إسلام ويب

تفسير سورة طه (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما جاء موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون يدعوانه إلى عبادة الله وحده، فأخذ فرعون يجادلهما ويسألهما عن ربهما الذي يدعوان إليه، ثم يسألهما عن القرون التي سبقت وأحوالها وما آلت إليه، وما ذاك منه إلا لمجرد الجدل والخروج بالحديث عن سياقه الأصلي، وهذا هو حال كل الطواغيت حين يخشون ثبوت الحجة عليهم، عندها ذكره موسى بما يلزمه أن يعرفه عن ربه، واستحقاقه عز وجل لإفراده بالعبادة؛ لأنه وحده الخالق الرازق المحيي المميت، وإليه يرجع الأمر كله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال فمن ربكما يا موسى)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة طه المكية، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:49-55].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! لما واجه موسى وهارون فرعون -عليه لعائن الله- بالدعوة في لين وأدب ولطف وقالا له: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طه:48] أن العذاب.. عذاب الآخرة ثابت، لازم، واجب لمن كذب بالله ولقائه.. لمن كذب بالله ورسله، لمن كذب بالله وشرائعه وأعرض وتولى مدبراً، هذا الذي لا ينجو من العذاب، يخلد فيه أبداً.

    هنا قال فرعون: فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه:49] يسأل! فهل هو جاهل ما يعرف؟ لا. بل هو فقط يعاند ويكابر ويغطي ويجحد.

    فَمَنْ رَبُّكُمَا [طه:49] أي: أنت وأخوك هارون يَا مُوسَى [طه:49] ما قال: يا موسى ويا هارون؛ لأن موسى عاش في بيته وتربى في قصره وهو له معرفة به.

    فمن ربكما يا موسى؟ يعني: من معبودكما الذي تعبدانه؟

    من إلهكم الذي تؤلهون؟ من خلقكم؟ من يرزقكم؟ من مولاكم؟

    يسأل هذا السؤال! فأجاب موسى عليه السلام بقوله: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)

    أجاب موسى عليه السلام بقوله: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50].لم يقل: ربنا الله بالاسم العلم؛ لأنه ما يدل على الله ولا يدل على قدرته وعلمه وحكمته.

    ما سأله قائلاً: ما اسم ربك يا موسى؟ قال: فمن ربكما يا موسى؟ فأجابه موسى بوحي من الله وبتعليم من الله قائلاً: رَبُّنَا [طه:50] أي: خالقنا ومعبودنا الحق وإلهنا الذي لا إله غيره، الذي ندعو البشرية إلى أن تعبده لتسعد وتكمل وتسلم الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ [طه:50] من إنس وجن، حيوان، نبات، أشجار، كل شيء خلقه أعطاه خلقه، وهداه إلى أن يستعمله، فمثلاً: وهبنا أسماعنا وأبصارنا وألسنتنا، وهو الذي وهبنا وأعطانا إياها فهو خلقه ونحن نستعملها لما هدانا الله إليه.

    خلق الإنسان وخلق له زوجه ليأتيها وليعيش معها وهداه إلى ذلك!

    أعطى كل شيء خلقته وما خلقه لها، وهداه إلى أن يطبق ذلك وينفذه، فمثلاً: الذئاب، الذئب يأوي إلى ذيبة، الأسد إلى لبوة، الطائر إلى طائر مثله، إذ الله هو الذي هداهم لهذا.

    ربنا الذي أعطى كل شيء خلقته.. ذاته، وهداه إلى استعمال تلك الخلقة وتلك الذات، كما مثلنا نستعمل أبصارنا فيما نحتاج إلى النظر إليه!

    نستعمل أسماعنا فيما نحتاج إلى السماع والمعرفة!

    نستعمل أيدينا فيما نأخذ بها ونعطي!

    نستعمل أرجلنا فيما نمشي، وهكذا هدانا إلى هذا، فهو الذي وهبنا هذه الأعضاء أو الجوارح وهدانا إلى استعمالها واستخدامها، وهكذا في كل المخلوقات هو واهبها وهو هاديها إلى أن تستعملها.

    رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] وهذا هو رب العالمين، رب موسى وهارون ورب فرعون والأولين والآخرين.

