إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان (7)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما شكا النبي إلى ربه إعراض قومه عن القرآن وهجرهم له؛ أنزل الله عز وجل هذه الآيات تعزية له ومواساة مبيناً له أن شأن سائر الأنبياء أن يعاديهم المجرمون ويسخروا منهم ويضيقوا عليهم، ويأتوهم بالمطالب التي ليست من شأنهم، والمقترحات التي تدل على استكبارهم وتعنتهم، كما هو شأن هؤلاء حين طلبوا أن ينزل القرآن على النبي دفعة واحدة، وما ذاك إلا لفرط تحكمهم وتعنتهم، وقد بين الله لنبيه الحكمة من تقسيم القرآن وتنجيمه، ولكن الكافرين لا يعقلون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الفرقان فهيا بنا نصغي لتلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا * الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:30-34].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30] هذه شكوى شكاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه أيام كان يعاني ويقاسي من الشدائد والهموم والكروب.

    ويشكوها يوم القيامة: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30] فيسحبون إلى جهنم على وجوههم سحباً.

    وَقَالَ الرَّسُولُ [الفرقان:30] من هو هذا الرسول العظيم؟ هذا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خاتم الأنبياء وخاتم الرسل فلا نبي بعده ولا رسول.

    والرسول -كما علمتم- من يحمل رسالة إلى أناس قليلين أو كثيرين.

    والنبي: من ينبئه الله ويخبره بما يشاء، ولكن الرسول يحمل رسالة، وعامة الرسل ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً.

    معشر المستمعين! الزوار الكرام! تعلموا هذا العلم! كم عدد الرسل؟ ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، على عدة قوم طالوت الذين انتصروا على جالوت أيام بني إسرائيل، وعلى عدة أهل بدر الذين قادهم المصطفى صلى الله عليه وسلم فقد كانوا ثلاثمائة وأربعة عشر. وأما الأنبياء فمائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي.

    وعرفنا الفرق بين الرسول والنبي، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً؛ لأن النبي إذا حمل الرسالة رسول، وإذا ما حملها يبقى نبياً.

    وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ [الفرقان:30] هذا دعاء أو شكوى؟ لو قال: وقال الرسول: رب! لكان جائزاً، لكن حال الشكوى غير حال الدعاء، هذا يشكو ويصرخ؛ فلهذا قال: يا رب! ومعنى رب: يا خالقي! ورازقي! يا موجدي! يا من لا إله لي غيره ولا رب لي سواه، يا رب العالمين يا رب كل شيء ومليكه! رب! يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي [الفرقان:30] قومه: الذين أرسل إليهم وهم هنا المكيون من القرشيين وغيرهم من أهل مكة.

    إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ [الفرقان:30] العظيم الجليل الكريم القرآن اتخذوه مَهْجُورًا [الفرقان:30] لا يقرءونه ولا يريدون أن يسمعوه، ولا يرغبون في سماعه، ولا يسألون: من أنزله؟ ولماذا أنزل أبداً؟ هجراً كاملاً!

    وهنا لطيفة: احذر يا عبد الله أن يكون لك مصحف في بيتك وتمضي عليك الأيام والشهور والأعوام ولا تقربه، فإنه ينطبق عليك هذا. هذا قاله السلف من الصحابة والتابعين.

    مفهوم هجر القرآن في الآية

    ما معنى مَهْجُورًا [الفرقان:30]؟ أي: متروكاً، فكونك تشتري مصحفاً أو تطلبه وتضعه في بيتك ويمضي العام والأعوام ولا تقرأ فيه هذا هو الإجرام، والله ولينا!

    أما إذا كنت لا تعمل بما فيه فهي الطامة الكبرى، وذلك الهجران. هذا على فرض أنك مستقيم تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، ولكن المصحف عندك وتحسن القراءة ولا تقرأ فيه طول العام فهذا هجران.

    وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30] لا يريدون أن يقرءوه ولا يسمعوه، فإذا سمعوا الرسول يقرأ يغضبون ويسدون آذانهم حتى لا يسمعوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين ...)

    ثم قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان:31] كما جعلنا لك أعداءً:

    أبا جهل وعقبة بن أبي معيط والأخنس بن شريق وفلان بن فلان جعلنا لكل نبي قبلك ورسول أعداء.

    هذه سنتنا في خلقنا. ما سبب ذلك؟ لأن الرسول والنبي يأتي بالهدى، اتركوا هذا وخذوا هذا، اعتقدوا هذا، وخذوا هذا، والمجرمون عاشوا على الزنا والفجور والباطل والظلم فلا يريدون أن يتنازلوا؛ فتصبح العداوة ثابتة بينهم وبين النبي والرسول، فهو في عدوة وهم في عدوة، لا يتفقون.

