إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (19)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم أثناء وجوده في مكة يتعرض لأذى المشركين ومضايقتهم، وفي نفس الوقت كانوا يعرضون عليه العروض المختلفة رجاء أن يتنازل لهم ولو يسيراً عما جاء به من ثوابت الدين والعقيدة، فتارة يمنعونه من تقبيل الحجر الأسود حتى يقبل بعض أصنامهم، وتارة يعرضون عليه أن يؤمن بآلهتهم سنة على أن يؤمنوا بربه سنة أخرى، وتارة يهددونه بإخراجه من مكة، فيذكره الله عز وجل أنه لا ينبغي له مطاوعتهم في شيء من ذلك، فهو على الحق الذي جاء به من عند ربه ومولاه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ... فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فما زلنا مع سورة الإسراء، فهيا بنا نصغي إلى تلاوة هذه الآيات التي تقرر البعث والنشور، والحياة الآخرة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا * وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا * وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا [الإسراء:71-77].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    أُعلِم غير العالمين، وأذكر الناسين بتلك الحقيقة التي يجب أن يعلمها كل مؤمن ومؤمنة، وهي أن أركان الإيمان التي ينبني عليها ستة، وهي الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وأعظم هذه الأركان وأكثرها تأثيراً في حياة الإنسان الإيمان بأن لا إله إلا الله، أي: التوحيد، والإيمان بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالبعث الآخر.. بالحياة الآتية، دار الجزاء عن الكسب والعمل في هذه الحياة الدنيا.

    والسور المكية لا تعالج إلا هذه، وها نحن الليلة مع هذه الآيات الخمس في علاج عقيدة البعث الآخر، الحياة الثانية، البعث والجزاء بعد الموت.

    مرة ثانية أقول: إن الإنسان ذكراً كان أو أنثى إذا عدم وفقد عقيدة الإيمان بأن لا إله إلا الله، وأن البعث الآخر حق؛ لا يعول عليه في شيء، ولا يوثق في شيء، ولا يسند إليه شيء ويوفي به؛ لأنه شر الخلق، لكن الذي يؤمن بالجزاء على الكسب في هذه الدنيا يحاسب نفسه، يعمل باجتهاد ألا يتورط يوم القيامة ويدخل جهنم، لكن الذي لا يؤمن بالبعث الآخر والحياة الثانية، ولا يؤمن بالله عز وجل، كالبلاشفة والملاحدة والعلمانيين، هؤلاء شر البرية، لا يوثق بهم في شيء.

    وها نحن مع قول ربنا: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71] اذكر يا رسولنا! من هو رسول الله؟ محمد صلى الله عليه وسلم، وهو رسولنا أيضاً أي: أرسل إلينا، يقول له الرب تبارك وتعالى في هذه الآيات: اذكر يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71] اذكر لمن؟ للبشرية عامة، لأهل مكة خاصة، اذكر لهم الوعد والميعاد يوم القيامة، يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71] أتباع عيسى، أتباع موسى، أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.. كل من كان له أتباع يدعى ويأتي ومعه أتباعه، كل أناس معهم إمامهم الذي يقودهم وكانوا يطيعونه، ويعملون بأمره ونهيه، إن كان نبياً عبداً صالحاً فأهله فائزون، وإن كان شيطاناً من الشياطين، وكافراً من الكافرين فأهله هالكون، لكن المحشر هذا هو: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71] الذي يأتمون به، ويقتدون به ويتبعونه، سواء كان من أهل الإيمان والصلاح، أو من أهل الشر والكفر، لهم أتباعهم.

    بعد ذلك يعطون ويوزع عليهم كتبهم، يوم يدعون مع إمامهم توزع عليهم كتب أعمالهم التي عملوها في هذه الدار، حتى حركة اليد!

    حينئذ لما توزع الكتب: فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الإسراء:71] فهذا علامة سعادته ونجاته، يعطى كتابه بيمينه تفضل، فيأخذه بيمينه، فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [الإسراء:71] يقرءون كتابهم، ويكونوا على علم بالقراءة ولو كانوا أميين في الدنيا، ما يعرفون القراءة والله يقرءون، ولا يظلمون مقدار فتيل: خيط يوجد في وسط النواة، كذلك ما يظلمونه، أي: لا تزاد السيئة عليهم ولا تنقص حسنة من حسناتهم، بل يوفون أجورهم كاملة.

