إسلام ويب

تفسير سورة البروج (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ختم الله تعالى سورة البروج ببيان ذكر عظمته وقوته وبأسه وبطشه وشدته، كما أنه غفور رحيم ذو العرش المجيد، وأنه سبحانه يفعل ما يريد ويحكم ويختار لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره، وإن كذب بذلك الطغاة والجنود، فإن تكذيبهم في تباب، ومهما تعاظموا وتغطرسوا وتجبروا وتكبروا وبغوا وعاثوا في الأرض الفساد فإن ربك من ورائهم محيط.

    1.   

    عوامل تزكية النفس وتدسيتها

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البروج، وإن الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:12-22].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! عرفتم في الدرس الماضي والذي قبله الطريق إلى دار السلام، ولا يحرم من ذلك إلا محروم.

    وعرفتم أن من يطع الله والرسول صلى الله عليه وسلم سوف يواكب مواكب النور، سواء كان حبشياً نوبياً أو شريفاً قرشياً!

    أيما إنسان أو جان يؤمن ويحقق الإيمان ويعمل الصالحات بعد تجنبه للطالحات تحقق له مبدأ تزكية النفس!

    هذا الذي زكت نفسه لا مقام له إلا في عليين، إذ قضى الله بهذا وحكم، وحلف وأقسم فقال: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا [الشمس:1-8] هذه أيمانه.

    على أي شيء حلف؟ على هذا الحكم الفاصل: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] فقط. فكن ابن من شئت وأب من شئت وفرد قبيلة من شئت فلا ينفعك ذلك ولا يضرك شيئاً، فقط زك هذه التي بين جنبيك.

    وقد عرفتم معنى تزكيتها، وعرفتم أدوات التزكية فيها والنظام الدقيق في ذلك، عرفتموه في الأمس.

    إذاً: ما علينا إلا أن نسمعكم هذا الخبر الأخير، قال تعالى من سورة النساء: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] من يستطيع أن يردك يا عبد الله؟ لا أحد. فقط طاعة الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم وفعل الأوامر المزكية للنفس، وترك المخبثات والملوثات للنفس، لا أقل ولا أكثر، فإذا زكت النفس جاء ملك الموت وأعوانه يرفعونها إلى السماء والله ما استأذنوا أهل سماء إلا فتحوا لها، حتى يصل بها إلى العرش.

    وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69] زكت نفسه. إذاً: فأولئك المطيعون مع من؟ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]. إذاً: حافظوا على هذه.

    ومن عصى الله يوماً أو رسوله ساعة فليتب فقط، فليبادر بالتوبة والرجوع باكياً مستغفراً نادماً على ما فعل، فإذا وافاه الأجل والنفس مشرقة كهذا النور ليس عليها دخن ولا ران ولا ذنب فليبشر، فلن يحول بينه وبين دار السلام حائل.

    بهذا قضى الله عز وجل، ووكل الأمر إليكم: قد أفلح من زكى نفسه، وقد خاب من دسى نفسه.

    هنا تقرير المصير لا يوم القيامة.. هنا تقرر مصيرك بيدك، فإن أردت السماء والملكوت الأعلى ومواكبة النبيين فاسأل أهل العلم: كيف أزكي هذه النفس وأطهرها؟ ما هي أدوات التزكية والتطهير؟

    فإن قالوا: ما عندنا علم هنا، ولكن في باكستان من يعلم ذلك. فارحل إلى باكستان. قالوا: لا يوجد هنا يوجد في اليابان، ارحل إلى اليابان فأهل الأندلس جاءوا من الأندلس إلى هذه المدينة يطلبون حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أما أن تظنوا أنها بالبركات وبالصدف وبالأنساب وبالانتسابات فانزعوا هذا من أذهانكم، فقد حلف الله بأعظم يمين عرفناه له قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] أصحاب الأرواح الخبيثة لا يدخلون دار السلام ولا يجاورون الله عز وجل.

    والآن مع باقي الآيات الكريمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن بطش ربك لشديد)

    قال تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج:12]. هذا الخبر عظيم لو أعلنته روسيا أيام قوتها لانهارت أوروبا. ما هذا الخبر؟ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج:12] يا عبد الله! يا ضائع! إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج:12] إذا بطش وأخذ أخذه لا يقادر قدره، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. ثم قرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] ).

    والقرى في القرآن: العواصم والحواضر، واتركوا جغرافية الباطل.

    إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] خافوه يا بني الناس! ارهبوه.

    ماذا نصنع؟ نستقيم على الخط والطريق فقط.

    وهل الاستقامة على الخطة الإلهية فيها ما يزعج.. فيها ما يكرب.. فيها ما يحزن.. فيها ما يشقي؟ والله لا وجود لها.

    أقسم بالله أن الحزن والكرب والهم والبلاء والشقاء في الخروج عن تلك الخطة!

    والناس خائفون إذا دعوا إلى الإسلام ظنوا أنهم يشقون في هذه الحياة!

    مساكين! ما عرفوا الطريق إلى الله فليجرب واحد فقط في الأسرة فيستقيم ويجد نفسه أسعد أفراد أسرته.

    ولكن الشياطين هي التي تصرفهم، فأقول: إن الإسلام جنة الدنيا فقط. يخافون منها؛ لأن الشياطين تهولهم.

    قد جربت المبادئ والمذاهب المادية فهل نفعت؟

    هل آخت الشيوعية بين أتباعها وأصبحوا يتعانقون ويتقاسمون قرص العيش ولا يظلم بعضهم بعضاً، ولا يؤذي بعضهم بعضاً، ولا يحسد بعضهم بعضاً؟

    هل حصل هذا؟ والله ما كان.

    المذهب الاشتراكي الذي انتزعوه من قلب الشيوعية للتضليل والتعمية اعتنقته شعوب وأمم فهل تحققت بينهم المساواة؟ والله ما تحققت.

    هل سادهم طهر فلا يسمعون بأحد زنا بامرأة أخيه؟

    هل سادهم أمن فلا يخاف المرء على ماله ولا على نفسه باب بيته مفتوح طول الليل؟

    هل حصل هذا؟ لا. ما الذي حصل؟ العمى والدمار.

    لم لا نسلم؟ لم لا ندخل في رحمة الله؟!

    إذا كنتم مسحورين فإن هناك أناساً يعالجون السحر. وإن قلتم: كيف؟ قلت: بالقرآن والأدعية يشفى بإذن الله المسحور.

    أنا أصبحت أتوقع أن هذه الحكومات مسحورة، ما الذي يصرفهم عن الإسلام؟ ليبينوا لنا!

    يخافون جوعاً أو عطشاً؟ يخافون إعياءً أو تعباً؟ هم فيه. ما الذي يخافون؟ لم لا تبلغهم هذه الدعوة ويجتمعون في روضة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقولون: يا علماء الشريعة! عهدنا إليكم باسم الله أن تضعوا لنا دستوراً إسلامياً من الوحي الإلهي قال الله وقال رسوله، مستعينين بالله ثم بعلم الفقهاء وفقه هذه الشريعة، ونريده في خلال أربعة أشهر، فوالله ما تمضي أربعة أشهر إلا والدستور مطبوع ومنه مليون نسخة، وكل واحد يعود بنسخة ويطبق، وينظر كيف تتجلى الرحمات الإلهية في دياره.

    ما المانع؟ سحر.

    بلغوا! أنتم لا تبلغون، نعم.

    كل نظرية سليمة يسمعها العلماء يعاكسونها، يقولون: هذا الشيخ خيالي، والله العظيم. قالوا: هذا خيالي يتكلم بالخيال.

    خيال؟! هذا خيال أم حقيقة؟ أنتم في حاجة إلى دستور يوحد كلمتكم ويجمع قلوبكم ويرفع الملامة والعار عنكم يا عرب ويا مسلمين؟

    كيف يكون خيالاً هذا؟! خيال أن يجتمعوا؟! هاهم يجتمعون في الأمم المتحدة.

    إذاً قولوا فقط: ما زال قضاء الله نافذاً وما أذن الله بعد.

    ونعود إذاً إلى الكلمة الأخيرة: النجاة النجاة! يا أمة الله! اطلبي النجاة لنفسك، يا عبد الله! اطلب النجاة لنفسك، تهيأ بعد أيام ستنقل من العالم الأرضي إلى العالم العلوي!

    ماذا نصنع؟ نخرج من أموالنا؟ لا.. لا. نترك أعمالنا؟ لا.. لا. لا ننام؟ لا.. لا. كيف إذاً؟

    فقط عقيدتك. أي: ما تعتقده في الله ورسوله والبعث الآخر والملائكة والكتب والرسل اعرضها على القرآن، فإن وافق عليها فأنت عليها، وإذا ما فهمت القرآن فاعرضها على عالم، وقل: أنا أعتقد كذا وكذا.

    أقم الصلاة وكف لسانك وفرجك.

    ماذا كلفت؟ مشقة.. محنة.. أي شيء؟ احفظ لسانك وفرجك وأقم الصلاة، إذا حفظت لسانك والله ما كذبت ولا غششت ولا زورت ولا شهدت باطلاً ولا قلت منكراً.

    وإذا حفظت فرجك كل مقدمات الزنا انتهت لا أغاني.. ولا رقص.. ولا باطل ولا.. كله انتهى، وعما قريب تأتي البطاقة أن التحق بالسماء والملكوت الأعلى.

    وبالمناسبة: يذكر شيخ الإسلام ابن القيم وهو يروي عن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: مرضت خالتي فزرتها وهي على فراش المرض. قال: فجلست إليها، فلما هممت أن أقوم قالت لي: يا شيخ! أنا مقبلة على ربي، ولا أدري إذا وقفت بين يديه ماذا أقول؟ أرشدني. قال الشيخ: فارتج علي وما عرفت ما أقول، ثم ألهمني ربي فقلت لها: يا خالة! إذا وقفت بين يدي الله فقولي: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. هذه تحيتك لله. قال: وقام الشيخ وماتت الخالة، فرآها في المنام -ورؤيا الصالحين جزء من النبوة- فقالت لي: يا شيخ! لقد وقفت بين يدي ربي وما عرفت ما أقول، ثم ذكرت الذي قلت لي فقلته فجزاك الله خيراً.. فجزاك الله خيراً.. فجزاك الله خيراً. لأن الروح لما يعرج بها ينتهى بها إلى العرش ويدون اسمها في كتاب عليين، ثم تعاد للمحنة أو الاختبار في القبر في لحظات، ثم بعد ذلك تعود إلى دار السلام.

    الآن فتح الله عليكم فهل تحفظون هذه التحية من الآن حتى تحيوا بها ربكم؟ ماذا تقولون؟ أو لستم بحاجة إلى هذا؟ أعوذ بالله.. أعوذ بالله أن يخطر ببال عبد هذا! إلا أنك لا تستطيع أن تحفظها ولا أن تبقيها في صدرك، إلا إذا فعلتها اليوم ودبر كل صلاة مع الله.

    علمنا أبو القاسم صلى الله عليه وسلم إذا انفتلنا من الصلاة بعد السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله أول كلمة أن نقول: أستغفر الله. ثلاث مرات.

    ما داعي هذا الاستغفار؟ ما الحامل عليه؟ لو تعرف الحامل والدافع إلى هذا الاستغفار لندمت عما مضى. أتعرف لم هذا الاستغفار؟ لأنك مدعو من ذي الجلال والإكرام.. من رب العالمين.. رب موسى وهارون.. من رب الملكوت.. من الذي خلقك فسواك .. مدعو للمناجاة والاتصال به مباشرة بلا واسطة، وقد نصب وجهه الكريم إليك ينظر إليك وأنت بين يديه فكيف يكون موقفك؟ المفروض أن تذوب حياء فقط، وأن تذوب خوفاً ورهبة، ترتعد الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2]. لم هذا الخشوع؟ لعلمهم أنهم بين يدي الله، يتكلمون معه وهو يسمعهم ويراهم، فكيف بك إذا دخلت في المناجاة والله ينظر إليك وأنت تلتفت.. الله يسمع منك وأنت تتكلم بلسانك وقلبك في القدر ماذا طبخت السيدة.. أنت مع الله وأنت في الأسواق والجماعات؟!

    حال خطيرة لا ينفع فيها إلا التوبة فتقول: أستغفر الله.. أستغفر الله.. أستغفر الله.

    هل عرفتم لم هذا الاستغفار؟ نعم وعرفنا أنه لا يتركه إلا ميت.

    قد يقول قائل: كنا في عبادة نستغفر فلم نستغفر فنحن لم نكن في معصية؟! خرجنا من الحانة؟! لم هذا الاستغفار؟! ما سببه؟!

    سببه: أننا نخاف أننا ما أحسنا المقابلة وما أحسنا المناجاة، وبالفعل ما أحسناها، فلو أحسناها لذبنا بين يدي الله، فأرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الكلمة كلمة التوبة: أستغفر الله.. أستغفر الله، قلها من قلبك وعيناك تذرف الدمع.

    وبعد هذا تقول: ( اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ) ثلاث مرات. إذا واظبت على هذا بعد كل صلاة ما إن تقف بين يدي الله حتى يحضرك هذا وتقوله، فإن لم تواظب على هذا مهما فعلت من حيل لا يمكن أن تظفر به.

    ( اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ). هذه التحية نحيي بها ربنا، ولكن العدو لا يتركنا نستفيد منها فنقولها ونحن غافلون.. نقولها ونحن لاهون.. نقولها ونحن غير شاعرين بأننا نخاطب الله، مع أن الصيغة خطاب: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. آه! ماذا فعلت الغفلة بنا؟! لأننا ما وجدنا من يذكرنا، لو وجدنا من يذكرنا هذا ما ننسى، لكن ما علمونا.

    إذاً: فهل يبقى فيكم من لا يقوله بعد كل صلاة؟ أعيذكم بالله أن تتركوا هذا.

    ونعود إلى السياق الكريم: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ [البروج:12] يا رسولنا لَشَدِيدٌ [البروج:12] واسمعي يا مكة! اسمعي يا قريش! اسمعي يا جماعة الباطل! والسورة مكية، وهذه الجملة -كما قلت لكم- لو قالتها روسيا أو هتلر لداخ العالم.

    إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج:12] ارهب وخف وافزع إليه!

    انتبه! لا تخرج عن طاعته.

    يا شعب! يا أمة! يا إنسان يا جان!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه هو يبدئ ويعيد)

    ثم يقول تعالى: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [البروج:13] مبرهناً مدللاً على قوة بطشه وشدته؛ إذ هو الذي يبدئ ويعيد لا غيره.

    إِنَّهُ هُوَ [البروج:13] لا غيره يُبْدِئُ [البروج:13] أي: يبدئ الإنسان والحيوان ويفنيه ويبيده وَيُعِيدُ [البروج:13] أي: ويعيده. أية قدرة أعظم من هذه؟ القدرة التي بدأت هذه الخليقة وأوجدتها، وهي التي ستعيدها بكاملها. هذه القدرة لا تخاف منها؟

    إِنَّهُ هُوَ [البروج:13] لا سواه يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [البروج:13]. وهنا تكاد القلوب تتفطر، والكبد تحترق، أكباد وقلوب العارفين المؤمنين.

    من يقوى أمام هذا التهديد والوعيد ويصبر؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الغفور الودود)

    ومن رحمته وألطافه بعباده أن قال تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ [البروج:14] فالحمد لله! الحمد لله!

    وَهُوَ الْغَفُورُ [البروج:14] لذنوب عباده الْوَدُودُ [البروج:14] الحبيب المتحبب إليهم.

    ولولا هاتان الصفتان لاحترق الكون!

    ولولا هاتان الصفتان لانتهت الدنيا من غضبة مرة فيبيدها ولا يعيدها لكنه الغفور كثير المغفرة، لو تعصيه في اليوم سبعين مرة أو أقل أو أكثر ثم بعد كل معصية تتوب توبة نصوحاً لغفر لك.

    قد تقول: يغفر لك إن عصيته في اليوم سبعين مرة؟ أقول: نعم. لأن صفة المغفرة والرحمة هي الغالبة، فقد قال: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156].

    الْغَفُورُ الْوَدُودُ [البروج:14] الله عز وجل يحب هذا العبد، الله ذو الجلال وذو الكمال وذو الجمال، وما وجد جمال ولا كمال إلا وهو واهبه ومعطيه!

    الْوَدُودُ [البروج:14]، عجوز منتنة تذكره تحبه فيحبها.

    كيف لا يعبد هذا الإله؟!

    كيف يطلب منكم فقط أن تقيموا الصلاة فتلوون رءوسكم؟

    مقابل خلقنا لكم.. مقابل الطعام والشراب.. مقابل الهواء.. وأنتم لا تريدون أن تذكرونا وتعبدوننا؟

    اخرجوا من ملكوتنا! قولوا: لن نأكل ولا نشرب ولا نستنشق هواءً ولا أكسجين ولا تعبدوه.

    هل هناك من يقول هذا؟

    إذاً: مقابل الأكل والشرب صلوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذو العرش المجيد)

    ثم قال تعالى: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج:15] صاحب العرش، سرير الملك، منه يدار الملكوت في السماوات السبع وفي الأرضين السبع. هذا العرش العظيم من صاحبه؟ الله.

    ماذا تعرفون عن العرش سرير الملك؟

    صح السند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض ). خذ حلقة من نحاس وارمها في صحراء سيبيريا أو الربع الخالي من الجزيرة، تلك نسبة الكرسي إلى العرش. كرسي من؟ الله. عرش من؟ الله.

    تعرفون آية الكرسي؟ من حافظ على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة حتى مات دخل الجنة.

    جاء فيها قوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255] ونسبة الكرسي إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة، فلهذا يتمجد بعرشه المجيد العظيم الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5].

    إذاً: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج:15] إذا قال للشيء: كن لن يتخلف فهو يكون.

    أين تذهب عقول البشر إذا لم يرهبوه ويخافوه ويطمعوه ويرجوه؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فعال لما يريد)

    ثم قال تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:16] كل جملة تزن الكون.

    فَعَّالٌ [البروج:16]: كثير الفعل.

    لِمَا يُرِيدُ [البروج:16]. إذا أراد الشيء فعله، فليس هناك حوائل ولا موانع ولا حجب ولا أسباب؛ إذ هو خالق الأسباب.

    فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:16] هذه الصفات هي مظاهر القدرة والكمال الإلهي.

    أيعصى هذا؟! يا ابن آدم أين يذهب بك؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هل أتاك حديث الجنود ...)

    ثم قال تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج:17]. إذا قال قائل من مكة أو وسوس له الشيطان وقال: أين تجلت هذه القوى التي يتكلم عنها؟ فالجواب: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج:17].

    من هم الجنود؟ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ [البروج:18].

    يروى: أن أحد القراء سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ [البروج:17-18] قال: نعم أتاني.

    يا من قلت: نريد مظاهر هذا التهديد والتخويف أين تمت؟

    عند فرعون في غرب البلاد، فرعون وليس هتلر ولا خروتشوف.

    اسمع فرعون الرجل الوحيد الذي قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] بل قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] فرعون هذا بجنده مائة ألف فارس على خيل بلق كلها تهوي إلى جهنم.

    ألم تحدث هذه الحادثة؟ بلى. قال تعالى: فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا [الإسراء:103] فأغرقناه وجنوده أجمعين.

    هذه أعجوبة فكيف تم هذا الإغراق؟

    لما انتصر موسى في تلك الامتحانات ونجح أخذ بني إسرائيل على جهة بأمر الله وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [يونس:87] لما استقلوا وقال: أقيموا الصلاة.

    وقد يقول قائل: وكيف هذا الجزائري الخيالي يقول هذا الكلام؟ الله الذي قال هذا لست أنا.

    بنو إسرائيل مستعمرون، مستذلون، وحطموهم عبث بهم الأقباط والفراعنة، وما إن انتصر موسى في ذلكم المشهد العظيم وانهزم فرعون اللعين حتى أوحى الله إلى موسى أن ينحاز مع بني إسرائيل، قال: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [يونس:87].

    من هنا استفدنا وبلغنا والله يشهد ويوم القيامة سوف نخاصمهم: من يوم ما بدأت الاستقلالات ونحن نقول: إذا استقل الشعب الفلاني يجب أن تقام فيه الصلاة إجبارياً.

    شعب مسلم؟ نعم. تحرر؟ نعم. إذاً: أول خطوة أن تقام الصلاة. قبل تشكيل الوزارة يجب أن تقام الصلاة.

    هل فعل إخوانكم المسلمون هذا وقد استقل من دياركم ثلاث وأربعون دولة؟

    هل سمعتم هذا؟ لم؟ لا يقرءون القرآن؟! أو ما شاهدوا مظهر لهذا؟

    لما استقلت هذه الديار وحكمها عبد العزيز ما بلغهم أنهم أقاموا الصلاة؟ أو يجحدون هذا؟ أو يخافون من الصلاة؟ بلغهم؟ أما جاء حجاجهم؟

    كان الحج قليلاً، لكن كل عام يأتي ألف واحد ينتشرون في العالم الإسلامي، لما أقيمت الصلاة في المملكة هل سقط عرشها؟ هل ذهبت أموالها؟ هل أصيبت بالمجاعة والفقر؟ لا. ما الذي حصل؟ لا شيء.

    لم ما تقام الصلاة؟ والله لو أقيمت الصلاة في إقليم كما يريد الله تعالى أن تقام لكان ذلك الإقليم في الأرض كالقمر في السماء.

    ستقولون: الشيخ هذا خيالي!

    والله لو أقيمت كما أراد الله ما بقي زنا ولا سرقة ولا رشوة ولا كذب ولا خيانة ولا خداع ولا باطل ولا شر ولا فساد، مسحاً كاملاً؛ فيصبحون كالملائكة.

    لم لا يفعلون؟ ما وجدنا إلا أن نقول: مسحورون، سحرتهم الشياطين.

    ما المانع؟ أما خلقنا لها؟

    موسى عليه السلام لما طلب الطلبات الضخمة حتى يصارع قوى فرعون تذكرون هذا مفصلاً في سورة طه: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ [طه:25-30] هذه الطلبات سهلة؟

    طلبات: اشرح لي صدري، يسر لي أمري، احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، اجعل لي وزيراً من أهلي، نبئ هارون واجعله وزيري.

    وعلل للطلبات هذه فقال: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا [طه:33-34] عجب! من أجل أن نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً.

    فمن هنا علمنا أن سر الحياة وعلة الوجود: أن يذكر الله ويشكر، ليس وراء ذلك شيء، أراد أن يذكر ويشكر فأوجد هذا الكون وأوجد الذاكرين الشاكرين ووعدهم بالكمال والإسعاد، ومن كفر الله وتنكر له فلم يذكر ولم يشكر فسيهويه في بطون الجحيم.

    هذه فلسفة الحياة بكاملها، وما الصلاة إلا ذكر وشكر فقط.

    قالوا: لا نصلي، ما أقيمت الصلاة في بلد من بلاد العالم الإسلامي التي استقلت من سلطان الكفر والكافرين، ومن ثم نزل بهم من الإحن والمحن والبلايا والرزايا ما الله به عليم فلم يذوقوا طعم الاستقلال، ولا استروحوا رائحته أبداً، بل بعض الأفراد في الشعوب يقولون: آه! لو كنا في ظل بريطانيا أحسن.

    إياكم وقول: هذا خيال! إنها والله لحقائق، ليس عندنا خيالات، فهذا كتاب الله بين أيدينا.

    هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج:17] قال: نعم. من؟ فِرْعَوْنَ [البروج:18] في الغرب وَثَمُودَ [البروج:18] في الشمال.

    فرعون أغرقه الله وجيشه ورجع بنو إسرائيل فاحتلوا ديار الفراعنة وورثهم الله إياها .. حفنة خمسمائة يهودي أو إسرائيلي.

    أما ثمود فديارهم إلى الآن قائمة إذا تستطيع أن تأخذ رخصة وتذهب تزور، لكن إياك أن تتمسح بالقبور أو تعبدها، ولكن عليك أن تبك وتذرف الدموع عندما تشاهدها، مبان في الجبال .. صخور، قبل أن توجد التقنية وتعرف الدنيا هذا.

    أين أهل تلك الديار؟ اسمع حكم الله فيهم: فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود:65] الأربعاء والخميس والسبت أخذوا!

    أمة حضارية تناطح السماء بحضارتها ثلاثة أيام فقط وصباح السبت أخذتهم صيحة وإذا قلوبهم تطلع إلى حناجرهم ويموتون كلهم ويخرج صالح وجماعة المؤمنين، وقال لهم: لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:79].

    إذاً: بين لهم، لكن الشياطين تسول لهم أن محمداً لا يفعل شيئاً نطرده من مكة.

    إذاً: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ [البروج:17-18] نعم.

    إذاً: كيف القضية؟ عرفوا وتلا عليهم وفهموا فما السبب أنهم ما آمنوا؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل الذين كفروا في تكذيب)

    قال تعالى في بيان ذلك: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ [البروج:19]

    بَلِ [البروج:19] اضرب على هذا بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ [البروج:19] مغموسون في التكذيب، مطبوعون عليه، لا يصدقون ولا يؤمنون.

    إلى الآن هل أسلمت بريطانيا؟ ألمانيا؟ بلجيكا؟ أمريكا؟

    ما عرفوا عن الإسلام؟ لا. بل سمعوا وعرفوا، ولكن هم مغموسون في التكذيب، والعلة: الكفر.

    الحجاب المانع من قبول الهدى والخير هو الكفر، أما من آمن بالله وجلاله وكماله.. آمن بالله ولقائه.. آمن بالله ووعده ووعيده.. آمن بالله وألطافه ورحماته فهذا يسارع إلى الإيمان، يجري يطلبه، لكن الكفر هو البلاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والله من ورائهم محيط)

    ثم قال تعالى: وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج:20] وبعد أن كانوا في تكذيب هل نجوا؟

    هل تركت لهم الساحة؟

    لا. العالم كله في قبضة الله. فلا تظنوا أنهم نجوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل هو قرآن مجيد)

    ثم قال تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ [البروج:21].

    بَلْ [البروج:21]: للإضراب، ليس كما يزعمون أنه سحر وشعر وأساطير الأولين واختلاقات وافتراءات؛ لأن الإعلام عندهم كان حاداً له رجالاته. يقولون: اتركوه! هذا مجنون. هذا الذي يقوله شعر. وهم يخادعون أنفسهم.

    أين القوافي وأين العروض وأين أوزان الشعر؟

    وآخر يقول: هذه حكايات فقط.

    وآخر يأتي بمغنيات ويجمع الناس: تعالوا أسمعكم ما يطربكم واتركوا هذا المجنون.

    نعم، كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [لقمان:6]. فتح داراً للأغاني في مكة حتى يصرف الناس عن سماع القرآن؛ لأنهم إذا سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ينهارون ولا يتمالكون أبداً فيلتف حوله الرجال والأطفال والنساء؛ فلهذا احتال هذا الزعيم من زعماء العرب اليوم، وقال: أشغلهم عن القرآن بالأغاني وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي [لقمان:6] بالثمن ويأتي بمغنية من الهند أو من اليونان لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6-7].

    هذا النوع موجود الآن بين المسلمين بالحرف الواحد، فقط ليس شديد؛ لأن المسلمين ما واجهوه مواجهة فعلية، نحن مطأطئون رءوسنا فلهذا هم لا يخافون، أما لو أن المسلمين قالوها صريحة والله لظهر أبو جهل وعقبة وفلان من جديد بأبشع مما كانوا؛ لأن العلة هي الكفر، والقلب إذا كان مظلماً يكون صاحبه كما علمتم: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ [البروج:19].

    بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ [البروج:21] شريف وعال وسام. أي كتاب أسمى من هذا وأمجد وأشرف وأعلى؟

    أعطيكم مثلاً فانتبهوا: يا أبا عبد العزيز ! يا شيخ عبد الله ! كم سنة وأنت تصلي في الجماعة؟ قال: خمسين سنة وهو يصلي في الجماعة ويسمع قراءة الفاتحة.

    أسألك بالله! هل مللتها؟ قال: لا.

    تصلي خمسين أو ستين سنة وأنت تسمع الفاتحة تقرأ ولا تمل أبداً، هذا دلالة المجد والسمو والعلو، أما لو كانت أغنية أو شعراً أو قصة من كلام الناس والله لا تتحملها أربعين يوماً .. تبدل. يكفيكم هذا مثلاً؟

    ولكن هذا القرآن كلام لا يمل سماعه، فلهذا وصفه بالمجد وهو أهل له بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ [البروج:21]. أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين أراد الله رحمتهم لما يسمعوا القرآن ينهاروا ويدخلون في الإسلام مباشرة، ويبكون على الأرض ويخرون للأذقان سجداً وهم يبكون، لكن العلماء وليس الجهال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (في لوح محفوظ)

    ثم قال تعالى لبيان أين يوجد هذا القرآن ومصدره ومن كتبه: فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:22] ولا تسأل عن اللوح .. عن سعته.. طوله.. عرضه.. مادته.. جوهره.. لا تسأل؛ لأنك لا تقوى على أن تفهم.

    فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:22] لا يمكن ليد الباطل أن تبدل فيه حرفاً واحداً!

    لم يستطع الكون والكائنات والمخلوقات على عظمتهم كالملائكة والمقربين أن يغيروا حرفاً واحداً! محفوظ.

    وأيام كنا نعيش على الضلال يقولون: سيدي فلان شيخنا يقرأ في اللوح المحفوظ.

    إذاً: ما أصبح محفوظاً؟ تكذب. ما دام يقرأ في اللوح المحفوظ وينقل إليكم ويشاهد.

    إذاً: معنى قوله: مَحْفُوظٍ [البروج:22] ليس بصحيح ما دام سيدي فلان يقرأ منه، ويسمع هذا آباؤكم وأمهاتكم ويبكون خشوعاً.. سيدي فلان يقرأ في اللوح المحفوظ.

    هل وقع هذا؟ وقع.

    نقول: هل استعمرتكم أوروبا؟ نعم.

    حقاً استعمرتنا لما مسحت قلوبنا من معرفة الله ورسوله ولقائه، ولما أصبحنا وثنيين وضلالاً وخرافيين يسودوننا حتى بالبهائم ولا عجب.

    فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:22] القرآن هذا مكتوب في اللوح المحفوظ، واللوح المحفوظ لنا فيه أرشيف، ما من كائن يكون إلا وله صورته في ذلك اللوح، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( إن أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ) فكتب الله في اللوح المحفوظ، في الإمام المبين، وكل حدث يحدث في الأرض تم في السماء، ولولا هذا النظام لخربت الدنيا من قرون وانتهت، فهذا هو اللوح المحفوظ. وبهذا انتهت سورة البروج.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.