إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان (8)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أرسل الله الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم إلى أقوامهم، وأنزل عليهم الكتب ليدعوا الناس إلى عبادة الله وحده، فما آمن معهم إلا قليل، وأبى أكثر الناس إلا كفوراً، فحقت عليهم كلمة العذاب فأخذهم الله أخذاً وبيلاً، فأغرق سبحانه فرعون وجنوده في اليم، وأهلك قوم نوح بالطوفان الأعم، وأهلك عاداً وثمود وأصحاب الرس بأنواع من العذاب والألم، وأمطر المؤتفكات بالحجر الأصم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه آخاه هارون وزيراً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الفرقان فهيا بنا نصغي لتلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا * فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا * وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا * وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا [الفرقان:35-40].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [الفرقان:35] يخبر تعالى بأنه أعطى موسى بن عمران رسول بني إسرائيل أعطاه الكتاب الذي هو التوراة، إذ أنزل عليه التوراة، ويقول: وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا [الفرقان:35] إذ موسى عليه السلام لما أمر بالذهاب إلى فرعون وملئه لدعوتهم إلى الله؛ ليؤمنوا ويسلموا قال موسى لربه: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا [طه:29-35] فاستجاب الله تعالى له ونبأ هارون وأرسله فهو نبي ورسول، وبعثه مع أخيه إلى ديار مصر؛ لدعوة فرعون -أولاً- إلى أن يعبد الله تعالى وحده -ثانياً- وأن يرسل بني إسرائيل إلى أرض القدس. هذه مهمة موسى وأخيه هارون عليهما السلام.

    فهذا خبر من الله تعالى يقول: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا [الفرقان:35] فلم أنتم أيها العرب! أيها المشركون! في مكة وخارجها تنكرون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال الكتاب عليه الذي هو القرآن؟!

    لقد سبق أن أرسل الله موسى وأنزل عليه كتابه، فما هو العجب الذي حملكم على أن تكذبوا برسولنا وكتابنا ولقائنا؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميراً)

    وقوله تعالى: فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا [الفرقان:36].

    فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الفرقان:36] أ أ

    أي: أمرنا موسى وأخاه هارون عليهما السلام أن يذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآيات الله وكفروا بها وجحدوها، ألا وهم فرعون والأقباط في البلاد المصرية.

    إذاً: ولم يستجب فرعون وأصر على أنه الرب والإله الذي لا رب غيره ولا إله سواه، وأصر على استعباد بني إسرائيل والتنكيل بهم وتعذيبهم، وأصر على كفره بموسى ورسالته، وبهارون ورسالته مع أخيه.

    إذاً: فمضى فيهم أمر الله فدمرهم تدميراً، أغرقهم إغراقاً؛ لأنهم أصروا على الكفر والعناد، والتكذيب وعمل الشر والفساد.

    إذاً: فليذكر من حالهم حال فرعون في الكفر والتكذيب والعناد والظلم والشر والفساد، فلينتظروا متى تنزل بهم نقمة الله، وتحل بدارهم ويدمرون تدميراً كاملاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ...)

    وقوله تعالى: وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [الفرقان:37].

    وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ [الفرقان:37] قوم نوح.. من نوح؟ نوح هذا أول رسول من رسل الله الذين أرسلوا إلى أقوامهم يدعونهم إلى الله عز وجل.

    نوح عليه السلام أرسل إلى ديار أهلها يعبدون غير الله عز وجل، وسبب عبادتهم الآلهة الباطلة المزعومة: أن هناك أناساً صالحين، وهم: يغوث ويعوق ونسر وسواع كانوا من الصالحين قبل نوح مع النبي الذي كان معهم من أنبياء الله، فلما مات هؤلاء بنوا على قبورهم وجعلوا لهم صوراً وتماثيل وأصبح الجيل بعد الجيل يعبدونهم، وسموهم آلهة، فلما عبدوا غير الخالق وذلوا وأذعنوا لغير سيدهم ومالك أمرهم الله جل جلاله وعظم سلطانه أصبحوا أهلاً للشر والفساد، ثم العاقبة السوأى يوم المعاد بالخلود في جهنم دار البوار.

