إسلام ويب

تفسير سورة الأنفال (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يبين الله عز وجل ما في الإعداد لموقعة بدر من الحكم الإلهية، حيث هيأ الله الظروف لها دون سابق رغبة أو تصميم من أي من الطرفين فيها، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، فكان القتال بين جند الإيمان وجند الكفر والطغيان، وتدور الدائرة على الكافرين وينصر الله عز وجل عباده المؤمنين، وفي نفس السياق يبين الله لعباده المؤمنين كيفية تقسيم الغنائم بعد أن دب الاختلاف بين المؤمنين أول الأمر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه اليوم والأيام الثلاثة بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الأنفال المدنية المباركة الميمونة، ومع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نأخذ في شرحها وبيان مراد الله تعالى منها، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [الأنفال:41-44].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الآيات تحكي جملة من أحداث وقعة بدر الكبرى، وبدر -كما تعرفون- الآن قرية من قرى المملكة، وسميت ببدر لأن بها بئراً حفره رجل يقال فيه: بدر، وقد كانت هذه الغزوة في السنة الثانية من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وذلك لما نصر الله المؤمنين في بدر واستولوا على غنائم الكافرين والمشركين اختلفوا وتنازعوا في قسمتها، فأمرهم الله تعالى أن يردوا قسمة هذه الغنائم إلى الله والرسول، والله يقضي في ذلك بما هو الحق والخير، فقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال:1]، ثم أنزل الله هذه الآيات الأربع فقال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41]، فتولى الله تعالى بنفسه قسمة هذه الغنيمة، بل وكل غنيمة يغنمها المسلمون إلى يوم الدين، فإذا قاتل المسلمون الكافرين وانتصروا عليهم وجمعوا أموالهم، فتلك الأموال سواء كانت من الناطقة أو من غيرها من ذهب وفضة أو إبل أو بقر أو ما إلى ذلك، قد تولى الله قسمتها بنفسه سبحانه وتعالى.

    فقال عز وجل: وَاعْلَمُوا [الأنفال:41]، أي: يا معشر المؤمنين! أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنفال:41]، قلَّ أو كثر، حتى المخيط والخيط الذي يدخل فيه، فالكل توضع بين يدي رسول الله أو خليفته بعد وفاته، وهو يقسمها كما قسمها الله عز وجل، وذلك بأن يقسمها الملك أو الوالي أو الجنرال أو القائد الذي يقود المسلمين خمسة أقسام، فأربعة أقسام للمجاهدين الذين حضروا المعركة وقاتلوا فيها، فصاحب الفرس يأخذ حصتين، والذي يقاتل على رجليه يأخذ حصة واحدة؛ لأن صاحب الفرس له تأثير في المعركة، ولأنه ينفق على فرسه ما لا ينفقه الماشي على نفسه، وأما الذي حضر المعركة ولم يقاتل لمرض أو لأمر ما فإنه يعطى كذلك.

    وأما الخمس الذي هو لله تعالى فقد قال: لِلَّهِ [الأنفال:41]، وهذا قد يصرف في بيوت الله، وذلك في مكة أو في البيت الحرام، والحقيقة أنهم ينفقونه في المصالح العامة للمسلمين، وأيضاً يعطى من هذا الخمس الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يأخذ الصدقة، فهو عليه السلام يعيش من هذا القدر من المال، أي: من هذا الجزء من الخمس، وكذلك يعطى من هذا الخمس ذو القربى، قال تعالى: وَلِذِي الْقُرْبَى [الأنفال:41]، والمراد بهم قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم بنو عبد المطلب وبنو هاشم، وقد اختلف بعض أهل العلم: هل بنو هاشم يعطون من هذا الخمس أم لا؟ فالإمام مالك رحمه الله تعالى وغيره حصر ذلك في بني عبد المطلب فقط، والذي عليه الجمهور أن بني هاشم كبني عبد المطلب، فالكل يعطى من هذا القدر، أي: من خمس الخمس، والباقي لليتامى والمساكين وابن السبيل، وهذه قسمة الله تعالى.

    وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنفال:41]، كثر أو قلَّ، فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41]، وقد يقول قائل: وما للمجاهدين؟ والجواب: المجاهدون لهم أربعة أخماس، فيقسمه القائد أو الإمام على المجاهدين الذين حضروا المعركة وقاتلوا، ولعل هناك خفاءً، لكن أقول: يقول الله تعالى مبيناً لأصحاب رسول الله كيف يقسمون الغنيمة: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [الأنفال:41]، والمعطوف على لفظ الله مثله، أي: أن أربعة أخماس للمجاهدين، والخمس الواحد قد بين الله تعالى مصارفه فقال: لِلَّهِ [الأنفال:41]، وهذا يصرف في المصالح العامة للمسلمين، ثم: وَلِلرَّسُولِ [الأنفال:41]، وذلك ليعيش من تلك الغنيمة، ثم وَلِذِي الْقُرْبَى [الأنفال:41]؛ لأن أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم لا يأخذون الزكاة، إذ إنهم منزهون عن الصدقة، وبالتالي فيعطون من الغنيمة، ثم الفقراء والمساكين وابن السبيل، وابن السبيل هو المسافر المحتاج.

    فهذا هو معنى قول الله تعالى، وَاعْلَمُوا [الأنفال:41]، أي: أيها المسلمون! أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41]، وهؤلاء لهم الخمس، وأما الباقي وهو أربعة أخماس فهو للمجاهدين، والمجاهدون صنفان: أهل خيول فرسان، وهؤلاء لهم حصتان، فإذا أخذ الماشي ريالاً أخذ المجاهد على الفرس ريالين؛ لأنه ينفق على فرسه ملا ينفقه الماشي على نفسه، ولأن تأثيره في المعركة أيضاً أعظم من الماشي.

    إذاً: قد تولى الله بنفسه قسمة الغنيمة التي يغنمها المسلمون في المعركة، وذلك بعد ما اختلف الأصحاب فيها كما في أول السورة، فقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ [الأنفال:1]، لهم يا رسولنا! الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1]، ثم تولى الله بنفسه قسمتها، فجعل أربعة أخماس للمجاهدين، وخمس وزعه الله بنفسه فقال: لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41]، وذوي القربى هم بنو عبد المطلب وبنو هاشم، وذلك لأنهم منزهون عن الصدقات، إذ لا يعطون من الزكاة أبداً، ففي الحديث أن الحسن جاء يحبو وهو صغير، فأخذ تمرة من تمر الصدقة ووضعها في فيه، فانتزعها الرسول منه وقال له: ( كخ، كخ، إن آل محمد لا يأكلون الصدقة )، إذ إن الصدقة هي أوساخ الناس، وذلك أنك عندما تتصدق فأنت تزيل ذنوبك وآثامك على نفسك وهو يأكلها، إذاً فهي أوساخ الناس، فآل البيت الأشراف لا يأخذونها، إذ قد أعطاهم الله تعالى من الغنيمة ما يسد حاجتهم طول حياتهم، لكن متى هذا؟ يوم أن يقودنا إمام المسلمين لنقاتل دولة كافرة لندخلها في دين الإسلام، فإذا انتصرنا وغنمنا فإن الغنائم توزع كما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    وأعود أيضاً فأقول: لم يعد الآن هناك دولة كافرة نغزوها أبداً؛ لأنهم فتحوا الباب للإسلام في بلادهم، فالمؤذنون يؤذنون، والدعاة يدعون من أمريكا إلى اليابان، وبالتالي فلم إذاً نحاربهم؟ إننا قبل أن نغزوهم أو نرسي سفننا على شواطئهم نقول لهم: هل لكم أن تدخلوا في الإسلام لتنجوا وتسعدوا وتكملوا وتفوزوا وتطيبوا وتطهروا؟ فإن قالوا: مرحباً، أرسلنا فيهم من يعلمهم الإسلام وعدنا إلى بيوتنا، وإن قالوا: لا نريد ذلك، قلنا لهم: هل تسمحون لنا أن ندخل بلادكم لنعلم الناس الإسلام، ونبين لهم الطريق الحق إلى النجاة والسعادة، وتدخلون في ذمتنا ونحميكم من كل عدو؟ ويعطون مقابل ذلك رمزاً من المال يدل على قبول هذه الولاية، لكن إن رفضوا فنحن عند ذلك مأمورون بأن نقاتلهم حتى نهزم جيشهم، وأن تفتح بلادهم لننشر دعوة الله ورسالته بين البشر في تلك البلاد، فهذا هو الجهاد في سبيل الله تعالى.