    بماذا يعرف؟ بصفاته لا باسمه. ما قال: ربي الله، بل قال: ربي الذي خلق كل شيء وأعطى كل شيء ووهب كل شيء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال فما بال القرون الأولى)

    هنا قال فرعون: فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى [طه:51] يعني عليه لعائن الله: ما حال عاد وثمود ومن قبلهما ومن بعدهما؟! وما أراد بهذا إلا أن يصرف موسى عن الدعوة.

    أراد أن يصرف موسى عن دعوته إلى التوحيد.. عن دعوته إلى أن يعبد الله.. عن دعوته إلى أن يستقيم على منهج الحق.. عن دعوته إلى أن يرفع أذاه وظلمه عن بني إسرائيل.

    قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى [طه:51] خبرنا عنها، حدثنا عنها! ما أحوالهم؟!

    وهنا لطيفة تأتي في الشرح: أن هذا من باب ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) فما حق فرعون أن يقول هذا القول.

    ما الفائدة منه؟ هو يدعى إلى أن يعرف الله ليعبده ولينجو ويكمل ويسعد، فيصرف موسى عن هذا التوجيه وهذه الدعوة ويقول: ما بال الأقوام السابقة؟ ما أحوالهم؟

    وهذا يوجد بين الناس، ولهذا وضع النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة وهي: ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) فمما يدلك على حسن إسلامك أنك لا تلتفت إلى ما لا يعنيك.

    ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) الذي لا يعنيك فلا يحقق لك درهماً لمعاشك ولا حسنة لمعادك؛ فاشتغل عنه وانصرف وأعرض عنه ولا تلتفت إليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى)

    قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى [طه:51] فأجابه موسى عليه السلام بتعليم الله فقال: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي [طه:52] أحوال الأمم السابقة علمها عند الله عز وجل وليس عندي أنا، فلا تسألني هذا السؤال، نحن ندعوك إلى أن تؤمن بربك وتعبده لتنجو من هذه المحنة وعذاب الدار الآخرة!

    ندعوك لتخفف من جرمك وشدتك، وأنت تريد أن تصرفنا عن هذا إلى هذا؟

    أجابه موسى بقوله: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ [طه:52] ألا وهو كتاب المقادير، اللوح المحفوظ، أحوال تلك الأمم من شقاوة وسعادة موجود في كتاب عند الله مكتوب.

    فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:52] لا يخطئ ولا ينسى.

    وفيه لفتة إلى الإيمان بالقضاء والقدر، وتقرير الإيمان بكتاب المقادير.

    قررته هذه الآية وهي التي قالها موسى عليه السلام فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:52] علم هذه الأمم وأحوالها عند الله في كتاب المقادير. ‏

    مشروعية كتابة العلم

    وهنا لطيفة أخرى: وهي أن الكتاب ضروري للعلم، وشرعت الكتابة وأذن الله فيها، وعلمها الناس، ودعا إليها الرسل وعلى رأسهم نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وقد كان صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الكتابة في الأيام الأولى خشية أن يختلط القرآن بالحديث، وبعد ذلك أجاز لهم، فالعلم يحفظ بالكتابة، وإلى الآن من علم شيئاً يكتبه فإنه لا ينساه ولا يضله، ومن استطاع أن يكتب العلم والحكمة إذا علمها وسمع بها يكتبها خيراً له حتى لا ينساها، وهذا الله عز وجل الذي لا يضل ولا ينسى كتب أعمال الخلق وأحوالهم ومقاديرهم في كتاب، فلنأتس بالله عز وجل: فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:52].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهداً ... )

    ثم أخذ يبين الله بصفاته.. صفات الجلال والكمال، العظمة والقدرة، الرحمة والحكمة، فقال موسى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى [طه:53].

    وقراءة نافع : (الذي جعل لكم الأرض مهاداً) ، و(مهداً) قراءة حفص .

    الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا [طه:53] أي: ممهدة مبسوطة. من فعل هذا؟ الله.

    هل البشرية هي التي مهدت الأرض وبسطتها ونصبت عليها الجبال؟

    الجواب: لا والله. هل الجن فعلوا هذا؟ والله ما يقدرون عليه.

    الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا [طه:53] هو الله ربي الذي ندعوك إلى عبادته.

    أنت تسألني عن الله؟ هذا هو الله، هذه آياته الدالة عليه، الموجبة للإيمان به وحبه والخوف منه وطاعته.

    الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ [طه:53] يا أيها الناس فرعون وغيره الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا [طه:53] أي: طرقاً في الشرق والغرب، في كل مكان، في كل إقليم، في كل بلد طرق نسلكها.

    من جعل هذا؟ الله.

    وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [طه:53] ماء المطر ينزل من أين؟ من السماء، من فوقنا.

    أين يتكون؟ كيف يتكون؟ لا تسأل عن هذا، فالعبرة أن ترى الماء العذاب الفرات ينزل من السماء لتحيا به الأرض والخليقة، أما عوامله وكيف تتكون فلا قيمة لها.

    شاهد آية الله في هذا المطر الماء العذب ينزل على الأرض فتنبت النباتات وتأكلها الحيوانات ويأكلها الإنسان من الزرع وغيره، فتعيش البشرية على هذا الماء. من فعله؟ فرعون هو الذي ينزل الماء هذا؟ آلهتهم الباطلة؟ أصنامهم وأحجارهم وتماثيلهم؟ الجواب: لا لا، هذا هو ربنا يا من يسألنا عن ربنا.

    ربنا الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ [طه:53] هذا كلام الله فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى [طه:53] أنواع من نبات مختلف الألوان، من الرمان، إلى التفاح، إلى العنب، إلى التمر، إلى.. إلى.. إلى.. إلى البر، إلى الشعير، إلى الذرة، وقل ما شئت، أزواجاً من نباتات مختلفة كثيرة.

    من ينبت النباتات يرحمكم الله؟ الله.

    هذه البذرة الميتة تدفن في التراب فكيف تحيا وتصبح سنبلة تحمل البر؟!

    الغصن من الشجرة.. الفسيلة من النخلة من يحييها؟ الله.

    هل بأيدينا نحن أن نحييها؟ لا. فالله الذي يحييها. إذاً: فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا [طه:53] أي: أنواعاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى [طه:53].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلوا وارعوا أنعامكم ... )

    ثم قال: كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ [طه:54] كلوا مما تنبت الأرض بهذا الماء المبارك الطيب وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ [طه:54] إبلكم وبقركم وأغنامكم.

    ورعي الغنم في النباتات. من أين هذه النباتات؟ من أنبتها؟ في من يقول عيسى أو أمه أو زيد أو فلان أو فرعون؟ لم يقل أحد، ليس إلا الله فقط.

    فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ [طه:53-54] تعرفون الأنعام؟ الإبل والبقر والغنم يرعاها.

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ [طه:54] في هذا الذي سمعتموه من إنزال الماء من السماء، إنبات النباتات وإخراج أنواع الثمار هذا فيه آيات.. علامات، ودائماً نقول: الآية معناها: العلامة الدالة على الشيء.

    هذه آية تدل على الخالق، على الرب رب موسى وهارون الذي يسأل عنه فرعون!

    آيات، علامات تدل على الخالق الرازق المدبر العليم الحكيم، فكل ذرة في الكون تدل على خالقها!

    مستحيل أن يوجد شيء بدون موجد.

    من أوجد هذه الكواكب؟ من رفع هذه السماوات؟ من أوجد الشمس والقمر؟ من أوجد آدم وذريته؟ الجان وأولاده؟ الحيوانات و.. و..؟ من؟

    هل هناك من يقول غير الله؟ هل هناك من يقول: ها لا يدري لجهله؟! لا. بل الله، غير هذا ما في.

    ما كان المشركون في مكة يقولون: اللات أو العزى هي التي تمطر الماء من السماء، والله ما قالوها ولن يقولوها أبداً!

    والنصارى الآن هل يقولون: عيسى هو الذي ينزل الماء من السماء وينبت النبات؟ لا والله.

    كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ [طه:54] لمن؟ لِأُوْلِي النُّهَى [طه:54] والنهى: جمع نهية، والنهية: العقل، وأصحاب العقول هم الذين يشاهدون هذه العلامات فيعرفون بها خالقها وموجدها، أما الذي لا نُهي لهم ولا عقل يعقلهم دون الباطل والشر والفساد لا يعرفون هذا ولا ينتهون إليه.

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ [طه:54] أي: في هذه المخلوقات علامات تدل على وجود الله، وأنه رب الأولين والآخرين، رب العالمين، يملك كل شيء، يحيي ويميت، يعطي، لا إله غيره ولا رب سواه أبداً، وكل من ادعى ألوهية أو ربوبية فهو كذاب مفتر كفرعون وغيره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ...)

