إسلام ويب

تفسير سورة مريم (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله عز وجل نبيه إبراهيم الخليل عليه السلام، وما جاء به أباه وقومه من دعوة التوحيد، وإخلاص العبادة لله العزيز الحميد، محذراً إياهم من اتباع الشيطان الذي لعنه الله وغضب عليه، لما في اتباعه من التعرض لسخط الله عز وجل، واستحقاق عقابه، لكنهم عصوا إبراهيم الداعي إلى التوحيد، وأطاعوا الشيطان الداعي إلى الكفر والإلحاد، فاستحقوا بذلك أن يحشروا معه إلى جهنم وبئس المهاد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً)

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس -إن شاء الله- كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن مع سورة مريم عليها السلام، وها نحن مع هذه الآيات نسمع تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم:41-45].

    الأستاذ عنده عزاء بوفاة خالة والدته، ادعوا لها بالمغفرة والرحمة.

    اللهم اغفر لها وارحمها، اللهم اغفر لها وارحمها، اللهم أسكنها الجنة مع الأبرار، وألحقنا بها يا رب العالمين صالحين مؤمنين مستقيمين!

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ [مريم:41] وحي أوحاه الله إلى رسوله ومصطفاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا كلام الله وصل إلينا فالحمد لله أن وصلنا هذا الكلام، والحمد لله على أن نسمعه ونقرأه ونعمل بما فيه، فقد حرمت منه البلايين، فما سمعوا كلمة لله، ولا عرفوا الله، ولا آمنوا به ولا عبدوه، فالحمد لله، الحمد لله، الحمد لله!

    يقول الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ [مريم:41] أي: اذكر في هذا القرآن العظيم الذي أنكره وكذبه المكذبون، وقالوا: إنه شعر، وقالوا.. وقالوا، أي: اذكر في هذا الكتاب العظيم إبراهيم، والعرب والعجم يعرفون أن إبراهيم نبي محمود مشكور مطاع، ولا يوجد من يكرهه أو يبغضه، أو لا يريد أن يتبعه، والمشركون في العرب يؤمنون بهذا، ويعتزون بنسبتهم إلى إبراهيم كاليهود والنصارى!

    معنى قوله تعالى: (إنه كان صديقاً نبياً)

    قال تعالى: اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ [مريم:41] أي: اذكر لهم إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [مريم:41] (إنه) أي: إبراهيم كان صديقاً: كثير الصدق، نبياً من الأنبياء.

    صديقاً: أي: كثير الصدق في أقواله، في أفعاله، في معتقداته، في أعماله، ومن أحب منكم أن يظفر بهذا الوصف الأول لا مانع، أما أن تكون نبياً فلا، إذ جعل الله نبيه ومصطفاه خاتماً للنبيين فلا نبي بعده، وكل من ادعى النبوة بعده فهو كاذب يجب أن يؤدب ويلعن.

    أما كوننا نرغب أن نكون صديقين فالباب مفتوح، وكلنا يرغب أن يكون صديقاً.

    يقول صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بالصدق ) أي: الزموه وحافظوا عليه، ولا تتركوه، ولا تتخلوا عنه أبداً، الزموه في اعتقاداتكم وفي أقوالكم وفي أفعالكم، الصدق.

    ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ) أي: إلى الجنة، (عليكم بالصدق) أي: الزموه ولا تفارقوه أبداً، وليكن صفة من صفاتكم: ( فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة )، إذاً: فإن الصدق يهدي إلى الخير، إلى عبادات الله وطاعته والتقرب إليه، وكل الفضائل وكل الصالحات، والبر من شأنه أنه يهدي إلى الجنة، والله يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران:92].

    إذاً: ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال المرء يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ).

    واسمحوا لي لعلكم تقتدون وتعرفون أن هذا واجب: والله ما أعرف أني كذبت منذ الصبا إلى اليوم كذبة واحدة، إلا إذا كنت نسيت! ما أذكر أبداً أنني كذبت، وهذا من توفيق الله، ومن باب تحري الصدق وطلبه، اطلب الصدق وتحره حتى تصبح صديقاً لا تستطيع أن تكذب، والذي اتصف بالصدق لا يقوى على أن يكذب، فهو ألف الصدق واعتاده، والذي ما لازم الصدق لا يستطيع أن يترك الكذب.

