إسلام ويب

تفسير سورة الأعراف (50)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه سيسأل عن الساعة، وسائلوه عنها هم إما أهل كتاب يسألون امتحاناً واختباراً لما لديهم من علم الساعة، وإما مشركون ملاحدة لا يؤمنون بلقاء الله يسألون تحدياً لعدم إيمانهم بذلك، ثم وجهه سبحانه إلى أن يجيبهم بأن علم الساعة عند الله وحده، حجب علمها عن عباده لحكمة بالغة، وإن جاءت فإنما تجيء بغتة، وتحل على العباد فجأة.

    1.   

    تأكيد ما تعالجه السور المكية من أمور العقيدة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة.

    من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون.. ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأحد من يوم السبت- والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). فحقق اللهم لنا هذا الخير واجعلنا من أهله إنك على كل شيء قدير.

    ها نحن ما زلنا مع سورة الأعراف المكية المباركة الميمونة، وهي كغيرها من المكيات تعالج العقيدة، تعالج العقيدة بتصويرها، وضرب المثل لها، ووضع الأدلة والبراهين عليها:

    أولاً: أنه لا إله إلا الله. والله! لا إله إلا الله.

    ثانياً: محمد بن عبد الله رسول الله، والله! إنه لرسول الله.

    ثالثاً: اللقاء بالله عز وجل حتمي، لا بد من الوقوف بين يديه للحساب ثم الجزاء، وهذا هو الإيمان بالبعث الآخر، بالدار الآخرة، بقيام الساعة، عبارات والمدلول واحد، هذه الحياة تنتهي وتأتي حياة لا تقبل الفناء، هذه الحياة دار عمل من خير أو شر، والدار الآخرة دار جزاء إما بالنعيم المقيم أو بالعذاب المهين، والله! ما هو إلا هذا، هذه الدار دار عمل، وتلك دار الجزاء، فمن عمل في هذه الدار بما يزكي نفسه ويطهرها ويطيبها فتصبح كأرواح الملائكة في طهرها وصفائها أنزله الله منازل الأبرار في دار السلام، ومن عمل على تخبيثها وتدسيتها بالشرك والمعاصي فجزاؤه جهنم خالداً فيها أبداً.

    وهناك مسألة تعالجها المكيات، وهي أنه لا حق لأحد أن يشرع لعباد الله إلا ربهم، إلا خالقهم، إلا العليم بمصيرهم، إلا العارف بأحوالهم وظروفهم، ذاك الذي يشرع ويقنن، أما غيره فلا حق له في ذلك أبداً، وإن فعل فقد ظلم، واعتدى على منصب الرب عز وجل.

    ثم لو يجتمع عقلاء البشر كلهم هل يستطيعون أن يضعوا عبادة بالقول أو بالعمل بالمشي أو الوقوف إذا عملها العبد تؤثر في نفسك بالتزكية والطهر؟ والله! ما كان ولن يكون.

    على سبيل المثال: شرع الله لنا الطواف في بيته سبعة أشواط تؤديها إيماناً واحتساباً فتحول نفسك إلى كتلة من نور، طف بغير البيت وابنه من ذهب أو من خشب في الشرق والغرب وفي الحرم وخارجه، وطف سبعمائة مرة لا سبعة أشواط، والله! ولا حسنة. وتكلم ساعة كاملة فوالله لا حسنة، وقل فقط: لا إله إلا الله تنقلب نفسك إلى نور وكتلة من نور.

    فالتشريع حق من؟ حق الله. لماذا؟ هو الخالق، هم عبيده، هو الذي يعلم مصيرهم، يعلم ما يضرهم وما ينفعهم، هو الذي إذا أوجد عبادة أودع فيها سر التزكية والتطهير كما أودع الغذاء في البر والشعير والتمر والفواكه، أما الإنسان فلو تجتمع البشرية فهل تستطيع أن توجد لنا مادة فيها تغذية للأجسام، والله ما كان ولن يكون، فكيف إذاً يشرعون ويقننون، ولكن ما عرفوا، والله! ما عرفوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ...)

