إسلام ويب

تفسير سورة الحج (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في غزوة بدر وقبل التحام الجيشين خرج نفر من المشركين يطلبون المبارزة فخرج لهم ما يعادلهم من المؤمنين الصادقين، وقد أدال الله عز وجل فريق الإيمان على فريق الكفر والطغيان، وجاءت هذه الآيات واصفة حال الفريقين، ومآل كل فريق منهم يوم القيامة، فالمؤمنون يدخلهم الله عز وجل في رحمته ويسكنهم جنته، وأما الكافرون فإنه يدخلهم النار، ويلبسهم لباساً من نار، ويأكلون من غسلين النار، ويشربون من حميم النار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم والذي بعده ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الحج المكية المدنية، ومع هذه الآيات الخمس، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ [الحج:19-24].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا سبحانه وتعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ [الحج:19]، (هذان) مثنى واحدهما (هذا)، هَذَانِ خَصْمَانِ [الحج:19]، كل منهما يريد أن يخصم الثاني ويغلبه، فمن هما الخصمان؟ أولاً: الخصام في أي شيء كان؟ كان في بستان؟ في إبل؟ في غنم؟ بل كان في ربهم، فهذا يقول: ربي الله لا إله إلا هو ولا رب غيره ولا إله سواه، وهذا يقول: ربي صنم أو حجر، هذا يقول: ربي منزه عن كل عيب ونقص، وهذا يقول: ربي له زوجة وولد والعياذ بالله، هذا يقول: ربي سميع عليم قوي متين قدير، وذاك يصفه بالعجز أو الضعف، فالاختصام كان في الله عز وجل.

    هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19]، أي: في خالقهم ورازقهم ومالك أمرهم، وما كان أبداً للبشر أن تختصم في ربها، وما كان أبداً يجوز الاختصام في الله وهو رب الكل وسيد الجميع، لكن الشياطين تزين الكفر وتدعو إليه.

    فَالَّذِينَ كَفَرُوا [الحج:19]، فالذين كانوا يخاصمون في الله وينسبون إليه الصاحبة والولد، وينسبون إليه الشريك والمثيل، هؤلاء هم الذين كفروا بربهم، وهذا هو القسم الأول أو الخصم الأول، فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ [الحج:19]، وقال تعالى: سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [إبراهيم:50]، والسربال هو الثوب الطويل، والقطران في النار تأكله.

    إذاً: سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ [إبراهيم:50]، و قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ [الحج:19]، يستترون بها فيلبسونها ويغطون أجسامهم بها وهي والله لمن النار، وهذا أولاً.

    ثانياً: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج:19]، أي: الماء الحار الذي قد غلا وازداد غليانه فوق العادة، فيضرب رأسه بالمقمعة فينشق رأسه ويصب الماء الحار حتى يصهر البطن وكل ما فيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يصهر به ما في بطونهم والجلود)

    قال تعالى: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج:20]، يضرب بمقمعة على رأسه فينشق رأسه نصفين، فيصب الماء الحار فيسري في جسمه وبطنه فيذوبه نعوذ بالله من هذا، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج:20]، كذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولهم مقامع من حديد)

    قال تعالى: وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:21]، والمقامع جمع: مقمعة، أي: المرزبة التي يضرب بها الرأس، ولكن من حديد لا من خشب ولا حطب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ...)

    قال تعالى: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:22].

    كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ [الحج:22]، وكرب وهم وحزن يدفعون ويعادون إلى داخل النار، ويقال لهم في إهانة وسخرية بهم: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:22]، فكلما أرادوا أن يخرجوا بسبب الغم والكرب والهم، ويأتون أبواب النار ليخرجوا منها، تردهم الزبانية وتقول لهم مستهزئة بهم وساخرة منهم: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:22]، فهل العذاب يذاق؟ لا، لكن هذا من باب السخرية والاستهزاء بهم.