    وتأملوا معنى قوله: مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان:31] ما قال: من الناس، أو قال: من الكافرين، بل قال: مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان:31] ليذكرنا بأن الإجرام هو إفساد النفس البشرية بما يصب عليها من أطنان الذنوب والآثام، فالمجرمون هم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله ورسوله، أجرموا على أنفسهم فأفسدوها، دمروها، قضوا على حياتها. بسبب ماذا؟ بسبب ما يقولون من الباطل، وما يعتقدون من الباطل، وما يفعلون من الشر والفساد.

    فلنحذر الإجرام! نبرأ إلى الله أن نكون من المجرمين الذين أفسدوا أنفسهم فصبوا عليها الذنوب والآثام، فيستبيحون ما حرم الله من الطعام والشراب واللباس.. يستبيحون ما حرم الله من الزنا واللواط.. يستبيحون ما حرم الله من القول والفعل.. مجرمون، نعوذ بالله من الإجرام والمجرمين.

    عبد الله! روحك أمانة بين جنبيك والله العظيم! فاحفظها ولا تزهقها وتقتلها، حرام عليك.

    إذاً: لا تخبثها ولا تلوثها ولا تعفنها بما تقول وتفعل، فأنت آثم. ما فعلت هذه النفس؟ أجرمت عليها أنت، فأنت مجرم!

    ومن زلت قدمه وارتكب إثماً فيجب أن يتوب على الفور ويستغفر ويندم ويقلع عن الإثم، وبذلك ينمحي ذلك الأثر.

    تلك الظلمة أو النتن يزول من النفس ويمحوه الله. هذه سنة الله عز وجل.

    الأبدان تتلطخ وتنجس فتطهر بالماء والصابون فتطهر وتنظف وتكون أحسن مما كانت، وكذلك النفس البشرية إذا زلت القدم وفعلت معصية من المعاصي فعجل بالتوبة النصوح الصادقة: أستغفر الله، أستغفر الله! والدموع تذرفها وأنت عازم ألا تعود إلى هذا الإثم أبداً، وبذلك والله ينمحي ذلك الأثر ويزول، بل وتصبح نفسك أكثر إشراقاً مما قبل؛ ولهذا فتح الله باب التوبة لعباده فقال تعالى: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8].

    هكذا يقول تعالى: وَكَذَلِكَ [الفرقان:31] يا رسولنا! جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا [الفرقان:31] من من؟ مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان:31] لا من المؤمنين، لا من المسلمين، لا من الصالحين، لا.. بل من المجرمين.

    معنى قوله تعالى: (وكفى بربك هادياً ونصيراً)

    قال تعالى: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان:31] فلتطمئن نفسك وتسكن يا رسولنا!

    أبشر فإن ربك هاديك وناصرك، ولا يضرك عنادهم ولا عداؤهم ولا ما هم عليه، فيكفي بربك هادياً لك ونصيراً.

    بشرى للحبيب! بعدما بين له أنه في أعداء يعيش بينهم.. يسمع منهم ويرى ويشاهد ما لا تطيق، ولكن معه ربه، هداه وكمل دينه ونصره، وانتصر الإسلام والحمد لله رب العالمين.

    وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان:31] هادياً لك إلى طريق السعادة والكمال، ونصيراً لك على أعدائك وخصومك يا رسولنا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ...)

    ثم قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان:32] يبدو -والله أعلم- أن هذه نفخة اليهود، إذ كان المشركون لما اشتدت الحرب ولاحت الأنوار كانوا يتصلون باليهود ويسألونهم، فقالوا لهم: قولوا: لماذا ما نزل القرآن كما نزلت التوراة والإنجيل والزبور جملة واحدة؟!

    لماذا ينزل كل يوم آية أو آيات؟!

    القول قاله المشركون: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الفرقان:32] من أهل مكة، ولكن يدخل فيه اليهود والنصارى، وقد يقول هذا الآن الكافرون الملاحدة والعلمانيون: لم القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة؟ لماذا ما نزل كتاباً واحداً؟! والآية عامة في جميع الذين كفروا في كل زمان ومكان.

    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا [الفرقان:32] أي: هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان:32].

    كيف يدعي أنه نبي الله ورسوله والقرآن لا ينزل عليه مرة واحدة؟ ما هو بنبي ولا برسول إذاً.. هكذا يقولون.