    والآن مع هاتين الآيتين المباركتين نستمع إلى ترتيلهما وتجويدهما، ثم نأخذ في شرحهما إن شاء الله تعالى.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:187-188].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ [الأعراف:187]، من الذي يقول: يَسْأَلُونَكَ [الأعراف:187]، ومن المسئول؟ الذي قال: يَسْأَلُونَكَ [الأعراف:187] هذا هو رب العالمين، هذا الذي أوحى هذا الكتاب إلى رسوله الأمين، هذا الذي نحن مجتمعون في بيته ونحن عبيده، يخبر رسوله بما وقع، يَسْأَلُونَكَ [الأعراف:187] يا رسولنا عَنِ السَّاعَةِ [الأعراف:187]، من السائلون؟ السائلون بعضهم منكر للبعث والجزاء، ملحد لا يؤمن بلقاء الله ولا الحياة الثانية والدار الآخرة، وهم مشركو العرب إلا من قل، والصنف الثاني: اليهود.

    سؤال الأولين من أجل التكذيب الكامل وعدم الإيمان، وسؤال اليهود من أجل اختباره وامتحانه، هل يعرف عن الساعة شيئاً أو لا يعرف، ليتحقق لديهم أنه نبي أو غير نبي.

    فالسائلون طائفتان: مشركون وأهل كتاب، أهل الكتاب يسألون امتحاناً واختباراً لما لديهم من علم بالساعة، والمشركون ملاحدة لا يؤمنون بلقاء الله يسألون تحدياً لعدم إيمانهم بذلك، هذا معنى قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ [الأعراف:187].

    ذكر بعض أشراط الساعة الكبرى

    ما المراد بالساعة؟ الساعة: التي تنتهي فيها هذه الحياة وندخل في الحياة الثانية، وللساعة علامات كبرى وصغرى، وآخر ما تكون من بعثة رسول الله إلى قيامها بمثابة صلاة العصر إلى غروب الشمس، نحن في آخر النهار، هذه الساعة أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علاماتها الصغرى والكبرى، واقرءوا: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، إذ طالبوا رسول الله تحدياً له أن يسأل الله أن يشق القمر نصفين وهم يشاهدون، وبذلك يؤمنون به، وسأل ربه وانفلق القمر على جبل أبي قبيس شطرين، ومع هذا قالوا: ساحر! ولا تعجبوا، قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ [القمر:1-3].

    وقال تعالى في عيسى عليه السلام: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ [الزخرف:61]، وعيسى عليه السلام سينزل، وقد رفع من أرض القدس إلى الملكوت الأعلى، وهو منذ أن رفعه الله مدة ألفي سنة في الملكوت الأعلى، ووالله لينزلن على منارة دمشق، فإذا نزل عيسى كانت العلامة الكبرى، ودِّعوا هذه الحياة، وبعدها تسع علامات كبرى، أولاها -والله أعلم- طلوع الشمس من مغربها، ونقرب المعنى للناس فنقول: أليست الشمس في فلك يدور وأنت تشاهد أم لا؟ يومها بدل أن تواصل المسير تبقى فتطلع من غرب.

    كعجلة السيارة لما تديرها بقوة تدور بسرعة، وحين تضعف أنت فتترك يدك ترجع للوراء، فكذلك الشمس في فلكها، اختل نظامها إيذاناً بنهاية هذه الحياة.

    فمن أشراطها الكبرى: طلوع الشمس من مغربها، نزول عيسى عليه السلام، هذه العلامات الكبرى إذا ظهرت منها علامة فالكافر كافر والمؤمن مؤمن، البر بر والفاجر فاجر، أقسم لكم بالله حتى لا يفرح النصارى ويستبشر بعضهم أنه إذا نزل عيسى سيؤمنون، انتهى أمرهم، واقرءوا لذلك قول الله تعالى من سورة الأنعام المكية: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام:158] فيؤمنوا، أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام:158] فيؤمنوا، أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام:158] فيؤمنوا، يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158] حد فاصل، لا يقولن قائل: نزول عيسى في صالح النصارى فيؤمنون، لن يقبل إيمانهم، انتهت دروة الحياة.

    ذكر بعض علامات الساعة الصغرى

    ومن العلامات أيضاً: بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي سورة محمد صلى الله عليه وسلم: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ * فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:18-19].