    ثم قال تعالى: مِنْهَا [طه:55] أي: من الأرض خَلَقْنَاكُمْ [طه:55] يا بني آدم، وعلى رأسهم فرعون الذي ادعى الربوبية، أنت مخلوق من الأرض باعتبار أن أبانا آدم خلق من طين، من صلصال كالفخار، من حمإ مسنون، ونحن ذريته انحدرنا من صلبه، فالكل من الأرض، ثم أغذيتنا التي يتكون بها المني والطفل والطعام والدم و.. أيضاً من الأرض، فنحن مخلوقون من الأرض.

    مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [طه:55] ومن قال: ما خلقنا منها نقول له: والإعادة؟ من يعيدك إلى الأرض؟ أنت تكذب أن الله خلقك؟ لا أبداً، والإعادة لما تموت من يردك إلى الأرض؟ تقول: لا يردني أحد، لا أموت؟ لا تستطيع. فتنتهي حجته.

    مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [طه:55] بعد موتكم. البشرية من أبينا آدم إلى اليوم.. إلى الدقيقة هذه، أين هي؟ أليست تحت الأرض في التراب؟ بلى.

    مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55] كما أخرجنا أول مرة وأعادنا يخرجنا مرة ثانية.

    أخرجنا أول مرة، كنا أمواتاً فأحيانا، ثم ردنا إلى الأرض أمواتاً، ثم يخرجنا من الأرض أحياءً مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً [طه:55] أي: مرة أُخْرَى [طه:55].

    من يكذب بوجود الله سوى العميان والضلال؟!

    ومع الأسف! على سطح الأرض ملايين البشر يطيرون في السماء.. يغوصون في الماء.. يحللون الذرة والكواكب ويحاولون ولا يسألون عن الله!

    أي عجب أعظم من هذا؟

    ثانياً: لو لم يكن هناك كتاب الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأمته وأتباعه؛ لقلنا: صرفتهم الشياطين، من يهديهم؟ من يدلهم؟ ولكنهم يعرفون معرفة أن القرآن الكريم يتلونه في إذاعاتهم إذاعة لندن. أليس كذلك؟ بلى.

    وإذاعة إسرائيل، كلام الله ما يسألون: كيف نزل؟ من أنزله؟ ماذا فيه؟ أبداً.

    فقط يعيشون كالبهائم يأكلون ويشربون وينكحون ولا يذكرون الدار الآخرة ولا ما يتم بعد هذا الفناء أبداً، ولا يسألون: من أين أتينا وكيف قمنا أبداً.

    وقد قلت لكم: إن الشياطين هي التي تضرب على قلوبهم فتمنعها من أن تتحرك في مجال كهذا المجال.

    يفكرون التفكير العجب في الصناعات، في الأكل، في اللباس، في كل شئون الحياة، إلا في من خلقنا؟ لم خلقنا؟ ما هذا؟ أبداً، لا يسألون ولا يفكرون.

    ومع هذا يجب على المسلمين أن تتحد كلمتهم ورايتهم وإمامهم، وأن يطبقوا شرع الله بينهم، وأن ينقلوا هدى الله إلى غيرهم، وأن يعرضوا الإسلام على الأمم والشعوب عرضاً كما كان رسول الله يعرضه.

    من أجل ماذا؟ لا من أجل الدولة والسلطان والمال، لا. بل من أجل هداية البشرية، من أجل إنقاذ البشرية، إذ هذه رسالتنا.

    تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بين أيدينا فلم نقصر في إبلاغها؟ على الأقل لو ننشط في نشر هذه الدعوة في الشرق والغرب بأساليب حكيمة رشيدة، في جمعيات طاهرة؛ نكون قد أدينا بعض الواجب.

    مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ [طه:55] من القائل هذا؟ الله جل جلاله مِنْهَا [طه:55] أي: من الأرض خَلَقْنَاكُمْ [طه:55].

    وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [طه:55] بعد موتكم وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ [طه:55] أي: مرة أخرى.. الحياة الثانية.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب لتزدادوا بصيرة ومعرفة!

