إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (18)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يبين الله عز وجل هنا لعباده مؤمنهم وكافرهم أنه سبحانه هو الذي يزجي لهم الفلك في البحر ليستعينوا بها على طلب الرزق، من صيد وتجارة وغيرها، وأنه سبحانه هو الذي يحفظهم على ظهور هذه الفلك، وإن أصابهم شيء من الخوف والضر في عرض البحر فإنه هو الذي يسمعهم دون غيره مما يشركون به في معبوداتهم، فهو سبحانه الذي يملك البحر ويأمره، ويسخر البر ويثبته، وإن شاء أرسل عليهم من عذاب البر أو البحر ما يشاء سبحانه، فهو القادر على كل شيء، وبيده مقاليد الأمور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر بأمره ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فما زلنا مع سورة الإسراء، وهي تسرد أحكام الرب تبارك وتعالى؛ فهيا بنا نسمع بعض آياتها ونتأملها، ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بها، إنه أهل لذلك.

    رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا * وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:66-70].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    قول ربنا جل ذكره: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ [الإسراء:66] هذا الخطاب خاطب به الله جل جلاله الناس أجمعين، وبخاصة الكافرين المشركين، إذ ربنا رب العالمين، رب كل شيء، رب المؤمنين والكافرين.

    رَبُّكُمُ [الإسراء:66] أي: خالقكم، رازقكم، الذي استوجب عبادته منكم؛ إذ هو الذي منحكم الوجود، ووهبكم حياتكم، فهو الذي ينبغي أن تعبدوه، كيف تعبدون أصناماً وأوثاناً وأحجاراً وتؤلهونها؟! ربكم الحق الذي يزجي لكم الفلك في البحر، الفلك: السفن في البحر من يجريها؟ من يسوقها لولا الله عز وجل؟ تجر بالحبال أو الخيول أو البغال؟ تمشي في البحر، من عهد نوح عليه السلام، من سفينة نوح، فربكم أيها الغافلون! هو الذي يزجي لكم الفلك في البحر من أجل ماذا؟ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [الإسراء:66] لتطلبوا الرزق من فضل الله تعالى، بحمل البضائع واستيرادها وتوريدها، وبيعها والإتيان بها من بلد إلى بلد.

    كيف يعمى الإنسان عن هذه الرؤية؟ ربكم الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه، الذي يزجي لكم: يدفع ويسوق السفينة في البحر من أجل أن تبتغوا أنتم وتطلبوا فضلاً من ربكم، طعامكم وشرابكم ولباسكم، وما تحتاجون إليه، وهذا شأن السفن التجارية كلها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ...)

    يقول الله لهم مقرعاً: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ [الإسراء:67] مالت بكم السفينة، اضطربت السفينة، كادت أن تغرق، أصابكم ما يضركم وسط البحر ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:67] نسيتم وما عرفتم وما ذكرتم من تدعون إلا الله عز وجل، غاب عنكم كل الذين كنتم تدعونهم من اللات والعزى وما إلى ذلك، هذا إخبار الله بواقع الحياة.

    وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ [الإسراء:67] ما يضركم وأنتم على ظهر السفينة من مرض وغيره، كاضطراب السفينة والخوف من الغرق.

    ضَلَّ [الإسراء:67] غاب عنكم مَنْ تَدْعُونَ [الإسراء:67] إلا الله وحده، وهذه كانت في العرب، في الجاهلية أيام الشرك والكفر، وهي لطيفة من اللطائف:

    المشركون الكفار الذين بعث فيهم رسولنا صلى الله عليه وسلم كانوا إذا ركبوا السفينة واضطربت بأمواج البحر والعواصف فزعوا إلى الله وحده، والله ما يذكرون اللات ولا العزى ولا مناة ولا هبل..، إلا يا رب يا رب يا رب! حتى ينجيهم.

    وإليكم دليلاً على هذه القضية.