    لم ما نزل جملة واحدة كالتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود؟

    وذكر هذا ابن جرير وغيره أنها بإيحاء من اليهود، وهو الواقع؛ لأن العرب كانوا لا يعرفون التوراة ولا الإنجيل.

    وذكر ابن جرير أيضاً: أن القول هذا قاله اليهود، لكن اليهود لا يقولونه والرسول في مكة، قالوه لما صار في المدينة، لما كان في مكة كانوا طامعين أن يكون معهم، هكذا يقول تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ [الفرقان:32] أي: هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان:32]؟

    قال تعالى: كَذَلِكَ [الفرقان:32] أي: كهذا التنزيل نزلناه آية بعد آية وسورة بعد سورة في ظرف ثلاث وعشرين سنة، من أجل ماذا؟ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان:32] أي: فؤاد الرسول. أي: قلبه.

    فهو بشري إنسان يضعف ويعجز فلا بد مما يثبته حتى يثبت على دعوته وينصر دعوته حتى ينتصر.

    إذاً: الحكمة في كون القرآن نزل في ظرف ثلاث وعشرين سنة حكم كثيرة:

    منها: ما ذكر تعالى هنا ليثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما يجادلونه في كلمة يأتيه ربه بجوابها، كلما يعترضون عليه بشيء ينزل القرآن بضد ذلك وبيانه.

    ثانياً: لو نزلت الأحكام كلها في يوم واحد لا يستطيع أحد أن يتمثلها ولا يقوم بها، فهذا العام حرم الله الخمر، والعام الثاني وبعد عامين حرم الربا، وفي العام الأول فرض الصلاة، وبعد عامين فرض الصيام.. وهكذا؛ حتى تأهل الناس لذلك، ولو نزلت الشريعة كلها في يوم واحد لا يستطيعون.

    هكذا يقول الحق تعالى لرسوله: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان:32] اقرأ القرآن واسمع قراءته ثم رتله آية بعد آية، آية بعد آية، آية بعد آية، مرتل متتابع، سورة بعد سورة، فما هو جملة واحدة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً)

    ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان:33]. كلما يقدمون حجة لهم ينزل القرآن بإبطالها!

    كلما يقولون مثلاً وصفة من الصفات يأتي القرآن بإبطاله بأحسن منها!

    فلا يأتونك بمثل من الأمثال أو صفة من الصفات ويحتجون بها ويعترضون عليك إلا والله عز وجل ينزل عليك ويجيء بالحق وأحسن تفسيراً وأحسن بياناً وتفصيلاً!

    هذه بشريات لمحمد صلى الله عليه وسلم في أيام الضيق وليس في أيام السعادة كهذه، بل في أيام البلاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكاناً وأضل سبيلاً)

    ثم قال تعالى: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:34].

    تعرفون ما جهنم؟ الدركة الثانية. الدركة الأولى: النار، والثانية: جهنم. وهي من أشد النار، تسمى جهنم؛ لأن النار سبع دركات أو طبقات سفلية، أولها: النار. ثانيها: جهنم. ثالثها: لظى. رابعها: الحطمة. خامسها: السعير. سادسها: سقر. سابعها: الهاوية، آخرها الهاوية التي يهوى فيها الإنسان إلى أبعد حد.

    يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ [الفرقان:34] وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن معنى ذلك، وأنه كيف يمشون على وجوههم؟ فأجابهم بأن الذي أمشاهم على أقدامهم يمشيهم على وجوههم.

    أي حجة هذه؟! بعض الصحابة سألوا: كيف يمشون على وجوههم؟ قال بالكلمة الطيبة العجيبة الذي أمشاهم على أرجلهم يمشيهم على وجوههم.

    يمشون على وجوههم، والله ليسحبون إلى النار على وجوههم.

    الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:34] هيا نبكي، هل نحن آمنون؟ من أوحي إليه؟ من نبئ؟ من بشر؟ على كلٍّ البشارة العامة هي أننا مؤمنون، ولكن ينبغي أن نبكي عند هذه الآية وغيرها كما بكى المؤمنون الصادقون.

    يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ [الفرقان:34]. من هؤلاء؟

    الكافرون، المجرمون، الفاسقون، المعاندون المحاربون لدعوة الحق. يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ [الفرقان:34] يسحبون سحباً.

    معنى قوله تعالى: (أولئك شر مكاناً وأضل سبيلاً)

    يقول تعالى: أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:34].

    أُوْلَئِكَ [الفرقان:34] البعداء شَرٌّ مَكَانًا [الفرقان:34] ينزلونه في جهنم، أسوأ مكان في جهنم.

