إسلام ويب

تفسير سورة الأنفال (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما انتصر المسلمون في بدر، وقتلوا سبعين من المشركين وأسروا مثلهم، غنموا في هذه المعركة غنيمتهم الأولى، وعند ذلك اختلف المسلمون في كيفية قسمتها، فقال الشباب: نحن لاقينا العدو وقاتلناه وهزمناه، وقال الشيوخ: كنا درءاً لكم من ورائكم، فاسألوا رسول الله ليحكم بيننا، فأنزل الله عز وجل قرآناً يبين فيه كيفية تقسيم هذه الغنائم، حتى لا يبقى الأمر خاضعاً لاجتهاد مجتهد.

    1.   

    القرآن هو سبب رفعة هذه الأمة

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليلتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن الليلة مع فاتحة سورة الأنفال المدنية. وقد نزلت عقب وقعة بدر - أي: بعد غزوة بدر- في السنة الثانية من الهجرة النبوية.

    أذكر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أن القرآن الكريم نزل لهداية العالمين، ليكملوا ويسعدوا في هذه الحياة، ثم يسعدون في الحياة الآخرة، وهو كتاب جمع كل أبواب الخير والهدى، وهو العلم الذي لا علم فوقه، وأن أمة القرآن هي الأمة التي تسود وتعلو، وتسمو وترتفع.

    والدليل والبرهنة القطعية على هذا: القرون الذهبية الثلاثة، فهم لم يكن عندهم إلا القرآن الكريم وهدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فكملوا وسعدوا، وعزوا وسادوا قرابة ثلاثمائة سنة، وكانت كلمتهم واحدة، وعقيدتهم واحدة.

    صرف الأعداء للأمة عن القرآن والسنة

    عرف العدو المكون من: المجوس واليهود والنصارى علة ارتفاع هذه الأمة وسموها، وأنها القرآن والسنة، أي: الكتاب والسنة، فاحتالوا بحيلهم - وهم أهل لذلك- حتى أبعدوا القرآن عن الأمة. حتى أصبح لا يجتمع أهل القرية على القرآن، ولا يتدارسونه بينهم، ولا على السنة النبوية. بل أصبح القرآن لا يقرأ إلا على الأموات، فإذا مات الميت جمعوا طلبة القرآن، ويقرءون عليه الليلة والليالي. ولم يوجد من يقول لأخيه إذا اجتمع معه: أسمعني شيئاً من القرآن.

    ومن ثَمَّ هبطت الأمة وتمزقت، وواقعها شاهد، فقد استعمرت واستغلت من قبل الكافرين، وسبب ذلك: أنها هبطت من علياء السماء إلى الأرض، وأصبحت كأهل الأرض، لا هم لها إلا الأكل والشرب، والنكاح واللباس، وغير ذلك، كما هي حال أهل الكفر والفساد.

    طريق الأمة إلى كمالها وسعادتها

    المطلوب منا: أن يجتمع أهل القرية عرباً كانوا أو عجماً على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كل ليلة ما بين صلاتي المغرب والعشاء، ويدرسون كتاب الله كما ندرسه الآن، ويدرسون السنة النبوية، والكل يرغب في أن يسمو ويعلو ويرتفع، ولن يمضي عليهم من الوقت إلا أقل من السنة إذا كانوا على هذا النمط من الحياة حتى تتغير حياتهم تغيراً عجباً، ويختفي من بينهم السوء والفحش، والظلم والشر والفساد نهائياً. ومن استغرب هذا قلنا له: انظر إلى مدينتك أو قريتك فستجد أعلم الناس فيها بالله ورسوله هو أتقى أهل القرية والمدينة، وأقلهم فجوراً وظلماً، وشراً وفساداً، وستجد من لا يعرف الله ولا رسوله أشر الخلق وأخبثهم. وهذا أمر لا ينازع فيه هذا أبداً، بل هو حق مسلم؛ لأن القرآن كتاب هداية، وكتاب رحمة، أعده الله وأنزله لعباده؛ ليكملوا ويسعدوا، لا لنكتبه في القراطيس، ونجتمع على قراءته في المقابر وفي بيوت الهلكى، بل هذا والله لمن كيد العدو الثالوث الأسود، المكون من المجوس واليهود والنصارى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ...)

    نستمع الآن إلى هذه الآيات، ونتأملها ونتدبرها، ثم نأخذ في شرحها وبيان مراد الله تعالى منها، وننظر كيف يرتفع مستوانا العلمي والعقلي من خلال أربع آيات فقط.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:1-4].

