إسلام ويب

تفسير سورة الأنفال (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يوجه الله عباده المؤمنين إلى الثبات عند لقاء العدو، ويحذرهم من الفرار من مواجهة أعداء الله عز وجل، ويبين تعالى أن من فر من المسلمين من ساحة المعركة فإنه يعرض نفسه لغضب الله عز وجل وعقابه، كما يبين سبحانه أن قتال العدو والاستعداد له ليس سوى سبب من أسباب النصر، وأن القاتل لأعداء الله إنما هو الله سبحانه فهو الذي بيده إنجاح الأسباب المادية أو تعطيلها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها، ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الأنفال المدنية المباركة الميمونة، وها نحن ما زلنا مع غزوة بدر، فهيا بنا نصغي ونستمع إلى الآيات المباركة، مرتلة ترتيلاً حسناً، ومجودة تجويداً صالحاً، ثم بعد ذلك نأخذ في شرحها، وبيان ما جاء فيها من الهدى والنور.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ * إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:15-19].

    أسباب غزوة بدر

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أذكر الناسين وأعلم غير العالمين بأن غزوة بدر -وهي من أشهر الغزوات التي غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليبلغ رسالة ربه إلى عباده- كانت في السنة الثانية من الهجرة النبوية، فبعد أن أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة ودخل في السنة الثانية بلغه صلى الله عليه وسلم أن عيراً لقريش قد أقلعت من الشام في طريقها إلى مكة، وأن هذه العير يقودها أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه، فقد أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.

    فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه، وانتدبهم لأجل أخذ العير وما فيها؛ لأن قريشاً ظلمت المؤمنين، وأخذت أموالهم وصادرتها، وأصبح المهاجرون بعيدين عن ديارهم وأموالهم. فلعل هذا يخفف من آلام المهاجرين وأتعابهم. فخرج مع ثلاثمائة وأربعة عشر صحابياً، ثم في أثناء الطريق تبين أن العير نجت، فقد أخذت ساحل البحر وانتهت إلى مكة، ولم يبق إلا مواجهة المشركين، إذ إن أبا سفيان قائد القافلة لما علم بخروج رسول الله وأصحابه أرسل ضمضماً ليبلغ رسالته إلى مكة بهذا الخبر، فجمع أهل مكة قواهم، وجاءوا زاحفين لإنقاذ عيرهم من جهة، ولقتال محمد صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى.

    وهنا استشار الحبيب صلى الله عليه وسلم رجاله بعد ما علموا أن العير نجت، ولم يبق إلا القتال، فوافقوا رضوان الله عليهم على القتال، فسار بهم إلى بدر. وها نحن مع أحداث تلك الغزوة.

    النهي عن التولي عند قتال المشركين

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:15]، أي: يا من آمنتم بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً، ويا من آمنتم بالله ولقائه في الدار الآخرة، والجزاء على الكسب في هذه الدنيا، ويا أيها المؤمنون الصادقون! إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ [الأنفال:15]. هذا تعليم من الله عز وجل لأصحاب رسول الله، ولكل مؤمن بعدهم، ولا معنى لتخصيص هذا بغزوة بدر، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فأيما مؤمنون يقاتلون الكافرين فيجب عليهم أن يلتزموا بهذا التعليم الإلهي، ولا يحل لهم الخروج عنه، لا بتأويل ولا بغير تأويل، بل إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:15] زاحفين إليهم وهم كذلك زاحفون إليكم ففي هذه الحال فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ [الأنفال:15]، أي: لا تهربوا، وتعطوهم ظهوركم وأدباركم.

    والتعبير بالأدبار فيه لمسة عجيبة، فالذي يعطي دبره لعدوه ليس إنساناً، ولا هو صاحب كمال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره ...)

    قال تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ [الأنفال:16]، أي: ومن يهرب ويعطيهم ساعة الزحف واللقاء دبره. ثم استثنى الله عز وجل حالتين، وهما: إلا من كان متحيزاً -أي: متحرفاً- لقتال، أي: يتحرف للقتال؛ ليقوى على ضرب العدو، كأن يميل يميناً أو شمالاً أو يظهر كأنه أدبر وهرب، وهو يريد أن يلف ويعود إليهم من ورائهم ليهزمهم، فهذا لم يولهم دبره، بل هذا التولي أذن به الله عز وجل، كما قال تعالى: إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ [الأنفال:16]. كأن يضعف ويرى أن هناك فئة قوية من إخوانه فيلتحق بهم ويزحف إليهم فلا بأس، أو كأن يضعف ويريد أن يقوي إخوانه في جماعة إلى جنبه تقاتل فينحاز إليهم، فهذا لا إثم فيه ولا حرج، ولهذا قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ [الأنفال:15].

