إسلام ويب

تفسير سورة الفجر (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة الفجر من أعظم سور القرآن المكي والتي في مطلعها قصص الطغاة والجبارين في الأرض وكيف كان مصيرهم ومنقلبهم ومستقرهم، مهما كانت أجسامهم وقوتهم وعتادهم، ومهما أكثروا من فساد أو طغوا في البلاد، فإن النهاية المرعبة والعاقبة المرتقبة لهم هو العذاب والنكال الذي كانوا عنه غافلين ولاهين، ولكن الله بالمرصاد، وإذا أخذ فإن أخذه أليم شديد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والفجر)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! أيتها المؤمنات المستمعات! إن سورتنا الليلة لسورة مباركة ميمونة، إنها سورة الفجر، وإنها لآيات مباركات نستعين الله تعالى على دراستها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:1-14].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! سورة الفجر سورة مكية، وقد عرفنا ما تقوم به المكيات من السور، وما تؤديه، وما تحققه للإنسان، إنها العقيدة السليمة الصحيحة التي هي بمثابة الحياة والروح للإنسان.

    والسورة ثلاثون آية، مفتتحة بإقسام عظيم، قال تعالى: وَالْفَجْرِ [الفجر:1] الواو واو القسم، أي: الحلف، والمقسم الحالف هو الله، والمحلوف له هو نحن؛ من أجل أن نصدق الخبر وتطمئن نفوسنا وتسكن إليه، وهو خبر عظيم. والفجر معروف، وهو انفجار النور بعد ظلام الليل.

    والفجر آية من أعظم الآيات الدالة على وجود الله، وعلى قدرة الله.. وعلى علم الله.. وعلى حكمته ورحمته. ومن قال: لم؟ فليتفضل الآن هو وجيشه من الإنس والجن يستعجلون طلوع الفجر، لو اجتمع أهل الدنيا كلهم على أن يقدموا الفجر ساعة واحدة والله! ما استطاعوا، بل ولا دقيقة واحدة، فمن يأتينا بالفجر؟ أمهاتنا؟ آباؤنا؟ سحرتنا؟ لا يأتي به إلا الله، فقولوا: آمنا بالله! وعفروا وجوهكم في التراب بين يديه ولا حرج.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وليال عشر)

    قال تعالى: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:2].

    بينت السنة النبوية الليالي العشر، وأنها العشر الأول من شهر ذي الحجة، ويدخل فيها يوم عرفة وكذلك يوم العيد يوم الحج الأكبر، وهما يومان عظيمان، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل من العشر، فقالوا: ولا الجهاد يا رسول الله؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجلاً خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء )، أي: استشهد وأخذ ماله.

    فلهذا العشر الأول تصام، ويكثر فيها الصالحات، فإن الحسنات فيها تضاعف، ويكفيها شرفاً أن الله أقسم بها، فإقسامه بالفجر؛ ليعلن عن عظمته، وإقسامه بالليالي العشر؛ لينبهنا إلى غنيمة باردة، فنستغلها صياماً وقياماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والشفع والوتر)

    قال تعالى: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر:3].

    الشفع: كل زوج، وجائز أن يكون الله عز وجل قد أقسم بكل شيء، إذ كل شيء شفع إلا هو، فهو وتر، فقد أقسم بكل شيء حتى بنفسه من أجل أن تطمئن نفوسكم وتصدقوا الخبر وتوقنوا به.

    وَالْوَتْرِ [الفجر:3] قرأ نافع وعامة القراء بفتح الواو، وقرأ حفص بالكسر، والكسر والفتح سيان، إن قرأت: وَالْوَتْرِ [الفجر:3] أصبت، وإن قرأت: (والوِتر) أصبت.