    مرة أخرى: الدنيا بها رجلان: كافر ومؤمن، صالح ومفسد، بار وفاجر، والله يقول: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات:49]، فالآن هذا الكافر المشرك الخصم الذي يخاصم في المؤمن، وهذه الحقيقة لا ننساها، أي: أن كل كافر يخاصم المؤمن، والآية وإن كان لها سبب نزول لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

    وقد قيل: إنها نزلت في غزوة بدر، وذلك أنه كان هناك مبارزة أولية قبل التحام الفريقين، إذ إنه خرج علي وحمزة وعبيدة بن الحارث من صف المؤمنين، وخرج من صف المشركين: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، ثلاثة لثلاثة، هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19]، فـعلي وحمزة وعبيدة في الجنة دار السلام، وأبناء ربيعة في جهنم والعياذ بالله، هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19]، كيف اختصموا في ربهم؟ في توحيده، في الإيمان به، في الكفر به، فيما يحب وفيما يرضى، فيما شرع وفيما لم يشرع.

    فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ [الحج:19]، يلبسونها، ومعنى: قطعت، أي: فصلت لهم، فهي الآن موجودة أو ستقطع لهم يوم أن يكونوا في جهنم والعياذ بالله، يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج:19]، أي: الماء الملتهب في حرارته، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج:20]، أي: يذوب بذلك الماء العظم واللحم والشحم وكل ما يجد، وَلَهُمْ [الحج:21]، أي: زيادة على هذا، مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:21]، والمقمعة آلة يضرب بها في الرأس يقال لها: مرزبة، وهي من حديد.

    كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ [الحج:22]، وذلك لما يشتد بهم الغم والكرب والهم فيحاولون أن يخرجوا من النار، فيعادون فيها وتقول لهم الزبانية ساخرة منهم: ذوقوا! والذوق يكون للشيء الحلو والطيب لا للعذاب، لكن هذا من باب الاستهزاء بهم، إذ إنهم كانوا يستهزئون بالمؤمنين ويسخرون منهم، فهذا هو جزاؤهم، وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:22].

    كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:22]، أي: ويقال لهم: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:22]، والحريق هو الاحتراق، وليس هناك عذاب أشد منه، فأجسامهم محترقة تأكلها النار، وهذا هو الخصم الأول، والله نسأل ألا نكون منه، وألا يكون آباؤنا وإخواننا منه أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ...)

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [الحج:23].

    وأما الخصم الثاني فيقول الله تعالى فيه: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الحج:23]، وسبحان الله ما قال تعالى: والثاني أو الذين آمنوا، وإنما غيَّر الأسلوب للفرق الكبير بين هذا وذاك، وهذا خبر عظيم، إِنَّ اللَّهَ [الحج:23]، ربنا وولينا ورحيمنا، إِنَّ اللَّهَ [الحج:23]، جل جلاله وعظم سلطانه الذي كفر به الكافرون، وأنكر دينه المنكرون، وكذب برسوله المكذبون، يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ [الحج:23]، اللهم اجعلنا منهم، فآمنوا مقابل كفروا، وعملوا الصالحات مقابل أشركوا وفجروا وفسقوا وظلموا والعياذ بالله.

    وقد تقرر عندنا أن للإيمان ستة أركان من أنكر ركناً منها فهو كافر بالإجماع، وهذه الأركان الستة نضيف إليها: كلما أمر الله أن نؤمن به، أو أمرنا الرسول أن نؤمن به، وإن كان خارجاً عن هذه الستة فيجب أن نقول: آمنا به، فالرسول أخبر بأمور كثيرة غيبية عجيبة، والإيمان ليس محصوراً في هذه الستة فقط، وإنما هذه أركان وما فوق الأركان أشياء كثيرة.

    آمَنُوا [الحج:23]، أي: صدقوا بوجود الله رباً وإلهاً لا إله غيره ولا رب سواه، ثم آمنوا بكل ما أخبرهم أن يؤمنوا به من ملائكته وكتبه ورسله والقضاء والقدر واليوم الآخر.

    وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الحج:23]، والصالحات جمع: صالحة، والصالحات يا معشر المستمعين والمستمعات! هي ما أمر الله باعتقاده أو قوله أو عمله، ولن يكون العمل صالحاً إلا إذا أمر الله به أو أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، فالآن نحن نقول: الصلاة عمل صالح، والصيام والزكاة والحج والرباط والجهاد وبر الوالدين والسلام على المسلمين والإحسان للفقراء والمساكين عمل صالح، بل كل ما أمر الله به أو رغب فيه أو واعد عليه بخير فهو عمل صالح، وضده والمقابل له هو العمل الفاسد، وهو كل ما نهى الله عنه، أو كل ما حرمه الله، أو كل ما توعد الله عليه، أو كلما شرع وحد الله له حداً، وقد تقدم وتقرر أن على المؤمنين والمؤمنات أن يعرفوا الأعمال الصالحة والأعمال الفاسدة، وهذا واجب كل مسلم ومسلمة، إذ طلب العلم فريضة.

    ثم عرفنا أن ولاية الله متوقفة على الإيمان والتقوى، وأن التقوى معناها أن نخاف من الله خوفاً يحملنا على أن نحب ما يحب ونكره ما يكره، ومن ثم نفعل ما يحبه الله ونترك ما يكرهه الله عز وجل، والبدع كلها لا تدخل في العمل الصالح وإن ظهر للناس أنها عمل صالح، فإنها والله لعمل باطل، وحسبنا قول نبينا صلى الله عليه وسلم: ( إياكم )، أي: احذروا، ( ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة )، فالذي ما عبد رسول الله صلى الله عليه وسلم به ربه، ولا عبده به أزواجه ولا أحفاده ولا أصحابه ولا أحفادهم من أئمة المسلمين كيف يكون ديناً؟ ما يعبد الله تعالى إلا بما شرع؛ لأنه إذا شرع عبادة معينة فقد أودع فيها أو دس فيها أو خبأ فيها أثر تزكية النفس وتطهيرها، وذلك كما جعل في الطعام مادة للغذاء وفي الماء مادة للري، فكذلك إذا شرع الله هذه الكلمة: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، الله أكبر لا إله إلا الله، فكل كلمة مما شرعها الله واستحبها وأمر بها تحمل مادة التزكية للنفس، فتزكي النفس البشرية وتطيبها.

    إِنَّ اللَّهَ [الحج:23]، جل جلاله وعظم سلطانه، يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الحج:23]، ولفظ: (الذين آمنوا) يدخل فيه المؤمنات على الإطلاق، إذ كل من آمن وعمل صالحاً يدخلهم أين؟ قال: جَنَّاتٍ [الحج:23]، وجنات جمع: جنة، وهذه الجنات قد ارتادها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشى فيها بقدميه الشريفتين وشاهد حورها وقصورها وأنهارها، وهذه الجنة أهلها يتراءون منازلهم فوق بعضهم البعض كما نتراءى الكوكب في السماء، فمثلاً: أنت هنا في هذه الجنة وفوقك مثلاً علي بن أبي طالب، فتراه فوقك كالكوكب في السماء، وهو بعيد جداً، وجنات بمعنى: بساتين، فإذا دخلتها جنتك أشجارها بأوراقها وأغصانها.

    تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [الحج:23]، أي: تجري من خلال القصور والأشجار والأنهار، وقد عرفنا أنهار الجنة معرفة يقينية، وأنها أربعة أنهار، قال تعالى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15]، فأنهار الجنة أربعة وليست وتراً، والله سبحانه وتعالى يعلم ذلك.

    إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا [الحج:23]، أي: يلبسون لباساً يتحلون به، وقد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم: أن في أيدي أهل الجنة أسورة من الذهب وأخرى من الفضة، وهنا يقول الله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [الحج:23]، واللباس هو الفراش والغطاء والثياب، وكلها من حرير، وهنا لا ننسى: أن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة إلا إذا تاب قبل موته، وأن من شرب الخمر في الدنيا ومات ولم يتب لم يشربها في الآخرة، وهذا بإخبار من النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهنا لطيفة نذكرها من باب التخفيف عليكم: كان شيخنا الطيب العقبي رحمة الله عليه خريج المسجد النبوي ومؤسس جريدة القبلة وأم القرى يدرس التفسير، فذكر هذه الآية فقال: إن الله يحلي أولياءه بالحلي والأساور في أيديهم، فقام رجل بهلول وقال: والله ما نقبل هذا! هل نحن نساء؟! وما عرف أن الطباع تتغير، فأنت هنا ليس كأنتَ هناك، إذ قد تغيرت رأساً على عقب، وأصبح ما تحبه هنا تكرهه هناك، أو ما تكرهه هنا تحبه هناك.