    سبب نزول قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال ...) وبيان كيفية قسمة الغنائم

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قال ربنا جل ذكره: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ [الأنفال:1]. سأل السائلون هذا السؤال في أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، ألا وهي غزوة بدر المعروفة، والمكان الذي وقعت فيه معروف إلى الآن. وقد كانت في السنة الثانية من هجرته إلى المدينة صلى الله عليه وسلم.

    وتقول الروايات: إن الشيوخ الذين حضروا المعركة لم يتقدموا، وتقدم الشبيبة القادرين على الزحف والقتال حتى تم النصر بإذن الله، كما قال تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [الأنفال:10].

    وكان عدد المسلمين في بدر على عدة قوم طالوت، وعلى عدة المرسلين، أي: ثلاثمائة وأربعة عشر، وكان المشركون ألف مقاتل.

    والشاهد عندنا: أنه لما انهزم المشركون وأسر من أسر منهم -وقد أسر منهم سبعون صنديداً- وحصل هذا الخير وهذه الغنيمة لأول مرة اختلف المسلمون في كيفية قسمة الغنيمة، فقالت الشبيبة: نحن الذين هزمنا العدو وقاتلنا، وقال المشايخ: نحن الذين كنا الحصن والدرع لكم من ورائكم. فاسألوا رسول الله ليحكم بيننا في هذه القضية، فأنزل الله تعالى الحكم والبيان، فقال: يَسْأَلُونَكَ [الأنفال:1] يا رسولنا! عَنِ الأَنْفَالِ [الأنفال:1] لمن تكون. قُلِ [الأنفال:1]، أي: قل لهم: الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال:1]. حتى ينفضوا أيديهم وينحازوا، ويتركوا الأمر لله والرسول، فالله يأمر، والرسول يقسم ويبين ويعلم. وكان هذا هو الفيصل الذي حسم الخلاف، وقطع أوصاله، وعادت القلوب إلى ما كانت عليه هادئة مستقرة، ولولا هذا لأكل بعضهم بعضاً، لكن الله تولى ذلك بنفسه، وأنزل: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنفال:41]. فأيما غنيمة غنمها المسلمون بعد أن رموا بأنفسهم في المعركة على خيولهم وعلى أرجلهم ونصرهم الله، فهذه الغنيمة تخمس، فيوزعون منها أربعة أقسام على المقاتلين بالسوية، ومن كان له فرس يقاتل عليه يعطى سهم الفرس؛ لأن تأثيره أكثر من الذي يقاتل على رجليه، ويبقى خمس، وقد بين تعالى أن هذا الخمس يكون: لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. والذي لله يكون للرسول صلى الله عليه وسلم وأسرته، والباقي يوزع على من ذكر تعالى.

    معنى النفل

    هناك النفل، وهو غير الغنيمة أيضاً، فالنفل شيء والغنيمة شيء. فالنفل هو: ما يعطيه القائد للمعركة، كأن يقول: من يأت بكذا فله كذا؛ تشجيعاً على القتال، فمن نفله شيئاً فهو له زائد على الغنيمة.

    والآية اشتملت على الغنيمة وعلى النفل. وجمع النفل أنفال.

    حث المؤمنين على التقوى

    قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1]. ومعنى هذا: أن الله قطع الخلاف وأطفأ ناره، وإلا فقد كان المهاجرون صنفاً، والأنصار صنفاً آخر، وهذا من شأنه أن يوجد نعرات وحزازات في بداية المعركة، وقد كانوا في بداية الإسلام، فتولى الله عز وجل إطفاء هذه النار، وقال لهم: الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال:1]. وأما أنتم إذاً: فَاتَّقُوا اللَّهَ [الأنفال:1]. فأمرهم بتقوى الله التي هي بمعنى الخوف من الله عز وجل الذي يحمل صاحبه على ألا يقوى على معصيته، وألا يخرج عن طاعته، أي: خافوا ربكم؛ لأن الخير والشر بيده، والإعزاز والإذلال بيده، والنصر والهزيمة بيده، فخافوه.