    إذاً: ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال المرء يصدق ويتحرى الصدق ) أي: يطلبه في كل حياته ( حتى يكتب عند الله صديقاً ).

    بيان حال مواكب أهل الجنة

    إذاً: إن شاء الله أننا من الصديقين، وهو موكب من مواكب الجنة، قال تعالى فيهم: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ [النساء:69] أي: المطيعون مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]، وهي المواكب الأربعة فقط، موكب النبيين ما نطمع فيه، والباقي ممكن.

    أولاً: أطع الله والرسول ولا تعصهما، ومن معصية الله ورسوله اعتقاداً أو قولاً أو عملاً، وأبشر فإن من يطع الله والرسول يكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    فالنبيون من اختارهم الله ونبأهم وأوحى إليهم، وهذا لن يطمع فيه مؤمن لو عبد الله الليل والنهار، لكن كونه صديقاً ممكن، فالزم على الصدق وتحره وواصل ذلك تكتب صديقاً.

    ثانياً: الشهداء وقد علمتم أنه لا جهاد اليوم، فكيف تكون الشهادة؟

    لا جهاد اليوم؛ لأن المسلمين لا إمام لهم يجاهد بهم الكفار والمشركين، وكم قد كتبت بإذن الله وعونه في الدولة الإسلامية في التوجيهات في رسائل، وقلت: لم لا يجتمع رؤساء الدول الإسلامية الأربع والأربعين دولة في الروضة الكريمة الشريفة، وما ما يمنعهم؟

    هل المسافات البعيدة؟ فقد كانت بعيدة نعم على الإبل والدواب والسفن، أما اليوم ساعة واحدة وهم مجتمعون في الروضة، ساعة واحدة وهم يبايعون إمام المسلمين الذي شاهدوا تطبيق الشريعة في بلاده، وصيانته للإسلام والدعوة إليه، وهو خادم الحرمين فيبايعونه إماماً للمسلمين، فما الذي سيضرهم، هل سيصابون بالحمى أو بالجوع؟

    فإذا بايعنا إماماً للمسلمين، ومع هذا ليس عندنا علماء يستطيعون أن يبينوا الشريعة للعالم الإسلامي؛ فنقول: أربعين يوماً فقط يوضع دستور إسلامي من: (قال الله وقال رسوله)، ومما رآه أئمة الإسلام: مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة ، ويقدم لكل بلد مكتوب، ونقول: طبقوه، وبهذا نصبح علماء كلنا.

    وإن قلت: كيف؟

    نقول: والله! لقد كتبت هذا الدستور المأخوذ من الكتاب والسنة، وبعثنا به إلى الحكام وأعرضوا عنه، والله! لو طبق في أي بلد لاستنار وعز وكمل وطاب وطهر، ولكن لم يلتفت إليه.

    إذاً: فما دام المسلمون لا إماماً لهم فكيف سيكون الجهاد؟

    والشاهد عندنا: من لم يستطع الجهاد؛ لأنه غير موجود، نقول: الجهاد موجود، يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: ( من سأل الله الشهادة صادقاً من قلبه بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه )، فاسأل الله منازل الشهداء، وقل: اللهم اجعلني من الشهداء، في صلاتك.. في سجودك.. في دعائك، والله عز وجل سيجعلك من الشهداء وإن مت على فراشك.

    ثالثاً: موكب الصالحون، ومن هم الصالحون؟

    كنا نعرف أنهم: سيدي عبد القادر ، سيدي البدوي ، سيدي فلان وفلان، وهكذا من إندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً، الصالحون وأولياء الله فقط هم الذين ماتوا ودفنوا، وبنيت على قبورهم القباب، ووضعت الأنوار والصناديق وعليها أزر الحرير، وهذا هو العالم الإسلامي عربي وعجمي لا يعرفون ولياً حياً في الشارع ولا في البستان ولا في المسجد، بل الولي من مات وبني على قبره ووضع تابوت من خشب على قبره، وأنيرت الأنوار على قبورهم يومي الخميس والإثنين، فهل دعاهم إلى هذا الإمام مالك أو أحمد أو الشافعي؟!

    نقول: لا، بل دعاهم إلى هذا العدو وهو الثالوث الأسود، المكون من المجوسية واليهودية والصليبية، فتعاونوا على محو الإسلام وضربه، فاليهود كانوا يحلمون بالدولة اليهودية والمملكة الإسرائيلية، وعندما كان الإسلام ضدهم جنوا وأصيبوا بالمرض وبحثوا كيف يعملون على تحطيم الإسلام، فالنصارى ما إن طلع فجر الإسلام وانتشر في غرب أوروبا خافوا، فقالوا: هيا نضرب هذا الإسلام، وإلا لن تبقى مسيحية ولا صليبية.

    المجوس أسقط عرشهم وحطم عرش كسرى، فكيف ينتقمون؟

    فقد بدأت الفتنة والله! من عهد الصحابة، فالذي قتل عمر في المحراب مجوسي، أليس هذا من تدبير اليهود عليهم لعائن الله؟

    وسر حصر الولاية في الموتى هو استباحة المسلمون فروج نسائهم ودماءهم وأموالهم وأعراضهم، فالولي لا يستطيع مؤمن أن يؤذيه بكلمة أو بنظرة، يقول تعالى: ( من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، ولو اعترفنا أننا أولياء بصدق ما بقي من يظلم ولا من يكذب ولا من يفجر، ولا عشنا مائة سنة وليس هناك زنا ولا فجور ولا ظلم ولا اعتداء ولا.. ولا..؛ لأننا لو فجرنا مع من؟

    فهذه امرأة ولي أو ابنته فكيف تفجر بها؟!

    وهذا المال مال ولي الله، فكيف تسرقه أو تأكله أو تفسده عليه؟!

    وهذا ولي الله، كيف تخونه أو تغشه؟!

    ما كان هذا ولن يكون.

    ومن ثم سلبوا الولاية من المسلمين ووضعوها في الموتى؛ ليبقى المسلمون بلا خوف من الله، فشاع الزنا وشاع الربا، وشاعت السرقات والخيانة والكذب، والغش والخداع، فيخدعون ويسرقون ويفجرون بنساء المؤمنين وهم يعلمون أن الله يقول: ( من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ).

    فانقلوا هذا العلم وبلغوه، وقد قلت غير ما مرة: قبل الثمانين سنة أو السبعين سنة: لو تدخل لعاصمة من عواصم العالم الإسلامي وتلقى أول رجل وتقول: من فضلك! دلني على ولي في هذه البلاد، فأنا جئت من بلاد بعيدة لأزوره؛ والله ما يقودك إلا إلى ضريح أو إلى قبر، ولا يفهم أن في البلد ولي حياً، فلو كان يفهم لقال: أنا ولي الله، مرحباً بك، بل يقوده إلى قبر.

    والآن الحمد لله انتشر العلم وانحصرت الولاية أيضاً في الأحياء بعض الحصر فقط.

    والشاهد عندنا: أن الصالحون هم أولياء الله الذين أدوا حقوق الله كاملة، وأدوا حقوق عباده كاملة، ومن أراد أن يكون صالحاً يؤدي حقوق الله الواجبة عليه، ويفعل الواجبات ويترك المحرمات وهذا حق الله، ويؤدي حقوق العباد إذا لزمه حق من عباد الله يعطيه حقه، وسيكون عبداً صالحاً.

    وهؤلاء هم الصالحون، يقول تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا [النساء:69-70].