    أبو جهل خلف ولداً مؤمناً وهو عكرمة استمر على الكفر إلى يوم الفتح، وأبوه هلك في بدر قبل ست سنوات، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجاله مكة وفتحها الله عليهم، هناك جماعة من شديدي الكفر أبوا أن يبقوا ليشاهدوا رسول الله أو يسلموا، من بين من هرب عكرمة رضي الله عنه وأرضاه، إلى أين؟ إلى ساحل البحر جدة أو دونها، فوجد سفينة تريد أن تغادر، فركب حتى لا يبقى ويشاهد راية لا إله إلا الله محمد صلى الله عليه وسلم، فلما مشت السفينة داخل البحر اضطربت بسبب عاصفة من الرياح، فقال رب السفينة: ادعوا ربكم، سلوا الله لينجيكم من الغرق، فـعكرمة كأنه كان نائماً واستيقظ، قال: هذا الذي هربت منه أنا، ما هربت من رسول الله إلا من هذا، والآن يقول: ادعوا الله ولا يقول: ادعوا اللات والعزى؟ والله لتردني إلى الساحل، فرده إلى ساحل البحر وعاد إلى مكة واطرح بين يدي رسول الله وقبله وأسلم بين يديه. آية من الآيات! هذا مصداق قوله تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ [الإسراء:67] ونسيتم الله عز وجل وانشغلتم بالجرائم والمعاصي وعبادة الأوثان.

    واللطيفة الثانية: ذكر الشيخ رشيد رضا تغمده الله برحمته، وهو من صلحاء السلفيين في عصرنا هذا، وقد توفي رحمة الله عليه، ذكر في تفسيره المنار -ونعم التفسير والله- يذكر عن شيخه محمد عبده أنهم كانوا في سفينة حجاج من طرابلس الغرب إلى طرابلس الشام إلى الإسكندرية إلى جدة، قال: فإذا بالسفينة تضطرب من شدة العواصف والرياح وأمواج البحر، فأخذ الحجاج يدعون الله عز وجل ويدعون الأولياء والصالحين، هذا يقول: يا مولاي فلان! يا سيدي عبد القادر يا بدوي ! يا أحمد ! يا رسول الله! يا فاطمة ! ومعهم مؤمن، فقهه الله وعلمه، فرفع يديه وقال: اللهم أغرقهم، فإنهم ما عرفوك! في هذه الساعة الكفار يعرفون الله، ولا يطلبون غيره، والمسلمون يجهلون الله ويدعون غيره؟! ولا تظن أن هذا غير صحيح، والله على سيارة صغيرة ركب مؤمن معنا وجلس، فلما خرجت عن الطريق: يا رسول الله! يا رسول الله! فلهذا قال ذلك الموحد: اللهم أغرقهم، فإنهم ما عرفوك في حال الشدة، والمشركون في حال الشدة لا يذكرون إلا الله، هذا كلام الله أم لا؟

    وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ [الإسراء:67] غاب مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:67] أي: الله جل جلاله، فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ [الإسراء:67] نجوتم وسلمتم أَعْرَضْتُمْ [الإسراء:67] أعطيتم العرض، كنتم مقبلين على الرب، ثم أعرضتم عنه ورجعتم للأصنام والأوثان والشرك والكفر.

    وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء:67] جحوداً للنعم، ما يعترف أبداً، أدنى شيء فقط يا عبد الله! هذه النعمة.. نعمة إيجادك كيف تشكر صاحبها؟ والله لو تبقى طول الدهر تقول: الحمد لله ما وفيته ذلك، لو أن شخصاً وهبك عيناً من عينيك، أو يداً من يديك، أو رجلاً من رجليك، تحمده طوال حياتك، فكيف بمن يهبك حياتك كلها بما فيها سمعك وبصرك وعقلك ووجودك؟! ولا تقول: الحمد لله ولا تؤمن بالله! أي كفور أكفر من الإنسان؟! وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء:67] إلا إذا عرف ربه بعد أن آمن به، وعرف جلاله وكماله، وسلطانه وقدرته، وعرف أن كل شيء منه، وأنه ذو الفضل العظيم، ما يعرض عن الله أبداً، ولا يقبل على غيره، لو يمزق يقطع ما يطيع إلا الله، لا يلفت انتباهه لغير الله، وهذا شأن العالمين، وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء:67] وكان الإنسان كما قال تعالى ظلوماً كفوراً، ظلوماً جهولاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:21]، و إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا [المعارج:20] والعياذ بالله تعالى، هذا الإنسان قبل أن يعالج فيشفى ويبرأ.