    ثم قال تعالى: إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ [الأنفال:41]، أي: اعملوا على هذا وخذوا بهذا لبيان الإلهي وقسموا الغنيمة كما بينت لكم، إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ [الأنفال:41]، رباً وإلهاً لا رب غيره ولا إله سواه، أما إذا قلتم: ما آمنا، فلا يجري عليكم هذا الحكم ولا يطبق فيكم، وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ [الأنفال:41]، وسمي بيوم الفرقان لأن الله فرق فيه بين الحق والباطل، فقد ارتفعت راية لا إله إلا الله محمد رسول، وانكسرت راية الباطل والشرك والكفر، وأنزل الله تعالى فيه الملائكة التي كانت تساند المؤمنين وتنفخ في أرواحهم ونفوسهم الشجاعة والبطولة، بل وقد قاتلت معهم، ومن الآيات التي وقعت في ذلك اليوم العظيم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة التراب ورمى بها المشركين وقال: ( شاهت الوجوه )، فأصابت أكثر المشركين في أعينهم.

    ثم قال تعالى: يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال:41]، أي: جمع المؤمنين وجمع الكافرين، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنفال:41]، فمن جاء بالمشركين؟ ومن جاء بالمؤمنين؟ وكيف حصل هذا الاجتماع؟ إنه هذا تدبير الله عز وجل، إذ ما كان يخطر ببال المؤمنين في المدينة أنهم سيقاتلون المشركين في بدر، ولا كان المشركون يتوقعون أنهم سيقاتلون المسلمين في بدر، لكنه الله جل جلاله وعظم سلطانه الذي جمع الفريقين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى...)

    قال تعالى: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:42].

    ثم أخذ تعالى يعرض عليهم الحادثة بسائر وقائعها في القرآن الكريم حتى يذكروه ويشكروه دائماً، فقال تعالى: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا [الأنفال:42]، والعَدوة والعِدوة والعُدوة هي حافة الوادي، إذ كان المؤمنون في حافة الوادي من جهة المدينة، والمشركون في حافة الوادي من الجهة المقابلة.

    إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا [الأنفال:42]، أي: القريبة، وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى [الأنفال:42]، أي: البعيدة، إذ إن أصل بدر وادي له حافتان، فمن جهة المدينة حافة، ومن جهة البحر حافة ثانية مقابلة له، فيقول الله لهم: إِذْ أَنْتُمْ [الأنفال:42]، أي: اذكروا هذا أيها المؤمنون! بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأنفال:42]، والمراد بالركب ركب أبي سفيان الذي كان يقوده، وهو عبارة عن تجارة عظيمة جاء بها من الشام يريد بلده مكة، ولما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان قادم من الشام بقافلة فيها الأموال والغنائم الكثيرة، خرج عليه الصلاة والسلام لاعتراضها لعله يحصل عليها، فأبى الله إلا أن يحصل القتال بين الطرفين، فمشى أبو سفيان بالقافلة من ساحل البحر فنجا ونجت القافلة، وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأنفال:42]، أي: ركب أبي سفيان، إذ كانوا يركبون على إبلهم وخيولهم، وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأنفال:42]، وذلك من جهة ساحل البحر.

    ثم قال تعالى: وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ [الأنفال:42]، أي: لو تواعد المسلمون والمشركون للقتال لاختلفوا، فالمسلمون ربما يخافون لأنهم أقليه وضعفاء، وكذلك المشركون قد يقولون: هذا نبي الله ورسوله، والمؤمنون قد عرفناهم شجعان، فكيف نقاتلهم؟! وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ [الأنفال:42]، والله، لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ [الأنفال:42]، لكن من قادهم وجاء بأهل مكة وأهل المدينة وجمعهم في ذلك الوادي؟ إنه تدبير الله عز وجل، وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ [الأنفال:42]، أنتم والمشركون، لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ [الأنفال:42]، أي: وعزة الله وجلاله لاختلفتم في الميعاد، وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال:42]، فلابد وأن يموت سبعون صنديداً وأن يؤسر سبعون بطلاً، إذ إن هذا قد قضاه وقدره وكتبه في كتاب المقادير منذ مئات الآلاف من السنين، وبالتالي فلابد وأن يتم كما كتب وقضى وقدر، وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال:42]، أي: قضى وحكم به قبل أن يخلق الكون كله فضلاً عن المجاهدين، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال:42]، فقد لاحت أنوار الهداية والإيمان في بدر، إذ إنهم شاهدوا الملائكة على خيولهم، وشاهدوا الانتصار، وشاهدوا الآيات العظيمة، فمن كان غير يؤمن آمن، ومن كان مؤمناً ازداد في إيمانه وحيي، ومن كان ميتاً فهو ميت.