    إذاً: نذكر لكم مثلاً واحداً، أو صورة واحدة للعلامات الصغرى؛ لتعجبوا من إسلامكم ودينكم وأنكم على حق:

    يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( سيكون من أمتي رجال ) والحمد لله فأنا منهم، وكلكم منهم، ( سيكون من أمتي رجال يركبون على السروج كأشباه الرحال، ينزلون بها على أبواب المساجد ) آمنا بالله، هل الرسول عرف السيارة؟ وهل وجدت اليوم في العالم؟ هل كرسيها ككرسي الفرس أم لا؟ وهي من فوق كرحل البعير أم لا؟ ( يركبون على السروج كأشباه الرحال، ينزلون بها على أبواب المساجد )، الآن آلاف السيارات عند الصلوات الخمس توقف أمام المسجد، من أعلم الرسول بهذا؟

    ويقول في هذا: ( نساؤهم كاسيات عاريات ) مكسوة من جهة وعارية من جهة، ما هي بفاقدة للثياب! ( نساؤهم كاسيات عاريات، على رءوسهن كأسنمة البخت )، هل تسمعون بالباروكا؟ بدأت في فرنسا تساوي مائة فرانك، وفي المدينة تباع بعشرة ريالات! فتفطنا وعلمنا أنها مكرة اليهود، كيف في بلادها تباع بمائة ريال، وهنا تباع بعشرة؟ وصحنا واستجابت الهيئة لنا وصادروها من الدكاكين؛ وحمدنا الله عز وجل.

    قال: ( نساؤهم كاسيات عاريات، على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف ) انظر العجاف من الإبل الهزيلة كيف سنامها فوقها، كذلك الباروكا.

    قال: ( العنوهن فإنهن ملعونات ) لعنة الله عليهن! ما إن سمع المؤمنات هذه اللعنة حتى اضطربن ورمين بها في هذا المسجد النبوي، من أمرنا بلعنهن؟ رسول الله، هل يطاع أو يعصى؟ يطاع ولا يعصى، إذاً: العنوهن فإنهن ملعونات، هذه صورة من علامات الساعة الصغرى، وغيرها عشرات، ونكتفي بهذه.

    سؤال المشركين عن وقت الساعة وبيان حكمة إخفائها

    يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ [الأعراف:187] فبماذا تجيبهم؟ أَيَّانَ مُرْسَاهَا [الأعراف:187] أي: متى وقت مجيئها؟ يقال: رست السفينة في مكانها، كانت ماشية، والحياة كسفينة ماشية الليل والنهار، لكن في يوم سترسو أم لا؟

    أَيَّانَ مُرْسَاهَا [الأعراف:187] مرساها أين؟ متى؟ هكذا كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، المشركون يتحدونه، واليهود يختبرونه هل يعلم أو لا يعلم؟ فالله تعالى بين واقعهم لرسوله والمؤمنين فقال عز من قائل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي [الأعراف:187] أي: علم (متى تقع) عند الله، لا يعرفها ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي في الصالحين ولا أحد، علمها عند الخالق عز وجل.

    وهل لإخفاء الساعة سر وحكمة؟ أي نعم، فلو كنت تعلم أنك ستموت يوم كذا ستقف الحياة كاملة، فمن الحكم العالية أن تستمر الحياة هكذا وإلا وقفت، إذاً: لنواصل العمل للدار الآخرة؛ لأنها إذا ظهرت العلامة الكبرى وقف العمل، صل أو افجر فقد انتهى الأمر.

    معنى قوله تعالى: (قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو)

    قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف:187] لا يظهرها ويكشف ستارها ويريها البشرية إلا هو فقط، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل؛ فلهذا كل من يقول: الساعة غداً أو عام كذا العنوه وكذبوه، لا يعرفها إلا الله.

    قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف:187] معنى (يجليها): يظهرها، لا يظهرها لوقتها إلا هو عز وجل، أما الخليقة كلها فهي وراء ذلك ودونه، لا طاقة لها عليها، هو الذي يجليها لأول وقتها، ولا يقدر على تجليتها إلا هو؛ لماذا؟ لأن هذه العوالم كلها تصبح سديماً وبخاراً، جبالها، أنهارها، سماواتها، كواكبها، أفلاكها، كلها تتحلل، وتأتي الحياة الثانية الخالدة الباقية غير قابلة للفناء بحالها.