    والشاهد عندنا: أن الفحول أو الرجال لهم حلي من ذهب وفضة ولؤلؤ، والله يقول: وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [الحج:23]، وقال تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ [الحج:23]، وأساور جمع: سوار، وهو من الذهب، والفضة مذكورة في الحديث النبوي الشريف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد)

    قال تعالى: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ [الحج:24].

    وأعظم من هذا كله وذاك ما جاء في قوله تعالى: وَهُدُوا [الحج:24]، أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أهل الجنة دار السلام، أهل ذلك النعيم المقيم، إذ يخبر تعالى أنه هداهم، وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ [الحج:24]، وهكذا أولياء الله تعالى، فأنتم أيها المؤمنون! هدانا الله وإياكم إلى الطيب من القول، فلا نعرف الخبيث من القول أبداً، والطيب من القول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، فلا نعرف كلمة الخبث ولا الكفر ولا الشرك ولا الباطل ولا الظلم ولا الزور ولا الاعتداء بحال من الأحوال؛ لأن الله قد هدانا لهذا في الدنيا.

    وَهُدُوا [الحج:24]، من الهادي؟ الله عز وجل، وأنت تشاهد ذلك، وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ [الحج:24]، لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل هناك أطيب من هذا القول؟

    ثانياً: وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ [الحج:24]، أي: إلى الصراط المحمود، إلى صراط الله ألا وهو الإسلام، ولا تعجب فنسبة المسلمين إلى الكافرين قليلة جداً، إذ المؤمنون يعدون على رءوس الأصابع، ما هداهم الله تعالى، فلماذا ما يهديهم الله تعالى؟ ما طلبوا الهداية من الله تعالى، وقد بينت غير ما مرة: إذا لم تقرع الباب وتقول: نلج، ندخل، تسمحون لنا بالدخول؟ ما يفتح لك الباب أبداً، فالذي لا يقرع باب الله ولا يطلب هدايته ولا يتوسل إليه بمحابه طالباً هدايته وحبه، والله لا يرضى الله بذلك، إذ ما يأتي الله إلى رجل سكران أو فاسق أو فاجر ويهديه، بل لابد وأن يرغب هو في الهداية ويطلبها، سواء بواسطة إنسان أو بدون واسطة.

    وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ [الحج:24]، ومعنى هذا: لا يكون كلامنا إلا طيباً، فلا ننطق بغير الطيب أبداً، ونحمد الله تعالى على أن هدانا إلى الإسلام فأصبحنا مسلمين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هيا مع الآيات في الكتاب.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: قوله تعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ [الحج:19]، الخصم الأول: المسلمون، والثاني: أهل الشرك والكفر ] لماذا قدمنا المسلم؟ لشرفه وفضله، وإن كان في الآية قدم الكافر على المسلم.

    قال: [ هَذَانِ خَصْمَانِ [الحج:19]، الخصم الأول: المسلمون، والثاني: أهل الشرك والكفر، اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19]، أي: في دينه تعالى، كل خصم يدعي أنه على الدين الحق، وماتوا على ذلك وفصل الله تعالى بينهم يوم القيامة ]، ماتوا على الخصومة، فالمؤمن مؤمن والكافر كافر، والله عز وجل سيبعثهم يوم القيامة على ما كانوا عليه.

    قال: [ فَالَّذِينَ كَفَرُوا [الحج:19]، وهم أهل الدين الباطل ]، كاليهود والنصارى والبوذيين والمجوس، هؤلاء، قال: [ ادخلوا النار وفصلت لهم ثياب من نار، يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج:19]، أي: الماء الحار المنتهي في الحرارة.

    يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج:20]، من لحم وشحم.

    وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:21]، يضربون بها.

    كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا [الحج:22]، أي: من النار، بسبب ما ينالهم من غم عظيم، أُعِيدُوا فِيهَا [الحج:22]، أي: تجبرهم الزبانية على العودة إليها، ولم تمكنهم من الخروج منها، ويقولون لهم: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:22]، أي: لا تخرجوا منها ابقوا فيها وذوقوا عذاب الحريق، فهذا جزاء الخصم الكافر ] والعياذ بالله.