    ما يداوي به المؤمن قلبه من آثار الظلم والجهل والكفر

    هذا هو الإنسان أبيض أو أسود، في الأولين والآخرين، هذه فطرته، هذا طبعه، إلا إذا استعمل الأدوية التي تصلح عقله وقلبه، تزكي روحه، فحينئذ إذا مسه الخير يبذله، وإذا مسه الشر والله ما يجزع ولا يسخط، ولا يقول: أصابني، دائماً: الحمد لله أنا بخير.

    أين المستشفى الذي نعالج فيه مرضانا يا عباد الله؟! في أمريكا؟ في باريس؟ هذا المستشفى جاء في سورة الإسراء؟ لا، سورة المعارج جاء فيها بيان ثمانية عقاقير، لا يستعملها أحد إلا ونجا من الشرك والظلم والكفر والجهل، والجزع والمنع، فما هي؟ ثمانية أرقام، والذي يستعملها بدون إشراف عالم طبيب قد ينجح وقد لا ينجح، أو ما يصح تماماً، بخلاف من يستعملها تحت إشراف عالم رباني، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم.

    هذه الأرقام الثمانية الحمد لله كلنا يستعملها، وكلنا بخير إلا من شاء الله، ما هذه الأرقام الثمانية؟ إليكموها.

    قال تعالى: إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج:22-34] كم رقم هذه؟ ثمانية، قلما مؤمن يستعمل هذه الأرقام الثمانية إلا وسلم من الظلم والكفر والجهل ومنع الخير والجزع عند الشر.

    أولها: إدامة الصلاة، وآخرها المحافظة على الصلاة، فرق بين الإدامة وبين المحافظة، أدامها ما يقطعها، والمحافظة عليها أن يؤديها على الوجه المطلوب الذي به تزكي النفس وتطهرها.

    إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:19-21] هذا الإنسان الكافر أم لا؟ مريض.

    إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج:22-25] الزكاة وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ [المعارج:26-35]، هذا الخبر: أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ [المعارج:35] ما هو جنة واحدة، مُكْرَمُونَ [المعارج:35].

    إذاً: تأملتم قول ربنا عز وجل في هذه الآية؟ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ [الإسراء:66] ما هو عبد القادر ولا فلان ولا فلان، لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [الإسراء:66] فضل من؟ فضل الله الرزق، إنه كان بكم وما زال رحيماً، وهذه مظاهر رحمته في تسخير الفلك لكم وطلب الرزق.

    وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ [الإسراء:67] غاب مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:67] وهو الواقع.

    فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ [الإسراء:67] نحن إن شاء الله لا نعرض، فالمؤمنون لا يعرضون، أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء:67]، وضلال المسلمين في الرخاء والشدة يدعون غير الله، سواء في حال الرخاء أو في حال الشدة! لأنهم ما عرفوا، ما علموا، ما جلسوا بين أيدي المعلمين ولا علموهم، عاشوا في بيوتهم وفي جبالهم وسهولهم، ما عرفوا الله عز وجل ولا كيف يعبدونه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ...)

    قال الله تعالى: أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا [الإسراء:68]، من أعطاكم أماناً بأنكم لا تخسف بكم الأرض، ولا ترسل عليكم عواصف؟! أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ [الإسراء:68] أي: الله جَانِبَ الْبَرِّ [الإسراء:68] غير جانب البحر، أي: البر، والخسف معروف، تغور الأرض بما فيها.

    أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا [الإسراء:68] حصباء حجارة من السماء وأنتم في البر، ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا [الإسراء:68] يكلكم عن الله ويحفظكم منه أبداً.

    ثانياً: أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ [الإسراء:69] في البحر تَارَةً أُخْرَى [الإسراء:69] مرة أخرى، تركبون للتجارة كالمرة الأولى التي نجاكم منها، فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ [الإسراء:69] من يؤمنكم؟! ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا [الإسراء:69] يثأر لكم ويأخذ منا بحقكم.

    عباد الله! يا أهل القرآن! هذا القرآن ما يقرأ على الموتى يرحمكم الله، هذا يقرأ على الأحياء هكذا كما نقرؤه، نتدارسه يومياً، اسمع ما يقول.

    رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ [الإسراء:66] يزجي: يدفع ويسوقها؛ لماذا؟ لِتَبْتَغُوا [الإسراء:66] لتطلبوا مِنْ فَضْلِهِ [الإسراء:66] عز وجل إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [الإسراء:66] ورحمته متجلية في كل شيء، لولاه ما تنفسنا تنفساً واحداً.

    وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ [الإسراء:67] عندما تركبون السفينة، ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:67] غاب عنكم، ما تعرفون إلا الله، وهذه حالهم في الجاهلية.

    فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ [الإسراء:67] وتركتم سؤال الله ودعاءه، ودعوتم الأصنام أو الأحجار.

    وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء:67] هذا طبعه، هذه حاله، إلا إذا عولج فشفي، إلا إذا استعمل الأرقام الثمانية كلها فشفاه الله عز وجل.

    ثم قال يوبخهم: أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ [الإسراء:68] نجاكم من البحر أم لا؟ وأعرضتم، أرأيتم لو يخسف بكم الأرض؟ ما هو على ذلك قدير؟ بلى! أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا [الإسراء:68] حجارة من السماء وليس بخسف، رياح شديدة تحمل الحجارة، من ينجيكم؟

    ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا [الإسراء:68] دون الله يمنعكم ويحفظكم من الله أبداً.

    ثانياً: أَمْ أَمِنتُمْ [الإسراء:69] أأمنتم أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ [الإسراء:69] أي: في البحر تَارَةً أُخْرَى [الإسراء:69] مرة أخرى، فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ [الإسراء:69] من يؤمنكم؟ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا [الإسراء:69] لكم يثأر لكم منا.

    واضح هذا الكلام يا أبنائي؟! هذا يقرأ على الموتى يفهمونه؟ لماذا نقرؤه على الموتى ولا نقرؤه على الأحياء؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ...)

    ثم قال تعالى وقوله الحق: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70] الحمد لله الذي كرمنا وفضلنا، وأكرمنا، أعطانا ما لم يعط غيرنا، فنحن أفضل من عالم الجن بكامله، أفضل من عالم الحيوانات بكامله، وخلصاؤنا أفضل من الملائكة، وعامة الملائكة أفضل من عامتنا، والشاهد هنا: كرمنا الله على الجن الذي يأكلون الأوساخ ويمشون في الأرض، فضلنا على الحيوانات مهما كانت في عظمتها وقدرتها وحياتها، الإنسان فضله بالعقل والعلم والهيئة، أرأيتم لو كنا كالبهائم نمشي على أربع، أو نسبح كالحيتان في الماء؟ من كرمنا يرحمكم الله؟! آباؤنا أمهاتنا؟ ما كرمنا إلا الله جل جلاله وعظم سلطانه، ها هو يخبر تعالى بهذه المنة: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الإسراء:70] في البر نركب الحمير والبغال والإبل، والآن السيارات والطيارات، وفي البحر السفن على اختلافها، من حملنا؟ الله، هو الذي صنع لنا السفينة وعلمنا كيف نصنعها، هو الذي علمنا كيف نركبها، كيف نقودها، كل شيء عائد إليه.

    وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70] ربنا لك الحمد، بنو آدم: ذرية آدم، وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [الإسراء:70] اللحوم، الفواكه، الخضار، الحبوب، هذه من خلقها؟ أمهاتنا آباؤنا؟ من خلقها؟ أليس الله هو الذي رزقنا بها؟

    وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ [الإسراء:70] خلقناهم تَفْضِيلًا [الإسراء:70] دائماً كما قدمنا، الحيوانات لها عقول؟ لا علم عندها ولا معرفة، وألوانها وهيئاتها وأشكالها كيف تمشي في الأرض؟ كيف تعيش؟ الجن أخبث من الحيوانات أيضاً وأسوأ حالاً، والله فضلنا على الكل: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:70].

    ذكرت لكم أن خواص الملائكة أفضل من عامة الآدميين، وعامة الملائكة أفضل من عامة الناس، لكن خواص النبيين كمحمد صلى الله عليه وسلم وإبراهيم أفضل من الملائكة، فالملائكة أفضل من عامة الأنبياء والمرسلين دون الخواص، والملائكة أفضل من الآدميين بصورة عامة، والآدميون أفضل من عالمي الجن والحيوان.

    مرة ثانية: أعيد هذه: العوالم أربعة: عالم الملائكة، عالم الجن، عالم الإنس، عالم الحيوان، وفضل الله عالم الإنس على عالم الحيوان والجن، وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:70] الآدميون أفضل من عالم الجن وعالم الحيوان، أليس كذلك؟

    بقي عالم الملائكة: عالم الملائكة أفضل من عالم الإنس دون خواصهم كالأنبياء والمصطفين، فأولئك بعضهم أفضل من الملائكة، وبعضهم دون الملائكة، وعوام الملائكة أفضل من عوام بني آدم، وخواص الملائكة أفضل من عامة بني آدم، خواص الملائكة فيهم خواص الأنبياء والرسل أفضل منهم! والشاهد عندنا في قول ربنا تعالى: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا [الإسراء:70] من هم الذين فضلنا عليهم؟ الجن والحيوانات على اختلافها وأنواعها.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    الآن مع هداية الآيات فتأملوا هذه الهدايات المأخوذة من هذه الآيات الأربع.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تعريف الله تعالى بذكر صفاته الفعلية والذاتية ].

    تعريف الله، بم يعرف الله؟ بصفاته الذاتية والفعلية، الخلق فعل أم لا؟ وهو صفة من صفات الله؟ الرزق صفة أم لا؟ والله هو الرزاق، في صفات فعلية وصفات ذاتية، صفات الله العليم الرحيم البر الكريم ذو الجلال والإكرام، فهذه الآية دلت على هذا، أما قال تعالى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ [الإسراء:66] هذه صفة ذاتية أم لا؟ هو الذي يسوق هذه السفن، إذاً: الآية دلت على وجوب تعريف الله تعالى بذكر صفاته الجلية والذاتية، يجب أن نعرف الله، فإذا عرفنا الله والله ما نعصيه، ولا يعصونه إلا الجاهلون به.

    [ ثانياً: تذكير المشركين بحالهم في الشدة والرخاء ].

    لطيفة: لم الملائكة لا يعصون الله؟ لمعرفتهم بالله، ولأنهم مع الله، لم الأنبياء والرسل والعلماء لا يعصون الله؟ لمعرفتهم، لم نحن الجهلة نعصيه؟ لعدم معرفتنا، انظر الآن بلايين البشر من الصين إلى اليابان العالم كله ما يذكرون الله ولا يعرفونه، في الأموات، من خلقكم؟ من أوجدكم؟ لم تموتون؟ لم توجدون؟ ما يسألون، فهم لا يعرفون الله عز وجل؛ فلهذا هم منغمسون في الشرك والكفر والفسق والفجور والظلم والشر، تكاد السماء تسقط عليهم.

    [ تذكير المشركين بحالهم في الشدة والرخاء، حيث يعرفون الله في الشدة ويخلصون له الدعاء، وينكرونه في الرخاء ويشركون به سواه ].