    كما قال صلى الله عليه وسلم: ( إن لله مائة اسم إلا اسماً واحداً )، وقال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله وتر يحب الوتر )، كيف يحب الوتر؟

    إذا أكلت فكل سبع لقيمات، أو سبع تمرات، وإذا ركعت فاركع إحدى عشرة ركعة، وإذا كبرت فكبر ثلاث مرات، تحين الفرصة واجعلها دائماً وتراً؛ لأن ربك يحب الوتر، تملق إليه بما يحب، ربنا يحب الوتر؛ إذاً ائت بالوتر، والذين يتملقون إلى الله يعرفون هذا، يعلمون أن مولاهم يحب هذا فيقدموه، وأن مولاهم يكره هذا فيكرهوه، ولا يزالون كذلك يحبون ما يحب ويكرهون ما يكره حتى تتم لهم الولاية، ويصبحون أولياء الله وأحباءه.

    شمروا كما قال أبو القاسم، قولوا: إن شاء الله، على أن نكون أحباء الله وأولياءه، نحب ما يحب ونكره ما يكره.

    وهذا المعنى سبق أن قررناه، وقلنا: لو قيل لك يا محمد: بم تكون ولاية الله؟ أي: أنا أريد أن أكون ولياً لله، فكيف يتم لي هذا؟

    الجواب: وافقه فأنت وليه، خالفه فأنت عدوه، سبحان الله! كلمة واحدة.

    يا دكتور! أتريد أن تكون ولياً لله؟ وافقه فأنت وليه. تريد أن تكون عدواً؟ خالفه.

    توافقه في ماذا؟ في ما يحب وما يكره. إن أحب أباك فأحببه، وإن كره أباك فاكره، إن أحب لا إله إلا الله فأحبها، وإن كره كلمة الباطل فاكرهها، ولا تزال تحب ما يحب وتكره ما يكره حتى تنتظم في سلك الولاية، فالولاية موافقة، وافق ربك فيما يحب وما يكره فأنت وليه، فإن عاكسته يحب وأنت تكره، أو يكره وأنت تحب فوالله! لهي العداوة.

    ( إن الله وتر يحب الوتر ) كان صلى الله عليه وسلم إذا توضأ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وإذا أوتر يوتر بواحدة، وإذا أفطر أكل تمرات وتراً .. وهكذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والليل إذا يسر)

    قال تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر:4].

    وَاللَّيْلِ [الفجر:4]: الليل المظلم معروف.

    إِذَا يَسْرِ [الفجر:4]: ذاهباً أو آيباً، والليل دائماً سارٍ لا يقف.

    إذاً: الليل آية من آيات الله العظيمة، بدايته ونهايته، مسير الليل ظلام حالك يعمر أو يغطي المنطقة بكاملها.

    من يستطيع أن يأتي بالليل؟ يقول تعالى في سورة القصص: قُلْ أَرَأَيْتُمْ [القصص:71] أيها الملاحدة.. العلمانيون.. البلاشفة الحمر.. الدهريون.. يا من ينكرون وجود الله وتوحيده! إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ [القصص:71].

    هل سيقولون: هبل.. اللات.. أمريكا.. من يا أخي؟! من يرفع رأسه؟!

    إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا [القصص:71] أي: متصل الحلقات لا ينقطع.

    ويقول تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [القصص:72-73] أي: في الليل، وتبتغوا من فضل الله في النهار.

    قولوا: آمنا بالله الذي يتحدى الإنس والجن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هل في ذلك قسم لذي حجر)

    ثم يقول تعالى: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر:5] إي والله نعم! قسم وأي قسم! ولكن هل هذا القسم يعيه ويفقهه ويفهمه وينتفع به من لا عقل له؟ الحجر والحجا هو العقل، هذا فقط الذي يستطيع أن يفهم هذا القسم، أما الذين لا عقول لهم ولا أحلام ولا نهى ولا حجا فيقرءون: وَالْفَجْرِ [الفجر:1] ألف سنة ولا يعون شيئاً منها ولا يفكرون في الفجر ما هو!!

    هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ [الفجر:5] أي: هذا الذي أقسم به الجبار لِذِي حِجْرٍ [الفجر:5] أي: لصاحب عقل.

    لم سمي العقل حجراً يا راضي؟ لأنه يحجر صاحبه عن الوقوع في المهاوي والمهالك والمعاطب، فهل الذي له عقل يرمي بنفسه في بئر؟ هل يأتي إلى النهر ويرمي بنفسه؟ لا. لأن عقله يمنعه.