    معنى قوله تعالى: (ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة)

    إذاً: لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الأعراف:187] ما معنى (ثقلت)؟ ثقل أمرها في السماوات، أهل السماوات ما يعرفون أبداً متى وقتها، وأمرها ثقل في أهل الأرض من رسل وأنبياء وصلحاء وعلماء، الكل ما يعرف أبداً، سر من أسرار الله، ولا يحل لأي أحد أن يحاول أن يعرف، ما أخفاه الله يجب أن يبقى مخفياً، ومن حاول إظهاره اعتدى على شرع الله وقانونه.

    لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الأعراف:187] لا تأتيكم إلا بغتة، والبغتة: المباغتة، الآن نحن منصتون نسمع وفجأة ينادي المؤذن: الله أكبر، يرفع صوته، فهذه مباغتة.

    لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الأعراف:187] فقط، وكونها لها علامات تدل على قربها لا يتنافى مع إظهارها مباغتة، تلك العلامات الآن ظهرت، بعثة رسول الله علامة، والآن مضى ألف وأربعمائة وسبع عشرة سنة، ووالله! لذلك علامة من علامات الساعة، ومع هذا أنتم ما تعرفون الأيام عند الله؟ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] إلى الآن ما مضى ألف ونصف من بعثة الرسول إلى الليلة، والله! ما كمل يوم ونصف يوم؛ لأن أيامنا هذه بضوء الشمس والكواكب، وأيام الله فوق ذلك.

    إذاً: من بعثة الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى اليوم ما كمل يوم ونصف، وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47].

    معنى قوله تعالى: (يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله)

    إذاً: ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا [الأعراف:187] أي: المشركون واليهود، أحفوك في السؤال، لتسأل عنها الليل والنهار ربك، فهم يقولون: علِّمنا، كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا [الأعراف:187] الحفي: الذي أكثر الأسئلة والطلب، ولا حق لك أن تطلب أيضاً، ولا يطلب أحد فيقول: اللهم أقم الساعة.

    الجواب: إذاً: قل لهم: إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف:187]، ما قال: ربي؛ لأنه يريدهم أن يعرفوا الله، أما ربه فهو خالقه ورازقه كما هو ربهم، وهم يهربون من كلمة (الله)، قال: عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف:187].

    سر إخفاء الاسم الأعظم وليلة القدر وساعة الجمعة

    معشر المستمعين والمستمعات! (الله) اسم من أسماء الله المائة اسم إلا اسماً واحداً، هل هو الاسم الأعظم؟ الله أعلم، لكن قريب أن يكون كذلك، وشأن الاسم الأعظم في خفائه؛ لأنك لو عرفته ما سألت الله إلا به، تركت الرحمن والرحيم والقوي والقدير والعزيز والحكيم في تسعة وتسعين، وتتمسك فقط باسم واحد، والله! ما أنزل أسماءه إلا ليدعى بها.

    مثال هذه القضية: ليلة القدر، ليلة القدر التمسها الرسول صلى الله عليه وسلم في العشر الأوائل، ثم في العشر الثانية فما جاءت، ثم التمسها في العشر الأواخر، أعلم من قبل ربه أنها توجد في العشر الأواخر، وفي الوتر من العشر الأواخر، ولكن ما تعرف: هل ليلة الواحد والعشرين؟ ليلة الثالث والعشرين؟ الخامس والعشرين؟ السابع والعشرين؟ التاسع والعشرين؟ حتى نعكف على عبادته عشر ليال، فمن التمسها وطلبها يجب أن يعتكف في المسجد عشر ليال؛ ليظفر بليلة القدر.

    وتعرفون ليلة القدر: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1] صلى بها الإمام الليلة، وأنا قلت: اللهم ارزقنيها مرات. هكذا قلت، ما هي مرة واحدة، لما قرأ بنا قلت: اللهم ارزقنيها مرات، ما هي مرة واحدة، ليلة القدر هذه روي أنه اشتكى بعض المؤمنين وقالوا: أعمار الأمم السابقة طويلة، هذا يعيش مائتي سنة، هذا ثلاثمائة، هذا سبعمائة سنة، هذا مائة وثلاثين ومائة وعشرين، ونحن أعمارنا من الستين إلى الثمانين! فمسح الله دموعهم، فأعطانا ليلة القدر بثلاث وثمانين سنة وربع، من أدركها سجل له عمل ثلاث وثمانين سنة وربع سنة، وممكن أن تدركها عشرين مرة! فالذي يعتكف في رمضان يحصل عليها، ما في ذلك شك، فمعناه: أن يصبح عمره أكثر من ثلاثة آلاف سنة.

