إسلام ويب

تفسير سورة طه (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن زود الله عز وجل نبيه موسى بالآيات البينات من العصا واليد، أمره أن يذهب مع أخيه هارون إلى فرعون الطاغية، وأن يدعواه باللطف واللين رجاء أن يتذكر معاني كلامهما، وما يدعوان إليه فيراجع نفسه فيؤمن ويهتدي، مخبراً إياهما عز وجل بمعيته لهما ليأنسا به، وليعلما أنه سبحانه يدفع عنهما أي شر أو مكروه قد يريده بهما فرعون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة طه المكية، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طه:42-48].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا كلام الله، الله موجود، هذا علم، الله عليم، هذه حِكَم، الله حكيم، هذه مظاهر رحمة الله الرحيم، فكيف ينكر وجود الله؟ كيف يكذب بالله المكذبون؟

    على من نزل هذا الكلام؟ على محمد بن عبد الله؟ فهل يعقل أن يكون غير رسول الله والله يوحي إليه وينزل إليه كتابه؟

    مستحيل. فكيف يكذبون رسالته وينكرونها، ويأبون أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟!

    الجواب: الشياطين تصرفهم عن الحق فيهلكوا مع الشياطين، لا يتدبرون ولا يسمعون ولا يسألون.

    الآن ملايين البشر من اليابان إلى أمريكا يسمعون بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، يسمعون بالإسلام والرسالة، وما هناك من يأتي ويسأل أهل العلم من المسلمين، يرحل إليهم من اليابان إلى المدينة أو من أمريكا إلى القاهرة ويسأل، مع وجود مسلمين عالمين في بلادهم، ولكن إعراض كامل، ولهذا نقول: كتب الله شقاوتهم، كتب الله خسرانهم، أعدهم الله لعالم الشقاء في جهنم يخلدون فيه أبداً، وإلا فما هي الصوارف أو الموانع؟

    نعود إلى السياق الكريم، يقول تعالى لنبيه موسى: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ [طه:42] هارون. أين تم هذا اللقاء مع الله؟

    مداخلة: في جبل الطور.

    الشيخ: في جبل الطور. اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ [طه:42] من أخوه يرحمكم الله؟ هارون.

    اذهب بأي شيء؟ بِآيَاتِي [طه:42] التي متعتكم بها وأمتعتكم بها، ومنها آية العصا تهتز كأنها جان، ومنها آية اليد وغيرها.

    اذهب بآياتي الدالة على وجودي وعلمي وحكمتي وقدرتي، وعلى نبوتك يا موسى ورسالتك وهارون، والدالة على أن الله خلق الناس ليعبدوه، لم يخلقهم ليعصوه، وأنه أعد للطائعين الجنة دار النعيم وللعاصين النار دار البوار والعياذ بالله تعالى.

    معنى قوله تعالى: (ولا تنيا في ذكري)

    وقوله: وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي [طه:42] بم أوصى الله موسى وهارون؟

    ألا ينسيا ذكر الله، أو يتهاونا فيه أو يضعف أو يقصرا فيه، لأن ذكر الله هو الروح، وبدون ذكر الله موت، فلنذكر هذا ولنعش على ذكر الله تعالى، فلا نضحك ولا نلهو ولا نلعب طول النهار، بل ينبغي أن نقضي ساعاتنا في ذكر الله، هذا موسى وهارون يقول لهما الرب تبارك وتعالى ناهياً لهما: وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي [طه:42] ولا تفرطا ولا تقصرا، اذكراني، اذكرا وعدي وعيدي نصرتي، اذكرا صفات الجلال والكمال لتستمرا على دعوة الحق ثابتين منصورين وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي [طه:42].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى)

    ثم يقول لهما: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ [طه:43] لماذا يا رب؟ إِنَّهُ طَغَى [طه:43] أرسلهما إلى فرعون.