    وسمي العقل عقلاً؛ لأنه يعقل صاحبه كما يُعقل البعير فلا يهرب، وسمي العقل حجراً؛ لأنه يحجر ويمنع صاحبه من الوقوع في المهالك، فالذي يسب ويشتم ويعربد ويكفر وينطق لا عقل له، ولو كان له عقل ما فعل هذا، فهذا يؤدي به إلى أن يتحطم ويخسر، فالذي يشرب السم لا عقل له، كذلك من يشرب الحشيش حتى يجن ويفقد عقله.

    المهم نعمة العقل لا تساويها نعمة أخرى إلا نعمة الدين، وأكثر الناس عنها غافلون، لا يشكرون الله ولا يحمدونه.

    أرأيت لو فقد إنسان عقله الآن تجده يصيح، وينتف لحيته وشعر رأسه، من يضبطه؟ من يعدل سلوكه؟ من يقومه؟ لا أحد. خذوه إلى مستشفى المجانين!!

    وهل نملك نحن عقولنا؟ والله لا نملكها؛ لأننا ما أوجدناها ولا اشتريناها ولا تكلفنا بها، وإنما هي نعمة أنعم الله بها علينا.

    إذاً: فلنستعملها.. فلنستخدمها.. فلننتفع بها.. ولتكن عقولاً حقاً عاقلة لنا من الوقوع في المعاطب والمهالك.

    وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر:1-5].

    قولوا: نعم يا ربنا، قسم وأي قسم هذا، لكن لأصحاب العقول؛ لأن المجانين لا يعرفون قسماً ولا غيره.

    يبقى: على أي شيء أقسم؟ هل تقول: والله والله والله وتسكت؟ لا. لا بد من ذكر جواب القسم، كقولك: والله لا أبيتن الليلة هنا -مثلاً- فتذكر جواب القسم.

    هنا: أين جواب القسم: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ [الفجر:1-5]؟

    على أي شيء أقسمت يا رب؟

    جائز أن يكون جواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14] لأن إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14] صالحة لأن تكون جواباً، ولكن هذا إن صح وإن جاز ليس هو المراد ولا المقصود، فهذا لا يحتاج إلى أن يحلف عليه بهذه الأحلاف كلها، والجواب هو: لتبعثن يا منكري البعث والجزاء، ولتحاسبن على سلوككم في هذه الدنيا، ولتجزون بها الخير بالخير والشر بمثله؛ إذ السورة مكية، والمجرمون في مكة ينكرون البعث.

    فالجواب هو هذا: لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7] وفي سورة التغابن المكية قال تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7]، فهذا هو الجواب المحذوف، فالآية إذاً تقرر عقيدة البعث والجزاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد)

    ثم قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر:6] هذا الاستفهام للتقرير، أي: ألم ينته إلى علمك يا رسولنا؛ لأن الرؤية هنا ليست بصرية، فما بين عاد وولادة الحبيب صلى الله عليه وسلم آلاف السنين.

    إذاً: ألم ينته إلى علمك، أو ألم تر بقلبك، والأحسن أن نقول: ألم ينته إلى علمك كذا..؟ لأن هذه الأحداث كان يتحدث بها الرجال والنساء، ومجالس الليالي كلها في هذه الأحاديث والأقاصيص.

    بِعَادٍ [الفجر:6] عاد: من أولاد نوح، بينه وبين نوح ثلاثة أجداد فقط، وهو أبو العرب، فعاد أمة عربية، يقال فيها: عاد الأولى. أمة منازلهم.. ديارهم.. مساكنهم.. بلادهم ما بين الشحر شرقاً وحضرموت غرباً في جنوب الجزيرة، هناك كانت ديارهم، وكانت أمة طول الرجل فيها اثنا عشر ذراعاً.

