنة ويريد له السوء والأذى ولا يحبه، ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه )، هل سلكتم هذا الطريق أيها الأبناء؟ من منكم سلك هذا الطريق؟

    أيها الشبان.. أيها الشيوخ! من منكم سلك هذا الطريق؟

    الحمد لله سلكناه، وأوشكنا على النهاية، لم تقول: لا؟

    اسمع! ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، فلهذا الولي عندنا قبة.. قبر.. ضريح ولا يمكن أن نمسه بسوء أبداً؛ لأننا لا نفهم من الأولياء إلا الموتى، أما أنتم فلستم بأولياء سب.. اشتم.. دجل.. غش هذا.. اخدع هذا؛ ما هم أولياء، الأولياء هم الذين ماتوا وبنيت عليهم قباب وأضرحة ويزارون ويعكف على قبورهم، ويحلف بهم، أولئك الأولياء.

    هل فهمتم هذا؟

    واخرجوا من هذه الديار؛ لأن القباب هدمها عبد العزيز، والروافض الآن والخرافيون يتغيظون متى نسقط هذه الدولة ونعيد القباب؟ متى نعيد الوثنية؟ والله العظيم كما تسمعون.

    إذاً: اخرج من هذه الديار الطاهرة لتجد الأولياء، فادخل القاهرة المعزية، وأول من تلقاه قل له: يا سيد! من فضلك أنا غريب، جئت من باكستان، دلني على ولي من أولياء هذه المدينة. فيأخذ بيدك إلى الضريح ويقول لك: هذا الولي، فلا يعرف أن هناك ولياً حياً، ولهذا يأكل بعضنا بعضاً.. الزنا بنسائنا.. السرقة لأموالنا.. النهش لأعراضنا؛ لأننا لسنا أولياء، فقد علمونا أن الولي سيدي فلان.

    إذاً: هذا الباب فتحه الرب عز وجل لمن أراد أن يكون ولياً، قال: ( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه )، يا من يريد أن يقرب من الله ليصبح من خواص أوليائه، فالطريق هو في المحافظة على الفرائض، فلا تتقرب إلى الله بشيء أعظم من الفريضة.. أحسنها.. أتقنها.. جودها، اخشع فيها، فإنها أعظم وسيلة.

    ثانياً: ( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ) كلمة (ما يزال) أي: يومياً يتقرب بالنوافل: صلاة الضحى.. التهجد.. صيام الإثنين والخميس، ولا بد من صدقة يومياً، ولا بد من إبعاد الأذى عن المؤمنين، فيتملق إلى مولاه بالنوافل.

    قال: ( حتى أحبه ) أي: حتى يأتي صك الغفران، حتى يحبه، ولاحظ ما يزال يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام حتى يحبه الله عز وجل، فإذا أحبك الله ماذا بقي؟ نم؛ فالمخاوف أمان، وإذا أحبك الله لن تقع بعد اليوم على معصيته، فإنه لا يرضى لولي أن يتلطخ، فقد أصبحت كالمعصوم.

    ثم قال في بيان أن الله أحبه، والآن تستطيع من خلال هذا الدرس تفهم هل أنت ولي محبوب أم لا؟

    اسمع ما يقول تعالى: ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ) فإذا أصبحت لا تقدر على سماع الإثم اعلم أنك محبوب: لا غناء.. لا أضاحيك.. لا غيبة.. لا نميمة.. لا شتائم.. لا مؤامرات.. لا كذا.. كل شيء اسمه باطل لا تقوى على فعله، فاعلم أنك أحببت، ( كنت سمعه الذي يسمع به ) وهل الله تعالى يرضى أن يسمع عبده الباطل؟

    ثانياً: ( وكنت بصره الذي يبصر به ) ملك عليك بصرك، فلا يسخره أبداً إلا في مرضاته، فتصبح لا تستطيع أن تستعمل هذه الجارحة في غير مرضاة الله عز وجل، وتنظر إلى الملكوت بعينيك، تقرأ الكتاب الإلهي، تنظر في الكون كله فيزداد إيمانك، ولا تستطيع أن تنظر إلى امرأة لا تحل لك؛ لأن البصر مملوك، ما هو لك، ملكه الله عليك، فلا يستخدمه إلا في مرضاته، وإن وجدتك يا بني لا تقوى على أن تنظر إلى المؤذي والنساء فاعلم أنك جذبت.