    الحث على إصلاح ذات البين

    قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّه وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1]. وعجلوا حتى لا تبقى حزازة في نفوسكم، ولا فرقة ولا خلاف، وحتى ينمحي هذا، وتصبحون كما كنتم على قلب رجل واحد؛ لأنكم ستستقبلون الحياة بكاملها، فلا تعوقكم الفرقة والخلاف، فعجلوا وأصلحوا ذات بينكم، وأصلحوا الروابط التي تربط بينكم؛ لتتحابوا وتتعاونوا، وتتفاضلوا وتحسنوا إلى بعضكم بعضاً؛ لأنكم مستقبلون العالم بأسره، فمن الآن أصلحوا ذات بينكم.

    الحث على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

    قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال:1]. فلا تدعي الإيمان وتقول: إنك مؤمن ثم تنهزم أمام هواك أو أمام شهوتك أو دنياك، فإن فعلت ذلك فلست بالمؤمن. بل و وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال:1]. فالله يعبد بأمره، والرسول يطاع بأمر الله عز وجل؛ إذ هو المبين للطريق والهادي إلى السبيل.

    ثم علينا كذلك طاعة أولي الأمر إذا لم يكن القائد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان القائد الذي يقود المعركة غير الرسول فيجب أن يطاع في ذلك، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، أي: الذين تولوا أمر قيادتكم وسيادتكم أو توجيهكم، فهؤلاء يجب أن يطاعوا في المعروف، وليس في معصية الله. وكان هذا بداية الإصلاح في المدينة النبوية.

    وقوله تعالى: وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال:1]، أي: إن كنتم مؤمنين بحق فأطيعوا الله والرسول، واتركوا هذه الغنائم لله والرسول يقسمها كما شاء، وأصلحوا ما وقع من خلاف بينكم حتى لا توجد فرقة أبداً ولا عداوة ولا بغضاء، بل يجب أن تكونوا كجسم واحد، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ). ولولا هذه التعاليم الإلهية لما تجاوز الإسلام في ظرف خمسة وعشرين سنة نهر السند ووصل الأندلس، ولو لم تكن القلوب قلباً واحداً والأرواح روحاً واحدة والآمال أملاً واحداً فوالله ما استطاعوا ذلك ولن يستطيعوا، ولكن كان رسول الله يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وتعليم الكتاب والحكمة شيء، وتزكية النفوس وتطهير الأخلاق شيء آخر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ...)

    قال تعالى وهذا لكل المؤمنين اليوم وإلى يوم القيامة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الأنفال:2] بحق وصدق، وليس بالادعاء والنطق هم الذين يتصفون بهذه الصفات الخمس المذكورة هنا.

    والإيمان معناه: التصديق الجازم بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن لقاء الله حق، وأن التشريع والتقنين لله، وأن الله يجب أن يعبد، ولا يعبد معه سواه، ولا بد أن تجزم القلوب بهذا.

    من صفات المؤمنين: وجل قلوبهم عند ذكر الله عز وجل

    المؤمنون بحق هم أصحاب هذه الصفات الخمس:

    أولاً: إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2]. فإذا ذكر الله في آية من الآيات أو ذكر أمره أو نهيه فإن قلب المؤمن بحق يجل، والوجل: الخوف والارتجاف.

    ومن الأمثلة التي نعرفها: أن المؤمن الحق إذا غشي معصية وارتكب ممنوعاً وقلت له: اتق الله فإنه يجل قلبه ويخاف ويقول: أستغفر الله وأتوب إليه. والذي إيمانه صوري وليس في قرارة النفس تقول له: اتق الله وهو يضحك ويسخر منك. وهذا مشاهد.

    فأول صفة من صفات المؤمنين هي: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ [الأنفال:2] بينهم وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2]. وأنت لو يذكر أمامك سلطان جبار أو عسكري في يده رشاش أو كان أمامك حية أو أفعى فاتحة فاها ودنت منك فإنك تخاف، فليكن حالك أشد خوفاً عندما تذكر الذي يحيي ويميت، الذي يخلق ما يشاء بكلمة كن، والذي يرفع ويضع، ويعز ويذل، ويميت ويحيي، ويعطي ويمنع، ولا تكن من لا يتحرك إذا ذكر الله أمامه، فهذه حال من لم يؤمن به. بل كن من الذين إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2]. هذه الصفة الأولى.

    من صفات المؤمنين: زيادة الإيمان عند تلاوتهم للقرآن الكريم أو تلاوته عليهم

    الصفة الثانية: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2]. وهذا تقرير بأن الإيمان يزيد وينقص، كالحرارة التي لها الآن آلات يعرف بها زيادة الحرارة ونقصانها، والإيمان نور في القلب يزيد وينقص، فقد تكون الدرجة ستين درجة ثم إذا تليت الآيات وسمعها يرتفع إلى مائة وعشرين، وقد تكون درجة إيمانه مائة وستون ثم فجأة يسمع الآيات تأمر وتنهى .. تبشر وتنذر فيرتفع إيمانه إلى مائتين وخمسين، ومن لم يرتفع إيمانه فهو ميت، ولا إيمان لمن لا يرتفع منسوب إيمانه عندما تتلى عليه آيات الله، التي يؤمر فيها أو ينهى، أو يبشر أو ينذر، أو يحذر أو يعلم، فهذا ليس مؤمناً حقاً. وهذا الذي يسمع آيات الله القرآنية تأمر أو تنهى، أو تبشر أو تنذر أو تحذر ولا يتحرك ولا يرتفع إيمانه ليس بالمؤمن. والذي يتحرك بقلبه ويديه هو المؤمن.

    ووجل القلب: اضطرابه واحتراقه، كاحتراق السعفة، وهذا الاضطراب يشعر به أهل الإيمان، وخاصة عند ذكر الله، وعند تلاوة كتابه، وعند دعائه، فإنه يشعر بارتعاشة باطنية، وتلك هي علامة أن قلبه حي، وأن إيمانه متدفق الأنوار، وآية ذلك هذه الحركة التي تحصل له في قلبه.

    من صفات المؤمنين: التوكل على الله عز وجل

    الصفة الثالثة: وَعَلَى رَبِّهِمْ [الأنفال:2] فقط يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]. ولا يتوكلون ولا يفوضون أمرهم إلى غير الله أبداً، ولا يعولون على غير الله في أي شأن من شئون الحياة. وعلى سبيل المثال: صاحب الدكان الذي يبيع السجائر وهي محرمة، أو الذي يوجد في محله صور الخلاعة والدعارة التي هي من كيد العدو لإفساد القلوب وإهباط الآداب في النفوس إذا قلت له: اتق الله، واترك بيع هذه المجلات والصور والدخان المحرمة على المسلمين فإذا قال: إذا لم يجد الزبائن مثل هذا فلن يأتوننا، وستتعطل تجارتنا، فهذا لم يتوكل على الله، ولو توكل على الله لقال: ما دام ربي لا يحب هذا فسيرميه فوراً خارج الباب.

    وكذلك الذي يفتح بنكاً ربوياً في بلد إسلامي -الذي هو من صنع اليهود وأصابعهم- إذا قلت له: اتق الله يا عبد الله! ولا تبع آخرتك بدنياك، وأنت لك بطن واحد تشبعه بخبز وإلا بتمر، فلا تعلن الحرب على الله فيعلن الله الحرب عليك، فاترك هذا وتخلص منه فإن كان له إيمان فسوف يرتعد ويرتعش من كل مفاصله، ويفزع إلى الله، ويعلن عن تخليه عن هذا البنك، وإذا كان إيمانه لا يرتفع ولا يتحرك بل كان يابساً جامداً فإنه يقول: هكذا الدنيا. والأمثلة على هذا كثيرة.

    معنى التوكل

    المؤمن إذا ذكر الله وجل قلبه، وإذا تليت عليه آياته زادته إيماناً، وعلى الله يتوكل، وليس على امرأة، ولا على ولد، ولا على تجارة، ولا على غير ذلك، ولكنه يفوض أمره إلى الله، فهو الذي يكفيه ما أهمه. وليس معنى هذا: أن نترك الأعمال، بل إهمال الأعمال بدعوى الاتكال على الله باطل وفساد وشر، واستهزاء وسخرية بالإسلام، وكذلك الاعتماد على تلك الوسائل وتفويض الأمر إليها كفر وشرك بالله عز وجل. فانتبهوا.

    فإذا كنت فلاحاً فابذر أرضك وأنت متوكل على الله، ثم إن شاء أعطاك وإن شاء منعك، وإن شاء حصدت وإن شاء لم تحصد، وإن شاء نبت هذا الزرع وإن شاء لم ينبت، وأنت لست مسئولاً عنه، بل أنت مسئول فقط عن بذره وسقيه؛ لتقتات منه، ويقتات منه غيرك من عباد الله المؤمنين.

    وكذلك صاحب الدكان يفتح دكانه باسم الله ليبيع ويشتري، ويفوض أمره إلى الله، فهو الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يسعد ويشقي، وليس على صاحب الدكان إلا أن يلتزم بمبادئ الإسلام في بيعه وشرائه، وعليه أن يتعلم ذلك، ولا يقل: أترك هذا لله، فإن شاء أغناني، وإن شاء أفقرني. فالاعتماد على الأسباب شرك وكفر، وإهمال الأسباب وتركها بدعوى التوكل على الله باطل حرام وزندقة. وهذه القضية قضية شائكة صعبة.

    فالتوكل على الله ليست بأن أدخل يدي في جيبي وأنام تحت ظل شجرة، وهو يطعمني ويسقيني، فالله لم يأمر بهذا، بل خذ منجلك أو آلتك واطلب رزقك، وليكن قلبك مع الله، ولا تحزن ولا تكرب، بل فوض أمرك إليه، وهو إن أراد أعطاك الكثير أو أعطاك القليل أو حرمك، فالأمر له، وأنت قد أديت ما أذن لك فيه. وكونك حرثت أو صنعت أو اتجرت أو سافرت فهو قد أذن لك في هذا وأمرك به، وأما أن تحصل على ما تريد أو لا تحصل فهذا فوضه إلى الله.

    وكذلك أمرنا الله بالجهاد، فإذا أعلن إمام المؤمنين الجهاد في سبيل الله وأن يخرج رجالنا في مواجهة عدو أكبر منا من طغاة الكفار فعلينا فقط أن نعد العدة، وأن نختار الأبطال، وأن نمشي في سبيل الله، ثم النصر لله عز وجل، فهو بيده، ونحن علينا كما قال الله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60]. مع تعاليم أخرى، وهي: عدم الخلاف والفرقة والنزاع أبداً، بل تكون القلوب واحدة، والهدف واحد. هذه هي مقومات النصر أو مسبباته، ولنترك النصر لله، فإن شاء نصرنا وإن شاء لم ينصرنا.

    وكذلك أنت مأمور أن تأكل هذا الطعام لإبقاء حياتك؛ لتذكر الله وتعبده، فكل باسم الله، وأما أن يشفيك هذا الطعام أو يضرك أو ينفعك فلا تسأل عن هذا، بل دع هذا لله.

    إذً: من صفات المؤمنين: أنهم وَعَلَى رَبِّهِمْ [الأنفال:2] لا على غيره أو سواه يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]. فهم يعتمدون على الله، ويفوضون الأمر إليه؛ إذ ليس لهم إلا الله، والله هو الذي يعطي ويمنع، ويعز ويذل، أحببنا أم كرهنا، والواقع شاهد على هذا، والحياة كلها تشهد به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)

    من صفات المؤمنين: إقامة الصلاة

    الصفة الرابعة من صفات المؤمنين: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [الأنفال:3]. وكيفية إقامة الصلاة إذا أذن المؤذن وقال: حي على الصلاة أوقفنا دولاب العمل في المدينة كلها، فمن كان بيده مسطرة يضعها، ومن كان بيده مرزبة من حديد وهو صانع يتركها، ومن كان في يده مسحاة يلقيها. ومعنى حي أي: هيا أقبلوا على الصلاة. فإذا وقف دولاب العمل ورأيت أهل القرية والمدينة يزحفون كلهم إلى بيت ربهم حيث دعوا للحضور هناك لمناجاته عز وجل فقل: إننا أقمنا الصلاة. وبدون هذا لا نقول: أقمنا الصلاة أبداً. وكون الفرد يقيمها بمعنى: يعرف شروطها وأركانها ويؤديها في أوقاتها مع الخشوع والدموع فهذا فرد، ولكن يبقى على الأمة التي تريد أن تقود العالم وتسوده أن تقيم الصلاة.

    ولما دخل السلطان عبد العزيز تغمده الله برحمته هذه البلاد كانت الأمة هنا هابطة كغيرها من بلاد العرب والمسلمين، ثم أصبحت ما إن يقول المؤذن: حي على الصلاة لم يبق دكان مفتوح الباب، ولا مصنع ولا معمل يشتغل، ولا أحد، بل الكل مقبلون على بيوت الله. حتى قال قائلهم: صلاة سعودية بلا وضوء ولا نية؛ لأنه مريض قلب وخائف، فهو يمشي بدون وضوء، وكان الآمر بالمعروف لا يسمح له أن يتوضأ، وهو لا يتوضأ من قبل؛ لأنه لا يريد أن يصلي. ولهذا قالوا: صلاة سعودية بلا وضوء ولا نية.