    حكم التولي من الزحف

    قال تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:16]. وبالإجماع: أن من فر من المعركة معطياً دبره لأعداء الله قد ارتكب أكبر إثم وأعظمه، ورجع في غضب من الله يغمره من كل جنبات حياته، وقد بَاءَ بِغَضَبٍ [الأنفال:16]، وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [آل عمران:162]. والعياذ بالله تعالى؛ لأن هذه كبيرة من كبائر الذنوب. والرسول صلى الله عليه وسلم سئل يوماً عن كبائر الذنوب فقال: ( اتقوا السبع الموبقات، ومنها: التولي يوم الزحف ). والتولي هو: الرجوع بعد الزحف، وأما قبل القتال فالأمر واسع، ولكن إذا التقى الجيشان وزحف كل منهما إلى الآخر ففي هذه الحال يحرم على المؤمن أن يهرب بحال من الأحوال.

    وستأتي آية في آخر هذه السورة تتضمن: أن الله عز وجل سمح للواحد أن يقاتل اثنين، وأنه لا يستطيع أن يقاتل أكثر من اثنين، وسمح للعشرة أن يقاتلوا مائة، ولكن لا يقاتلون مائتين.

    ونحن الآن مع هذه الآيات المتعلقة بغزوة بدر، وقد أمر الله تعالى عباده فيها إذا لقوا العدو وجهاً لوجه أن لا ينهزموا، ولا يتراجعوا مدبرين أبداً. واستثنى تعالى حالتين:

    الأولى: أنك تهرب من وجه العدو لتأتي من ورائه؛ لتسلط عليه سهامك ورماحك. وهذا للتحيل على الحرب، وليس للهزيمة والفرار من القتال.

    الثانية: أن تضعف الجماعة التي معك أو تهلك فتنظم إلى جماعة أخرى ما زالت قوية، تقاتل معها؛ لنصرتها ولنصرة دين الله عز وجل.

    هذا معنى قوله تعالى في هذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ [الأنفال:15-16] اللهم إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:16].

    التحذير من الكبائر

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! اتقوا الكبائر، ولا يقول أحد: أنا مسلم .. أنا مؤمن، فلا تضرني كبيرة قارفتها، أو جريمة فعلتها. وها نحن نسمع كلام الله فيمن فر من القتال لعجزه أو لضعفه أو لجبنه وخوره فقط، فالله يتوعده بهذا الوعيد الشديد: فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:16]. ويقول صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا السبع الموبقات! قالوا: يا رسول الله ما هي؟ قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ).

    وكبائر الذنوب موجبة للعذاب، وموجبة لدخول النار، إلا أن يعفو الله ويغفر، وهو الغفور الرحيم. ولا بد لهذا من التوبة القاطعة الجازمة، الخالية من التردد قبل الموت. فهذا الذي فر وهرب قد ارتكب ذنباً، واستوجب العذاب، ولكنه إذا تاب وندم واستغفر ولم يعد إلى ذنبه يغفر له؛ لأن ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ). ( والتوبة تجب ما قبلها ). فمن ارتكب كبيرة ثم تاب -أي رجع- إلى الله، واستغفر وندم، وأصر ألا يعود، ولو حرق أو صلب فإن ذلك الذنب ينمحي وإن كان من أكبر الذنوب، ويذهب أثره من نفسه؛ لأن ( التوبة تجب ما قبلها ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ...)

    قال تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [الأنفال:17]. لما نصر الله المؤمنين في بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر على ألف مقاتل من صناديد قريش ورجالاتها، فقتلوا منهم سبعين صنديداً، وأسروا منهم سبعين رجلاً أعلمهم حتى لا يزهوا ويتكبروا ويرتفعوا، فقال: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ [الأنفال:17]، أي: لستم أنتم الذين قتلتم أولئك الصناديد من قريش، ولكن الله هو الذي قتلهم.