    قال: [ وأما الخصم المؤمن -اللهم اجعلنا منهم- فهذا جزاؤه وهو في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا [الحج:23]، أي: أساور من لؤلؤ محلاة بالذهب، وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا [الحج:23]، أي: في الجنة، حَرِيرٌ [الحج:23] ]، وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [الحج:23].

    قال: [ وقوله تعالى: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ [الحج:24]، أي: في الدنيا ]، هدوا في هذه الدنيا إلى الطيب من القول، قال: [ وهو لا إله إلا الله وسائر الأذكار والتسابيح وكل كلام طيب.

    قال: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ [الحج:24]، في الدنيا، وهو لا إله إلا الله وسائر الأذكار والتسابيح وكل كلام طيب.

    وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ [الحج:24]، وهذا الطريق الموصل إلى رضا ربهم وهو الإسلام، وكل ذلك بتوفيق ربهم الذي آمنوا له وبرسوله، وأطاعوه بفعل محابه وترك مكارهه ].

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: إثبات حقيقة وهي أن المؤمن خصم الكافر والكافر خصم المؤمن ]، وهذه حقيقة ثابتة، فالمؤمن خصم الكافر، والكافر خصم المؤمن، ولا يلتقيان أبداً إلا إذا دخل الكافر في الإسلام.

    قال: [ حتى أن الآية نزلت في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، وهذا الخصم المؤمن، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، وهذا الخصم الكافر ]، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

    قال: [ وقد تقاتلوا يوم بدر بالمبارزة ونصر الله الخصم المؤمن على الكافر ]، أي: وقد تبارزوا يوم بدر ونصر الله علياً وحمزة وعبيدة على خصومهم، فهزموهم وقتلوهم في بدر.

    قال: [ ثانياً: بيان جزاء كل من الكافرين والمؤمنين في الدار الآخرة ]، وقد عرفنا جزاء الفريقين، فالمؤمنون في الجنة وما فيها من النعيم المقيم، والكافرون في النار وما فيها من العذاب الأليم، وليس هناك غير هذا، فإما جنة وإما نار، إما علو وإما سفل، إما سعادة وإما شقاء، وقد عرفنا السبب وهو الإيمان والعمل الصالح، إذ هما سببا تزكية النفس، فإذا زكت النفس قبلها الله ورضيها وأسكنها جنته، وإذا خبثت بالشرك والمعاصي والفساد وتخبثت وفسدت كرهها الله وأبعدها منه وأدخلها دار العذاب.

    قال: [ ثالثاً: تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحوال الآخرة وما للناس فيها ]، تقرير عقيدة البعث والجزاء، أي: الإيمان بالدار الآخرة، أليس ركناً من أركان الإيمان؟ والسور المكية كلها كما علمتم تعالج هذه القضية، وكلها تثبت عقيدة البعث والجزاء، وقد عرفنا سر هذه الحياة وسر تلك الحياة، إذ سر هذه الحياة العمل صالحاً أو فاسداً، وسر تلك الدار الجزاء خيراً أو شراً، جنة أو ناراً.

    قال: [ رابعاً: بيان الطيب من القول، وهو كلمة التوحيد وذكر الله تعالى ]، بيان الكلم الطيب من القول، وهو الذكر والتسبيح وأعلاه: لا إله إلا الله.

    قال: [ خامساً: بيان صراط الحميد، وهو الإسلام جعلنا الله من أهله ]، آمين.

    اللهم يا حي يا قيوم! يا بديع السموات والأرض! يا مالك الملك! يا ذا الجلال والإكرام! هذه أكفنا قد رفعناها إليك سائلين ضارعين، اللهم إنا نسألك لنا ولأهل بيوتنا ولكل مؤمن ومؤمنة، نسألك من خيري الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك من خير ما سألك به عبدك ونبيك ورسولك محمد وجميع عبادك الصالحين، ونعوذ بك من كل شر استعاذ منه عبدك ونبيك ورسولك وجميع عبادك الصالحين، اللهم صل على ملائكتك والمقربين وعلى أنبيائك والمرسلين، وعلى أهل طاعتك أجمعين، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، وتوفنا مسلمين يا رب العالمين.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.