    إذاً: فمن رحمة الله تعالى أن أرسل إليهم رسوله نوحاً عليه السلام، وعاش بينهم ومكث في ديارهم يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، كما أخبر تعالى بهذا في كتابه: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا [العنكبوت:14] وهم مصرون، ومن أراد أن يعرف دعوة نوح في كتاب الله فعليه بقراءة سورة نوح والمفتتحة بقول الله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [نوح:1] ولنأخذ منها أنهم كانوا إذا دعاهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم حتى لا يسمعوا كلامه ولا يروا وجهه، وقالوا لبعضهم البعض: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23] لهم آلهة ولهم هؤلاء الأولياء يعبدونهم من دون الله عز وجل.

    وهنا ألفت النظر إلى أن هذه الفتنة ساقها إبليس عليه لعائن الله إلى ديار الإسلام في القرون المظلمة بعد القرن الرابع، وأصبح في ديار المسلمين قبور يعبد أهلها، وتذبح لهم الذبائح، وتنذر لهم النذور ويحلفون بهم، ويرهبونهم، ويخافونهم أكثر مما يرهبون الله ويخافونه!

    وإليكم هذا المثل الحي الناطق: حدث أحد المصلحين: أنه لما أخذت الدعوة تنتشر في العالم الإسلامي كان فلان إذا زنا بامرأة في القرية.. في المدينة يستحي أن يمر بقبر سيده فلان. لا يمر به! فانظروا! يفجر ويبيح لنفسه ما حرم الله، وينتهك حرمات المؤمنين والمؤمنات ويزني بنسائهم ثم يخاف يرهب أن يمر في الطريق الذي به الولي الفلاني في قبره وعليه قبته، ولا يخشى الله عز وجل ولا يخافه.

    وعندنا مسألة أخرى: القاضي في المدينة أو القرية لما عرف أن أهل البلاد لا يعظمون الله ولا يبالون بالحلف به كذباً أصبح يستحلف الخصوم بسيدي فلان أو فلان؛ لأنه لو قال له: احلف بالله لحلف بالله مائة مرة وهو كاذب، فهو ما عرف الله فكيف يخافه؟ فيكف يرهبه؟ يحلف به كاذباً المرات العديدة. وإذا قيل له: احلف بسيدي فلان لا يحلف! والله ما يحلف! وشاء الله أن يأتي خصمان فيقضي القاضي بينهما بالحلف بالله، فقال الأول صاحب الحق: لا نقبل اليمين بالله؛ لأنه يحلف بالله كاذباً، اجعله يحلف بسيدي فلان. وقال: تفضل خذه معك، ووصلوا إلى الضريح إلى القبر فأدخل الحالف رأسه ليحلف بسيدي فلان وخصمه وراءه فضربه بهراوة على رأسه، فتركه يتخبط في الدم ملقياً، ماذا حصل؟ قالوا: هذا حلف بسيدي فلان كاذباً فضربه، حلف بسيدي فلان كاذباً فضربه وهو يتخبط في دمه!

    معشر المستمعين! هذا ثمرة الجهل بالله، ما عرفوا الله عز وجل!

    كيف يخاف ميتاً ويرهبه ويخشع بين يديه ويذل؟ وكيف يصلي فلا يبالي بمن هو يصلي له فلا خشوع ولا خضوع ولا انكسار بين يدي الله، وإذا وقف أمام قبر يذل وينكسر؟!

    العلة هي الجهل،ف يجب أن نذكر الله، وأن نجلس بين يدي أهل العلم لنتعلم، فتزول تلك المفاسد من نفوسنا، ونعرف الحق سبحانه ونعبده عز وجل.

    وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ [الفرقان:37] وعبر بالرسل وأراد نوحاً؛ باعتبار أن من كذب رسولاً من رسل الله -ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً- حكمه حكم من كذب كل الرسل، واذكروا هذه القاعدة: من كذب عيسى في رسالته يعتبر كذب كل الرسل، من كذب رسولنا محمداً صلى الله عليه وسلم يعتبر كذب كل الرسل؛ لأنهم رسل الله، فمن كذب واحداً منهم كذب الباقين والآخرين؛ فلذا قال تعالى: لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ [الفرقان:37] وهو يعني: نوحاً عليه السلام.