    وهي مما أخفى الله عز وجل لحكمة، وهي أن تطلب في كل الليالي، وإلا فالهابطون والجهال منا لا يحتفلون إلا بليلة سبع وعشرين، الحكومة ورجالها، وهذا خطأ محض ولعب، هي تطلب من أول ليلة، وليس بشرط الاعتكاف، في بيتك أيضاً، المهم أن تقوم الليل تدعو وتبكي وتقرأ القرآن؛ فتدركها قطعاً بدون شك.

    ثالثاً: ساعة يوم الجمعة؛ إذ في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مؤمن أو مؤمنة يصلي ويدعو الله إلا استجاب له، لو سأله أن يزيل الجبال أزالها! فساعة يوم الجمعة لو حددت بالضبط ما صلى الناس إلا تلك الساعة؛ فلهذا تعال من طلوع الشمس في الأسبوع الأول إلى الضحى، وفي الأسبوع الثاني تعال من الضحى إلى الظهر، وفي الأسبوع الثالث من الظهر إلى العصر وأنت في المسجد، وفي الأسبوع الرابع من العصر إلى المغرب فتكون قد أدركتها وحصلت عليها.

    ونقول: ما عندنا قدرة على هذا! والرسول يقول: ( من راح في الساعة الأولى كان كمن قرب بدنة -بعيراً كاملاً- ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ) بربع ريال، ( فإذا خرج الإمام طوت الملائكة الصحف وجلسوا يستمعون الذكر ) الذين كانوا يسجلون الأسماء، فحين تأتي والإمام يخطب ما يسجل اسمك أبداً، لكن صلاتك تصح، لا تصل الظهر، صل الجمعة، أما فضل السبق إلى الجمعة فانتهى.

    ونعود إلى الآية الكريمة: يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف:187] خاصة، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا أنزلها في كتاب، ولا أوحاها إلى رسول أبداً، وقد عرفنا السر والحكمة، لتستمر الحياة إلى نهايتها المحدودة لها.

    معنى قوله تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

    ثم قال تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:187] هذا الخبر صحيح أم لا؟ والله! لأصح الصحيح، أكثر الناس لا يعلمون، أبيضهم كأسودهم كأصفرهم كأحمرهم، أكثر الناس لا يعلمون، لم لا يعلمون؟ ما اجتمعوا على كتاب الله وتدارسوه، ما جلسوا في حجور العلماء والأنبياء وتعلموا عنهم، فكيف يعلمون؟ أكثر الناس لا يعلمون، لو كانوا يعلمون لما سألوا رسول الله عن الساعة، لم تسأل عن الساعة؟ اسأل ماذا تعمل قبل أن تأتي الساعة، هذا السؤال المحمود، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج:7]، هذه الحال تجعلك تتجنب كل باطل وشر وفساد، وتقبل على الصالحات تتزود؛ لا أنك فقط تتمنطق وتسأل عن الساعة.

    ثم قال لحبيبه صلى الله عليه وسلم: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعراف:188] أعلمهم، فمحمد صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، فقط إذا شاء الله له الخير وفقه إلى سلوك طريقه والعمل به فيحصل الخير، وإذا أراد أن يجنبه الشر وفقه إلى اجتناب طريق الشر وسبله.

    قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:188] أبداً، لو كنا نعلم هل العام المقبل خصب أو جدب، غلاء أو رخاء فمن الآن سنشتري وندخر أم لا؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم كغيره لا يعلم الغيب ولا ما سيحدث غداً أو بعد غد، أعلمهم هذا ليفهموه، قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ [الأعراف:188]، لو كان يعلم الغيب أنه بعد عامين أو ثلاثة يجيء جدب وقحط فسيكون كذا، أو في العام الآتي الذهب سيرتفع ثمنه، فيشتري الآن كمية وهو رخيص، كما يفعل التجار، وبهذا يصبح غنياً وما يجوع أبداً ولا يخاف، لكن لا يعلم.