    كم طولنا الآن نحن؟ أربعة أذرع فأقل، بينما هم كانوا اثني عشر ذراعاً بذراعهم، ولا عجب! إذ آدم عليه السلام وحواء وذريتهما في قرون قريبة كان طول أحدهم ستين ذراعاً، أي: ثلاثين متراً، وإن أدخلنا الله دار السلام -اللهم حققها لنا- فسوف نكون في ذلك الطول الذي كان عليه آدم، طول أحدنا ستون ذراعاً أي: ثلاثون متراً، الرجل والمرأة سواء، وفي سن واحدة، هي الثالثة والثلاثون، أي: نهاية الشبيبة، قبل الدخول في الكهولة.

    إذاً: فالقزم منكم لا يدخل الجنة، لأنه لا يوجد في الجنة قزم مثلي أبداً، فلا بد وأن يكون طويلاً، ولا يوجد شيخ هرم في الجنة، والله لا وجود له، أبشروا أيها الشيوخ فإنكم تعودون شبيبة في سن الثالثة والثلاثين، والعجوز من النساء لن تدخل الجنة، بل تعود شابة في سن الثالثة والثلاثين، قال تعالى: عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:37].

    والأسود لا يدخل الجنة، لا يوجد في الجنة أسود أبداً؛ لأننا نكون في الجمال على هيئة يوسف بن يعقوب عليه السلام.

    إذاً: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر:6] ماذا فعل الله بهم؟ أبادهم ودمرهم، ولم يبق منهم أحداً إلا الذين آمنوا مع هود صلى الله عليه وسلم وخرجوا معه، هذه الأمة كانت أقوى وأشد أمة، ويكفيكم أن الله تحداهم بالقوة، إذ قالوا: من أشد منا قوة؟ قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت:15] أي: سلمنا لك أنك قوي، لكن خالقك قطعاً أقوى منك، فالذي أعطاك القوة هو أقوى منك قطعاً.

    بعث الله تعالى إلى عاد عبده ورسوله هوداً النبي العربي عليه السلام، فما كان منهم إلا أن سخروا منه وهزءوا به وتحدوه وقالوا: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [هود:32].

    وقالوا كلمة نعيدها: يا هود! أتدري ما بك؟ إن بعض الآلهة غضبت منك لأنك تعير وتسب وتشتم؛ فضربتك فأنت مجنون. قال تعالى في هذا المعنى: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ [هود:54] يعني: ما عندنا شيء نقوله، ولكن بعض آلهتنا اعتراك بسوء لأنك انتقصتها وكذبتها وقلت وقلت فيها.. وهذا كما يفعل إخواننا الذين يعبدون الأضرحة والقباب والقبور بالذبائح والنذور والحلف بها والتوسل إليها والعكوف عليها والتبرك بترابها، فإذا أنكرت ذلك عليهم، قالوا: آه! لا تخف، سيدي فلان يضربه!! وإذا مرضت يا ويحك! قالوا: آه! دقه سيدي فلان، هذه ضربة مولاي فلان!!

    وقد قلت لكم: كان هناك شيخ في المحكمة -رحمة الله عليه- كان كاتب عدل، قال لي: العقبي ضربه الأولياء، ثلاث سنوات وهو على الفراش لأنه ينتقصهم!! ولكن الحمد لله طلع الفجر وزالت سحب الظلام ولم يبق في القرى والمدن إلا القليل وهم يتخفون ولا يجاهرون، أما قبل خمسين سنة إذا قلت: أولياء الله لا يُعبدون؛ فإنهم ينالون منك على الأقل بالسب والشتم، وإن تمكنوا من ضربك ضربوك، كيف تقول على الأولياء أنهم لا ينفعون ولا يضرون؟!

    هذا تدبير الله عز وجل، فقد فرغنا من هذه الفتنة بعد أن انتشرت الكتب والإذاعات والصحف واختلط العالم بعضه ببعض، مع وجود دعوة ودعاة، والحمد لله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إرم ذات العماد)

    قال تعالى: إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ [الفجر:7] أي: صاحبة الأعمدة الطويلة.

    لم؟ إذا كان طول الرجل اثني عشر ذراعاً، فإنه يحتاج إلى سقف خيمة يكون أعلى منه، والبناية المسقوفة كذلك، أي: حوالي عشرين متراً، فلهذا كانت مبانيهم وخيامهم أعلى ما يكون في العالم.