    كما قدمنا، المشركون في الجاهلية قبل الإسلام كان إذا أصابهم جوع.. قحط.. بلاء يفزعون إلى الله، ركبوا واضطربت السفينة يلجئون إلى الله! إذا ذهب الخوف والجوع يعودون إلى أصنامهم، كذا أم لا؟ بنص الآية الكريمة، وجهال المسلمين من الشرق والغرب عرب وعجم يدعون غير الله في الرخاء والشدة، لا بد يا سيدي فلان مع الله، يا ألله! ويا رسول الله، ما في الله وحده، سواء في الرخاء أو في الشدة، ما سبب ذلك؟ الجهل، ما وجدوا من علمهم، ما عرفوا الله، مساكين.

    [ ثالثاً: تخويف المشركين بأن الله تعالى قادر على أن يخسف بهم الأرض، أو يرسل عليهم حاصباً من الريح فيهلكهم، أو يردهم إلى البحر مرة أخرى، ويرسل عليهم قاصفاً من الريح فيغرقهم، بسبب كفرهم بالله، وعودتهم إلى الشرك بعد دعائه تعالى والتضرع إليه حال الشدة ].

    وذلك في هذه الآيات قوله تعالى: أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ [الإسراء:68] كل ذلك تخويف للمشركين ليتوبوا إلى الله ويرجعوا إليه.

    [رابعاً: بيان منن الله تعالى على الإنسان وأفضاله عليه وتكريمه وتفضيله ].

    إفضال الله وإنعامه: وكان بكم رحيماً، الذي علمنا كيف نسوق السفينة، وكيف نطلب الرزق، وكيف نحرث ونحصد، أليس هذا هو الله؟ ذي إفضالاته وإنعاماته علينا، يجب أن نشكر الله عز وجل ولا نكفره، إذا أكلنا قلنا: الحمد لله، شربنا: الحمد لله، ركبنا: الحمد لله، نزلنا: الحمد لله، نمنا: الحمد لله، استيقظنا: الحمد لله، دائماً لا نفارق حمد الله عز وجل على نعمه.

    [ خامساً: حال الرخاء أصعب على الناس من حال الشدة بالقحط والمرض أو غيرهما من المصائب ].

    أردت أن أقول: لما نكون في حال الشدة نحن المسلمين نفزع إلى الله ونكون أحسن حال، لكن إذا جاء الرخاء وغمرنا النعيم تكون الحال صعبة جداً أن نذكر الله عز وجل، هذا بالتجربة قائم، فلهذا الرسول قال: ( ما الفقر أخشى عليكم، أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوها كما تنافسوها من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم ).

    حال الفقر والشدة والصعوبة بالنسبة للمسلمين أفضل، فيه يفزعون إلى الله ويعبدونه، بخلاف حال الرخاء يهبطون، كما هو مشاهد.

    [ سادساً: الإعلان عن كرامة الآدمي وشرفه على سائر المخلوقات الأرضية ].

    الإعلان عن كرامة الآدمي وشرفه على سائر المخلوقات الأرضية، والجن إذا كان مؤمناً موحداً صادقاً، نعم. ولو كان الإنسان مهما كان أفضل من الحيوان وأفضل من الجان، لكن إذا كفر وأشرك وفسق يصبح شر الخليقة، وعندنا دليل ذلك من سورة البينة. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6] أي: الخليقة، ومن شر الخليقة؟ الكفار والمشركون عرباً أو عجماً، في الأولين في الآخرين شر الخلق، ما وجه شرهم هذا؟ لأنهم نسوا الله، خلقهم رزقهم، يحفظهم طول حياتهم الله معهم، ولا ينظرون ولا يفكرون ولا يعبدون ولا يحمدون، شر الخلق هؤلاء أم لا؟ لو أن شخصاً في بيتك تكرمه وتطعمه، تسقيه، تحفظه، تركبه طول حياتك، ثم لا يقول لك: جزاك الله خيراً، كيف تنظر إليه؟ والله شر الخلق هذا، هذا هو الواقع.

    وصل اللهم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.