    أوحى إليه: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ [طه:43] لماذا؟ إِنَّهُ طَغَى [طه:43] طغى يطغو طغياناً إذا ارتفع وتجبر وتكبر كما يطغو الماء ويرتفع، فهو قد طغى وارتفع وأصبح يدعي أنه الرب وأنه الإله، فما هناك طغيان أعظم من هذا، إذ قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقال يوماً آخر: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] ما علمت لكم من إله تعبدونه غيري، والطغيان ممقوت، ويجب ألا نسلك هذا المسلك، دائماً التواضع واللين والانكسار، أما التكبر والتجبر فيحمل على الطغيان والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى)

    وبعد أن يذهبا إليه ماذا يقولان له؟ يقول الله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

    فَقُولا [طه:44] يا موسى وهارون، أشركه في الدعوة فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [طه:44] فهذه آداب الدعوة الإسلامية، ليس فيها غلظة ولا شدة ولا عنف، يا شيخ عبد العزيز ! يا أبا عبد العزيز ! ما في رفع صوت ولا غلظة ولا ولا، ولكن باللين، يا سيد، يا أخي، يا بني، ما من الأدب أن تجلس هنا، لا تقول هذا، هذا القول لين، القول اللين لمن؟ مع فرعون الجبار الطاغية ومع هذا أمرهما الله تعالى أن يقولا له القول اللين، الذي ليس فيه خشونة ولا غلظة ولا شدة أبداً، ولا إهانة له ولا ولا.

    قَوْلًا لَيِّنًا [طه:44] والعلة ما هي؟ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] أما لو كان من قوله: يا طاغية، يا كافر، يا جبار؛ يضرب على رءوسهم.

    لكن: يا حاكم البلاد! يا من أعطي هذه البلاد! يا من هو كذا كذا! باللين، اذكر الله، اذكر أنك مخلوق، مربوب، اذكر خالق السماوات والأرض، أنت ما كنت موجود.. وهكذا لعله يتذكر بكلامكما ويخشى ربنا عز وجل، فلا يخرج عن طاعته ولا يكفر ولا يطغى.

    هذه حكمة لا ننساها: على الدعاة أن يكونوا ليِّنِيْنَ في العبارة، ليِّنِيْنَ في الكلمة، لا خشونة ولا غلظ ولا شدة.

    وممن أخذوا بهذا المبدأ من العوام: جماعة التبليغ، فهم يحتضنون الشخص، يقبلونه كذا كذا حتى يدخلوه في قلوبهم ثم يخرجوه من الحانة أو من المقهى إلى المسجد، ولو كانوا يقولون له: يا فاجر! يا كافر! لا يستجيب أحد، والمصلح الله عز وجل ولكن مذهبنا: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى)

    بم أجاب موسى وهارون ربهما؟ قَالا رَبَّنَا [طه:45] أي: يا ربنا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه:45] كيف يخافان؟ نعم.

    يجوز للمؤمن أن يخاف مما من شأنه يخوف، ولا تقول: هذا يتنافى مع التوكل أو التوحيد أو طاعة الله.

    إذا رأيت ثعباناً أمامك تخاف لص أو أمام أو كذا تخاف، لكن هذا الخوف يفزعك إلى الله ويلجئك إليه فتذكر الله وتتوكل عليه.

    وهذه الآية ترد قول الذين قالوا: لا يخاف الإنسان إلا من الله، فهذا القول باطل بدليل هذه الآية الكريمة.

    ما قال لربهما: إننا نخاف، ما قال لا تخافا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا [طه:45] من أول مرة يصفعنا، أو يبعث بنا إلى سجن أو يعذبنا أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه:45] فلا يسمع لنا كلام ولا يستجيب لنا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى)

    بم أجابهما ربهما تعالى؟ قَالَ لا تَخَافَا [طه:46] لا تخافا. لماذا؟ لأنني معكما، ومن كان الله معه لا يخاف.