    ولم يذكر تعالى هنا أهل الشمال، وقد ذكرهم في سورة الانشقاق والحاقة، فقال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:19-24]، في هذه الأيام وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ [الحاقة:25] وراء ظهره فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:25-27] أي: الموت مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:28-32] لماذا؟ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة:33] كافراً مشركاً ملحداً وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الحاقة:34].

    وفي سورة الانشقاق يقول تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:7-8] في دقائق وَيَنقَلِبُ [الانشقاق:9] ويعود إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق:9] في الجنة مَسْرُورًا [الانشقاق:9] فرحاً وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق:9-15].

    فلهذا ما ذكر أصحاب الشمال في هذه الآية اكتفاء بما سبق.

    يقول تعالى: اذكر يا رسولنا! لأهل مكة وللعرب والعجم ذكرهم: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [الإسراء:71] أبداً، ويجزون خير الجزاء دار السلام.

    والذين أوتوا كتبهم بشمائلهم وراء ظهورهم والعياذ بالله وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى [الإسراء:72] هذا الذي يؤتى كتابه بشماله، كان في هذه الدنيا أعمى، هو يبصر كما نبصر، لكنه أعمى القلب، يبصر ويشاهد هذا الكون كله، يرى الشمس وما يسأل: من خلقها أبداً أعمى! يأكل الثمار لا يسأل: من أوجدها؟ أو كيف أوجدها؟ يعيش ما يسأل هو نفسه: من أوجدك أنت؟ كيف أنت تعيش؟ ما يبصر آية من آيات الله، لا في السماء ولا في الأرض، أعمى تماماً.

    وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ [الإسراء:72] الدنيا أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الإسراء:72] يؤتون كتبهم بشمائلهم عميان، ويساقون إلى جهنم لا يبصرون.

    هذه الآية الأولى معاشر المستمعين والمستمعات! تقرر البعث الآخر، الحياة الثانية.

    وأكرر القول للضيوف: إذا سئلت يا عبد الله! يا أمة الله! لم أوجد الله هذه الحياة الدنيا؟ الجواب الذي لا يتردد فيه ذو دين وعقل: من أجل أن نعبد الله، ولم أوجد الحياة الثانية؟ ما السر؟ ما العلة؟ من أجل الجزاء على العمل في هذه الدنيا، حياتان: حياة عمل، إيمان وكفر، إسلام وضلال، ودار جزاء: نعيم مقيم، أو عذاب أليم، والله العظيم!

    مرة ثانية: لو سئلنا: لماذا خلق الله هذه الحياة؟ من أجل أن يعبد فيها، فمن عبده أكرمه وأعزه وطيبه، ومن عصاه أشقاه وعذبه، لكن أين التعذيب وأين الإكرام؟ في الحياة الثانية، لما تنتهي هذه الدار من العمل، ينتقلون إلى الجزاء، فالدار الآخرة ما فيها صيام ولا جهاد ولا عمل، ما فيها إلا النعيم المقيم، والعذاب الأليم! اذكروا هذه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك ...)

    قال تعالى يخاطب مصطفاه صلى الله عليه وسلم، يقول له: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [الإسراء:73] حقيقاً، المشركون فعلوا العجب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الإسراء:73] لتكذب وتفتري عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [الإسراء:73] مرة وجدوه يقبل الحجر الأسود، قالوا: لا تقبله إلا إذا قبلت أصنامنا وتأتي إليها، ممكن يقع في قلب رسول الله: لو يذهب إلى أصنامهم ويقبلها؛ حتى يسمح له بتقبيل الحجر الأسود، قد يخطر بباله لأنه بشر، جاءه رجال الطائف قالوا: اترك لنا آلهتنا سنة، نجمع الأموال التي تأتي بالزيارة لها، وبعد السنة نسلم، ممكن يلين قلبه لهذه، وعود كثيرة أعطوه إياها من أجل أن يتفق معهم على شيء، والله عاصمه، والله حافظه، واسمع ماذا قال له؟

    وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [الإسراء:73] يصرفونك عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الإسراء:73] من التوحيد لِتَفْتَرِيَ [الإسراء:73] وتكذب عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا [الإسراء:73] لو فعلت لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [الإسراء:73] وصاحباً وصديقاً، قطعاً لو استجاب لهم في قضية واحدة لأحبوه، وعرضوا عليه أن يعبد معهم آلهتهم سنة، ويعبدون معه إلهه دائماً وأبداً، فنزل: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:1-6] فأيأسهم.