    كمال إبراهيم عليه السلام بذكره في الكتاب

    قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [مريم:41] وقد علمتم أن معنى إبراهيم بالعبرية هو: أب رحيم، وإبراهيم عليه السلام حقيقة كان أباً رحيماً، ومن هنا لغلبة الرحمة عليه واتصافه بها ابتلاه الله بذبح ولده إسماعيل، فأوحى إليه أن اذبح إسماعيل، وما زال طفلاً لم يبلغ الحلم، فخرج به من مكة إلى منى حيث مكان إراقة الدماء، فتله للجبين والمدية في يده وناداه الله بواسطة جبريل: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:104-105]، خذ هذا الكبش الأملح واترك إسماعيل، فلما كان أباً رحيماً امتحنه الله في الرحمة فتجلت الرحمة، فلا تستطيع أن تقول: ما كان إبراهيم رحيماً، فقد ابتلاه الله بأصعب موقف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً)

    قال تعالى: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ [مريم:42] أي: آزر ، فقد كان اسم أبيه آزر وهو من البابليين.

    إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ [مريم:42]، لم يقل: يا (أبي)، بل قال: (يا أبت) كلمة لطيفة، وزيدت هذه التاء بدل الهاء، أي: يا والدي: لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ [مريم:42] إذ كان آزر رئيس المشركين وإمامهم، وكانوا يعبدون الأصنام، وهي تماثيل صنعوها وادعوا أنها الآلهة وأنهم يعبدونها ليستشفعون بها إلى الله خالق العالم ومدبر الكون، فاسمع كيف دعا والده؛ لندع نحن أيضاً أولادنا وآباءنا وزوجاتنا وأمهاتنا: يا أُخَيَّ، يا بني، يا أبت! لم تحلق لحيتك؟ يا فلانة! لم ما تسترين وجهكِ؟ يا بنتي! لا ترفعي صوتكِ، ولنكن كإبراهيم، فهو أسوتنا.

    يَا أَبَتِ [مريم:42] ما قال: يا صعلوك، يا طاغية، يا جبار، يا كافر. بل قال: يا أبت، يريد يرقق قلبه.

    دعوة إبراهيم لأبيه وقومه إلى التوحيد

    قال تعالى: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ [مريم:42] أي: تعبد صنماً لا يسمع كلامك، لو تناديه مائة سنة بأعلى صوتك ما يسمع وهو يعرف أنه والله ما يسمع.

    وَلا يُبْصِرُ [مريم:42] أي: أيضاً ما له عينان، وإن كان له عينان صناعياً لا يرى ولا يبصر شيئاً.

    وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم:42] أي: لا يدفع عنك مرضاً ولا خطراً ولا أذى ولا ينفعك بطعام ولا شراب ولا كساء.

    وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم:42] وهذه دعوة التوحيد إمامها إبراهيم عليه السلام.

    يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ [مريم:42] لأي شيء تعبد ما لا يسمعك ولا يبصرك ولا يغني عنك شيئاً؟

    فلو أصابك ما أصابك ما تمتد يده إليك لينقذك، ولا يمد يده ليعطيك درهماً أو ريالاً أو كذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك...)

    قال تعالى: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ [مريم:43] أنا ما دعوتك عن جهل، بل دعوتك عن علم، أوحى الله إلي وعلمني علماً منه أنه لا يُعبد إلا الله، ولا يُتقرب إلا إلى الله، فكيف تعبد أصناماً وأحجاراً، عن جهل؛ لأنه لا علم لك، والجاهل يجب أن يقلد العالم، فالجاهل لا ينبغي أن يصر على المعصية والفساد والشر وهو جاهل، لكن العالم عنده علم أن هذا يضر ولا ينفع، وأن هذا عواقبه سيئة، وأن هذا يجلب كذا وكذا.

    يقول إبراهيم عليه السلام هذا الكلام: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ [مريم:43] أي: ما لم يأتك أنت، وما عندك علم بل جاهل بهذا وأنا على علم؛ فَاتَّبِعْنِي [مريم:43] تهتدي وترشد وتكمل.

    فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا [مريم:43] أي: اتبعني في ما أقوله، وفي ما أعبد الله وفي ما أدعو إليه، لا تبتعد عني، امش ورائي تنجو وتسعد، أهديك إلى صراط مستقيم فتنجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وتكمل في الدارين وتسعد.

    يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي [مريم:43] يجب علينا أن نتبع العلماء.