    ماذا فعلنا بهم؟ قال: أَغْرَقْنَاهُمْ [الفرقان:37] أغرقهم بالطوفان، ما بقي حي على وجه الأرض إلا من في السفينة.

    أغرقهم بالطوفان وقبل أن ينزل نقمته بعباده المشركين الكافرين أوحى إلى عبده ورسوله نوح أن اصنع سفينة واحمل فيها المؤمنين والمؤمنات، وصنع السفينة وكان الكافرون يسخرون منه ويستهزئون به ويضحكون، ويقولون: هذه السفينة تأتيها بالبحر أو تنقلها إلى البحر؟! وما هي إلا أن أرسل الله عليهم الطوفان فلم ينج إلا نوح وبضع وثمانون رجلاً وامرأة الذين هم في السفينة مع الحيوانات الذين هم في السفينة أيضاً، وأغرق الله البلاد كلها.

    معنى قوله تعالى: (وجعلناهم للناس آية)

    قوله تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً [الفرقان:37] علامة تدل على وجود الله العليم الحكيم!

    علامة تدل على رسل الله، وأنهم أهل حق!

    علامة تدل على أن الله ما أرسل رسولاً إلا ويجب الإيمان به واتباعه!

    علامة تدل على أن الله عليم حكيم ذو قدرة لا يعجزه شيء، فلا إله إلا هو، لا رب سواه!

    آية وعلامة تدل على كل هذا.

    وَجَعَلْنَاهُمْ [الفرقان:37] أي: في إغراقنا لهم وإهلاكنا لهم جعلناهم آية تدل على أن الله على كل شيء قدير، وأن الله يهلك الظالمين، وأن الله ينزل نقمه بالفاسقين والفاجرين.

    معنى قوله تعالى: (وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً)

    ثم يقول تعالى: وَأَعْتَدْنَا [الفرقان:37] هيأنا وأوجدنا للظالمين عذاباً أليماً.

    اسمع هذا الخبر! يقول تعالى: وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [الفرقان:37] فأيما ظالمون كانوا في أي مكان أعد الله لهم العذاب الأليم!

    أيما ظالم أو ظالمة أو جماعة تظلم ربها إلا وقد أعد لها عذاب الخلد.. عذاب البقاء الذي لا يفنى في الدار الآخرة، ومع هذا أيضاً فالظالمون يعذبون في الدنيا بسلب النعم من أيديهم.. بتسليط العدو عليهم.. بإصابتهم بالقحط والجدب، بالأمراض والأسقام والأوجاع، ولكن فقط حسب سنة الله، متى يحين الحين وتدق الساعة.

    وَأَعْتَدْنَا [الفرقان:37] نحن رب العزة والجلال والكمال لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [الفرقان:37].

    التحذير من الظلم وذكر أنواعه

    معاشر المستمعين! يا زوار المسجد النبوي الشريف! اعلموا يرحمكم الله أن الظلم ثلاثة أنواع: ظلم العبد لربه تعالى، وظلم العبد لنفسه، وظلم العبد لأخيه الإنسان.

    مظاهر الظلم إن أردت أن تنظر إليها وتعرفها فهي كما يلي:

    أول ظلم: أن تأخذ حقوق الله التي استوجبها لنفسه؛ لأنه خلقك ورزقك، وخلق الحياة والموت من أجلك، هذا الحق تسلبه منه وتعطيه لغيره. أي ظلم أعظم من هذا؟!

    فبدلاً من أن تقول: يا رب! يا رب! يا إلهي، تقول: يا سيدي فلان! يا سيدي فلان!

    بدلاً من أن تقول: يا أرحم الراحمين! يا رب العالمين! يا ولي المؤمنين! تقول: يا أولياء الله! يا رجال البلاد! يا فاطمة ! يا حسين ! يا علي ! يا فلان! يا فلان!

    أي ظلم أعظم من هذا؟!

    بدلاً من أن تركع بين يدي الله وتسجد له في ذلة وصغار تركع لإنسان وتسجد له وتعكف على قبره تعبده. فأي ظلم أعظم من هذا الظلم؟!

    وحسبنا معاشر المستمعين! قول ربنا: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] فحقوق الله يجب أن تعطيها لله، وحرام أن تسلبها من الله وتعطيها لغيره؛ فقد ظلمت يا عبد الله! كل العبادات التي تعبدنا الله بها وأنزلها في كتابه، وبينها رسوله هذه العبادات يجب ألا يصرف منها شيء لغير الله، حتى كلمة: (و) لليمين! والشائع بين إخواننا الآن الحلف بغير الله، ويعتبرونه ليس بشيء، فيقولون: وحق فلان! ورأسك، والطعام الذي أكلنا! وأكثر إخواننا المصريين يقولون: والنبي. شائعة بينهم: والنبي. فلا يجوز الحلف أبداً بغير الله، والله العظيم لا يحل لنا أن نحلف بغير الله أبداً.

    لماذا؟ لأن الحلف بالشيء تعظيم له ورفعه إلى مستوى الألوهية حتى أنك تحلف به ولا تكذب!

    أما الاستغاثة والدعاء والنذر يا سيدي فلان! إن تزوجت ابنتي فعلت لك كذا، إن شفي مريضي فعلت كذا، هذا النذر والعياذ بالله شرك، فماذا أقول فيه؟ أكبر أنواع الشرك.

    قوم نوح أخبر تعالى عن إهلاكهم وإغراقهم وتدميرهم بسبب ظلمهم بشركهم، هكذا يقول تعالى: وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ [الفرقان:37] عرفنا ظلمك لربك؟ أن تأخذ عبادته وتعطيها لغيره؛ إذ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.

    ثانياً: ظلمك لنفسك.

    وظلمك لنفسك كيف يكون؟ نفسك لما نفخها الملك في جسمك في رحم أمك كانت مشرقة كهذا النور، ثم لما ولدت وأخذت تنمو وتكبر حتى تبلغ سن التكليف ثم إذا أنت أذنبت ذنباً انصب على نفسك ظلمة وعفناً ونتناً، وتصبح أنت ظالم لها، فإن أنت عبدت الله واستقمت على عبادته يبقى إشراق نورك في نفسك كما هو، لكن إذا أنت أشركت أو أذنبت ذنباً من الذنوب يقع على النفس فتصاب بالظلمة والعياذ بالله تعالى، وأنت ظالمها، ما ظلمها غيرك.

    فلنحذر الظلم لأنفسنا بألا نعصي ربنا ولا نخرج عن طاعة مولانا؛ حتى تبقى نفوسنا طاهرة نقية مشرقة يرضاها الله ويحبها، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222]. لماذا؟ لأن أرواحهم زكية طاهرة.

    ويقول: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9] أي: نفسه طيبها وطهرها بهذه العبادات الشرعية التي أنزل الله بها كتابه وبعث بها رسوله.

    ثالثاً: ظلمك لأخيك الإنسان كافراً أو مؤمناً، فلا تأخذ ماله بدون رضاه، ولا تسب ولا تشتم، لا تقبح ولا تعير، لا تضرب ولا تقتل.

    ظلمك للإنسان شر وظلم والعياذ بالله، ولا يحل للإنسان المؤمن أن يظلم غيره حتى ولو كان كافراً؛ لأنه عبد الله عبد مولاك فكيف تعتدي عليه وتظلمه؟

    أنسيت ربك خالقك وخالقه؟ فكيف تظلمه وتعتدي عليه؟!

    هكذا يقول تعالى: وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [الفرقان:37] قال: الظالمين: المستغرقين في الظلم، المتمكنين منه، المتوغلين فيه، أما من ظلم ظلماً وتاب تاب الله عليه ومحا أثره عن نفسه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعاداً وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً)

    ثم قال تعالى: وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [الفرقان:38].

    أين عاد؟ قبيلة عاد كانوا في حضرموت في جنوب الجزيرة!

    وعاد أمة لم تعرف الدنيا أقوى منها ولا أقدر منها! كانوا عمالقة طولهم ثلاثون ذراعاً، وبنوا وصنعوا و.. و.. ولكن أعرضوا عن الله فعبدوا غيره فأرسل الله تعالى إليهم رسولاً من رسله وهو هود عليه السلام، فدعاهم إلى ربهم، أن يعبدوا الله ويتخلوا عن عبادة الأصنام والأحجار، فأصروا وعاندوا وكابروا اليوم بعد اليوم والعام بعد العام حتى آن أوان هلاكهم فأرسل الله تعالى عليهم ريحاً عاصفاً: سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ [الحاقة:7] والله ما بقي أحد! أهلكوا وما نجا منهم إلا هود والمؤمنون، قبل أن ينزل العذاب خرجوا متجهين شمالاً، واقرءوا قول الله تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:16].

    أمة كاملة! واقرءوا قول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:6-8]. مدينة من أعظم المدن! حولها إلى دمار وخراب.

    ألم ينته إلى علمك يا رسولنا! كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:6-8] دمرهم مرة واحدة.

    ومن لطائف العلم: أن عجوزاً من عجائز تلك البلاد حفرت في جبل وعرفت أن المحنة تنزل والعذاب ينزل، فدخلت في غار في داخل الجبل، فجاءت الريح تضرب حتى استخرجتها، وأصبحت تعرف تلك الساعة وذلك اليوم بقرة العجوز، وهي معروفة عند العرب إلى اليوم!

    القرة: المطر أو البلاء الذي ينزل والرياح العاصفة. العجوز: البرد.

    ولما خرج هود مع المؤمنين اتجهوا شمالاً فبعضهم نزلوا بمكة، وبعضهم اتجهوا شمالاً وكونوا لهم دولة وبلاداً في شمال المدينة في الحجاز وأصبحت لهم قوة ودولة وسلطان واعتزاز وصنع وما إلى ذلك، فأرسل الله تعالى إليهم عبده ورسوله صالحاً عليه السلام، فدعاهم إلى الله: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، لا إله لكم إلا الله، ولا رب لكم سواه، اعبدوه وأطيعوني استجيبوا لربكم، اعملوا ما يأمركم أن تعملوا، انتهوا عما نهاكم عن فعله، فأصروا وسخروا واستهزءوا وقالوا: إن كنت رسولاً فأخرج لنا من هذا الجبل ناقة، فقام صالح يصلي ويديه على صدره، وما زال يصلي وما فرغ من صلاته حتى تصدع الجبل وانشق وخرجت منه ناقة عشراء! العجب! هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأعراف:73] ومع هذا قالوا: سحرنا.

    كيف هذه الناقة تشرب ماءنا وحدها في يوم ولنا الماء في اليوم الثاني؟!

    واحتالوا ومكروا وعقروها، وجاء لص من لصوصهم يأخذ الإذن من كل واحد: تأذن وتسمح لي أن أعقر الناقة؟ فيقول: نعم. فعقرها فاعتبروا كلهم عقروا تلك الناقة؛ فأنزل الله تعالى بهم عذابه: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ [القمر:31]، أهلكهم الله.

    واقرءوا إن شئتم سورة: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1] إلى قوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا [الشمس:11] والطغيان هو الذي سبب الكذب. اعرفوا هذه الحقيقة كذبت ثمود لما طغت، تمولت وعزت.

    إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس:12] هذا قدار بن سالف عليه لعائن الله، انبعث وعقر الناقة فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس:14-15] ولم ينج أحد إلا صالح ومن معه من المؤمنين.

    هكذا تعالى يذكرنا ويقول: وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ [الفرقان:38] الرس: بئر. أهل القرية لما حاربهم النبي بالدعوة وأغضبهم وسخطوا عليه دفنوه في ذلك البئر.. ألقوه في البئر، فهم أصحاب الرس، وجاءهم بعد ذلك شعيب فما استجابوا أيضاً.

    وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [الفرقان:38] أمم كثيرة أرسل الله فيهم الرسل وأنزل على رسلهم الكتب ودعوهم إلى الله ليستقيموا على دعوته ومنهاجه فيكملوا ويسعدوا فرفضوا، فأهلكهم الله عز وجل.

    إذاً: فما حال المشركين في مكة؟ فما حال العالم اليوم؟

    أليس الله قد أرسل محمداً؟ بلى.

    أليس الله قد أنزل كتابه عليه؟ بلى.

    أليس الله قد دعاهم وهيأ من يدعوهم إلى يوم القيامة وهم معرضون مصرون على الشرك والكفر والعناد؟ بلى. فيا ويلهم يوم يلقون ربهم، إلا من تاب وتاب الله عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكلاً ضربنا له الأمثال وكلاً تبرنا تتبيراً)

    ثم قال تعالى: وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا [الفرقان:39] تلك الأمم كلها أنزل الله الكتب وبعث الرسل وضرب لها الأمثال الناطقة ولو كانوا يعقلون أو يفهمون لآمنوا، ولكن تبرهم ودمرهم تدميراً، وما زال الله عز وجل يهلك من شاء ويرحم من يشاء، فاللهم اجعلنا ممن ترحمهم يا رب العالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ...)

    ثم قال تعالى: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ [الفرقان:40]. من هؤلاء؟ المشركون الكافرون في مكة، قريش ومن معها، كانوا إذا سافروا إلى الشام يمرون بسدوم وعمورة قرى قوم لوط الذين دمرهم الله عز وجل، فقال تعالى: وَلَقَدْ أَتَوْا أي: مشوا.. مضوا في طريقهم إلى مصر.. في طريقهم إلى الشام يمرون بسدوم وعمورة والمدن التي أهلكها الله، والبحيرة موجودة إلى الآن منتنة وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ [الفرقان:40] مطر السوء وليس مطر الرحمة فأهلكهم الله، فتحولت تلك البلاد ومن أعظمها سدوم وعمورة إلى بحيرة منتنة الحوت لا يتخلق فيها إلى الآن، يمرون بها في طريقهم إلى الشام ويعرفونها في طريقهم إلى مصر.

    فلم لا يخافون الله؟ ولم لا يخشون ربهم أن ينزل نقمته بهم؟

    واشتدوا وعاندوا فأصابهم الله بجدب وقحط سبع سنين حتى أكلوا العهن، ومع هذا مصرين حتى فتح الله على رسوله مكة وأسلموا ودخلوا في رحمة الله.

    ثم قال تعالى: أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا [الفرقان:40] أي: يشاهدونها وهم يمشون عليها أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا [الفرقان:40] بلى. يرونها أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا [الفرقان:40] هذه العلة في الكفر، هذه العلة في الشرك، هذه العلة في الظلم، هذه العلة في الفساد في هذه الأرض.

    علة هذا الفساد: عدم الإيمان بالحياة الثانية.. بالبعث الآخر.. بالدار الآخرة، كل كفر، كل شر، كل فساد ناتج عن عدم العقيدة بالبعث الآخر، أما الذين يؤمنون بلقاء الله والوقوف بين يديه وسؤالهم واستجوابهم ثم إدخالهم الجنة أو النار فهيهات هيهات أن يصروا على الكفر والعناد والتكذيب والشر والفساد، واسمعوا لله تعالى يقول: بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا [الفرقان:40] ما استفادوا من هذه الآيات أبداً، ولا رجعوا إلى الله ولا دخلوا في الإسلام، وسبب ذلك أنهم لا يؤمنون بالبعث الآخر.. بالدار الآخرة.. بالحياة الثانية.

    ولهذا أكرر القول: أن أركان الإيمان ستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.

    الإيمان بالله لا إله غيره ولا رب سواه، والإيمان بمحمد رسول الله، والإيمان بالبعث الآخر، هذه هي أقوى أركان الإيمان، فمن كذب الرسول محمداً ولو آمن بالله ولقائه لا ينتفع، ومن كذب الله في ألوهيته وعبد غيره عيسى أو أمه أو الصليب أو القبر أو كذا لا ينفعه الإيمان بالملائكة ولا بالرسل، ومن كذب باليوم الآخر فلا يستقيم أبداً، ولا يرجى منه استقامة.

    لكن المؤمن يؤمن بأنه سيسأل: لم قلت كذا؟ لم أكلت كذا؟ لم نمت عن كذا؟ لم فعلت كذا؟ ويثيبه الله على ذلك ويجزيه!

    الذي يؤمن هذا الإيمان والله لهو الذي يستقيم ويعيش خمسين سنة.. مائة سنة لا يظلم، ولا يعتدي ولا يفجر.

    لكن إذا فقدت هذه العقيدة هبط يفعل كل باطل وكل شر، وبالأمس قلنا: الذي لا يؤمن بالله ولقائه لا يوثق فيه ولا يعول عليه ولا يؤتمن أبداً، ولا يصدق في شيء؛ لأنه شر الخلق، فليس القردة ولا الخنازير ولا الكلاب ولا الذئاب شر الخلق، ولكن الكافرون والمشركون، فالله تعالى خالقهم يخبر بهذا عنهم فيقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6] ما البريئة؟ الخليقة، برأ إذا خلق. أولئك شر البرية.

    من شر الخليقة يرحمكم الله؟ لا الحيات ولا الثعابين ولا الكلاب ولا.. ولا..، ولكن الكافر والمشرك في هذه الحياة الدنيا هو شر الخلق.

    ما وجه ذلك؟ الذي لا يسأل من خلقني؟ من رزقني؟ من خلق هذا الكون؟ من أوجد هذه الحياة؟

    الذي لا يسأل أبداً ولا يعرف من هو ربه ولا يعمل بما يأمر ولا ينهى ولا بما يحب أو يكره ويستمر على الجرائم والموبقات والشر والخبث شر الخلق: أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6] أي: الخليقة.

    أما أهل الإيمان والعمل الصالح جعلنا الله وإياكم منهم، فالله يقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ [البينة:7-8] لمن؟ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8] أي: خاف من الله، فاستحى أن ينظر إلى امرأة لا تحل له!

    استحى أن يقول كلمة تسيء إلى مؤمن!

    استحى أن يمد يده بظلم أو اعتداء؛ لأنه يعيش بين يدي الله، يراقب الله في كل أعماله وفي كل حركاته وسكناته!

    هؤلاء هم المؤمنون بحق، فاللهم اجعلنا منهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    الآن معاشر المستمعين مع هداية الآيات، فهذه الآيات التي درسناها فيها هداية، وكل آية لها هداية!

    سبحان الله! والله العظيم كل آية والقرآن ستة آلاف ومائتين وأربعين آية، كل آية لها هداية، وبيان ذلك: أنك لما تقرأ: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1] هذه آية. من أنزلها؟ الله. على من نزلت؟ على رسول الله.

    لم أنزلت؟ لهداية عباد الله. إذاً: فيها هداية، فكل آية فيها هداية تهدي إلى الله عز وجل.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: بيان سنة الله تعالى في إهلاك الأمم بعد الإنذار والإعذار إليها ].

    بيان سنة الله تعالى في إهلاك الأمم وتدميرهم، وهي أنه يبعث إليهم الرسول فيكذبوه ويتهموه بالسحر أو بالجنون، ويرفضوا دعوته ويعاندوه ويحاربوه أيضاً، فيستوجبون الهلاك فيهلكهم الله كما فعل بعاد وقوم لوط وغيرهم.

    [ ثانياً: بيان عاقبة المكذبين وما حل بهم من دمار وعذاب ].

    عباد الله! لا تكذبوا ربكم ولا رسوله، قولوا: آمنا بالله ولقائه، آمنا بالله ورسوله، فهذا كتاب الله بين أيدينا آمنا بكل ما فيه؛ لأن التكذيب يسوق صاحبه إلى الهاوية.. إلى الهلاك، فنقول: آمنا ولا نقول: كذبنا أبداً. آمنا بالله ولقائه، آمنا بالله وكتابه، آمنا بالله ورسوله، آمنا بالله وقضائه وقدره، وعلى هذا المنهج نعيش حتى نلقى ربنا عز وجل.

    [ ثالثاً: ] وأخيراً [ بيان علة تكذيب قريش للرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به وهي تكذيبهم بالبعث والجزاء، فلهذا لم تنفعهم المواعظ ولم تؤثر فيهم العبر ].

    كما علمتم -وزادني الله وإياكم علماً- أن التكذيب والعناد، الشرك، الباطل، الشر، الفساد.. كلها ناتجة عن عدم الإيمان بلقاء الله عز وجل، قال تعالى: بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا [الفرقان:40] فالذي يرجو ويأمل أن يحيا بعد موته ويحاسب ويجزى هيهات هيهات أن يستمر على الظلم أو يبقى على الشر والفساد، بل لا بد وأن يعود ويتوب إلى الله، لكن الذي لا يؤمن بالبعث الآخر والدار الآخرة لا يمكن أن يستقيم أبداً.

    والله تعالى أسأل أن يتوب علينا وعلى سائر المؤمنين والمؤمنات.