    وَأَضَلُّ [الفرقان:34] طريقاً. هؤلاء الكافرون والمجرمون نعوذ بالله أن نكون منهم!

    هيا نقوي إيماننا ونكثر من صالح أعمالنا حتى نبشر في حياتنا بأننا من الناجين الفائزين!

    هذه البشرى التي نرجو الله أن يعجلها لنا هي: أنك ترى رؤيا صادقة كالنهار في ضوئه فتبشر بأنك من أولياء الله عز وجل، وإن لم ترها أنت يريها الله أخاً لك من إخوانك المؤمنين ولو في غير بلادك ويبشرك بها، واقرءوا لذلك يا أهل القرآن! قول الله تعالى من سورة يونس: أَلا [يونس:62] أي: ألو ألو، حتى الأطفال الآن يقولون: ألو، النساء: ألو، ما عرفنا من أين جاءت ألو هذه؟! هذه جاءت من القرآن: أَلا [يونس:62] أنت تسمع، إحساسك حاضر حتى أبلغك أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، والله لا يخافون ولا يحزنون.

    صفات أولياء الله

    من هم أولياء الله؟ سيدي عبد القادر الجيلاني ؟! فاطمة ؟! الحسين ؟! من؟ بين لنا يا ربنا!

    من؟ الحمد لله، الحمد لله قد بين لنا، فقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] كل مؤمن تقي فهو لله ولي، أقسم لكم بالله، إذ هذا بيان الله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] طوال حياتهم.

    يتقون ماذا؟ عذاب الله وسخطه.

    بم يتقونه؟ باللباس؟ بماذا؟ بالحصون أو الأسوار كما يقولون؟ لا. بل يتقونه بفعل ما يحب الله وترك ما يكره الله. أي: بطاعة الله ورسوله، بفعل الأوامر واجتناب النواهي. بهذا تكون التقوى.

    ثم قال تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64] ففسر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى في الحياة الدنيا فقال: ( إنها الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له ). الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له.. يراها غيره، تراها أمه أو أخوه أو صديقه، أو فلان بن فلان، فيقول: رأيت لك البارحة كذا وكذا، ولن يموت ولي الله حتى يبشر.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب لنزداد علماً وبصيرة!

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في عرض أحوال البعث الآخر الذي أنكره المشركون ] وكذبوا به [ فقال تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]. هذه شكوى الرسول صلى الله عليه وسلم بقومه إلى ربه ليأخذهم بذلك، وهجرهم للقرآن تركهم سماعه وتفهمه والعمل بما فيه ].

    ما معنى هجرهم للقرآن؟ تركهم سماعه.. لا يسمعون، وتركهم التفهم.. لا يفهمون، وتركهم العمل به.. لا يعملون به. هذا هجرهم للقرآن، وكل من لم يسمع القرآن ويهجر تلاوته والعمل به ينطبق عليه هذا والله العظيم.

    [ وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان:31] أي: وكما جعلنا لك أيها الرسول أعداء لك من مجرمي قومك جعلنا لكل نبي عدواً من مجرمي قومه. إذاً: فاصبر وتحمل حتى تبلغ رسالتك وتؤدي أمانتك، والله هاديك إلى سبيل نجاحك وناصرك على أعدائك. وهذا معنى قوله تعالى: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان:31].

    وقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان:32] أي: وقال المكذبون بالبعث المنكرون للنبوة المحمدية المشركون بالله آلهة من الأصنام ] قالوا [ هلا نزل عليه القرآن مرة واحدة مع بعضه بعضاً لا مفرقاً آيات وسوراً، أي: كما نزلت التوراة جملة واحدة والإنجيل والزبور، وهذا من باب التعنت منهم والاقتراحات التي لا معنى لها، إذ هذا ليس من شأنهم ولا مما يحق لهم الخوض فيه، ولكنه الكفر والعناد ] ولهذا قالوا ما قالوا [ ولما كان هذا مما قد يؤلم الرسول صلى الله عليه وسلم رد تعالى عليهم بقوله: كَذَلِكَ [الفرقان:32] أي: أنزلناه كذلك منجماً ومفرقاً لحكمة عالية، وهي تقوية قلبك وتثبيته؛ لأنه ] أي: القرآن [ كالغيث كلما أنزل أحيا موات الأرض وازدهرت به ].