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في الحوار الذي دار بين موسى عليه السلام وفرعون ] دار بالأمس حوار بينهم واليوم كذلك [ما زال السياق الكريم في الحوار الذي دار بين موسى عليه السلام وفرعون؛ إذ وصل موسى وأخوه إلى فرعون وَدَعَوَاهُ إلى الله تعالى ليؤمن به ويعبده وبأسلوب هادئ لين كما أمرهما الله تعالى بذلك، فقالا له: وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طه:47-48] ولم يقولا له لا سلام عليك، ولا أنت مكذب ومعذب] لا [ وهنا قال لهما فرعون ما أخبر به تعالى في قوله: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه:49] أفرد اللعين موسى بالذكر؛ لإدلائه عليه بنعمة التربية في بيته؛ ولأنه الرسول الأول] قبل هارون [ فأجابه موسى بما أخبر تعالى به بقوله: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] أي: كل مخلوق خلقه الذي هو عليه متميز به من شكل ولون وصفة وذات، ثم هدى الأحياء من مخلوقاته إلى طلب رزقها من طعام وشراب، وطلب بقائها بما سن لها وهداها إليه من طرق التناسل إبقاء لأنواعها ] كما قدمنا، الرجل ينزو على المرأة، والفحل من الإبل والبقر لبقاء النوع.

    [ وهنا وقد أفحم موسى فرعون وقطع حجته بما ألهمه الله من علم وبيان؛ قال فرعون صارفاً موسى عن المقصود خشية الفضيحة من الهزيمة أمام ملئه ورجاله: قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى [طه:51] أخبرنا عن قوم نوح وهود وصالح وقد كانوا يعبدون الأوثان. وعرف موسى أن اللعين يريد صرفه عن الحقيقة؛ فقال له ما أخبر تعالى به في قوله: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:52] فإن ما سألت عنه لا يعنينا، فعلم حال تلك الأمم الخالية عند ربي في لوح محفوظ عنده وسيجزيها بعملها، وما عجل لها من العقوبة أو أخر إنما لحكمة يعلمها، فإن ربي لا يخطئ ولا ينسى، وسيجزى كلاً بكسبه.

    ثم أخذ موسى يصف ربه ويعرفهم به وهي فرصة سنحت؛ فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا [طه:53] أي: فراشاً مبسوطة للحياة عليها.

    وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا [طه:53] أي: سهل لكم السير عليها طرقاً تمكنكم من الوصول إلى حاجاتكم فوقها.

    وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [طه:53] وهو المطر المكون للأنهار والمغذي الممد للآبار. هذا هو ربي وربكم فاعرفوه واعبدوه ولا تعبدوا معه سواه.

    وقوله تعالى: فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى [طه:53] أي: بالمطر أزواجاً، أي: أصنافاً. مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى [طه:53] أي: مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخصائص، كان هذا من قول الله تعالى تتميماً لكلام موسى وتذكيراً لأهل مكة المتجاهلين لله وحقه في التوحيد.

    وقوله: كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ [طه:54] أي: مما ذكرنا لكم من أزواج النبات، وارعوا إبلكم وأغنامكم وسائر بهائمكم، واشكروا لنا هذا الإنعام بعبادتنا وترك عبادة غيرنا.

    وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى [طه:54] أي: إن في ذلك المذكور من إنزال المطر وإنبات النبات لتغذية الإنسان والحيوان؛ لدلالات على قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته، وأنه بذلك مستحق للعبادة دون سواه، إلا أن هذه الدلائل لا يعقلها إلا أصحاب العقول وذوو النهى، فهم الذي يستدلون بها علم معرفة الله ووجوب عبادته وترك عبادة غيره.

    وقوله تعالى: مِنْهَا [طه:55] أي: من الأرض التي فيها حياة النبات والحيوان.

    خَلَقْنَاكُمْ [طه:55] أي: خلق أصلكم الأول وهو آدم.

    وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [طه:55] بالموت فتقبرون فيها.

    وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55] أي: مرة أخرى وذلك يوم القيامة؛ إذ نبعثكم من قبوركم أحياء للحساب والجزاء، بالنعيم المقيم أو العذاب المهين، بحسب صفات نفوسكم ] طاهرة أو خبيثة قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15].. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] ثم قال: [فذو النفس الطاهرة ينعم، وذو النفس الخبيثة من الشرك والمعاصي يعذب ].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تعين إجابة السائل ولتكن بالعلم الصحيح النافع ]. من هداية الآيات: أنه يتعين على أحدنا إذا سئل من قِبَل سائل أن يجيبه فقد سأل موسى فرعون فأجابه، وسأل فرعون موسى فأجابه، ففي هذه الآية ومن هدايتها: أنه يتعين الإجابة عن كل من يسأل، فإن علم قال وإن جهل قال: الله أعلم. قاعدة عامة فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] فإن كانوا لا يجيبون فكيف نسألهم؟ بل تعينت الإجابة.