    ثالثاً: ( وكنت يده التي يبطش بها )، نعرف الرجال الأبطال يستطيع أن يختطف الفارس من على صهوة جواده ويضربه على الأرض، ووالله ما يستطيع أن يفعل هكذا بعجوز أو بطفل أو بمؤمن، فهذا البطل الذي يحمل القنطار ويضرب به في الأرض ما يقوى على أن يمد يده ليؤذي مؤمناً أو مؤمنة أبداً، أعجز ما يكون؛ لأن يده ليست له، ملكها الله، ولا يسخرها إلا في مرضاته.

    رابعاً: ( وكنت رجله التي يمشي بها ) سبحان الله! تجد الرجل يمشي من المدينة إلى مكة على رجليه للعمرة، ويمشي إلى الأفغان للجهاد على رجليه، لكنه لا يستطيع أن يمشي خمس خطوات إلى مزناة.. إلى مقهى.. إلى معهرة.. إلى مجامع الباطل.. إلى ملاهي السوء، لا يقوى فيمشي إليها، وهو يمشي ألف كيلو على رجليه، كيف هذا؟ لأن رجليه ملكهما الله، هو الذي يسخرهما، لا يستخدمها ضده.

    وقد رأينا إخواناً لنا يمشي أحدهم إلى حفلة أغانٍ وباطل في ليلة عشرة كيلو على قدميه، ولا يمشي عشر خطوات إلى المسجد وهو عند بابه، لا يستطيع.. معطل، ويمشي إلى المعاصي مئات الأميال.

    إذاً: الآن عرفتم أنكم أولياء الله، أحبكم أو لم يحبكم؟ هذا هو البيان، ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، لئن استعاذني لأعيذنه، ولئن استنصرني لأنصرنه ).. الحديث.

    إذاً: هذا الطريق سلكناه، وسلكه المؤمنون والمؤمنات، وهو أن نتملق إلى الله بالفرائض، ولما نفرغ منها نأتي بالنوافل، ونواصل حتى يأتي القبول ونقبل، وتعرف أنك قبلت إذا كنت لا تستطيع أن تلفظ بالسوء.. لا تستطيع أن تنظر إلى حرام.. لا تستطيع أن تمشي إلى باطل.

    إذاً: تلك علامة أنك قبلت، وأنك ولي الله ومحبوبه.

    إذاً: عرفتم معنى قوله تعالى: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]، فكسبنا هو الذي يسبب هذه الأحوال الغريبة، حتى يصبح العبد ينكر وجود الله.. ينكر لقاء الله.. ينكر الحق الذي أحقه الله، يقول بالباطل ويجري وراءه؛ لأنه كسب.. كسب؛ ففسدت خزينته.. فسد قلبه، فأصبح كما يقول تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ...)

    قال تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] الإعلان الأخير: إنهم عن ربهم يوم القيامة محجوبون، فأعداؤه لا ينظر إليهم، ولا يريهم وجهه؛ فلأنهم أنكروه وكذبوا بلقائه يعاقبهم الله بالحرمان، فلا ينظرون إلى الله، مع أن النظرة إلى الله تعدل كل لذة عرفها الإنسان في دار السلام، محجوبون عن ربهم.

    ثم قال تعالى ثانياً: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ [المطففين:16] أيضاً، لا بد وأن يدخلوها، ويحترقوا بلهبها ونارها ليخلدوا فيها.

    ثم قال تعالى ثالثاً: ثُمَّ يُقَالُ [المطففين:17] أي: استهزاءً بهم وسخرية، هذا التعذيب المعنوي الروحي: هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين:17] كنتم تكذبون بالبعث والدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم وعذاب أليم هذا هو.

    والآن مع سكان السماء مع الأبرار، بعد أن وقفنا على ديار الفجار.

    غداً إن شاء الله، مع الأبرار إن شاء الله.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين..