إسلام ويب

تفسير سورة الانشقاق (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يقسم الله عز وجل بانشقاق السماء، وبتمهيد الأرض وتسويتها وإخراج ما في باطنها، بأن بني الإنسان راجعون إلى ربهم، فيحاسبهم سبحانه على أعمالهم ولو كانت مثل مثاقيل الذر، أما أهل الإيمان فيأخذون كتبهم بالميامن، ويدخلون الجنة يملؤهم السرور والحبور، وأما المكذبون فيأخذون كتبهم بالشمائل، ويساقون إلى النار ليس بينهم وبينها حائل، فيقيمون فيها دهوراً وأحقاباً في عذاب غير زائل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذا السماء انشقت)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن سورتنا اليوم لسورة الانشقاق، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    تلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق:1-15] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم بشرى نبيكم لكم، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    إنها لبشرى لا تعدلها بشرى، إلا إذا كانت بشرى الملائكة وأحدنا على سرير الموت، وهي تقول له: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [فصلت:31].

    قول ربنا جل ذكره: بسم الله الرحمن الرحيم: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:1] سبق عند تفسير سورة التكوير أن روينا حديثه صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: ( من سره أن يرى القيامة بعينيه فليقرأ: التكوير، والانفطار، والانشقاق ) هذه السور الثلاث: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1].. إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار:1].. إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:1] من قرأها شاهد القيامة كيف تبتدئ وإلى أين تنتهي، وهذه السورة هي سورة الانشقاق.

    وانشق القمر ينشق، وانشق الجدار ينشق، وانشقت السماء انشقت وتصدعت لتنزل الملائكة، أو لتتحلل وتذوب وتصبح كالدهان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأذنت لربها وحقت)

    ثم قال تعالى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:2] ما معنى أذنت له؟ أي: أطاعته وسمعته.

    أذن للشيء إذا سمعه، ومنه قول الشاعر:

    صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

    أي: سمعوا. هذا يمدح جماعته.

    صم إذا ذكرت بخير عندهم، لا يسمعون، وإن ذكرت عندهم بسوء أذنوا، وأعطوا آذانهم يسمعون.

    وفي الحديث الصحيح: ( ما أذن الله لشيء كما أذن لنبي يتغنى بالقرآن ) فمعنى أذن: سمع. فمعنى أذنت لربها: سمعت الأمر واستجابت له وأطاعت وانشقت.

    وقوله: وَحُقَّتْ [الانشقاق:2] أي: وحق لها أن تستجيب وتسمع، فلا تحاول أن تتمرد أو تعصي، فيذيبها. أليس هو القهار.. الغالب لكل شيء؟ بلى. فكيف إذاً بمخلوق من مخلوقاته يعصيه وإن كانت السماء؟! تحاول ألا تستجيب؟! هذا ليس من طبعها بل هذا من طبع الإنسان الكنود فقط، أما بقية المخلوقات لا تحاول أن تخرج عن طاعة الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا الأرض مدت)

    ثم قال تعالى: وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق:3] انظر إلى السماء فقد تشققت وأصبحت وردة كالدهان، كالمهل، ذابت.

    والأرض هي الثانية تحت أقدامنا قال: مُدَّتْ [الانشقاق:3] امتداد الجلد أو الأديم إذ ما بقي فيها جبل ولا تل ولا وادٍ على امتداد الأديم؛ لأن النفخة الأولى يتبخر كل شيء فيها ويذوب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وألقت ما فيها وتخلت)

    ثم قال تعالى: ((وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ))[الانشقاق:4] أي شيء فيها! هل الكنوز؟ لا. فيها أجسامنا. أما تذكرون ما جاء في سورة المرسلات وأنها أمنا تحملنا ميتنا وحينا سواء؟! قال تعالى: ((أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا))[المرسلات:25-26] الأحياء على ظهرها والأموات في بطنها، نحن كالقمل نعيش على ظهرها، من مات أدخلته في جوفه، والحي يمشي، حان وقته؛ مات تأخذه وتدخله في بطنها، وكافية والحمد لله، ما ضاقت أبداً بأهلها. إذاً: ألقت ما في بطنها من جنين، ما في بطنها إلا أجسامنا وقد تخلقت وتكونت وامتدت كالبقل.. كالبطاطس.. فإذا أمرت بإلقائها ألقتها وأصبحت البشرية فوقها. ((وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ))[الانشقاق:4] عن نفسها، ما تجحد واحداً تبقيه ببطنها، الكل ألقته بعيداً عنها وتخلت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأذنت لربها وحقت)

    قال تعالى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:5].

    وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا [الانشقاق:5] وحق لها أن تأذن، وأذنت لربها واستجابت له، وسمعت أمره وامتثلت له.

    وهنا نبحث عن الجواب، (إذا): ظرف مضمن معنى الشرط، أي: (إذا) ظرفية، لكن فيها معنى الشرط إذا جاء فلان أكرمه، هذا الجزاء، إذا طلعت الشمس فلا تصل حتى ترتفع.

    إذاً: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:1-5].

    أين الجواب؟

    سبق أن ذكره تعالى في سورة التكوير، وذكره في سورة الانفطار فلا معنى لإعادته أبداً، وهو معلوم مما سبق، فقد أقسم الله في سورة التكوير باثني عشر حدثاً جللاً، ستة أحداث في الدنيا وستة في الآخرة، والجواب: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير:14] اثنا عشر حدثاً جللاً حلف الله بها في سورة التكوير، ستة في الدنيا وستة يوم القيامة.

    والجواب هو قوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير:14] إذا تمت هذه الأحداث.

    وفي سورة الانفطار: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:5]. والقسم: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار:1-4].

    ما الذي حصل؟ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:5].

    وكذلك هنا: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:1-5]، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:5].. عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير:14]. إذاً: عرفتم الجزاء والجواب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه)

    والآن مع هذا النداء: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6].

    يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ [الانشقاق:6] من هو هذا؟ أنا وأنتم، كل ابن آدم، الذكر والأنثى سواء.

    يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ [الانشقاق:6] قال الشيخ: لبيك اللهم لبيك، نعم.

    أيناديك ربك ولا تقول لبيك؟ سمعاً وطاعة يا ربنا!

    هل بينكم من يقول: باستثنائي أنا؟ أنا ما نوديت ولا أجيب؟!

    ما أصغرنا.. وما أحقرنا! لكن نحمد الله جل جلاله وعظم سلطانه أن نادانا.

    رحمة الله تعالى بعباده

    هل تعرفون عن الله ربكم شيئاً عظيماً؟

    إليكم هذا المنظر! يا من ألفتم التلفاز! انظروا في غزوة من الغزوات النبوية بعدما انتهت المعركة وتجمع الأسرى من النساء والأطفال والشيوخ وإذا بامرأة لهفاء فقدت طفلها تجري بين العسكر والجيش فما إن وجدته حتى ضمته إليها وألقمته ثديها، وهي مذعورة تبكي، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لله أرحم بالعبد من هذه المرأة بولدها ) لله أرحم بعبده من هذه المرأة بطفلها.

    إذاً: فاحمدوه.. الحمد لله!

    وأخرى اسمع.. انظروا يا من تعودتم على الشاشات الكاذبة، فهذه شاشة صادقة!

    رجل مسافر وفي صحراء على راحلته.. ناقته، جاء وقت القيلولة وارتفعت الشمس واشتد حرها فأناخ راحلته وتوسد ذراعه ونام تحت الشجرة، فما إن نام واستيقظ وما وجد راحلته وعليها طعامه وشرابه، وضاع كل شيء .. خسر كل شيء.

    إذاً: ما زال في تلك الحال، فأسند ظهره إلى الأرض ليموت؛ فقد الأمل، يبحث عن ماذا؟

    فما إن أخذته غفوة واستيقظ وإذا براحلته واقفة بين يديه، فمن شدة الفرح قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك!

    من شدة الفرح غلط في التعبير، بدلاً من أن يقول: اللهم أنا عبدك وأنت ربي. قال: أنت عبدي وأنا ربك، وهنا يقول أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ( والله لله أشد فرحاً بتوبة عبده من صاحب هذه الراحلة براحلته ).

    لو نعرف ربنا! إذا ذكرناه ذرفنا الدموع!

    ليس عندنا شوق إلى شيء أكثر من شوقنا إلى الله، ولكن ما عرفناه!

    ما وجدنا إلى الآن من يعرفنا بالله!

    والله لو عرفناه حق المعرفة إذا ذكر بين أيدينا نكاد نطير بالفرح أو يغمى على بعضنا، لكننا ما عرفناه.

    معنى قوله تعالى: (إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه)

    قال تعالى: إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] ما معنى كادح؟ عامل.. ساعي بجد واجتهاد.

    نكدح إلى أين؟ في طريقنا إلى أين؟ إلى الله.

    أنت يا ابن آدم! لا تدري، ولكن الواقع مثلك مثل رجل له غاية يريد أن ينتهي إليها وإذا به يعمل الليل والنهار ليصل، ونحن بجد واجتهاد بدون شعور نمشي إلى الله.

    إذاً:

    وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

    إذاً: إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] الآية تحمل وجهين مشرقين، وتعودنا أن نتأمل إشراقات الآيات:

    الوجه الأول: أنك يا ابن آدم عامل وسوف تلاقي ربك بعملك ويجزيك به إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر!

    وجه واضح: إنك عامل يا أيها الإنسان وسوف تلاقي ربك بعملك ويحاسبك عليه وبه ويجزيك.

    الوجه الثاني: إِنَّكَ كَادِحٌ [الانشقاق:6] ذاهب إلى ربك بسرعة، ملاق ربك.

    ألسنا في طريقنا إلى الله؟ بلى.

    أو فيكم من يقول: لا. بنو فلان لا يموتون؟! لا أحد.

    إذاً: ها نحن ماشون، كل يوم يصل واحد إلى الغاية. إذاً: فلنواجه الحقيقة بما ينبغي أن نواجهها به.

    أولاً: لتكن أعمالنا صالحة، فلا نلاقي ربنا بأعمال سيئة، وما دمنا عاملين كادحين وملاقين ربنا فلن نكدح إلا في ما يرضيه تعالى!

    لن نسعى ولن نجد ولن نسهر ولن نتعب إلا في عمل من شأنه يرضي عنا ربنا، إذ لا محالة من الوقوف بين يديه.

    إذاً: هل هذه حقيقة مسلمة؟ نعم. لا ينكر هذه الحقيقة حتى البلاشفة الحمر!

    لا بد من الموت والوقوف بين يدي الرب عز وجل.

    إذاً: فلنكن على مستوى العلم والمعرفة ألا يرانا الله كادحين لا في الليل ولا في النهار.. لا في السفر ولا في الحضر.. إلا في عمل يحبه ويرضى به عنا!

    وليس معنى هذا أننا نغلق المصانع والمزارع!

    هذه خرافة! فقط نريد إذا فتحنا المصنع وأدخلنا العاملين فيه نسأل أنفسنا: لم هذا؟

    الجواب: من أجل الله، نوفر الطعام والشراب والكساء والسكن للمؤمنين والمؤمنات ليعبدوا الله عز وجل.

    لم هذه المزرعة؟ لأنتج الحب والبر. لم؟ من أجل أن نتغذى حتى نتمكن من أن نذكر الله ونشكره!

    فقط لا يراك الله تلهث وتجري وراء ما لا تريد به وجه الله، أو تسعى وتكدح في أعمال شائنة تبغض الله إليك وتبغضك إلى الله.

    إذاً: لأنه كدح. ومعنى هذا ليس عندنا بطالة.

    يا شيخ! كيف؟ لا تقول بطالة؟! ليس عندنا بطالة أبداً، المسلمون، المؤمنون بحق، والله لا توجد عندهم بطالة، إما أن تراه كالملك راكع ساجد، أو تراه كالبطل والمدفع في يده، أو المحراث يحرث.

    من شعر بأنه ما وجد عملاً فعليه أن يتوضأ ويقف بين يدي الله كالملك في السماء يقضي الساعتين والثلاث وهو راكع ساجد.

    هل هناك بطالة في الإسلام؟ لا. صليت وامتلأت بالنور، ما وجدت عملاً؛ امش في شوارع القرية والتقط الحصى والحجارة والشوك والروث و.. و.. ونظف طريق المؤمنين والمؤمنات!

    ما وجدت عملاً آخر؟ تمر بأخ لك يبني في جدار فشمر عن ساعديك وباسم الله، ساعتين وثلاث وأنت ترفع في الجدار معه لله.

    هل هذا خيال؟ والله لحقيقة ثابتة عند المؤمنين، لكن قرانا.. سهولنا.. جبالنا.. نعمرها ونفوسنا نافرة! أخلاقنا هابطة، سلوكنا كذا!

    لا إله إلا الله! ماذا فعل بنا عدو الله؟ مزق صلاتنا، شتت روابطنا، أهاننا، البطال منا في المقهى، الكيرم وسب الدين أو الصياح، أو التلصص والإجرام!

    لا إله إلا الله! أين القرآن يا أهله؟

    هذه الآية فقط: إِنَّكَ كَادِحٌ [الانشقاق:6] والله لن يستطيع فيلسوف في الكون أن يقف على أثرها أو ينتج مثلها.

    ونحن ندرس الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع! خمت الدنيا بالزنا واللواط في أوروبا وأمريكا فأي علم اجتماع هذا؟

    كل هذا حتى لا نقرأ كتاب الله ولا نقبل على الله لنبقى هابطين ساقطين.

    أين البطالة؟ لا توجد بطالة؛ لأنا سمعنا الله يقول: إنك عامل متواصل العمل حتى تلقانا، فأين البطالة؟ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه)

    ثم قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق:7] والآن انتهت هذه الصفحة، صفحة جديدة، منظر جديد!

    سمعتم! لقد انشقت السماء، وقد مدت الأرض، وهاهي البشرية على صعيد واحد، وقد عرفتم هذا المعنى وأصبح عقيدة من عقائدكم: أننا ننبت كما ينبت البقل.

    الآن في وجود الأسمدة رأس الخردل قسنا فيه ذراع وزيادة تحت الأرض!

    رأس البصل فيه كذا!

    الأرض الطيبة ننبت فيها فإذا اكتملت أجسادنا حينئذٍ ترسل الأرواح من المستودعات، وسبب إرسالها صيحة إسرافيل .. نفخته، فما تبقى روح إلا وقد حلت في جسدها وحينئذٍ لا نشعر إلا ونحن واقفون.

    ثم قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق:7] لأننا وقفنا وفجأة تطايرت الصحف ووزعت الصحف، الملائكة توزعها.

    إذاً: الملائكة أكثر من البشر، عددهم لا يحصيه إلا الله، وعندنا نماذج عنهم:

    أولاً: كل واحد منكم له عشرة ملائكة، ستة حفظة يحفظونه، واثنان يكتبون أعماله.

    إذاً: الملائكة المكلفون بنا فقط أكثر منا تسع مرات.

    ويوماً من الأيام والرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الكتاب والحكمة ويزكيهم قال: ( أطت السماء وحق لها أن تئط ) ومعنى (أطت): تأرجحت من الثقل فوقها، كأطيط الرحل على البعير ( ما من موضع شبر فيها إلا عليه ملك راكع أو ساجد ).

    ومرة وهو يعلم الكتاب والحكمة ويزكي أصحابه سمعوا صوتاً شديداً، رجة، رجفة، فقال: سمعتم؟ قالوا: نعم. قال: ( هذا حجر هوى من شفير جهنم منذ أربعين سنة ) وهو هابط الآن وقع في أرضها، فسمعتم صوته!

    هذه من آيات النبوة، أعطاه الله معجزة لأصحابه!

    سمعوا بآذانهم الرجفة، رجفة حجر، قال: هذا حجر وقع من شفير جهنم منذ أربعين عام الآن وصل إلى الأرض فسمعوا صوته.

    إذاً: وزعت الكتب فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق:7] خذ يا عبد الله! وصل فأخذه باحترام، ما إن يفتح وإذا بأنوار الحسنات تتلألأ فلا يشعر إلا وهو يقول: هاؤم اقرءوا كتابيه!

    لم تتعنتر يا عبد الله؟ احمد الله هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:19-24].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فسوف يحاسب حساباً يسيراً)

    ثم قال تعالى هنا: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق:8-9] أزواجه، آبائه وأمهاته، أولاده في دار النعيم يعود إليهم مسروراً، نجحنا، فاز عبد الله، هذا الفوز العظيم.

    فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:8] من أراد أن يعرف هذا فليسافر، ولما يصل إلى الجمارك في الحدود، في الطائرات أو في البواخر، يقول لك: هات الجواز، يفتح الجواز، إذا كان يعرفك أو لوحت له بالجنيهات يصافحك، ويقول لك: امش. أما إذا أرادك أول شيء: من هذا؟ متى تمت هذه؟ أنت اسمك هكذا؟ أمك ما اسمها؟ حتى يمسكك. تعلموا هذا من القرآن.

    إذاً: هذا الذي أوتي كتابه بيمينه إعلان عن نجاحه وفوزه يحاسب حساباً يسيراً!

    هنا قالت عائشة الصديقة وهي والله لتزن من على الأرض من نساء الدنيا اليوم وأفضل، عائشة بنت أبي بكر الصديق ، هذه أم عبد الله ، كناها رسول الله ولم تلد له، هي أم عبد الله ، عائشة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوجد اليوم مغرورون ومخدوعون يتلذذون بسبها وشتمها ويزعمون أنهم مسلمون، والمسلم عندنا والله لا يفرح بسب صعلوكة من صعاليك الشارع فضلاً عن الصديقة الطاهرة المطهرة حب رسول الله وأم المؤمنين.

    قالت عائشة رضي الله عنها: ( قلت: يا رسول الله! لقد قلت: من نوقش الحساب عذب؟ قال: يا عائشة ! إنما هذا العرض، أما من نوقش الحساب فقد عذب ).

    فالعرض: الجواز يفتحه، ليس هناك شيء امش، لكن إذا ناقش لا بد وأن تقف، واحفظوا هذا الحديث الصحيح: ( من نوقش الحساب فقد عذب ) يمسك لا محالة، لكن من لم يناقش الحساب، يتصفح فقط الملك الكتاب ويقول له: امش! أنت ناج!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وينقلب إلى أهله مسروراً)

    ثم قال تعالى: وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق:9].

    وَيَنقَلِبُ [الانشقاق:9] أي: يرجع.

    إلى أين؟ قال تعالى: إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق:9] أزواجه، أولاده، آبائه.

    لا يعيش في صحراء سيبيريا فإلى أين يرجع؟ إلى دار النعيم، دار السلام والأبرار حيث الأهل، فلهذا الخاسر بحق وقد عرفتموه، الخاسر بحق الذي يخسر نفسه وأهله يوم القيامة!

    أما الغافلون فيقولون: الخاسر الذي خسر مليون دولار في تجارة، خسر صفقة تجارية، ماتت أبقاره، لكن الله علمنا فقال: قل يا رسولنا والمبلغ عنا: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ [الزمر:15] أي: بحق الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15].

    يجد المرء نفسه في عالم لا يعرف فيه أحداً، وقد عرفتم نوعاً من العذاب محفوظ عندكم، في الزنزانة الخاصة، إلا أن عذاباً يتم في سجون العرب لا يوجد في عذاب جهنم.

    والله العظيم! إن عذاباً بلغنا يقينياً يتم في سجون العرب بالذات، ونحن لا نتكلم بغير العربية!

    العرب هم الذين يبلغوننا، يوجد عذاب في سجونهم لا يوجد في جهنم!

    كم من يوم تكلمنا بهذا؟ لكنكم لا تنقلون أبداً، لم لا تبلغون الناس؟

    ما هذا العذاب؟ يسلطون رجالهم على الرجال فيفحشون بهم فيأتون الذكران في أدبارهم تنكيلاً وتعذيباً!

    والله لولا حلم الله لسلط الله علينا اليهود فاجتاحوا ديارنا وأذلونا ومزقوا شرفنا وكرامتنا، ولكن الله حليم!

    والله لولا لطف الله وحلمه لقد تهيأ العرب لبلاء ما عرفه آباؤهم أيام الاستعمار، وهم أيضاً تحت النظارة، وما ندري متى ينزل، والذي يدفع هذا البلاء هو فقط كثرة الصالحين والصالحات، هذه هي الضمانة، كثرة الصالحين والصالحات في الإقليم من شأنه أن يؤخر البلاء أو يدفعه، فلهذا الأعداء يكثرون من الفاسقات والفاسقين، والفاجرين والفاجرات؛ ليعجلوا النهاية، أما الصالحون فيعملون على تكثير الصلاح إذ هم المناعة والحصانة للشعب وللأمة في أن يكثر الصالحون والصالحات بديارها؛ لأنه إذا قل عددهم انتهى الأمر.

    من أين لك يا شيخ أن تقول هذا الكلام؟ هل قاله علماء الاجتماع والسياسة؟!

    علماء الاجتماع يجتمعون على الباطل، ورسول الله يقول، وقد قالت له زينب رضي الله عنها: ( أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله؟ قال: نعم. إذا كثر الخبث ) نعم نهلك إذا كثر الخبث.

    فلهذا ما زلت أعيد القول وأكرر: أيها المسلمون في ديار العالم الإسلامي! اعملوا على تكثير المؤمنين والمؤمنات، وعلى تكثير الصالحين والصالحات!

    أكثروا من اليقظين واليقظات، فهذا الذي يغيظ عدوكم، هذا الذي يفت في ساعده وهو يعمل على تكثير الطالحين والطالح!

    هيا نقابل ذلك بإكثار الصالحين! أيما إقليم في العالم الإسلامي تنظر تجد الصالحين والصالحات أكثر بشره بألا بلاء ولا محنة، فإذا وجدت الصالحين أقل انتظر.

    إذاً: ماذا أقول؟ شنعنا عليهم، من يبلغهم؟ وإذا بالأمم المتحدة، بما يعرف بجمعية حقوق الإنسان تفضحهم فضائح علنية.

    ما حملكم على هذا؟ هذا المواطن ما رضيتموه اقتلوه، ضربة بالسيف أو رصاصة بين عينيه وأرحه واسترح، من أين لك أن تجدع أسنانه وتكسر عظامه وتلوي رأسه وتفحش به؟

    من أمرك بهذا؟ في أي كتاب هذا؟ في أي دين هذا؟ في أي قانون؟!

    أما سمعوا؟ والله سمعوا وفي آذانهم الرصاص وقر، لا يسمعون!

    ما بلغنا أن إقليماً كذا.. أو دولة قالت: تبنا إلى الله، نظمنا سجوننا، من جاء بجريمة تستوجب القتل قتلناه، جريمة لا تستوجب القتل عفونا عنه، أو أدبناه بالسجن.

    ولكن:

    لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي

    ولا أرى إلا أن نقمة إلهية أوشكت فلهذا تأخر العذاب.

    وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق:9] فرحاً، مثلج الصدر، يجد امرأته أو نساءه ويجد أولاده وآباءه كلهم في نعيم يستقبلونه، هذه هي البشرى العظيمة.

    وَيَنقَلِبُ [الانشقاق:9] يرجع إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق:9] حال كونه مَسْرُورًا [الانشقاق:9].

    هل كان هذا يكدح في الخمر.. في الحشيش.. في الجرائم.. في الفتن.. في إثارة الصدور.. في إيجاد عداوات بين المسلمين؟ هل هذا يكدح في هذا؟ لا. بل كان يصوم ويصلي، وكان يقوم الليل ويصوم النهار، ولو مات جوعاً ما مس مال أخيه. هذا هو الفائز.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره)

    قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق:10] وراء ظهره. أي: بشماله؟ وفي هذا إهانة له واحتقار وازدراء من قبل الملك المكلف، فلا يجيء أمامه ويقول له: تفضل مسيو كتابك، لا. بل يقول له: خذ، لا تنظر إلي، ويده اليمنى مغلولة مع عنقه! أمسك الكتاب.

    وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق:10] بشماله. واسمع صيحاته من سورة الحاقة: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:25-32].

    تقول المحكمة: هذا الحكم قام على أساس: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:33-37].

    هذا القرآن الذي سمعتم كيف يقرأ على الموتى؟!

    علوم ومعارف تقرأ على الموتى؟!

    وهكذا.. سمع أحد الزوار هذا الكلام وانثلج له صدره فجاءني اليوم للمعتكف بورقة قال لي: يا شيخ! القضية ما هي قضية الآن القرآن يقرأ على الموتى، الآن الذي تقول له: قال الله، يقول: اسكت، دعني من القرآن -في بلادهم- والذي يحتج بآية يقول له: دع القرآن على جهة. قال: يريدون أن يبطلوا القرآن.

    فقلت: لا عجب!

    أيضاً بلاد أخرى إذا قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قالوا: لا. ما في رسول، حديث موضوع ومكذوب.

    وعندنا مثل من جداتي الهلاليات تقول: من لم يرد أن يتصدق يقول: مال اليتامى.

    وأنتم لا تعرفون هذا! رجل معه حمار يحمل العنب.. التمر، فيأتيه مسكين: يا عم يا عم! أعطني شيئاً. فيقول له: مع الأسف هذا مال يتامى.

    وهل مال يتامى يتصدق به؟ لا يجوز، فيصرف السائل.

    فالذي لا يريد أن يطيع الله إذا احتججت له بالقرآن يقول: دع القرآن على جنب، وإن أردت أن تحتج بالسنة فيقول: السنة فيها الضعيف فدعها.

    إذاً: دعني أفرفش! هذا الذي يريدون!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فسوف يدعو ثبوراً)

    ثم قال تعالى: فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق:11].

    فَسَوْفَ يَدْعُو [الانشقاق:11] يدعو من؟ من ينصره؟ من يجيره؟ من يحميه؟ لا أحد، قال تعالى: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [الحاقة:35-36].

    يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق:11] واثبوراه.. واثبوراه! أحضر فهذا أوان حضورك!

    يا هلاكاه! هذا أوان حضورك، وهكذا..

    والثبور: بمعنى الهلاك والدمار، يدعو على نفسه، قال تعالى: يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:27]، يا موت! احضر، أرحني من هذه الحياة.

    كفى بك داء أن ترى الموت شافياً وحسب المنايا أن يكن أمانيا

    إذا أصبح الإنسان يرى الموت هو الدواء .. هو الشفاء فبقي ألم أعظم من هذا أو أذى أو عذاب بعده، قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق:10-11] كيف يدعو ثبوراً؟

    يا ثبور! إي نعم، لكن يأتي بصورة الحزن: وا ثبوراه.. وا ثبوراه! أحضر، هذا أوان حضورك؛ لأنه شاهد الدفع والضغط من الزبانية ورأى النار تتلهب وتتلظى، سمع شهيقها، زفيرها، فهذه حاله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويصلى سعيراً)

    ثم قال تعالى: وَيَصْلَى سَعِيرًا [الانشقاق:12].

    وَيَصْلَى [الانشقاق:12] (ويُصَلَّى) قراءة نافع. (ويُصَلَّى سعيراً) في يصلَّى مبالغة. أي: أدخله، أغمسه في جهنم، كرر الغمس والاصطلاء .. يصلى ناراً.

    كم تقدرون حرارة النار؟ اسألوا علماء الكون أو الفلك: عن حرارة الشمس كم درجة؟

    الحرارة عندنا تبلغ خمسين درجة؟ ممكن، وبيننا وبين الشمس ذات الحرارة آلاف السنين.

    إذاً: يخبر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم بأن نارنا هذه التي ننتفع بها ونصطلي قد أطفئت في سبعين بحراً حتى أصبحت قابلة للاستعمال وإلا لن نستطيع استعمالها، وعندنا النار معروفة، وتوجد في الشجر.. في الحطب.. في الحجارة..

    من أودعها هناك؟ الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس:80] عجائب خلق الله!

    إذاً: وَيَصْلَى سَعِيرًا [الانشقاق:12] لماذا يا محكمة أعلنت عن هذا الحكم الصارم؟ نريد أن نسمع جناية هذا العبد .. ذنوبه.. آثامه.. هل حرق مدينة؟ هل قتل نبياً؟ ماذا فعل؟

    ما ذنب هذا الذي أعلن عن تعذيبه وقد اختطف وألقي في الجحيم؟!

    نريد أن نعرف سبب هذا الحكم؟ سبحان الله العظيم! ما من قضية في قضايا الكون إلا والقرآن يعلل لها، ما في عمى أبداً، قال تعالى: إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق:13] هذا هو السبب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه كان في أهله مسروراً)

    قال تعالى: إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق:13] أعوذ بالله! إذاً هلكنا، إياكم أن تفرحوا.

    إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق:13] يغني، تعرفون كيف يغني؟ لا يكتفي بالتلفاز.. أشرطة.. فيديو.. كل شيء فرح.. مسرور.. الضحك.. الطعام.. الشراب.. هات.. صب.. اسق.. فرحان، لا يفكر بأن هناك عذاب قبر.. لا يفكر في سؤال منكر ونكير.. والبعث والجزاء، فقط همه الأكل والشرب والفرفشة.

    هل يوجد من هذا النوع ناس؟ إي والله، بلايين، لا كرب ولا هم ولا حزن أبداً، لا يفكر في الحياة الثانية، مسرور في أهله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه ظن أن لن يحور)

    ثم بين تعالى علة هذا السرور فقال تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق:14] عجب هذا القرآن! لم هذا يفرفش طول العام، يضحك.. لا يكرب.. لا يخشع.. لا يبكي.. لا يحزن؟

    لم؟ لأنه لا يعتقد بالبعث الآخر والحساب والجزاء. هذه هي العلة إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق:14] أي: أنه لن يعود، أنه لن يرجع كما كان ويوقف في المحكمة ويسأل ويستنطق ثم يحكم عليه أو له، ما كان يظن ذلك.

    وهنا لطيفة: ما قال: إنه كان لا يؤمن بلقائه، بل قال: كان يظن؛ لأن الإيمان بالبعث والجزاء يكفي فيه أن تصدق، فما عندك أدلة وبراهين فيكفيك أن تصدق الله والرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبرا به: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق:14].

    وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رماداً بعدما هو ساطع

    يحترق .. وهذا هو الإنسان.

    إذاً: الإنسان يحور من صغر إلى كبر، من حياة إلى موت، فهذا الذي عاش على الفرفشة معرضاً عن الله وعبادته وذكره وما عنده ناسياً لكل ذلك!

    مشغولاً بالأكل والشرب والنكاح والمركوب والملبوس كان يظن أنه لا يحور ولن يعود من حياة إلى حياة جديدة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بلى إن ربه كان به بصيراً)

    قال تعالى: بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق:15] بلى. أي: نعم يعود.. يحور.. يرجع لا محالة، ويدلك لذلك: أن ربه بصير به. وإذا قلت: كيف يعيدني بعد أن أصبح رمماً وعظاماً ناخرة؟

    فأقول لك: اسمع قال تعالى: وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق:4] كل واحد منكم له أرشيف عند الله تعالى، الصورة موجودة في الكتاب، ويعيدك كما أنت.

    بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق:15] خبيراً عليماً، فسوف يعيده كما هو، ويحصي عليه سلوكه وعمله وقوله ويضعه بين يديه ويتم الحساب بمقتضى ذاك الكتاب، وقد تقدم: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق:7].. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق:10].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.