    [ ثانياً: تقرير مبدأ: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ]. وكما قدمت لكم: هذا الحديث من أصح الأحاديث: ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ). من أين أخذنا هذا؟ من الآية، فرعون يسأل عن عاد وثمود وصالح وهو يطالب بأن يؤمن الآن ويعبد الله عز وجل، فيريد أن يصرف موسى إلى شيء آخر. إذاً: ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )، الذي لا يعنيك.. لا يحقق لك حسنة ولا درهماً لا لمعاشك ولا لسعادتك في الآخرة، اتركه.

    ومن هنا الأغاني والأضاحيك واللهو واللعب كل هذا باطل، وهذه قاعدة عامة، حتى الكلام لا نتكلم إلا بما يعنينا، وإذا كان لا يحقق لنا حسنة لا نتكلم به، إذ نهينا عن اللهو والباطل.

    [ ثالثاً: تنزه الرب تعالى عن الخطأ والنسيان ]. تنزه الرب تبارك وتعالى وتقدسه عن الخطأ والنسيان، والله ما يخطئ، والله ما يخطئ أبداً، لو كان يخطئ أو ينسى ما قامت الحياة ولا استمر الوجود ولا.. ولا أبداً، ولكنه منزه تمام التنزه عن الخطأ والنسيان، فلا يخطئ أبداً ولا يضل ولا ينسى، وهذه المخلوقات كلها علمها عنده، مدون مكتوب في الكتاب، وهذا دليل القضاء والقدر.

    [ رابعاً: الاستدلال بالآيات الكونية على الخالق عز وجل وقدرته وألوهيته ]. من هداية الآية: أننا نقول لعقلاء البشر: يا بشر! انظروا إلى هذه الأكوان، مدوا أبصاركم وأعينكم في الكواكب.. في الشموس.. في الأقمار.. في الرياح.. في الأمطار.. في هذه المخلوقات.. في هذه الحيوانات.. في هذا الإنسان.. في هذا الإبداع؛ يدلكم على وجود ربكم، فقولوا: ربنا الذي خلقنا وهنيئاً لكم. ربنا الذي خلق هذه العوالم، هو ربنا.

    وحينئذ اسألوا عن أسمائه وصفاته! أما أن يعيش الإنسان مطأطئ رأسه في الأرض لا يسأل.. يأكل ويشرب ولا يسأل لماذا يأكل ويشرب فهذا هو الموت بذاته، ولهذا فاقدو العقيدة الإسلامية أموات: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [البقرة:171].

    [ خامساً: احترام العقول وتقديرها؛ لأنها تعقل صاحبها دون الباطل والشر ]. معلوم احترام العقول، وتعرفون أن الذي يشرب ما يسكر ويفسد عقله حرام عليه ذلك، فالحشيشة، الشيشة.. كل ما يفسد العقل.. السحر.. كذا محرم؛ لأن العقل جوهر الحياة، فإذا فقد الإنسان عقله هبط وانتهى أمره، فكل ما يضر بالعقل حرام حتى من الكذب والافتراء الذي يفسد عقول الناس بالأباطيل والادعاءات الكاذبة، فكل ما يضر بالعقل فهو محرم ممنوع؛ لأن العقل جوهر الحياة، وبدونه ما تعرف الله ولا تعبده، وسمي العقل عقلاً؛ لأنه يعقل صاحبه عن الشر. سمي العقل عقلاً؛ لأنه يعقل صاحبه ويكفه عما هو فيه أذى له ولغيره.

    [ سادساً:] وأخيراً [تسمية العقل نهية؛ لأنه ينهى صاحبه عن القبائح ].

    لم سمي العقل نهية؟ لأنه ينهى صاحبه عن فعل المحرمات أو المفاسد والمضار، فالنهية هي العقل، وسمي العقل نهية لأنه ينهى صاحبه عما يؤذي ويضر.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم.