إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (20)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلوات الخمس هي فريضة الله عز وجل على عباده المؤمنين، وقد فرضها الله على هذه الأمة يوم أن عرج بمحمد صلى الله عليه وسلم، فتلقى الأمر بها من ربه سبحانه دون واسطة، وبين أوقاتها جبريل عليه السلام حيث صلى بالنبي في يومين، أول يوم صلى به في أول أوقات الصلوات الخمس، أما اليوم الثاني فصلى به في آخر أوقات الصلوات، وبين أن وقت كل فرض بين الوقتين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فهيا بنا نصغي لتلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا * وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا * وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا * قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا [الإسراء:78-84].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] أقم الصلاة. من الآمر يرحمكم الله؟ الله، من المأمور؟ رسول الله.

    أقم الصلاة يا رسولنا إذ الله أمر رسوله فقال: أَقِمِ الصَّلاةَ [الإسراء:78] وما معنى إقام الصلاة؟ أداؤها باستدامة دائمة على الوجه المطلوب، فبذلك تكون إقامة، أقامها يقيمها إقامة، إذا أداها على الوجه المطلوب الذي تؤدى عليه، مع دوامها وعدم انقطاعها.

    أوقات الصلوات الخمس

    الصلوات الخمس هي معلومة بالضرورة لدى المؤمنين والمؤمنات: الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.. وفي هذه الآية بيان لهذه الأوقات أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] ودلوكها: اضمحلالها وانحدارها من السماء إلى الغرب؛ إذ تأخذ في العروض والطلوع والصعود، ثم تقف في مستوى معين لها لدقائق، ثم تأخذ في الميلان وذلكم هو الدلوك؛ فمن ثم دخل وقت صلاة الظهر، إذا مالت الشمس إلى الغروب إلى المغرب بدأ وقت صلاة الظهر، وأنت تعرف هذا بالظل، قف في الشمس ظلك يدلك على أن الشمس طالعة أو مائلة، تأخذ في الطلوع والظل ينحسر، ثم يقف لا يزيد ولا ينقص دقائق، ثم يزيد، من ثم عرفت أن وقت صلاة الظهر دخل.

    أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:78] وهنا دخل الظهر والعصر، أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] الظهر والعصر، الظهر إذا زاد الظل مثله، وقفت أو جعلت خشبة وقست ظلها وعرفته، إذا زاد مثله دخل العصر، ويستمر الوقت الفاضل إلى أن يصير الظل مثليه، وهنا الظهر والعصر مختلطا الوقت، وقتهما متصل ببعضهما البعض، فلهذا المريض والمسافر يجمعهما في صلاة واحدة، إما في أول وقت الظهر وإما في آخر وقت العصر، أي: يصلي الظهر ثم يصلي العصر في وقت واحد، من هو الذي أذن له في الجمع بينهما؟ اثنان: مريض، ومسافر. له أن يجمع بين الظهر والعصر؛ لأن قول الرب تعالى: لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:78] أي: إلى الظلمة، أي: إلى دخول المغرب، هذا وقت الظهر والعصر، فيجوز للمؤمن أن يجمع بين الوقتين إن كان مريضاً أو مسافراً، إن شاء جمع تقديم فيقدم العصر مع الظهر، أو جمع تأخير يؤخر الظهر مع العصر، بهذا جاء البيان النبوي من النبي عليه الصلاة والسلام.

    وقوله: إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:78] الغسق: الظلمة، والظلمة تبتدئ من غروب الشمس؛ إذ هي التي تضيء الكون، فلما تغرب بدأ الظلام، وذلكم هو الغسق غسق الليل، وفي هذا وقتان: المغرب والعشاء، صلاتان وقتهما مشترك بينهما كالظهر والعصر، فيجوز للمسافر والمريض أن يجمع بين المغرب والعشاء، بأن يصلي المغرب في بداية وقتها ويضيف إليها العشاء ثم يمشي في سفره أو يستريح في مرضه، أو يؤخر المغرب ولا يلتفت حتى يدخل وقت العشاء بذهاب الشفق الأحمر، ثم يصلي المغرب والعشاء، والعشاء تمتد إلى نصف الليل وأكثر أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:78].