    ومعنى هذا: ادع إلى ربك وإن حصل خوف فلا يمنعك من الدعاء إلى الله ذلك الخوف، فالخوف يوجد، ولكن لا يمنعك ألا تعبد الله أو ألا تدعو إليه.

    إِنَّنِي مَعَكُمَا [طه:46] والله معنا ومع البشرية كلها، فأينما كنا فهو معنا يسمع ويرى، إذ الخليقة كلها كالذبابة بين يديه وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4].

    دائماً نضرب مثلاً للعوام: لما تكون أمامك نملة فأنت محيط بها من كل جهة، لأنك كبير فكيف بذي العرش والله أكبر؟!

    الخليقة كلها بين يديه سبحانه، ولنقرأ لذلك قوله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67] فأين البعد عن الله؟

    إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] أسمع ما تقولان وما يقال لكم، وأرى ما تعملانه وما يعمل لكم، فاطمأنا وامشيا في طريقكما إلى إبلاغ رسالتنا ولا تباليا بشيء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ... )

    قال تعالى: فَأْتِيَاهُ [طه:47] أي: ائتيا إلى فرعون وصلا إليه بعد شهر.. بعد شهرين.. في الطريق، ما ندري.

    فَأْتِيَاهُ [طه:47] أي: جاء موسى وهارون إلى فرعون فَأْتِيَاهُ [طه:47] فعل أمر، ائتياه، امشيا إليه ولا تترددا ولا تتراجعا.

    فَأْتِيَاهُ فَقُولا [طه:47] لما تصلان إليه إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ [طه:47] فما فيها غلظة ولا شدة ولا عنف.

    فرعون مربوب مخلوق، وهو يعرف أنه مربوب مخلوق، وأنا وأخي رسولا ربك أرسلنا إليك، فلا تغضب ولا تزعل، فهذا ليس من عندنا بل من سيدك خالقك، بعثنا إليك، فنحن رسولا ربك نطالبك بأن ترسل معنا بني إسرائيل.

    فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [طه:47] أولاد إسرائيل الذي هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل.

    أين ديارهم؟ أرض المعاد الشام فلسطين.

    إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ [طه:47] إليك لمهمتين:

    المهمة الأولى: أن تعبد الله عز وجل وحده.

    والثانية: أن ترسل معنا بني إسرائيل، هذا الشعب المعذب المضطهد في هذه الديار؛ أمرنا ربنا أن نأخذه إلى أرض المعاد أرض القدس، أرسله معنا، فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ [طه:47] لأنهم -كما علمتم- كانوا يعذبون بالاضطهاد والتنكيل ودفن الأولاد واستخدام النساء، وغيرها من أنواع العذاب، وقد قال تعالى: وَلا تُعَذِّبْهُمْ [طه:47].

    إذاً: والله كانوا يعذبونهم أسوأ العذاب.

    وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ [طه:47] تدل على صدقنا في دعوتنا، وأننا مرسلون إليك لتعبد الله وتتنازل عن الكبرياء والطغيان وادعاء الربوبية فتؤمن وتذعن وتبعث معنا بني إسرائيل إلى أرض القدس.

    وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ [طه:47] ما الآية؟ العصا واليد، ثم بعد ذلك سبع آيات أخرى تأتي في وقتها.

    معنى قوله تعالى: (والسلام على من اتبع الهدى)

    وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى [طه:47] قال أهل العلم: هذا ليس سلام تحية، فإن الكافر لا يحيا، وإنما هو سلام نجاة، فمن اهتدى نجا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

    السلام بمعنى النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ويكون باتباع الهدى!

    إن آمن وعبد الله عز وجل سلم من عذاب النار ونجا، وأما السلام التحية فيكون على من اتبع الهدى.