    استأصل هذا الأمر من نفوسهم، لن يمشي معكم أبداً، حاولوا محاولات سنين ثلاث عشرة سنة.

    وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الإسراء:73] فتتنازل عنه، لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا [الإسراء:73] لو فعلت لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [الإسراء:73] والخليل: الصاحب العزيز الذي حبه في القلب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ... ثم لا تجد لك علينا نصيراً)

    قال له تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء:74] هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لولا أن الله عصمه حفظه فثبته لكاد يميل بعض الشيء، يعرضون عليه العجائب ليتنازل عن دعوته، وإذاً: يقول تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء:74] ولكن الله عصمه، ثبته، حفظه، والله ما أعطاهم شيئاً مما يطلبون أبداً، وهو صابر على الألم والضرب والعذاب.

    ثم قال تعالى: إِذًا [الإسراء:75] أي: لو فعلت إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ [الإسراء:75] مضاعف لك العذاب في الدنيا وفي الآخرة، ولا تقل: كيف؟ والله يقول: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ [الأحزاب:31] هذا لنساء الرسول: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:31-33].

    يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ [الأحزاب:30] الشاهد هنا: في تضعيف العذاب مرتين، فلا يقل قائل: كيف يقول تعالى لرسوله: يضاعف له العذاب؛ لأن الله حاميه وحافظه، والله ما يقع فيما عرضوه عليه؛ لأن الله حاميه أم لا؟ وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ [الإسراء:74] ثبته الله عز وجل، لكن من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة! حتى ما يلين مؤمن من المؤمنين للباطل ويقبل الشر والشرك والباطل لأجل الدنيا.

    وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ [الإسراء:74] على الحق الذي جئت به، وهو التوحيد لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء:74] الله يعلم هذا من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، كاد بالفعل يعرضون عليه أشياء ويظن أنها تكون في صالح الدعوة، ويستجيبون للإسلام، ويقول تعالى: إِذًا [الإسراء:75] لو استجبت لهم وفعلت ما يريدون لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء:75] ينصرك علينا، ومعنى هذا: لا يحل لمؤمن ولا لمؤمنة أن يرضى بالشرك أو الكفر أو يتنازل عن الحق مهما كان، اثبت والله يثبت من يشاء.

    لا تتنازل من أجل أوساخ الدنيا عن دينك، فتهمل فريضة أو واجباً -والعياذ بالله- فكيف بالذي يتنازل من أجل أن يأكل ويشرب، فيعبد الأحجار والأصنام أو القبور والأوثان؟ الآية ذات شأن عظيم! والرسول معصوم، هكذا يقول تعالى للمصطفى صلى الله عليه وسلم: إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ [الإسراء:75] عذاب الدنيا مرتين، وعذاب الآخرة.

    ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء:75] من ينصر العبد إذا أراد الله عذابه؟ من يحارب الله؟ لا أحد، لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء:75].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ...)

    قال تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: وَإِنْ كَادُوا [الإسراء:76] قربوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ [الإسراء:76] أي: أرض مكة، لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا [الإسراء:76]، أما اجتمعوا في دار الندوة واتفقوا على أن يقتلوه أو ينفوه أو يحبسوه، كل هذه المؤامرة تمت، وأخبر تعالى بها: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ [الإسراء:76] ليستخفونك مِنَ الأَرْضِ [الإسراء:76] أرض مكة لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ [الإسراء:76] خلفك إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:76] سنة الله، لو فعلوا، ذبحوا الرسول كما أرادوا والله لدمرهم الله عن آخرهم، لو سجنوه وكبلوه بالحديد وألقوه في ظلام المنزل والله لنزل بهم العذاب، لو نفوه وأبعدوه كذلك، لكن الله حماه وحفظه، وبعد أمنٍ أذن له أن يسافر مع أخيه وصديقه.

    فاسمعوا ما يقول تعالى لمصطفاه صلى الله عليه وسلم: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا [الإسراء:76] كلمة الأرض ليس معناها: الأرض كلها، المراد منها: مكة التي كان فيها.

    لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا [الإسراء:76] أي: من مكة وَإِذًا [الإسراء:76] لو فرضنا وفعلوا لا يَلْبَثُونَ [الإسراء:76] خلفك إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:76] قراءة سبعية، ما يتخلفون بعدك إلا ساعات أو أيام ويهلكهم الله كما أهلك أمم، ودلل لذلك فقال: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا [الإسراء:77] ما من نبي أو رسول أرسله الله ويأتي القوم بالمعجزات ثم يعصوه ويتمردوا عليه ويكذبوه إلا أهلكهم الله، فقد أهلك عاداً وثمود ومدين وفرعون ومدائن لوط، وهكذا أمم كثيرة! فلو أن الله عز وجل تركهم قتلوا رسولنا صلى الله عليه وسلم أو سجنوه أو نفوه، لنزل بهم العذاب كما نزل على الأمم الماضية! لكن الله حفظه، واسمعوا ما يقول له: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:76] أيام فقط، هذه سنة الله لمن قد أرسلنا، سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا [الإسراء:77] أو تبديلاً أو تغييراً، لا بد وأن تمضي سنة الله كما هي.

    مرة ثانية: تأملوا هذه الآيات من كتابكم يا معاشر المؤمنين! هذا الكتاب الذي تقرءونه على الموتى، اقرءوه على الأحياء مثلنا، يقول تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71] يا ويل من يمشون وراء ملحد علماني كافر خرافي جاهل أعمى، يقودهم إلى جهنم، هذا إمامهم.

    يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71] ومن غريب ما يروى في التفاسير أنهم فسروا إمامهم، بمعنى: أمهاتهم! قالوا: أم تجمع على إمام، أم وإمام؛ لأن عيسى ما عنده أب، كيف نناديه بأمه؟ عيب، تكريماً لعيسى نناديه بأمه، وهذه خرافة التفاسير لا قيمة لها، المراد منها: أئمتهم قادتهم، والذين مشوا وراءهم وقادوهم، إما إلى الإسلام والخير، وإما إلى الكفر والشرك، الكل يقادون.

    يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71] فتوزع عليهم الكتب أم لا؟ أي كتب هذه؟ كتب أعمالهم، لا تعجب وتقول: عمل سبعين سنة كيف يتسع لها هذا الكتاب؟! الآن الكمبيوتر في الكف يسجل لك مائة صورة، ألف محاضرة، سمعتم بهذا أم لا؟ قبل ذلك كنا نؤمن بما أخبر تعالى به، أعماله كلها مدونة في كتاب واحد، كيف يكفيها؟ قولوا: آمنا بالله! أخبر الله بهذا، الآن انكشفت الحقيقة أم لا؟ الكمبيوتر يسجل آلاف المحاضرات والكتب في صفحة! وقع هذا أم لا؟ إذاً: قولوا: آمنا بالله، آمنا بالله، آمنا بالله! لأننا نقترب من الحياة الثانية، والله إننا لنقترب منها يوماً بعد يوم، وإننا على مقربة منها، وهذه الأشياء كلها تكشف عن هذه الحقائق، كانوا يؤمنون بأن الله ينادي الخليقة بصوت واحد يسمعونه، ما قالوا: كيف هذا؟ كيف هذا؟ الآن لو تنادى البشرية كلها بصوت واحد تسمعه، في بيوتها وفي دكاكينها.

    يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الإسراء:71] أي: بيده اليمنى تشريفاً وتكريماً، فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [الإسراء:71] والله لا تنقص منك حسنة، ولا تزاد عليك سيئة.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة ثانية: والله لا ينقص من حسناتك حسنة، ولا يزاد على سيئاتك سيئة، أما الحسنات قد يزاد، الحسنة بعشر أمثالها، لكن لا تفهم أنهم يخصون حسنة من حسناتك وينقصونها لك أبداً.

    وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى [الإسراء:72] العميان هم الذين يقودونهم أو يمسكون العصا، وأي عمى أكثر من الذي ما يشاهد الشمس ولا القمر ولا الكواكب ولا الأمطار، ولا هذه الحيوانات وهذه المخلوقات وما يرى خالقها.. أي عمى أعظم من هذا؟ إذاً: من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أشد عمى، وأضل طريقاً؛ إذ طريقه إلى جهنم، والعياذ بالله.

    ثم قال تعالى يخاطب مصطفاه صلى الله عليه وسلم: وَلَوْلا [الإسراء:74] هذا امتنان ورفعة لمقامه صلى الله عليه وسلم، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء:74] هكذا يمنُّ عليه ويعلي درجته ويرفع مقامه، ثبتناك لقد كدت تركن إلى الباطل كما ركن إليه غيرك.

    إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ [الإسراء:75] عباد الله! اذكروا لا يحل لمؤمن أبداً أن يتنازل عن واجب أوجبه الله عليه، أو يرضى بمحرم حرمه الله ويفرح به من أجل دنياه، فإنه ينطبق عليه هذا القول تماماً.

    وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء:74-75] ينصرك.

    مرة ثانية: يا عباد الله! إذا فرض الله فريضة لا تخفيها، لا تجحدها، لا تتنازل عنها من أجل دنياك، إذا حرم الله شيئاً تحريماً قطعياً في الكتاب والسنة لا تحله أبداً لمصلحة، ولا تتجاهله، ولا تخفيه، بل قل الحق فيه، وإلا ينطبق عليك هذا القول، والرسول أكرم من أن يناله هذا! لكنه صلى الله عليه وسلم قدوتنا وأسوتنا في هذه الحياة.

    يقول تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا [الإسراء:76] أي أرض يخرجونه منها؟ مكة! من هم الذين كادوا يستفزونه ويخرجونه؟ أهل مكة المشركون، أما عقدوا ندوة وقرروا إما قتله وإما نفيه، واتفقوا على قتله، ولكن الله خيبهم: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].

    قال تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ [الإسراء:76] أي: أرض مكة لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا [الإسراء:76] لو حصل هذا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:76] هذا القليل يوم يومين، ساعة ساعات، عام عامين، ويدمرهم الله ويبيدهم، وهل سبق أن فعل الله بها هذا؟ نعم. بقوم عاد وثمود ومدين ولوط وفرعون.

    سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ [الإسراء:77] هذه سنة من قد أرسلنا قبلك من الأمم والرسل مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا [الإسراء:77] أي: تبديلاً أو تغييراً، هل سنن الله تتبدل؟ هل تغير الإنسان أصبح كالبهيمة؟ أبداً، هل أصبح الكلب كالإنسان؟ ما تتبدل سنن الله أبداً، هل وجد الإنسان عيناه في قفاه؟ يداه فوق رأسه؟ سنن الله ما تتبدل، ما تقبل التبدل ولا التبديل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم ما في هذه الآيات من هداية.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: الترغيب في الاقتداء بالصالحين ومتابعتهم، والترهيب من الاقتداء بأهل الفساد ومتابعتهم ].

    انتبهوا. الترغيب في الاقتداء بمن؟ بالصالحين ومتابعتهم والائتساء بهم، والترهيب من الاقتداء بأهل الفساد ومتابعتهم.

    إمامك الذي تمشي وراءه أم لا؟ إذا ظهر في المدينة في القرية شخص صالح مؤمن مستقيم نمشي وراءه، وإذا ظهر فاجر كافر يجب ألا نمشي وراءه، بدليل ماذا؟ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71] إن كان صالحاً أو فاسداً.

    [ ثانياً: عدالة الله تعالى في الموقف بإقامة الحجة على العبد وعدم ظلمه شيئاً ].

    ثانياً: عدالة الله تعالى في الموقف بإقامة الحجة على العبد وعدم ظلمه شيئاً: وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [الإسراء:71].

    [ ثالثاً: عمى الدنيا عن الحق وشواهده سبب عمى الآخرة وموجباته من السقوط في جهنم ].

    عمى الدنيا عن الحق ما يشاهدوه سبب في عمى الآخرة وموجبات العذاب والسقوط في جهنم، من كان أعمى في هذه فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً.

    [ رابعاً: حرمة الركون، أي: الميل لأهل الباطل بالتنازل عن شيء من الحق الثابت إرضاء لهم ].

    تأملوا هذه: حرمة الركون والميل لأهل الباطل بالتنازل عن شيء من الحق الثابت إرضاء لهم، الحق الثابت بالكتاب والسنة، فلا تتنازل أبداً من أجل دنياك عن دينك، والرسول هدد بهذا أم لا؟

    [ خامساً: الوعيد الشديد لمن يرضي أهل الباطل تملقاً لهم طمعاً في دنياهم فيترك الحق لأجلهم ].

    كالأول: الوعيد الشديد لمن يرضي أهل الباطل تملقاً لهم طمعاً في دنياهم فيترك الحق لأجلهم، والعياذ بالله.

    [ سادساً وأخيراً: إمضاء سنن الله تعالى وعدم تخلفها بحال من الأحوال ].

    كما علمتم فلله سنناً في الأرض لا تتبدل ولا تتحول أبداً.