    معاشر المستمعين والمستمعات! مع هذا يدعون رسول الله: يا رسول الله المدد! يا رسول الله نحن كذا وكذا! هل يجوز هذا الكلام؟

    الله يقول: قل يا رسولنا، بلغ بأعلى صوتك: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي [الأعراف:188] فضلاً عن نفوس غيري نَفْعًا وَلا ضَرًّا [الأعراف:188]، ثم وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا [الأعراف:188] أي: ما أنا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [الأعراف:188] ولكن لمن؟ للمؤمنين، أما الكافرين فما تبلغهم نذارته ولا بشارته، ولا هم بأهل لذلك، آمنوا أولاً، فإذا آمنتم وحييتم بالإيمان فحينئذ تنفعكم نذارة الرسول وبشارته.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    معشر المستمعين! إليكم هداية هاتين الآيتين.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: مرد علم الساعة إلى الله وحده، فكل مسئول عنها غير الله ليس أعلم من السائل ]، كل من تسأله غير الله ما هو أعلم منك أنت، وفي هذا حديث الصحيحين: لما سأل جبريل الرسول عن الإيمان والإسلام والإحسان وعن الساعة، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل! ) أنا وأنت سواء. فمن أين أخذنا هذا؟ من نص الآية نفسها.

    [ ثانياً: للساعة أشراط ] جمع شرط، والشرط معروف، كشرط النكاح، والشرط على أن تحمل فلاناً على سيارتك، وهو اشتراط الشيء.

    قال: [ للساعة أشراط بعضها في الكتاب وبعضها في السنة ]، ما المراد من الكتاب؟ القرآن الكريم: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا [الزخرف:61] الآيات.

    وبعضها في السنة، فأية سنة هذه؟ طريقة محمد صلى الله عليه وسلم، السنة: الطريقة التي كان عليها عقيدة وعبادة وآداباً وأخلاقاً، اقرأ السنة تجد هذه العلامات.

    قال: [ وليس معنى ذلك: أنه تحديد لوقتها، وإنما هي مقدمات تدل على قربها فقط ]، أشراط الساعة علاماتها، ليس معنى ذلك: تحديد وقتها، لا يعلم وقتها إلا الله، ولكن من باب بيان قرب مجيئها.

    [ ثالثاً: استأثر الله بعلم الغيب، فلا يعلم الغيب إلا الله ]، والدجالون والهابطون هل يعلمون الغيب؟! يذهب إليهم الرجل ويعطيهم منديلاً أو ألف ريال ويقولون له: يقع فيك كذا وكذا، امرأتك معها كذا وأولادك كذا، وهذا كذب كذب كذب، ومع الأسف تورط فيه أهل الجهل وعدم البصيرة، والله! لا يعلم الغيب إلا الله، لا يدري ما يحدث بعد دقيقة من الآن إلا الله.

    [ استأثر الله بعلم الغيب فلا يعلم الغيب إلا الله، ومن علمه الله شيئاً منه علم، كما علم نبيه صلى الله عليه وسلم بعض المغيبات، والمعلم بالشيء لا يقال فيه: يعلم الغيب، وإنما يقال: علمه ربه غيب كذا وكذا ]، هل الله يوحي إلى غير محمد صلى الله عليه وسلم من الأمة والبشرية حتى تدعي أنت أن الله علمك، كيف علمك؟ هل أنت مصطفى مجتبى مختار؟ أأنت نبي الله؟ كيف يوحي إليك وقد ختم الرسالة بمحمد صلى الله عليه وسلم؟! وكون نفسك زكت، روحك طابت وطهرت؛ هذا لا يؤهلك لأن تعلم الغيب، وإنما تعطى الفراسة، تنظر إلى الشيء وتتوقع كذا، لكن ما تجزم أو تقول: كذا، وهذا مرده إلى صفاء الروح وطهارتها.

    من زكت نفسه وطابت وطهرت وأصبحت شفافة فقد تنعكس هذه الأشياء عليها، ولهذا مثل حي، عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لو كان في أمتي محدثون -أي: من تحدثهم الملائكة- لكان منهم عمر

    )، وقال ولده عبد الله رضي الله عنهما: ما قال أبي في شيء: أظنه كذا إلا كان كما قال! وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الشيطان لا يماشي عمر أبداً في أي نهج أو شارع، إذا سلك فجاً سلك الشيطان فجاً غير فجه؛ حتى لا يحترق.