    يا عباد الله! يجب علينا أن نتبع العلماء إذا كنا غير عالمين، فمن كان عالماً فهو عالم، لا يخالف العالم في ما يقول، فهو يدعو بما يدعو إليه ويعمل بما يعمل، لكن الجاهل الذي لا علم له يجب ألا يرد قول العالم ويصر على جهله.

    فهذه دعوة إبراهيم: إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ [مريم:43] أي: ما لم يجئك أنت، إذاً: فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ [مريم:43] إلى صراط طريق مستقيم سوي حتى تسعد في الدنيا وتسعد في الآخرة وتكمل.

    وهذا الصراط هو الإسلام؛ لأن الإسلام إسلام القلب والوجه للرب بالإيمان والطاعة، بفعل الواجبات وترك المنهيات، وهذا هو الصراط المستقيم وبابه في الجنة.

    أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا [مريم:43] أي: معتدلاً مستقيماً، ليس فيه انحرافاً أو اعوجاجاً، وهذا دين الله ودين آدم، فمن بعده إلى اليوم وهو الإسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً)

    قال تعالى: يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ [مريم:44] (يا أبت) مرة أخرى، ما ملَّ ولا سئم، فلم يكن الشيطان يتمثل له ويمشي وراءه ويعبده، واعلموا أن كل من عبد غير الله فقد عبد الشيطان؛ لأن الشيطان هو الذي دعاه إلى تلك العبادة وحسنها وزينها ورغب فيها وشجع عليها، فالمعبود ما هو صنم، بل هو الشيطان، وكلمة إبراهيم صدقها الله.

    يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ [مريم:44] والشيطان هو الذي يأمر بالزنا واللواط والفجور والخيانة والكذب والإجرام على أنواعه إذاً طاعته عبادة له، عبدة الشيطان الفساق والفجار، ما عبدوا الرحمن، عبدوا الشيطان، إذ هو الذي زين لهم ذلك وحسنه ودعاهم إليه ورغبهم فيه، وحذرهم أيضاً من خلافه. وهكذا المعبودان: الله والشيطان فقط، المعبودان في الأرض: الله جل جلاله والشيطان. الله من آمن به وأطاعه عبده، والشيطان من تجاهل عنه واتبعه وانقاد له وعصى الله وعبد غير الله فهو عابد للشيطان، ما هو لذلك الصنم أو ذلك القبر.

    ومضت على أمتنا الإسلامية فترة طويلة يعبدون القبور، يعبدون الأولياء بالدعاء، بالاستغاثة، بالذبح لهم، بالنذر لهم، بالحلف بهم، بالعكوف على قبورهم الساعة والساعات، بل الليلة والليالي، وهم يقولون: نتوسل بهم إلى الله، يعبدونهم بأمر الشيطان ووحيه ويزين لهم ذلك ويقول: أنتم تتوسلون إلى الله وتستشفعون بأوليائه لا أنكم تعبدونهم.

    قرون مضت من إندونيسيا إلى موريتانيا حتى في المدينة النبوية، يعبدون الأولياء بدعائهم، بالاستغاثة بهم، بالنذر لهم، بالحلف بهم ويقولون: نستشفع فقط بهم، فمن أمركم بدعائهم والذبح والنذر لهم والحلف بهم أليس الشيطان هو الذي أمركم؟

    هل أمركم مالك أو أحمد أو الشافعي أو أبو حنيفة أو عالم من العلماء؟ والله ما كان، ولكن الشيطان زين تلك العبادة وحسنها ليعبدوا الشيطان فعبدوه، والحمد لله الذي نجانا وطهرنا وصفانا، وما بقي بيننا من يقول: يا سيدي فلان! المدد المدد، ولا من يحلف حتى بحق فلان أو فلان، وهذا نتيجة العلم، فقد شاء الله أن ينتشر العلم في العالم.

    يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ [مريم:44] لماذا يا إبراهيم؟ علل: إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا [مريم:44] (عصياً) أي: كثير العصيان، فقد عصى الرحمن حينما أمره أن يسجد لآدم، فمسخه الله فأصبح مهمته أن يصرف عباد الله عن دعوة الله، وعن عبادة الله حتى يكونوا كلهم مثله في الجحيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن...)

    قال تعالى: يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم:45]، الإمام ابن جرير يفسر (أخاف) بمعنى: أعلم، ويصح هذا وذاك، وعلى الخوف أظهر. إني أخاف إن أبقيت على عبادة الأصنام وأصررت عليها أن يمسك عذاب من الرحمن في الدنيا أو في الآخرة، وحينئذ تكون للشيطان ولياً.

    وقد قلنا وعرفنا: أن كل من يعصي الله ويطيع الشيطان يصبح ولياً للشيطان، فولي الله المؤمن التقي، وعدو الله هو الكافر الفاسق.

    إذاً: من عبد الشيطان كان الشيطان وليه، ويكونوا أولياءه في جهنم يجمعون فيها.

    يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ [مريم:45] وسبحان الله! فإبراهيم أب رحيم حتى إذا ذكر يذكر الرحمن، عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ [مريم:45] ما قال من الجلال والإكرام أو من العزيز الجبار، بل من الرحمن؛ يرغبه في دعوته إلى الله.

    فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم:45] والعياذ بالله تعالى، نبرأ إلى الله أن نكون أولياء للشيطان، أي: لا نطيعه ونعصي الله عز وجل، بل نطيع الرحمن ونعصي الشيطان؛ لنكون أولياء للرحمن لا أولياء للشيطان.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المستمعين! اسمعوا شرح الآيات في الكتاب.

    معنى الآيات

    يقول المؤلف: [ هذه بداية قصة إبراهيم الخليل عليه السلام مع والده آزر عليه لعائن الرحمن، قال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرْ [مريم:41] يا نبينا. فِي الْكِتَابِ [مريم:41] أي: في القرآن الكريم؛ إِبْرَاهِيمَ [مريم:41] خليلنا.

    إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا [مريم:41] أي: صادقاً في أقواله وأعماله، بالغاً مستوى عظيماً في الصدق.

    نَبِيًّا [مريم:41] من أنبيائنا، فهو جدير بالذكر في القرآن الكريم ليكون قدوة صالحة للمؤمنين.

    واذكره إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ [مريم:42] آزر ؛ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ [مريم:42] أي: تسأله بالدعاء والتقرب بأنواع القربات ما لا يسمع ولا يبصر من الأصنام، أي: لا يبصرك ولا يسمعك.

    وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم:42] أي: لا يدفع عنك ضراً، ولا يجلب لك نفعاً، فبأي حاجة لك إلى عبادته؟!

    يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ [مريم:43] أي: من قبل ربي تعالى. مَا لَمْ يَأْتِكَ [مريم:43] أنت، فَاتَّبِعْنِي [مريم:43] فيما أعتقده وأعمله وأدعو إليه، أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا [مريم:43] أي: مستقيما يفضي بك إلى السعادة والنجاة.

    يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ [مريم:44] أي: بطاعته فيما يدعوك إليه من عبادة غير الله تعالى من هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع؛ لأنها لا تسمع ولا تبصر، ولا تعطي ولا تمنع.

    إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا [مريم:44] أي: عاصياً أمره فأبى طاعته وفسق عن أمره.

    يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ [مريم:45] إن أنت بقيت على شركك وكفرك ولم تتب منهما حتى مت فيمسك عذاب من الرحمن. فَتَكُونَ [مريم:45] أي بذلك؛ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم:45] أي: قريباً منه قريناً له في جهنم فتهلك وتخسر ].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    أولاً: تقرير التوحيد بالدعوة إليه ] تقرير التوحيد بالدعوة إلى التوحيد.

    [ ثانياً: كمال إبراهيم بذكره في الكتاب.

    ثالثاً: بطلان عبادة غير الله تعالى.

    رابعاً: عبادة الأوثان والأصنام، وكل عبادة لغير الله تعتبر عبادة للشيطان؛ لأنه الآمر بها والداعي إليها ].

    وصلى الله على نبينا محمد.