    ثم قال تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] ما الفجر؟ انفلاق الضوء، انشقاق الظلام وظهور الضياء وإشراق الشمس وأنوارها، هذا الفجر، والفجر فجران: فجر كاذب، وفجر صادق.

    والذين يعيشون في البر يعرفون، أول ما يظهر انفلاق فجر هكذا كالعمود، كذنب السرحان لدقائق، ويأتي الظلام يغشيه، ثم دقائق وينبلج الفجر يميناً وشمالاً، ذلكم هو الفجر.

    طريق محبة الله

    يا من يعيشون في البادية والبر، أما أهل الحضارة فقد غشتهم الكهرباء وغطتهم، وما أصبحوا يعرفون الليل ولا النهار، ويا أسفاه ووا حزناه ما عرفنا قيمة هذه الأنوار، ليس معنى هذا أننا نبيت سهارى نعبث ونأخذ ونبيع ونشتري طول الليل إلى نصف الليل، ليس هذا نظام حياتنا أبداً، وإن أعطانا الله هذه الكهرباء نتمتع بها حيث الحاجة، ننتفع بها حيثما نريد النفع، أما أننا نصلي العشاء ونبقى سهارى، نمشي ونروح ونجيء والدكاكين مفتوحة والمقاهي إلى نصف الليل، والله ما أمرنا بهذا، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن عن كراهية النوم قبل صلاة العشاء وعن الحديث بعد صلاة العشاء، أين أتباع محمد صلى الله عليه وسلم؟

    قولوا: نحن، إذاً لا ننام قبل صلاة العشاء أبداً مهما كنت تعبان لا تنم قبل صلاة العشاء؛ لأن رسول الله نهاك عن ذلك، وأنت من أتباعه، ولا نسهر ونقضي الساعة والساعات بعد صلاة العشاء في الأحاديث والأباطيل أو في البيع والشراء، اللهم إلا ضرورة كضيف ينزل عندك، لا بد وأن تؤانسه. ثانياً: زوجتك في فراشك لا بد وأن تؤانسها، ما عدا ذلك ما عندنا عبث ولهو بعد صلاة العشاء.

    وأعيد القول وأكرره والحضور كبير، وإخواننا الزوار من كل مكان والحمد لله، أقول: يا معشر المستمعين وفيكم الساسة والخبراء والفنيون والعلماء والعوام مثلي، اعلموا أن الذل والهون والدون الذي أصاب المسلمين لن يزول إلا إذا رجعنا إلى الله وتبنا إليه وأنبنا وقبلنا، ما هو الطريق يا شيخ؟ سلوني أجبكم.

    وهذا الذي أذكره لكم عرفه المسئولون والحكام والساسة؛ إذ نشرناه في عدة كتب وتكلمنا به أربعين أو خمسة وأربعين سنة، ولكن ما تحرك أحد؛ لأن الله قضى بهذا الذل والهون والدون والعجز أربعين سنة.

    الذي أريد أن أقوله:

    معشر المؤمنين والمؤمنات! اعلموا أنكم أولياء الله؛ إذ المؤمن التقي هو ولي الله، المؤمنون المتقون هم أولياء الله، وأولياء الله يحبون ما يحب وليهم ويكرهون ما يكره وليهم، أما الذي يحب ما يكره وليه، ويكره ما يحب والله ما هو ولا هو بولي أبداً، نسأل عما يحب ربنا، إذا قيل: يحب كذا أحببناه بحبه، وإذا قيل لنا: ربنا يكره كذا كرهناه بكرهه؛ لأننا أولياؤه.