    أي: مشى في طريق الله الموصل إلى رضاه بأن آمن وعمل صالحاً وترك الشرك والمعاصي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى)

    ثم قال تعالى حاكياً قول موسى وهارون عليهما السلام لفرعون: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا [طه:48] أي: أوحى الله تعالى إلينا؛ لأن كلاً منهما رسول يوحى إليه أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طه:48].

    بشرى للموحدين المؤمنين! فما أعظمها من بشرى! أن عذاب الله لن يكون إلا على من كذب وتولى، أما الذي ما كذب، بل آمن وصدق وما أعرض عن الله وعبادته فلن يناله السوء أبداً.

    هذه بشرى عظيمة! قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى، كفر، كذب بالنبي وأعرض عن عبادة الله، وأما من صدق، آمن وعبد الله فلا عذاب له، بل الجنة دار الأبرار، وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى [طه:47] وهنا قال تعالى: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طه:48] والعياذ بالله تعالى.

    أعرض عن طاعة الله، كذب بالله ورسوله ولقائه وشرعه وأعرض عن عبادة الله، فهذا صاحب العذاب الذي ينزل به العذاب.

    هذه الآيات فتأملوها! اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ [طه:42-47] إليك إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طه:47-48].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في الحديث عن موسى مع ربه تبارك وتعالى، فقد أخبره تعالى في الآية السابقة أنه صنعه لنفسه ] إذ قال: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41] [ فأمره في هذه الآية بالذهاب مع أخيه هارون مزودين بآيات الله وهي حججه التي أعطاهما من العصا واليد البيضاء، ونهاهما عن التواني في ذكر الله بأن يضعفا في ذكر وعده ووعيده فيقصرا في الدعوة إليه تعالى فقال: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي [طه:42]، وبين لهما إلى من يذهبا وعلة ذلك فقال: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:43] أي: تجاوز قدره وتعدى حده من إنسان يعبد الله إلى إنسان كفار ادعى أنه رب وإله، وعلمهما أسلوب الدعوة فقال لهما: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [طه:44] أي: خالياً من الغلظة والجفاء وسوء الإلقاء، وعلل لذلك فقال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] أي: رجاء أن يتذكر معاني كلامكما وما تدعوانه إليه فيراجع نفسه فيؤمن ويهتدي، أو يخشى العذاب إن بقى على كفره وظلمه فيسلم لكما بني إسرائيل ويرسلهم معكما، فأبدى موسى وأخو هارون تخوفاً، فقال ما أخبر تعالى به عنهما في قوله: فقالا: إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا [طه:45] أي: يعجل بعقوبتنا بالضرب أو القتل. أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه:45] أي: يزداد طغياناً وظلماً، فطمأنهما ربهما عز وجل بأنه معهما بنصره وتأييده وهدايته إلى كل ما فيه عزهما فقال لهما: لا تَخَافَا [طه:46] أي: من فرعون وملائه إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] أسمع ما تقولان لفرعون وما يقول لكما، وأرى ما تعملان من عمل وما يعمل فرعون من عمل، وإني أنصركما عليه فأحق عملكما وأبطل عمله. فَأْتِيَاهُ [طه:47] إذاً ولا تترددا، فَقُولا [طه:47] أي: لفرعون، إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ [طه:47] أي: إليك. فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [طه:47] لنخرج بهما حيث أمر الله. وَلا تُعَذِّبْهُمْ [طه:47] بقتل رجالهم واستحياء نسائهم واستعمالهم في أسوء الأعمال وأحطها. قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ [طه:47] أي: بحجة من ربك دالة على أنا رسولا ربك إليك، وأنه يأمرك بالعدل والتوحيد، وينهاك عن الظلم والكفر ومنع بني إسرائيل من الخروج إلى أرض المعاد معنا.

    وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى [طه:47] أي: واعلم يا فرعون أن الأمان والسلامة يحصلان لمن اتبع الهدى الذي جئناك به، فاتبع الهدى تسلم، وإلا فأنت عرضة للمخاوف والهلاك والدمار؛ وذلك لأنه قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا [طه:48] أي: أوحى إلينا ربنا؛ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ [طه:48] بالحق الذي جئناك به، وَتَوَلَّى [طه:48] عنه فأعرض عنه ولم يقبله كبرياءً وعناداً ].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات: من هداية الآيات:

    أولاً: عظم شأن الذكر بالقلب واللسان والجوارح. أي: بالطاعة فعلاً وتركاً ]. عظم شأن الذكر، فقد قال لهما تعالى: وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي [طه:42]، فالذين ينسون ذكر الله والله ليقعون في الظلم والفساد والشر، ووالله لا عصمة إلا لمن يذكر الله بقلبه ولسانه، ويعيش دائماً مع الله، أما من ينسى ذكر الله بقلبه ولسانه فلا يقف عند حد أبداً.

    وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي [طه:42] هذا أمر الله لموسى وهارون.

    [ ثانياً: وجوب مراعاة الحكمة في دعوة الناس إلى ربهم ] كما بينا، على الداعي أن يتلطف بالمدعو: يا فلان! لم لا تصل وأنت مؤمن؟ وأمك وأباك مسلمان؟ ما منعك أن تأتي المسجد وتصلي؟

    وهكذا إنك كذا بالكلام اللين، أما: يا كافر، يا فاجر، يا كذا، يا أحمق، فهذا ما يستجيب صاحبه أبداً، لا بد من اللين.

    أو يا ممسوخ! حالق وجهه كالكلب، هذا والعياذ بالله نعوذ بالله من هذا!

    بل تقول له: يا عبد الله! يا بني! أنت رجل مؤمن، أنت كذا، ما أحسنك! ما أجملك! الله! لو تجمل وجهك بلحية عظيمة ترتفع وتعلو وتسمو. هذه هي الدعوة.

    [ ثالثاً: تقرير معية الله تعالى مع أوليائه وصالح عباده بنصرهم وتأييدهم ].

    المعية معيتان: معية مع أولياء الله وصالح عباده بالنصر والتأييد، ومعية عامة يسمع ويرى كل حركة منا عامة مع المؤمنين والكافرين.

    [ رابعاً: تقرير أن السلامة من عذاب الدنيا والآخرة هي من نصيب متبعي الهدى ].

    هذه حقيقة، السلامة والنجاة من عذاب الدنيا والآخرة نصيب من؟ حظ من؟ نصيب من آمن واتقى، من اهتدى وسلك طريق الله.

    [ خامساً: شرعية إتيان الظالم وأمره ونهيه، والصبر على أذاه ].

    مشروعية إتيان الظالم مهما كان ظلمه؛ لوعظه، لإرشاده، لتأنيبه، لتعليمه عسى أن يتوب الله عليه، فلا نقول: ما دام ظالماً.. ما دام طاغية نعرض عنه، بل شرع الله لنا أن نأتيه بأدب واحترام وكذا ونعظه، وقد بعث الله موسى وهارون إلى أعظم طاغية.. إلى فرعون وقال لهما: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

    [ سادساً: عدم المؤاخذة على الخوف حيث وجدت أسبابه ] كما بينت لكم.

    ويوجد بعض المتصوفين يقولون: لا تخف، فوض أمرك إلى الله، لا من حية ولا أفعى ولا حنش ولا ظالم ولا ولا.

    ويقولون: الخوف لا ينبغي مع الإيمان، وهذا ليس بصحيح، فقد خاف موسى وهارون فقالا: إنا نخاف، بالفطرة تخاف، لكن لا ينبغي أن يحول الخوف بينك وبين أداء رسالتك.

    عرض لك عارض وأنت ذاهب إلى المسجد فلا يمنعك الخوف أن تترك الصلاة في المسجد، بل توكل على الله وكونه يحصل لك الخوف بالفطرة والطبيعة لا بأس.