    هذه لطيفة: لو أن الماء ينزل بقوة مرة واحدة هل ينفع؟ لا ينفع، لو نزل القرآن كله في يوم واحد والله ما ينفع، لكن لما ينزل كالمطر، كل أسبوعين ثلاثة شهر ينزل المطر يحيي الأرض، تحتاج الماء وهكذا. لطيفة عجيبة! فتأملوها.

    قال: [ أي: أنزلناه كذلك منجماً ] نجماً بعد نجم. لم يقال: منجم؟ لأن العرب كانوا يستعملون النجوم، النجم الفلاني لك علي كذا، طلع النجم الفلاني عليك كذا، هذا التنجيم، بمعنى: المعدد.

    قال: [ أي: أنزلناه كذلك منجماً ومفرقاً لحكمة عالية، وهي تقوية قلبك وتثبيته؛ لأنه كالغيث كلما أنزل أحيا موات الأرض وازدهرت به، وبنزوله مرة بعد مرة أنفع من نزول المطر دفعة واحدة.

    وقوله تعالى: وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان:32] أي: أنزلناه مرتلاً. أي: شيئاً فشيئاً ليتيسر حفظه وفهمه والعمل به.

    وقوله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان:33] هذا بيان الحكمة في نزول القرآن مفرقاً لا جملة واحدة، وهو أنهم كلما جاءوا بمثل أو عرض شبهة ينزل القرآن الكريم بإبطال دعواهم وتفنيد كذبهم، وإلغاء شبهتهم، وإحقاق الحق في ذلك، وبأحسن تفسير لما اشتبه عليهم واضطربت نفوسهم فيه.

    وقوله تعالى: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:34] أي: أولئك المنكرون للبعث المقترحون نزول القرآن جملة واحدة هم الذين يحشرون على وجوههم، تسحبهم الملائكة على وجوههم إلى جهنم ] لم؟ [ لأنهم مجرمون بالشرك والتكذيب والكفر والعناد، أولئك البعداء شر مكاناً يوم القيامة، وأضل سبيلاً في الدنيا، إذ مكانهم جهنم، وسبيلهم الغواية والضلالة والعياذ بالله تعالى ].

    هذا القرآن يحسن أن يقرأ على الأموات أو على الأحياء؟

    والله على الأحياء وليس على الأموات أبداً، فالأموات يوبخهم فلا يقومون يصلون، ولا يتوبون أو يتركون الربا والزنا، فالقرآن يقرأ على الأحياء ليزداد إيمانهم وتقواهم.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم على من هجروا القرآن الكريم فلم يسمعوه ولم يتفهموه، ولم يعملوا به، وشكواه إياهم إلى الله عز وجل ].

    كما بينت لكم احذروا أن تعيش العامين والقرآن في بيتك ولا تقرؤه سواء إذا كنت تقرؤه ليلة ليلة، يوم أو يوم بالمحفوظ لا بأس، لكن كونك ما تحسن قراءته حفظاً والمصحف في بيتك ولا تقرأ فيه في يوم من الأيام تعتبر هاجراً لكتاب الله.

    [ ثانياً: بيان سنة الله في العباد، وهي أنه ما من نبي ولا هاد ولا منذر إلا وله عدو من الناس؛ وذلك لتعارض الحق مع الباطل، فينجم عن ذلك عداء لازم من أهل الباطل لأهل الحق ]. وهذه سنة قائمة إلى يوم القيامة. أيما مؤمن يدعو إلى الله عز وجل لإبطال الباطل وإحقاق الحق وإبعاد الخبث والشر والله ليوجد له أعداء من الذين يريدون ذلك الباطل فيعادونه ويحاربونه، وهكذا إلى يوم القيامة.

    [ ثالثاً: بيان الحكمة في نزول القرآن منجماً شيئاً فشيئاً مفرقاً ]. القرآن نزل شيئاً فشيئاً لحكم عالية:

    أولاً: حتى يحفظ.

    ثانياً: ليعمل بكل ما ينزل به، ولو نزل دفعة واحدة لا يحفظ ولا يطبق، ولقد ضربوا لذلك المثل: المطر إذا نزل وعم البلاد وانقطع هل ينفع؟ لا ينفع. لكن إذا نزل شيئاً وانقطع، ونزل شيئاً وانقطع تحيا الأرض وتزدهر.

    [ رابعاً: بيان أن المجرمين يحشرون على وجوههم لا على أرجلهم إلى جهنم؛ إهانة لهم وتعذيباً ].

    يا عباد الله! يا إماء الله! نجتهد ألا نكون مع المجرمين، فلا نجرم على أنفسنا بالشرك والكفر والذنوب والآثام، والله نسأل أن يعصمنا ويحفظنا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.