    إذاً: طريق العودة والرجعة الصادقة هو من أيسر ما يكون وأسهل ما يكون، فقط أهل القرية يوم الجمعة، أهل الحي في المدينة يوم الجمعة يقول خطيبهم وإمامهم: معاشر المؤمنين والمؤمنات! من الليلة لا يتخلف أحد عن صلاة المغرب أبداً، من كان له عمل فليعمله قبل صلاة المغرب، ويتفرغ كامل التفرغ، ويأتي بزوجته وأولاده إن كان له زوجة وأولاد، ويصلون المغرب كما صليناه الآن، وبعد صلاة النافلة يصطف الرجال والأطفال وراءهم، والنساء وراءهم دون ستارة تحجبهم، ثم يجلس لهم عالم بالكتاب والسنة، بالقرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقرأ آية كالتي قرأناها أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] يرددها سبع مرات عشر مرات، حتى تحفظ من قبل كل الحضور نساء ورجالاً، ولما يحفظونها في حدود العشر دقائق أو ربع ساعة، يأخذ في شرحها، وفي بيان ما فيها من الهدى والنور؛ فإن كانت الآية تتضمن واجباً علموه وعزموا على القيام به، وإن كانت تتضمن مكروهاً لله محرماً علموه وعزموا ألا يفعلوه أبداً، وإن كانت تدعو إلى علم علموه وأصبحوا علماء به، وإن كانت تدعو إلى فضيلة تسابقوا إلى فعلها، أو إلى أدب تأدبوا به، أو إلى خلق فاضل تخلقوا به، حتى إذا أذن العشاء صلوا العشاء وعادوا إلى بيوتهم، وكلهم أنوار، وكل قلوبهم مع الله، وكل أملهم رضا الله، فينزلون بيوتهم ويتناولون طعاماً إن كان لهم، وينامون لا تلفاز ولا راديو ولا عبث ولا لهو، ولكن جاءوا ليستريحوا ليقوموا آخر الليل، ليصلوا صلاة الصبح في وقتها، ويتنفلون قبلها بنافلة كثيرة أو قليلة، بعد صلاة الصبح العمل، الفلاح في مزرعته، والنجار في منجرته، والصانع في مصنعه، والتاجر في متجره.. العمل، والموظف في وظيفته، وهكذا.

    وإذا مالت الشمس إلى الغروب دقت الساعة السادسة وقف العمل لا مصنع ولا متجر ولا مزرعة ولا.. ولا..، من هؤلاء؟ أولياء الله المؤمنون المسلمون بحق، يتوضئون يتنظفون، يحملون أطفالهم ونساءهم إلى المسجد بيت الرب، المسجد الجامع الذي وسعوه حتى اتسع لكل أفراد القرية أو أفراد الحي، وصلوا المغرب وجلسوا جلوسنا هذا، ويتقدم المربي بحديث من أحاديث الحبيب صلى الله عليه وسلم الصحيحة فيتلوه ويردده كما رددنا ( ساقي القوم آخرهم شرباً ) خمس دقائق، عشر دقائق، حتى يحفظه النساء والأطفال والرجال، ثم يأخذ المربي المزكي للنفس يعلمهم ما يدعو إليه الحديث، فإن كان يدعو إلى عقيدة اعتقدوها، يدعو إلى فضيلة التزموها، يدعو إلى نهي عن كذا انتهوا عنه، وهكذا وطول العام ليلة آية، وليلة حديث، ووالله ما تمضي السنة حتى يصبح ذلك الحي أو تلك القرية كأنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، علم وطهر وصفاء، والله ما يبقى بينهم من يشحذ ويمد يده، ولا يبقى بينهم من يسرق أو يفجر، أو يزني أو يكذب أبداً؛ لأن العلم يزكي النفس ويطهرها إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    يبقى إن قلت: الحكومة ما تسمح، أولاً: ما نستطيع أن نقول: الحكومة لا تسمح ولو كانت بريطانيا، وإنما على الإمام المربي المزكي للنفس عليه أن يأخذ إذناً إما من عمدة الحي أو شيخ القرية أو الأمير الفلاني، نحن نجتمع في بيت الرب بنسائنا وأطفالنا نروح على أنفسنا، نزكي أنفسنا ونطهرها حتى ينتهي البخل والشح والبغضاء والعداء والظلم والشر والفساد، وإننا والله لن تشاهدوا منا إلا ما هو خير لكم وصالح لدولتكم وبلادكم، وهو والله لكذلك، والله ما يبقى في القرية من يكفر الحاكم أو يسبه أو يشتمه أو يقول ليس بشيء أبداً؛ لأنهم اتصلوا بالملكوت الأعلى، وأقبلوا على ربهم، لا ظلم ولا خيانة ولا غش ولا حب الدنيا ولا الشهوات ولا الأهواء.

    وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ربه فيقول له: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2] والله لتسعد تلك البلاد وتعز وتسود، وحكام ومسئولوها كلهم يئوبون إلى الله ويرجعون إليه إذا رجعت الأمة وأقبلت على الله، وإن قال قائل: كيف نوقف دولاب العمل مع الساعة السادسة، ونترك متاجرنا ومصانعنا وأعمالنا؟ قولوا له: أليس اليهود والنصارى في أوروبا والصين واليابان إذا دقت الساعة السادسة وقف العمل؟ صح أو لا؟

    إذاً يقف عملهم ليذهبوا بنسائهم وأطفالهم إلى المراقص والمقاصف ودور السينما والملاهي؛ لأنهم كفرة أموات غير أحياء وما يشعرون، إلى جهنم مصيرهم.

    أما نحن الربانيون أولياء الله، ما نوقف العمل كما يوقفونه ونذهب إلى ربنا، إلى أين؟ إلى بيت الرب، لم؟ لنسمع كلامه ونحضر هكذا أحاديث رسوله أي كمال أعظم من هذا الكمال؟

    ذهابهم إلى المقاهي والملاهي والمقاصف يزيدهم في الغريزة الشهوة والباطل وحب الدنيا والتكالب عليها، وذهابنا إلى المسجد والله ليقلل من شهواتنا وأطماعنا وفسادنا وظلمنا يوماً فيوماً، ما تمضي سنة إلا وأحدنا كأنه عبد القادر الجيلاني كما تعرفون، لم ما نفعل هذا؟ الآن سنوات ونحن ننادي بهذا النداء، ونقول: والله إن تم لنا هذا في قرية من القرى في الهند أو السند، في المغرب والمشرق لتكلفنا الزيارة وزرنا، لنشاهدهم، ولكن لا شيء، فقط فوضى واضطراب يؤدي إلى القتل والدمار والخراب وما إلى ذلك، لنزداد هبوطاً.

    معاشر الحجاج فهمتم هذا الكلام أو ما فهمتموه؟ لغتنا شبه بربرية ما فيها غموض واضحة والحمد لله، يا أهل القرية أنتم حاضرون قولوا لإمامكم: يا إمامنا ادع الناس يوم الجمعة من الليلة أن نحضر صلاة المغرب جميعاً، وعلمنا آية من كتاب الله حتى ننسى الدنيا وشهواتها وآلامها وأتعابها، ما المانع؟

    اذكروا هذا واللهم اشهد فقد بلغت عبادك الصالحين.

    تعليم جبريل للنبي مواقيت الصلاة

    الآن نعود إلى الآية الكريمة: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] ما معنى دلوك الشمس؟ ميلانها إلى الغرب في وسط النهار تقف ثم تميل، إلى متى نقيم الصلاة؟ أي: الظهر والعصر إلى غروب الشمس، علمنا أن وقت الظهر والعصر مشترك بينهما، إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:78] غسق الليل ظلمته، متى تبتدئ؟ بعدما تغيب الشمس أو لا؟ دخل وقت المغرب، يبقى الوقت للمغرب والعشاء إلى ما بعد نصف الليل، وعلمتم أن المسافر كالمريض يجوز له أن يجمع بين الظهر والعصر في وقت أحدهما ويجمع بين المغرب والعشاء في وقت أحدهما بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس المذهب الفلاني.

    وقوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78] قرآن الفجر يعني: صلاة الصبح، أطلق عليها القرآن، والصلاة هي القرآن، القرآن هو الصلاة، قرآن الفجر، أي: قراءة القرآن في صلاة الصبح، هذا قرآن الفجر.

    ومن هنا تمت الأوقات الخمسة في كتاب الله، وآية من سورة هود المكية أيضاً وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] دلت على أوقات الصلوات الخمسة، آية مكية في سورة الروم فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم:17-18] كذلك، إلا أن هذه الآية أوضح.

    واعلموا أن هذه الأوقات نزل بها جبريل عليه السلام من الله من الملكوت الأعلى، والرسول في مكة يوم جاء من رحلته إلى الملكوت الأعلى، وهل الرسول صلى الله عليه وسلم رحل إلى الملكوت الأعلى؟ والله الذي لا إله غيره لقد غسل قلبه في ماء زمزم، وحشي بالحكمة والإيمان، وعرج به إلى الملكوت الأعلى، وجلس بين يدي الله يسمع كلامه ولا يرى وجهه، وفرض عليه الصلوات الخمس، وعاد إلى مكة وفراشه ما زال دافئاً، واقرءوا أول السورة المكية: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:1] ومن المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى، واقرءوا وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:1-5] جبريل ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:7-8] عند مكة، وناداه أنا جبريل وأنت رسول الله فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم:9-15].

    هذا الشاهد: وَلَقَدْ رَآهُ [النجم:13] مرة أخرى غير الأولى التي في مكة نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [النجم:13-16] من النور، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:17-18].

    إذاً: فنزل جبريل بعد ما جاء الرسول بالصلوات الخمس إذ فرضها عليه وعلى أمته في حديث الصحيح كما تقدمنا، فنزل جبريل فصلى به الصبح في أول انفلاق الفجر، وصلى به الظهر عند دلوك الشمس، وصلى به العصر بعدما كان الظل مثله، وصلى المغرب بعد الغروب، وصلى به العشاء بعد الشفق، هذا اليوم الأول، وجاء في اليوم الثاني فصلى به بعد أن أسفر الجو، وأسفر الاصفرار لكن قبل طلوع الشمس.. وقت الإسفار، فكان بين الوقت الأول والثاني وقت، وصلى لدلوك الشمس عندما كان الظل مثله، وصلى العصر بعدما كان الظل مثليه فاشتركا في الوقت، وصلى المغرب به في أول وقت، وصلى العشاء عند غياب الشفق الأحمر.

    فعلمه الأوقات، وعلم رسول الله أصحابه وأمته، وها نحن نعلم ذلك، والحمد لله.

    معنى قوله تعالى: (إن قرآن الفجر كان مشهوداً)

    يقول الرب تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] من يشهده يرحمكم الله؟ يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( يتعاقب فيكم ملائكة في الليل وملائكة بالنهار ) يتعاقبون لغة أيضاً، ملائكة النهار يحضرون صلاة الصبح، ملائكة الليل معهم يستلمون العمل، وملائكة الليل يستريحون؛ لأنهم باتوا معك، طلع الفجر يجيء ملائكة النهار يستلمون العمل ويشهدون صلاة الصبح، جاء العصر يجيء ملائكة الليل يستلمون العمل ويستريح ملائكة النهار ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيسألهم ربهم: كيف وجدتم عبادي؟ يقولون: وجدناهم في الصلاة وتركناهم في الصلاة )، هذه تساوي مليارات الدولارات، أن ترفع شهادة إلى الله بأنهم وجدوك في الصلاة وتركوك في الصلاة، معناها ما عندك ذنب أبداً.

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من صلى البردين ) ما البردان؟ الصبح والعصر، الصبح برد أو لا؟ والعصر بالنسبة إلى الظهر برد أو لا؟ ( من صلى البردين دخل الجنة ) فلهذا أبناء الإسلام لا تفوتنا أبداً صلاة الصبح في جماعة وصلاة العصر في جماعة؛ إذ الملائكة المكلفون بكتابة الأعمال وتدوينها الكرام الكاتبين يتناوبوننا، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، متى يستلم ملائكة النهار العمل؟ صلاة الصبح، متى يستلم العمل ملائكة الليل؟ صلاة العصر، هذا معنى قوله تعالى: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] من يشهده؟ الملائكة الذين جاءوا ليتولوا العمل، والذين كانوا يعملون ويعودون، واقرءوا قول الله تعالى من سورة الانفطار: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12] كل واحد مختص بأربعة ملائكة.. ملك عن يمينه يكتب حسناته، وملك عن شماله يكتب سيئاته، وكاتب السيئات ما يستعجل ينتظر؛ فإن تبت واستغفرت ما كتبت، أما كاتب الحسنات بمجرد ما تفعل خيراً يكتبه من فضل الله تعالى ورحمته.

    وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار:10] أي: لأعمالكم كِرَامًا [الانفطار:11] والكريم يكتب لك ما ليس عليك؟ أبداً، ينقصك ما عندك؟ ما ينقص الكريم، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:12].

    هكذا يقول تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78] أي: ويشهد قرآن الفجر إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك ...)

    قال الله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79] هذه الأيام التي نزلت فيها هذه الآيات كان الرسول صلى الله عليه وسلم في آلام، وأتعاب، وكروب أحزان لا تتصوروها، ماتت خديجة ، مات أبو طالب ، فعلوا به العجب، وأرادوا قتله، هنا يبشره ربه فيقول له: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ [الإسراء:79] أنت، لعلو مقامك وسمو مكانتك، ولما ينتظرك من الكمال والخير، فلهذا قيام الليل من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن ليس بواجب على أحد إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:1-4].

    إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ [المزمل:20] اللهم اجعلنا منهم.

    معاشر المؤمنين من استطاع أن يتهجد، أي: يذهب الهجود الذي هو النوم عن نفسه قبل الفجر ساعة كافية، ضع عند رأسك الساعة، واجعلها بساعة أو ساعة وعشر دقائق قبل أذان الصبح، وقم صل ما شاء الله أن تصلي من ركعات، تقرأ فيهما حزبين أو أربعة أحزاب، ثم تصلي الشفع ركعتين والوتر ركعة، لما تفرغ يقول المؤذن لنداء الصبح الله أكبر، والله لقد قمت الليل، فقط يعينك على ذلك ألا تسهر سهر الباطلين واللاهين واللاعبين أمام تلفاز أو أمام فيديو أو كذا.. أو كذا..، وأنت تضحك، هذا ليس لك أبداً، ما عندنا هذا، لم؟ لأننا نريد أن نخترق سبع سماوات، مسافة سبعة آلاف وخمسمائة عام لنصل إلى الجنة دار السلام، فنتحمل أتعاباً فوق أتعاب لا حرج، فلا ننام كما ينام أهل النار، ولا نأكل كما يأكلون، ولا ننكح كما ينكحون؛ لأننا لنا أمل متى يعرج بروحنا إلى عليين، كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:19-21].

    ما إن تفيض الروح إلا والملائكة في موكب ما هو ملك أو ملكين، موكب كما تشاهد مواكب الملوك والرؤساء، يرفعونها إلى الملكوت الأعلى، ويستأذنون لها في كل سماء، فيفتح لها، ثم تنتهي إلى تحت العرش ويأمر الرب بكتابة اسمها في عليين، ثم تبقى في جنات النعيم، حتى تنتهي هذه الدورة التي طالت وعما قريب تنتهي، ويخلق الله لنا أجساماً جديدة أخرى طولها ستون ذراعاً وتنزل الأرواح من دار السلام وتدخل في تلك الأبدان، وإذا بنا في ساحة فصل القضاء، كما سنذكر إن شاء الله.