    وهنا لطيفة نذكرها فنقول: إن الإيمان بمثابة الروح، إذا حل في قلب عبد حيي، وإذا فارقه مات والعياذ بالله، وهذه الآية دليل واضح على ذلك، وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال:42]، التعليل: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال:42]، وهو الكافر، وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال:42]، وحيا بمعنى: حيي، إذ أدغمت الياء بالياء، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ [الأنفال:42]، لأقوالكم، عَلِيمٌ [الأنفال:42] بأفعالكم، إذ هو الذي دبر هذه المعركة وأتمها على مراده، ونصر أولياءه وهزم وخذل أعداءه، فلا إله إلا الله هو!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ يريكهم الله في منامك قليلاً...)

    قال تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الأنفال:43].

    إِذْ [الأنفال:43]، أي: اذكروا أيضاً، يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا [الأنفال:43]، فقد أرى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في منامه أن المشركين أقلية كأكلة الجزور، وقد أخبر الرسول أصحابه في النهار بذلك فقال: ( أراني ربي المشركين أنهم قليل )، ففرح المسلمون ونشطوا لما أعلمهم بقلتهم، إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ [الأنفال:43]، وقلتم: نرجع إلى المدينة فلا نقاتل، وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا [الأنفال:43]، يا رسولنا! لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الأنفال:43]، أي: لو قال الرسول: رأيت المشركين في البارحة أنهم آلافاً، انهزم المسلمون ولم يقاتلوا، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ [الأنفال:43]، سبحانه لا إله إلا هو!

    إِذْ يُرِيكَهُمُ [الأنفال:43]، أي: اذكروا، إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ [الأنفال:43]، فمنكم من يقول: نقاتل، ومنكم من يقول: نرجع فلا نقاتل، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ [الأنفال:43]، فما أرى نبيه أنهم كثرة، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الأنفال:43]، أي: لعلمه بذات الصدور وما في القلوب، إذ ممكن لو أنه عليه السلام أعلم أن المشركين كثير أن المؤمنين لا يقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا من رحم الله، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الأنفال:43].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً...)

    قال تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [الأنفال:44].

    واذكروا أيضاً أيها المؤمنون! وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ [الأنفال:44]، وكل هذه ذكريات فاذكروا أيها المؤمنون ذلك، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ [الأنفال:44]، الله عند اللقاء وقبل الاقتحام، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي [الأنفال:44] الميدان قبل الاقتحام، أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا [الأنفال:44]، والمشركون كذلك، أي: قلل الله المؤمنين في أعين المشركين، وذلك حتى يتم التصادم بين الطرفين، إذ لو أن المشركين شاهدوا المؤمنين آلافاً ما يقاتلون، ولو أن المؤمنين شاهدوا المشركين على ما هم عليه من الكثرة لخافوا وهربوا وما قاتلوا، ولكنه تدبير الله عز وجل، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال:44]، حتى قال أبو جهل: إنهم أكلة جزور فلا تخافوهم -فالبعير يأكله خمسون أو ثلاثون- اجمعوهم واربطوهم في الحبال، أعلنها قبل الاقتحام، وهذا كله من أجل: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال:44]، أي: قدره وأمضاه في كتاب المقادير، وأنه لابد وأن يقع ويتم، فيصرع من يصرع هناك، وينجو من ينجو، ويسعد من يسعد، ويهلك من يهلك.

    ثم قال تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [الأنفال:44]، أي: ارجعوا الأمور كلها إلى الله تعالى، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    يقول الله لرسوله وللمؤمنين ونحن معهم: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41]، فهذا الخمس لهؤلاء المذكورين، والأربعة الأخماس للمجاهدين، إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [الأنفال:41]، أي: محمداً صلى الله عليه وسلم، متى؟ يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال:41]، ويوم الفرقان هو السابع عشر من شهر رمضان، وسمي بالفرقان لأنه فرق بين الحق والباطل، بين الكفر والإيمان، بين الشرك والتوحيد، وتذكرون أن من اتقى الله عز وجل حق التقوى، وبذل وسعه في طاعة الله عز وجل، فإنه يرزق هذا الفرقان، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، فمن أوتي هذا الفرقان لا يضحك عليه الشياطين، ولا يسخر منه الأبالسة؛ لأنه ينظر فيمز بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين النافع والضار، بين ما هو حق وما هو باطل.

    ثم قال تعالى: يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال:41]، وجمعان واحدها: جمع، فجمع المشركين جمع، وجمع المؤمنين جمع، فإذا رفعت قلت: جمعان، وإن نصبت قلت: جمعين، فالتقى الجمعان، أي: جمع المؤمنين وجمع المشركين، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنفال:41]، لا يعجزه شيء، فهو الذي خلقهم ثم نمَّاهم وكبرهم حتى أصبحوا رجالاً ثم أتى بهم إلى المعركة ليموتوا فيها، والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنفال:41].

    إِذْ أَنْتُمْ [الأنفال:42]، أي: اذكروا، إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا [الأنفال:42]، أي: القريبة من المدينة، وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى [الأنفال:42]، أي: البعيدة عن المدينة، وذلك في الطرف الثاني من الوادي، وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأنفال:42]، أي: تحت، والمراد بالركب ركب أبي سفيان، إذ إنه أخذ ساحل البحر لينجو من رسول الله والمؤمنين، وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ [الأنفال:42]، أي: لو تواعد المؤمنون مع المشركين لاختلفوا ولم يتم أبداً، وذلك هرباً من الموت والقتال، وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ [الأنفال:42]، بدون ميعاد اجتمعتم، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال:42]، وهو: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:42]، إذ لاحت أنوار الإيمان فشاهدوا الملائكة، وشاهدوا الانتصار، وشاهدوا عجائب المعجزات، فآمن من آمن، وكفر من كفر، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:42].

    إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ [الأنفال:43]، خطاب لرسول الله، إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا [الأنفال:43]، وبذلك أعلن الرسول للأصحاب قبل دخول المعركة أنه رآهم عدداً قليلاً، وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ [الأنفال:43-44]، أي: اذكروا أيها المؤمنون! وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ [الأنفال:44]، هم أيضاً، فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال:44]، لأجل ماذا؟ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [الأنفال:44]، قولوا: آمنا بالله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    إليكم هداية هذه الآيات فتأملوها يرحمكم الله! قال المؤلف غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ من هداية الآيات: أولاً: بيان قسمة الغنائم على الوجه الذي رضيه الله تعالى ]، وأخذنا هذا من هذه الآيات التي درسناها، إذ إن فيها بيان قسمة الغنائم على الوجه الذي رضيه الله تعالى، وذلك أنهم اختلفوا فيها فقسمها الله وبين كيف تقسم إلى يوم القيامة.

    قال: [ ثانياً: التذكير بالإيمان، إذ هو الطاقة الموجهة باعتبار أن المؤمن حي بإيمانه يقدر على الفعل والترك، والكافر ميت فلا يكلف ]، أما قال: إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ [الأنفال:41]؟

    قال: [ ثالثاً: فضيلة غزوة بدر وفضل أهلها ]، إذ هي أول غزوة في الإسلام، وأهلها يقول فيهم صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ( وما يدريكم لعل الله قد اطلع على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )، فالبدريون يأتون بعد العشرة المبشرين بالجنة، فأولاً أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم زد عليهم ستة، وهؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبية.

    قال: [ رابعاً: بيان تدبير الله تعالى في نصر أوليائه وهزيمة أعدائه ]، فقد دبر الله تعالى ذلك، فكيف تم النصر للمؤمنين؟ أرى الله رسوله المشركين في المنام قليلاً حتى يقدموا على قتالهم، وأرى المشركين المؤمنين قبل الاقتحام قليلاً، وكل ذلك من أجل أن يقدموا على القتال، فلما التحموا انعكس الأمر، أرى الله المؤمنين الكافرين أقلية مشتتة، وأرى الله الكافرين المؤمنين جيشاً عرمرماً لا حد له، فلماذا يفعل هذا تعالى ذلك؟ ليدبر الأمر، آمنا بالله.

    قال: [ خامساً: بيان أن مرد الأمور نجاحاً وخيبة لله تعالى ليس لأحد فيها تأثير إلا بإذن الله تعالى ].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.