    وهذا الطلب أدلكم عليه، وإن كنا ما وصلنا إليه، لكن الله وضعه بين أيدينا، ففي سورة الأنفال التي نحن على مقربة منها هذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:29] لبيك اللهم لبيك! إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29] إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً، نوراً عظيماً تفرقون به بين الحق والباطل والخير والشر والضار والنافع، وهو نتيجة التقوى التي هي عمل بالطاعات الإلهية، فتزكو النفس وتطيب وتطهر، يصبح صاحبها ذا نور، إذا قال: أظن كذا أو تفرس وقع كما ظن.

    فلهذا قلنا مرات: على الحكام العرب والمسلمين أن يسندوا أمور الحكومة للأتقياء، بوليس شرطي رئيس يجب أن يكون ذا نور؛ حتى يميز بين الحق والباطل والخير والشر والضار والنافع، أليس كذلك؟ أما شخص ما له صلة بالله فكيف يقوم؟ كيف يعمل؟ يتخبط فيقول في الخير: شر، وفي الشر: خير، وهكذا.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29] أولادك أنت أسند الأمر إلى أتقاهم، هو الذي يحفظ أسرتك، تلامذتك تريد أن تسند أمراً فاختر أتقاهم وأسند إليه؛ لأنه أعلم وله نور.

    قال: [ رابعاً: إذا كان الرسول لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يطلب منه ذلك؟ وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يملك فهل من دونه من العبيد يملك؟! ] الجواب: لا.

    [ إذا عرفت هذا ظهر لك ضلال أقوام يدعون الموتى سائلين ضارعين عند قبورهم، ويقولون: إنهم لا يدعونهم، ولكن يتوسلون بهم فقط ].

    من عرف هذه الآية والله! ما يسمح لمؤمن ولا مؤمنة أن يقول: يا عبد القادر ! أو يا إدريس ! أو يا فلان! ويا فلان! ولا فاطمة ولا الحسين ، ولا رسول الله ولا أحد، إذ لا يدعى إلا الله، إذ لا يقدر على العطاء إلا الله، لا يعلم الغيب إلا الله، فلو وقفت أنت أمام ولي: يا سيدي فلان فوالله! ما يسمع صوتك، ولا يعرف من أنت، ولا يقدر على أن يقضي لك أي شيء، وهذا سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عندنا إلا: السلام عليك يا رسول الله، فيقول: وعليك السلام، أما أن تقول له: زوجتي طلقتها، ابني مات فوالله! ما يسمع هذا، لا يسمع إلا التحية ويرد السلام.

    أرأيتم لو عرف المسلمون هذا فهل سيعبد غير الله؟ هل ستبنى تلك القباب بالملايين ويشرك الناس بربهم وهم لا يشعرون؟ المحنة جاءت أنهم كانوا مبعدين عن كتاب الله، ما يجتمعون هذا الاجتماع ولا يدرسون هذه الدراسة منذ مئات السنين.

    فلهذا -معشر المستمعين- هيا نعد إلى بيوت الله، ندرس كتاب الله وسنة رسوله، في قرانا، في مدارسنا، في جبالنا، في سهولنا كل ليلة، هذا نظام حياتنا طول العام، دقت الساعة السادسة مساء فوقف العمل وأقبلنا على بيوت الرب، اليهود والنصارى إذا دقت الساعة السادسة وقف العمل وأقبلوا على الملاهي والمراقص والمقاصف؛ لأنهم كفار أموات غير أحياء وما يشعرون، ونحن ماذا نصنع إذا لم نذهب إلى بيوت الله؟!

    أرأيتم لو أقبل أهل قرية على بيت ربهم بنسائهم وأطفالهم، ودرسوا كتاب الله وسنة الرسول كما ندرس في سنة واحدة؛ فهل سيبقى فيهم شحيح بخيل؟ أو خبيث يفجر بدينهم؟ أو من يسب؟ والله! ما يبقى، ومن أراد أن يعرف الحقيقة قلنا له: أهل قرية أهل مدينة أعلمهم أتقاهم، أتحدى من يقول غير هذا: أكثرنا علماً بالله وما لديه وما عنده أتقانا لله من غيره، وتلقي هذا العلم ما يحتاج إلى قلم ولا قرطاس، نجتمع في بيت ربنا وندرس كتابه.

    والله تعالى أسأل أن يتوب على المسلمين، وأن يتوب علينا معهم، آمين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.