    وهذا كله من الجهل، فهيا نتعلم. ومدارس المسلمين الآن فوق العدد، فهي منتشرة في كل قرية، وحتى الدويلات الفقيرة فيها مدارس، وكليات أيضاً وجامعات. ولكن ليس هناك آثار لذلك العلم، وهذا ما يحار فيه العقل؛ لأن تلك المدارس لم تؤسس من أجل أن يعرف الله فيعبد ويوحد، بل أسست لأغراض مادية، والأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.

    كيفية إقامة الصلاة

    تكون إقامة الصلاة بالآتي: أولاً: أن تعرف شروطها، ومن شروطها: الطهارة، أي: طهارة البدن والثوب والمكان الذي تقف فيه لمناجاة الله.

    وثانياً: أن تعرف فرائض الصلاة من تكبيرة الإحرام إلى السلام، فتعرفها فريضة فريضة.

    وثالثاً: أن تعرف الآداب الخاصة فيها من أولها إلى آخرها.

    وروح ذلك كله: أن تقف خاشعاً بين يدي الله، مستحٍ أن تفتح عينيك على غيره.

    وكذلك أن تؤديها في أوقاتها المحددة التي نزل جبريل وصلى فيها برسول الله في مكة حول الكعبة يومين، فعلمه فيهما أول أوقات الصلاة وآخرها.

    وأقول: والله إذا لم تقم الصلاة في بلد فوالله لو جعلوا على كل بيت حارساً فلن يستقيم أهل البلد، ووالله لن يطيبوا ولن يطهروا، ولن يحل فيهم الطهر ولا الصفاء إلا إذا أقاموا الصلاة إيماناً واحتساباً؛ لأنهم إذا وقفوا بين يدي الله خمس مرات على الأقل في اليوم والليلة يناجون الله لم يفسقوا ولم يفجروا، ولم يظلموا أو يفسدوا؛ لأنهم مع الله عز وجل.

    من صفات المؤمنين: الإنفاق مما رزقهم الله

    الصفة الخامسة: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الأنفال:3]. وذاك الذي زرقناهم قد يكون علماً، فيعلمون غيرهم، أو مالاً، فينفقون منه، أو قوة بدنية، فيتصدقون ويتطوعون ببعضها. والرسول يقول: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها كلمة: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ). فإن لم تجد ما تفعل فكن كناساً في القرية أو المدينة، وأزل الأوساخ من طرقات المؤمنين في سبيل الله، وتعبد الله عز وجل بهذا. هذا هو الإيمان.

    ومعنى قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ [الأنفال:3] أي: من علم أو مال أو صحة بدن، فأنفق من كل هذا، وإن كان اللفظ يتناول أولاً: الزكاة، فإذا وجبت فيجب أن تخرج، وأن تعطى لمستحقيها الذين بين الله أسمائهم.

    ثم قال تعالى: أُوْلَئِكَ [الأنفال:4] السامون الأعلون بهذه الإشارة هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:4]. فهؤلاء هم لا غيرهم المؤمنون حقاً وصدقاً، أي: أصحاب هذه الصفات الخمس. وهذه الصفات الخمس هي: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]. والذين يقيمون الصلاة، والذين ينفقون مما رزقهم الله. فأصحاب هذه الصفات الخمس هم حقاً وصدقاً المؤمنون، لا غيرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم)

    قال تعالى: لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الأنفال:4] في مساكنهم ومنازلهم، وهم والله ليتراءون منازلهم كما نتراى الكواكب في السماء في بعدها. وَمَغْفِرَةٌ [الأنفال:4] لذنوبهم التي ارتكبوها صغيرها وكبيرها. وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:4]. وهذا الرزق الكريم يكون في الدنيا وفي دار السلام في الجنة أيضاً. فالمؤمنون أرزاقهم كلها حسنة طيبة، ليس فيها شؤم ولا نحس، ولا مرض ولا قبح؛ إذ الكريم في لسان العرب من كان حسن الحال، لا يشكى منه بأية شكوى. ويكون هذا النعيم المقيم هو في دار السلام.

    وأسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهله. اللهم اجعلنا من أهل هذا النعيم المقيم. اللهم حقق إيماننا يا رب العالمين! وارزقنا هذه الصفات الخمس، وحلنا بها يا الله! ولا تحرمنا ذلك. إنك ولي ذلك والقادر عليه.