    و إِرَمَ [الفجر:7] عطف بيان من عاد، فلم يقل: (ألم تر كيف فعل ربك بإرم ذات العماد)؛ لأن إرم من عاد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (التي لم يخلق مثلها في البلاد)

    قال تعالى: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:8] أي: ما خلق الله تعالى مثل هذه الأمة العظيمة في قوة شكيمتها، وقوة أبدانها، وقوة معارفها وطغيانها.

    وهنا انتبهوا! فقد روج أهل الباطل كذبة عظيمة وهي: أن إرم عبارة عن مدينة أسوارها من ذهب، وأعمدتها من فضة، وأنهارها تجري وصوروها على أنها جنة، وأنهم يبحثون عنها إلى الآن، وما دروا كيف انتقلت، وكتب في ذلك الكتاب، ودندن حولها القراء، وملئوا بها الأوراق، وهي فرية وكذبة حمراء استطاعوا أن يشيعوها في العالم، واليهود من وراء ذلك، فلا يوجد إرم ذات العماد إلا هذه الأمة التي أبادها الله في ثمانية أيام، إذ عاد أخذت في سبع ليال وثمانية أيام بريح صرصر عاتية، قال تعالى: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ [الحاقة:7]، فلم يبق منهم رجل ولا امرأة، ولو مررت بهم لقلت: إنهم أعجاز نخل خاوية لطولهم وهم محطمون.

    ومن لطائف التاريخ: أن الفلاحين لهم حساب خاص في الشهور الفلاحية، ففي آخر الشتاء يوجد لديهم يوم يقال فيه: قرة العجوز -والقر: هو البرد- وقرة العجوز هي عجوز من عاد دخلت في مغارة من جبل لكي تهرب -وهي مشركة- فدخلت الريح في اليوم السابع وهي كاللولب حتى جرفتها من الغار وضربتها على سفح الجبل، فآخر يوم سموه قرة العجوز، وتلك الأيام تسمى الأيام الحسوم.

    إذاً: ألم ينته إلى علمك ما فعل ربك بعاد؟! فهو قادر سبحانه على أن يفعل هذا بمشركي قريش ومجرميها.

    فهذه الآية فيها تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتصبير له وحمل على الثقة والطمأنينة؛ لأن الله قادر على أن يبطش بهؤلاء الظلمة كما بطش بغيرهم، فهو عز وجل يعرض عليه سلسلة من أحداث تاريخية ليعرف أن الله على كل شيء قدير، وليعلم المجرمون والكافرون والمشركون أنهم ليسوا بأعتى ولا أشد قوة من عاد ولا ثمود ولا فرعون، فما هم بشيء يذكر بالنسبة إلى تلك الأمم، حتى يتأدبوا بعض الشيء، ولا يزدادون عتواً وغلواً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وثمود الذين جابوا الصخر بالواد)

    قال تعالى: وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ [الفجر:9] ألم ينته إلى علمك هذا أيضاً؟

    وثمود: مدائن صالح، شمال المدينة.

    وقيل ثمود: هم المؤمنون الذين نزحوا من أرض عاد لما دمر الله عليهم البلاد، فالمؤمنون الذين مشوا مع هود تشاءموا وأخذوا الشمال، فنزلوا بهذه المنطقة ومات الصالحون منهم، ثم كثر مالهم ورجالهم و.. و.. فبعث الله فيهم عبده ورسوله صالحاً، وديارهم إلى الآن موجودة، أما عاد فقد انتهت؛ أكلتها الرمال وغطتها الأودية، وليس هناك مكان يعرف بعاد، لكن المسافة معروفة: من الشحر شمالاً إلى حضرموت.

    وَثَمُودَ [الفجر:9] أي: قبيلة ثمود، أفرادهم هم الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ [الفجر:9]، ومعنى (جابوا): قطعوا. فالجب: القطع. كانوا يقطعون الصخور من الجبال ويتخذون منها بيوتاً، تقيهم الحر اللافح في الصيف، والبرد الشديد في الشتاء. وإلى الآن لما تقف تعجب كيف شقوا هذه الجبال؟ وليس عندهم آلات ابن لادن ولا أمريكا، في ذلك الوقت لم يكن إلا الفأس والمعول، كيف شقوا الجبال؟ كيف قطعوا الصخور؟!

    جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ [الفجر:9] لأن ديارهم بين واد، جبال من هنا وأخرى من هنا والوادي بينهم وكله مزارع ونخيل وزروع وخيرات عجيبة، وقصتهم في سورة الشعراء موجزة.

    قوم صالح لما وجهوا إلى الحق ودعوا إليه أدبروا وطالبوا بالآية، فأعطاهم الله أعظم آية عرفتها البشرية، قال تعالى: وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا [الإسراء:59] أنفسهم وعقروها.

    وكانوا قد قالوا: يا صالح! إن كنت تزعم أنك رسول الله فادع الله أن يخرج لنا من هذا الجبل ناقة، فقام يصلي ورفع يديه، وما زال يصلي حتى تصدع الجبل وخرجت منه ناقة عشراء، قال تعالى: هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأعراف:73] فعقروها.

    اجتمع بعض الملاحدة وقيل: عجوز ناقمة ساخطة على صالح كان عندها فتاة أو فتاتان أخذت تعرضهما على الشبيبة مقابل عقر ناقة صالح، فقام أشقى القوم وهو قدار بن سالف أحيمر، قصير، شبيه بـعقبة بن أبي معيط فعقرها، ولما عقرها جاء أمر الله عز وجل، فقال لهم صالح: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ [هود:65] كلوا.. واشربوا.. والبسوا.. وافعلوا ما شئتم، فقط ثلاثة أيام. وما إن أعلن النبأ حتى لصقوا بالأرض، ما أصبح رجل منهم يقوم، انهاروا انهياراً كاملاً، فاصفرت وجوههم في اليوم الأول، واسودت في اليوم الثاني، وازرقت في اليوم الأخير، ومع الفجر أخذتهم صيحة خطفت قلوبهم.

    قال تعالى: فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود:65-67].

    إذاً: هذه ثمود، والرسول كان يسمع عن هذا من أجداده وإخوانه لأنها في ديارهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وفرعون ذي الأوتاد)

    قال تعالى: وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر:10]، وفرعون المصري القبطي أيضاً غرب الجزيرة، واسمه الوليد بن الريان وهو عربي من العمالقة الذين نزحوا.

    وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر:10] الأوتاد أربعة متقابلة، كانوا يضعون الرجل ويشدون رجليه ويديه عليها ويضربونه، فيعذب العذاب الشديد، فعرف فرعون بذي الأوتاد، والآن هناك مشانق، فـسيد قطب شنقوه، وهذه من بقايا فرعون.

    والسيدة آسية بنت مزاحم كذلك، قتلها فرعون بهذه الصورة، لكن قبل أن تسقط الحديدة فاضت روحها، فما نالها بسوء، قال تعالى عنها: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11] فاستجاب الله تعالى لها، وما إن أرسلوا الحديدة لتضربها حتى فاضت روحها وهي تشاهد الجنة؛ لأنها ربت موسى في حجرها، وآمنت بدعوة الله وكفرت بزوجها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين طغوا في البلاد)

    قال تعالى: الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر:11] أي طغيان أكثر من أن يقول: أنا ربكم الأعلى؟ ليس في فوق هذا أبداً! وادعى مرة أنه أمر وزير العمران أن يعد له العدة حتى يطلع إلى السماء فيفتش عن إله موسى عله يجده وَقَالَ فِرعَونُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر:36-37] ثم ادعى في النهاية وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38].

    وأما الذبح والقتل فلا تسأل عما فعله ببني إسرائيل، فحسبه أن يصدر قراراً جمهورياً بأن يذبح الأطفال المواليد الصغار من الذكور خشية أن هذا الشعب أصله شريف وأصله دين وأصله كذا.. فيطالب في يوم من الأيام بالحكم، ورجال السياسة هم الذين أملوا عليه هذا. فقال: ما الحل؟ قالوا: اذبح الأولاد، واترك النساء للشغل.

    ثم قال السياسيون: اليد العاملة ستنقرض، فمن يشتغل بعد؟ فقال: اجعلوا الإعدام عام وعام، يعني عام فيه عفو وعام فيه إعدام، والعام الذي فيه العفو ولد فيه هارون، والعام الذي فيه إعدام ولد فيه موسى، ودبر الله لموسى وأنجاه بكلمة إلهية: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ [طه:39] قالت العلماء: لن يقول هذا إلا الله، وهو قوله: وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7].

    إذاً: وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر:10-11] هذا جائز أن يكون عائداً على عاد وعلى ثمود وعلى فرعون، فالكل طغوا.

    و طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر:11] أي: تجاوزوا حدهم كونهم عبيداً لله، مخلوقين، مربوبين، يجب أن يطيعوه ويطيعوا رسوله، وأن يتعاونوا ويتحابوا وهم ينتظرون الموت أو الفناء، فإذا بهم يتنكرون للواقع، ويتجبرون ويتكبرون ويظلمون ويعبثون ويفسدون.

    إذاً: الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر:11] يصلح أن يكون عائداً على أقرب مذكور أو على الكل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأكثروا فيها الفساد)

    قال تعالى: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر:12] هذا الفساد ما هو؟ من منكم يهتدي إلى الفساد الذي أكثروه في الأرض؟ الجواب: المعاصي، معصية الله والرسول هي الفساد، أما قال تعالى: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56].

    ومن هنا فتح الله علينا في هذا الباب بكلمات وكتابات، فقلت: لأن تعصي الله في رابغ أو في ينبع أفضل من أن تعصيه في مكة والمدينة، نعم كلها معصية، ولكن هذا البلد المقدس، المعصية فيه جريمة عظيمة، وكنت أقول للذين لا يستطيعون أن يستقيموا على منهج الحق في هذه الديار: ارحلوا!! فيغضبون.. كنت أقول لهم: التحقوا بروما، اذهبوا هولندا وافجروا، أما في هذه الديار المقدسة فلا. هل رأيتم رجلاً يفجر في المسجد؟! أمعقول هذا؟ إن هذه الديار عبارة عن مسجد، فمن أراد أن يفجر لا يفجر هنا.

    ثم أقول: لأن ترتكب جريمة في الشام أو في مصر أو في باكستان أو في تركيا.. أفضل من أن ترتكبها في دولة القرآن، والله العظيم! والناس لا يفهمون هذا، وقد استنبطته من قول ربي: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56].

    أتأتي لتعمل زاوية أو تجمع خرافة في ديار طاهرة مثل هذه؟! اجعلها في مصر ولا بأس، أما في أرض طهرها الله، لم يبق فيها قبة تعبد، ولا قبر يعبد، ولا خرافة تروج، ولا باطل يأتي، ثم تأتي أنت وتختار لك مكاناً لتجمع فيه الغافلين وتكون لك طريقة كالتيجانية أو القادرية في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

    أقول: حرام، هذا ولا يجوز، عيب! اجعلها في بلاد أخرى ما طُهرت، حتى يأتي المطهرون لها ويطهروها، أما هذه الأرض قد طهرها الله وأصلحها على يد عبد العزيز، فليس من حقك أن تفتح فيها زاوية، ولا أن توجد فيها بدعة، ولا أن تصنع فيها خرافة تضلل الناس بها، ولكن الناس يفهمون هذا؟ لا يفهمون.

    أنا أقول: أن تعصي الله في بلاد المسلمين التي طهرها الله بالإسلام قبيح جداً، لكن لو عصيت الله في أمريكا وإيطاليا لا نلومك؛ فتلك بلاد كلها خبث، لكن أرض طهرها الله بالقرآن والكتاب والسنة فتعبث فيها، وتؤصل فيها للفساد والشر هذا خطأ عقلي، كل هذا مأخوذ من قول ربي: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56]. أيام كانت شرك وخرافة وضلالة ماشي الحال، أما بعد أن طهرها الله وطيبها لا تأتي أنت فتنشر فيها الخبث والفساد هذا لا يعقل!

    قال تعالى: الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر:11-12] أي: بارتكاب المعاصي، بفعل المحرمات: الجرائم.. السرقة.. الزنا.. اللواط.. الربا.. الخيانة.. الكذب.. هذه مدمرات تقضي على المجتمع، أحببنا أم كرهنا، وهذه سنن الله، فالطعام يشبع، والماء يروي، والنار تحرق، والحديد يقطع، وترك الفرائض والإقبال على المحرمات عوامل دمار وخراب للبشرية، لكن ما دمنا لا نجتمع على القرآن ولا ندرسه كيف سنعرف هذا؟ لن نعرف. إنا لله وإنا إليه راجعون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فصب عليهم ربك سوط عذاب)

    قال تعالى: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر:13].

    فَصَبَّ [الفجر:13] بناءً على ذلك تجلت حكمة الله، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ [الفجر:13] يا رسولنا؛ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر:13] و(سوط عذاب) من إضافة الصفة للموصوف، فَصَبَّ [الفجر:13] يعني: ربك.

    والسوط: عصا من جلد يفتلونها ويضربون بها الخيول، ذاك هو السوط، وضربها مؤلم، ولعل فيكم من ذاقه خاصة في مصر. إذاً: أصبح العرب يطلقون على العذاب المؤلم سوط عذاب.

    فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر:13] دمرهم، فأهلك فرعون وكل ما عنده في البحر، ودمر عاد وثمود.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن ربك لبالمرصاد)

    ثم قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14].

    المرصاد: مكان الرصد، حيث يرصدون الصيد فيبنون قبة أو كذا بالحجارة كالتي يرصدون منها الآن الأنوار في البحر.

    إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14] كل من يستحق النقمة سوف ينتقم منه.

    ولهذا سئل أحدهم: أين ربك؟ قال: بالمرصاد، صدق! أين ربك يا راضي؟ بالمرصاد، فالآن العرب والمسلمون تحت النظارة، كما قلت لكم وأنا على علم؛ لأنهم استنكفوا.. استكبروا.. أعرضوا.. شددوا.. ناديناهم.. صرخنا.. بكينا.. بكت الدنيا؛ عودوا إلى الله، ارجعوا إلى كتاب الله، حكموا شرع الله، أقيموا دين الله، أقيموا الصلاة، ما فهموا.

    إذاً: ينتظرون ماذا؟ النقمة الإلهية.

    ولا تقولوا: يا شيخ! هولت الدنيا، هؤلاء مسلمون، فيهم المؤمنون والمؤمنات! أقول: ماذا أصاب أجدادهم وآباءهم؟ أما استعمرتهم بريطانيا؟ أما أذلتهم اليهود؟ أما تحكمت فيهم أوروبا؟ لم؟ لذنوبهم، والآن الذنوب أفحش، نعم.

    استبدلنا الخرافة بالإلحاد، كان هناك خرافات وشركيات نعم، لكن لم يكن هناك إلحاد أبداً، ولا من يتقزز من دين الله أو يسخر من الصيام أو الصلاة، فلهذا: إن ربنا لبالمرصاد، وويل لأهل البلد إذا كثر فيهم الخبث وقل الطهر، فإذا قل الصلاح وكثر الفساد فما هي إلا هذه.

    فلهذا دعوتي للمؤمنين والمؤمنات في كل بلد: أن يعمل كل مؤمن ومؤمنة على أن يكثّر الصالحين إلى جنبه، في البيت، في الدكان، في السوق.. وإذا كان الصالحون أكثر عدداً فأبشروا، وإذا كان المفسدون أكثر عدداً فقد دقت الساعة، وإذا كان هناك توازن ففيه انتظار، فإذا رجحت كفة الصلاح نجت البلاد وأهلها، وإذا رجحت كفة الفساد عم الدمار، وهذا مفهوم قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14] ماذا يفعل بالمرصاد؟ يراقب. يراقب لا لشيء أو لينتقم؟ لينتقم.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.