    ومعنى هذا الكلام: أن الله هو الذي أرسل الملائكة وأنزلهم فلامسوا قلوبكم، ونفخوا فيها روح الثبات والصبر والرغبة فيما عند الله، والرغبة عن الدنيا وما فيها، فثبتم في المعركة، ووقفتم كالجبال الرواسي، حتى انهزم العدو أمامكم، فالذي فعل هذا هو الله. إذاً: فالله هو الذي قتلهم، ولستم أنتم الذين قتلتموهم.

    والله هو الذي خلقك يا عبد الله! وهو الذي قواك، وأقدرك على القتال، وهو الذي قتل ذلك الكافر بأجله. إذاً: هذا ينسب على الحقيقة لله، كما قال تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [الأنفال:17].

    فإياك يا عبد الله! أن تعجب وتنتفخ إذا انتصرت، أو نجحت، أو بلغت مرادك. بل اعلم أن ذلك هو فعل الله، فهو الذي أقدرك وأعانك، وهيأ لك الفرصة، وساعدك على ذلك، ولو كنت وحدك فوالله لن تحصل على شيء. والسر في هذا: حتى لا نصاب بالعجب والانتفاش والانتفاخ لأننا حققنا أو فعلنا. وهذا من تأديب الله لعباده المؤمنين. فهم لما انتصروا في المعركة أعلمهم أنهم ليسوا هم الذين قتلوا السبعين صنديداً، بل الله هو الذي قتلهم؛ حتى لا يصابوا بالزهو والفخر والاختيال.

    ثم قال تعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ [الأنفال:17]. وجه الخطاب هنا لمصطفاه ورسوله صلى الله عليه وسلم، أي: وأنت يا عبدنا! ويا رسولنا! لما رميت حفنة التراب فوصلت إلى وجه كل مشرك، وأخذ ينفض التراب من عينيه فانهزم فهذا ليس فعلك أنت يا محمد! وإنما نحن أرشدناك أن تأخذ حفنة من التراب وتقول: ( شاهت الوجوه، شاهت الوجوه ). فوقع في عين كل مقاتل من الألف مقاتل، فأخذوا ينفضون ويمسحون التراب عن وجوههم، فالذي فعل هذا هو الله، وأما رسول الله فقد أُمِر، فأخذ التراب، وقال: ( بسم الله، شاهت الوجوه ). ولكن الذي أوصل ذلك التراب إلى الألف مقاتل هو الله. وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصاب بالعجب أو بالاختيال والفخر، وقد عرفنا أن من كمالات أخلاقه التواضع، ولكن هذا من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة! حتى لا يتبختر المؤمنون إذا كملوا وسعدوا، بل يذكروا أن الفضل فضل الله، وأنه لولا الله ما كان هذا ولا يكون.

    وسبحان الله! فقد أدب الله هذه الأمة. ولكن المسلمون لم يعرفوا هذا؛ لأنهم لا يجتمعون على القرآن اجتماعنا هذا أبداً، ولا يجتمع منهم ولا واحد في المليون، ولم يعرفوا كلام الله، ولا يجتمعون على القرآن إلا ليلة الموت فقط من إندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً، ولا يجتمعون عليه دراسة وتحليلاً، وتعريفاً وهداية، وبنية العمل والأخذ في طريق السلام، فهذا قد حُرمنا منه من قرون، قريباً من ألف سنة.

    قال تعالى: وَمَا رَمَيْتَ [الأنفال:17] يا رسولنا! إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17]. وهكذا كل أفعال العباد الله هو الذي خلقها، فالله خالق كل شيء، وأنت إذا ضربت بيدك فالله هو خلق يدك وسخرها لك، وهو الذي أوجد لك الدافع في قلبك حتى تضرب، فالكل عائد إلى الله.

    ابتلاء الله للمؤمنين

    قال تعالى: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ [الأنفال:17] تعالى بَلاءً حَسَنًا [الأنفال:17]. فقد فعل هذا الذي فعله من أجل أن يبلي المؤمنين منه البلاء الحسن، ألا وهو نصرتهم وانتصارهم على عدوهم، وأخذهم غنائمهم العديدة الكثيرة وأسرهم، فقد فعل الله هذا بالمؤمنين ليبتليهم بالخير، والبلاء يكون بالخير والشر؛ امتحاناً واختباراً، قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ [الأنبياء:35] يا عباد الله! بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35] اختباراً وامتحاناً. وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]. فمن ابتلي بالخير ولم يشكر هلك والعياذ بالله، ولم ينجح، بل خاب وخسر، ومن ابتلي بالعذاب وبالشر فلم يصبر وجزع وسخط كذلك هلك. والعكس خير، فمن ابتلي بالحسن فشكر الله وحمده وأطاعه وازداد رغبة في حبه وطاعته فاز بهذا الابتلاء ونجح، وإذا ابتلاه بمرض .. بفقر .. بألم من الآلام فصبر ولم يجزع وحمد الله ورفع كفيه إليه ولازم دعاءه نجح هذا المختبر، كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]. فالجزاء عندما نرجع إلى الله عز وجل.

    ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:17]. سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم، لا يخفى عليه من أمركم شيء، وحتى لو حدثت نفسك بحديث علمه؛ لأن علمه أحاط بكل شيء، فهو سميع يسمع دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء، ويسمع كل شيء، إذ هو الذي خلق الأصوات ويسمعها. وهذا تقرير لما تقدم في الآية الكريمة، فقد فعل ذلك بكم لأنه سميع عليم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين)

    قال تعالى: ذَلِكُمْ [الأنفال:18] الذي حصل وتم وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ [الأنفال:18]. فذلكم النجاح والظفر الذي تم بإذننا وقدرتنا. وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ [الأنفال:18]، أي: مضعفهم وهازمهم، وكذلك فعل، ففي خمسة وعشرين سنة فقط من قتال الرسول صلى الله عليه وسلم كانت الجزيرة كلها وما فيها تردد لا إله إلا الله، بل وكان الإسلام وراء نهر السند وفي الأندلس.

    فهذه الآية بشرى. وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ [الأنفال:18]، أي: مضعف كَيْدِ الْكَافِرِينَ [الأنفال:18]. مهما تجمعوا ومهما تقووا ومهما كان، فالله عز جل مضعف كيدهم ومبطله؛ لأنهم كافرون به وبلقائه وبرسوله، وبكتابه ودينه.

    سبب هزيمة المسلمين

    لا تقولوا: قد انهزم المسلمون غير ما مرة. فلقد بين تعالى سبب ذلك، وهو: الخروج عن طاعته وطاعة رسوله. فالخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله هو سبب الهزيمة التي أصابت المسلمين. والمسلمون اليوم مهزومون وهابطون، وحاشا لله أن يكون قد ظلمهم، ولكنهم انحرفوا عن الجادة، وابتعدوا عن الطريق، وآثروا الحياة الدنيا عن الآخرة، وأقبلوا على هذه الفتن، فلذلك أصابهم ما أصابهم.

    مكر الأعداء بالمسلمين

    العلم الذي نكرره دائماً: أن هبوط المسلمين من علياء سمائهم وسقوطهم من قيادتهم وسيادتهم كان بسبب كيد الكافرين لهم، وكيد الثالوث الأسود المكون من المجوس واليهود والنصارى، فهذه الفئات الثلاث تعاونت على المسلمين وحاربوهم، وفشلوا في حربهم، فقالوا: نبحث عن سر قوتهم، وبذلك يمكننا أن نهينهم ونذلهم، فدرسوا وعرفوا أن سر قوة المسلمين ونصرهم واجتهادهم وبطولاتهم كامن في عقيدتهم السليمة الصحيحة، فعملوا على إفساد عقائدهم؛ حتى يهبطون، وما إن داخل العقيدة الزيادة والنقصان حتى هبطت أمة الإسلام.

    ويكفي من أفعالهم: أنهم قالوا في تفسير القرآن الكريم: صوابه خطأ، وخطؤه كفر، أي: إذا فسرت آية وأصبت فأنت مخطئ آثم مذنب، وإذا أخطأت في تفسيرها فأنت كافر، فكمموا أفواه المسلمين، حتى لم يصبح مسلم يقول: قال الله كذا وكذا أبداً؛ لأن صواب التفسير خطأ، وخطؤه كفر.

    وهذه الأمة حيت بروح حياتها، ألا وهو الوحي الإلهي، واقرءوا قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52]. فقال: وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا [الشورى:52]. وقال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا [الشورى:52]. فالقرآن روح الحياة، فإذا أقبلت عليه الأمة تقرأه وتعمل بما فيه حييت ونجحت وفازت، وإن أعرضت عنه وأهملته ورغبت عنه هبطت وهلكت.

    وقوله تعالى: ذَلِكُمْ [الأنفال:14] الذي تم وَأَنَّ اللَّهَ [الأنفال:18] ما زال مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ [الأنفال:18] هذا تشجيع للمسلمين على الجهاد ومواصلته، وبشرى سارة للمسلمين، وضارة بالكافرين، وهي أن الله تعهد بأن يصب عليهم الوهن والضعف والعجز دائماً ما قاتلوا المؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ...)

    قال تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا [الأنفال:19]، أي: تطلبوا الفتح والنصر فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال:19] والنصر. وَإِنْ تَنتَهُوا [الأنفال:19] وتمتنعوا

    أي: من الكفر والشرك والظلم فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [الأنفال:19].

    ثم قال: وَإِنْ تَعُودُوا [الأنفال:19] من جديد إلى حرب المسلمين وقتالهم نَعُدْ [الأنفال:19] نحن أيضاً. وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ [الأنفال:19] جماعاتكم ولا جيوشكم ولا فئتكم شيئاً. ‏

    استفتاح المؤمنين والمشركين في غزوة بدر

    تقول الروايات الصحيحة: إنه لما بلغ أبا سفيان وأهل مكة خروج الرسول صلى الله عليه وسلم أولاً لأخذ عيرهم ثم قتالهم، قالوا: ( اللهم أينا كان أفجر لك وأقطع للرحم فأخزه اليوم). فقد قالوا هذا في بدر، وقالوا كلمة قبلها في مكة، وهي: ( اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة)، أي: أهلكه الغد، يعني: غداً. هكذا قال أبو جهل وغيره. ولما وصلوا إلى بدر قالوا: ( اللهم أينا كان أفجر لك وأقطع للرحم فأحنه اليوم). فطلبوا هذا من الله.

    والغريب أنهم عرفوا الله، وأقبلوا عليه في صدق، وطلبوا منه هذا الطلب العظيم؛ لأنهم كانوا يؤمنون بالله، ولكن كانوا يشركون معه الأصنام والأحجار، ويعبدونها معه، وأما إيمانهم بالله فكان إيماناً ثابتاً، كما قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9]. فهم لم يكونوا ملاحدة ولا بلاشفة ولا دهريين، بل كانوا مؤمنين بالله عز وجل رباً.

    فهم لما بلغهم زحف الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: (اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا) أي: وجاءنا (بما لا نعرف) يعني: من الدين، ( فأحنه الغداة)، أي: اقتله غداً لما نصل، وقالوا في بدر نفسها، فقالوا: (اللهم أينا كان أفجر لك وأقطع للرحم فأحنه اليوم)، أي: اقتله.

    هذا معنى الاستفتاح، فاستفتحوا أي: طلبوا الفتح من الله عز وجل بقولهم: ( اللهم أينا كان أفجر لك وأقطع للرحم فأحنه اليوم)، أي اقتله، وبقولهم: ( اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف) يعني: من الدين ( فأحنه الغداة). هذا هو الاستفتاح الذي ذكره تعالى في قوله: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال:19]. فقد انهزم المشركين وانكسروا،

    وهذا هو الفتح. وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ [الأنفال:19].

    ثم جاء هذا التذييل الخاتم الأخير وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]. وهيا معشر المؤمنين! نقاتل دولة كافرة لنرى هل الله معنا أو لا.

    ما يخير به المؤمنون الكافرين قبل القتال

    جهاد المؤمنين وقتالهم للكافرين ليس فوضى وخلافاً، ونزاعاً وطائفية وملِّية، وإنما يكون أمر المؤمنين فيه أمراً واحداً، وتقودهم قيادة واحدة، وترفرف فوقهم راية واحدة، وهي: راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقبل أن يزحفوا يكونوا قد أقاموا الصلاة، وجبوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وأقاموا حدود الله، ولم يشع بينهم فحش ولا خبث، ولا باطل ولا ظلم ولا شر، بل يكونون مؤمنين صادقين في إيمانهم، ثم إذا أرادوا أن يدخلوا أمة من الأمم في رحمة الله في الإسلام زحفوا نحوها، ثم عسكروا دونها، وراسلوها وخيَّروها بين واحدة من ثلاث: إما أن يدخلوا في دين الله؛ ليطهروا ويكملوا ويسعدوا في الدنيا والآخرة، ونعلمهم أن هذه رسالتنا لهم، وأننا لم نجئ لطعامهم ولا شرابهم ولا نسائهم، بل جئنا فقط لهدايتهم، وأن عليهم أن يدخلوا في الإسلام؛ لينجوا ويسعدوا، وينتهي هذا الخبث من ديارهم، والظلم والشر والفساد، ويسود العدل والطهر والصفاء والرحمة بينهم، ولذلك عليهم أن يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويعبدوا الله بما بيَّن الله ورسوله، فتزدهر بلادهم وتستنير، ويختفي منها الظلم والخبث، والشر والفساد، والجهل والباطل بكل أنواعه، والله العظيم.

    فإن قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ورحبوا بنا وسمحوا لنا بالدخول أمست تلك البلاد أو أصبحت جزءاً من الخلافة الإسلامية، فيأخذ رجالنا في تعليم الرجال والنساء والأطفال التعليم الحقيقي الذي ينتج زكاة النفس، وتهذيب الروح، ورفع الآداب والأخلاق، ولا يمضي إلا أربعون يوماً وإذا بتلك الأمة كتلة من النور.

    وإن رفضوا وقالوا: لا نستبدل بديننا ديناً آخر، قلنا لهم: إذاً اسمحوا لنا أن ندخل معلمين مربين مهذبين، ونكتب معاهدة بيننا وبينكم، فتكونون في ذمتنا، ونحن نحمي بلادكم، ونصون أموالكم وأعراضكم ووجودكم، ولا ترفعوا أنتم سلاحاً أبداً، ونكون نحن الحماة. فإن قالوا: تفضلوا أصبحوا واقعين في ذمة المسلمين، فلا يؤذى منهم عبد، ولا يظلم آخر، لا رجلاً ولا امرأة ولا طفلاً. وإذا غزاهم عدو فنحن الذين نقاتل هذا العدو، ونقول لهم: الزموا أماكنكم، فنحن المسئولون عن حفظ دمائكم وأعراضكم وأموالكم. ولا تمر إلا أيام أو أشهر أو أعوام حتى يأخذ أهل البلاد يدخلون في رحمة الله يوماً بعد يوم؛ لأنهم يشاهدون الأنوار، وقد عاشوا في الظلام، وشاهدوا آثاره من الخبث والشر والفساد، ثم يشاهدون أولئك المؤمنين الذين نزلوا بديارهم، وهم كـأبي هريرة وكـمعاذ بن جبل وغيرهما، لا ينطق أحدهم إلا بالمعروف، ولا يتناول إلا بالمعروف، ولا يقول إلا المعروف، فيعشقونهم ويحبونهم ويدخلون في قلوبهم، فلا يلبثون أن يدخلوا في رحمة الله.

    وإن رفضوا وقالوا: لا نقبل فالسيف هو الذي يحكم بيننا وبينهم. فهنا يجب القتال، فتكون جيوشنا متهيئة، والإمدادات متصلة، فنقاتل في سبيل الله، ونقاتلهم باسم الله من أجل الله، ومن ثم ينصرنا الله ولا يهزمنا؛ لأن الله أخبر أنه مع المؤمنين في أية معركة يتم فيها طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    أما المؤمنون الذين يعصون الله أثناء المعركة فلا يكون الله معهم، بل يؤدبهم بالهزيمة، وقد شاهدنا بالأمس أن هزيمة أُحد كانت شر هزيمة، فقد قتل فيها عم رسول الله ومثل به، وقتل فيها سبعون مؤمناً، وسبب هذه الهزيمة: معصية الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي غزوة حنين كانت الهزيمة مرة أيضاً في أول النهار، وسببها: المخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلمة: ( لن نغلب اليوم من قلة).

    فلنذكر دائماً أن المؤمنين أولياء الله، فهو لا يخذلهم أبداً ولا يهزمهم، إذ بيده النصر، وبيده الهزيمة، على شرط أن يكونوا أولياء لله بحق.

    أولياء الله عز وجل وما تتحقق به الولاية

    أولياء الله هم المؤمنون المتقون، والمؤمنون المتقون ليسوا أولئك الذين بنينا على قبورهم الأضرحة، ووضعنا عليها توابيت من خشب وأزراً من حرير، وقلنا: هؤلاء أولياء الله، بل أولياء الله هم الذين بينهم الله، فقد جاء في سورة يونس عليه السلام قول الله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]. فهذا وعد الله، ووعد الله صدق وحق، فوالله أن أولياء الله لا يخافون لا في هذه الحياة ولا في البرزخ ولا يوم القيامة، ولا يحزنون أيضاً، فولي الله لا يحزن، فإذا ماتت امرأته لا يحزن أبداً، وإذا مات ولده يدفنه وهو يحمد الله ويبتسم، ولا يحزن. فـ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]. لا في الدنيا ولا في القبر ولا يوم القيامة.

    وهذا الكلام فيه معنى السؤال، وكأن سائلاً يقول: من هم أولياء الله؟ فيجيب الله عز وجل بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:63-64]. فأولياء الله هم المؤمنون المتقون، فكل مؤمن تقي فهو لله ولي، وكل مؤمن فاجر ليس بتقي وكل كافر وإن كان تقياً فليس بولي. بل لا بد من الجمع بين الإيمان الصحيح وتقوى الله عز وجل، بفعل محابه وترك مكارهه، والصبر على ذلك، حتى تأتيك البشرى وتزف إليك وأنت حي قبل موتك.

    وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه البشرى فقال: ( الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له ). فقبل أن يموت يبشر بالجنة، وإما أن يرى هو رؤيا أو يراها مؤمن ويخبره بها. وأما عند سكرات الموت فتكون البشارة بحال أخرى، وهي: أن الملائكة تتنزل عليهم أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] معاشر المستمعين! الآن مع هداية هذه الآيات نتأمل ما فيها من هداية:

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: حرمة الفرار من العدو الكافر عند اللقاء؛ لما توعد الله تعالى عليه من الغضب والعذاب، ولعد الرسول ] صلى الله عليه وسلم [ له من الموبقات السبع في حديث مسلم : ( والتولي يوم الزحف ) ] وقد أخذنا حرمة الفرار من العدو الكافر من قوله تعالى: إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ [الأنفال:15]. ومن حديث الموبقات السبع.

    [ ثانياً: تقرير مبدأ أن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه خلق العبد وخلق فعله، إذ لما كان العبد مخلوقاً وقدرته مخلوقة، ومأموراً ومنهياً، ولا يصدر عنه فعل ولا قول إلا بإقدار الله تعالى له كان الفاعل الحقيقي هو الله، وما للعبد إلا الكسب ] فقط [ بجوارحه، وبذلك يجزى الخير بالخير، والشر بمثله. عدل الله ورحمته ] فأنت تجزى فقط بكسبك إذا نظرت بعينك، أو قلت بلسانك، أو فعلت بفرجك، أو أخذت بيدك، وأما الفاعل الحقيقي فهو خالقك وخالق كل شيء.

    [ ثالثاً: آية وصول حفنة التراب من كف الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أغلب عيون المشركين في المعركة ] وهي حفنة تراب. وله صلى الله عليه وسلم مواقف أخرى، وأول موقف في مكة، لما حكمت محكمة الشرك بإعدامه صلى الله عليه وسلم، وبعثوا ثلاثين شاباً مصلتي السيوف، وطوقوا منزله، من أجل أنه بمجرد أن يخرج ويُضرب يقسم دمه ولحمه بين القبائل العربية، فلا يبق لبني هاشم مطلب، فجاءوا من كل فصيلة وقبيلة بشاب، وقالوا لهم: إذا خرج فاضربوه ضربة واحدة. فكان من تدبير الله عز وجل لرسوله أن قال الرسول لـعلي -وهو يومها شاب صغير-: نم في فراشي، حتى يراك العدو نائماً، فيظنون أني أنا النائم، وخرج. وهذه حيلة مشروعة. وقبل أن يصل إليهم أخذ حفنة تراب وقال: ( بسم الله، شاهت الوجوه ). وتركهم خلفه يمسحون التراب، وخرج رأساً إلى بيت الصديق رضي الله عنه. وهذه رمية ثانية.

    والرمية الثالثة في خيبر، عندما رمى الطاغية ابن أبي الحقيق شيطان اليهود، فقد رماه الرسول برمح، فدخل قصره بعد أن أصابه، وقتل. وهو لم يرم، وإنما الذي رمى الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    [ رابعاً: إكرام الله تعالى وإبلاؤه لأوليائه البلاء الحسن، فله الحمد وله المنة ] وقد أخذنا هذا من قوله تعالى: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا [الأنفال:17].

    [ خامساً: ولاية الله للمؤمنين الصادقين هي أسباب نصرهم ] وأسباب عزهم [ وكمالهم وإسعادهم ] في ذلك اليوم وإلى أن تقوم الساعة. اللهم اجعلنا منهم.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.