إسلام ويب

تفسير سورة طه (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عندما سأل موسى عليه السلام ربه أن يشرح صدره ويؤيده ويشد عضده بأخيه هارون، أوحى الله عز وجل إليه بأنه سبحانه قد آتاه ما سأله، ممتناً عليه بذلك، ومذكراً له بما سبق أن امتن عليه به من حفظه بعد ولادته، وحفظه في نشأته في بيت فرعون، وحفظه عند انتقاله إلى مدين ومكثه فيها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رب اشرح لي صدري ... إنك كنت بنا بصيراً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة طه المكية، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:25-41].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه:25] هذا هو موسى الكليم، هذا نبي بني إسرائيل، لما ألهمه الله بحمل الرسالة والذهاب بها إلى فرعون وملئه، قبل أن يمشي قال: رب، يا رب! اشرح لي صدري حتى أتحمل ما أسمعه وما يقولوه عني، كما شرحته للوحي اشرحه أيضاً بلطفك ورحمتك.

    وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه:26] حتى أقضي حاجتي وأبلغ دعوتي، وأنقذ نفسي وبني إسرائيل من سلطان الظلم والطاغوت.

    وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي [طه:27] هذه العقدة تذكرون لما كان يحبو في حجر فرعون أخذ بلحية فرعون وجذبها فتألم فرعون لذلك وقال: هذا هو الذي أوصيت بقتله، وعزم على قتله، فتدخلت آسيا بنت مزاحم عليها ألف ألف سلام وقالت: يا فرعون! هذا غلام لا يعقل، لا يفهم، لا ينطق، اختبره، ائته بطست فيه جمر وطبق فيه تمر وقدم إليه، فإن أخذ التمرة دون الجمرة علمت أنه يعرف ويعلم ويريد أذيتك، وإن أخذ الجمرة فلا عقل له ولا إرادة، وقدم الطبق والطست فأخذ الجمرة وألقاها في فمه فاحترق لسانه، فكانت عقدة.

    وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي [طه:27] وبالفعل أزالها الله وأصبح فصيحاً بليغاً يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:28] إذا خاطبتهم، أمرتهم، نهيتهم، يفهمون عني بخلاف ما إذا كانت اللكنة في لساني.

    وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي [طه:29] أيضاً يساعدني على هذه المهمة، يشد أزري ويقوي ظهري.

    من هو؟ قال: هَارُونَ أَخِي [طه:30] فلم تعرف الدنيا أخاً أبر بأخيه من موسى لهارون، سأل له النبوة والرسالة، وهذا ما يطلب، أخي هارون اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:31-32] يتحمل المسئولية مثلي نبياً ورسولاً، كي. من أجل ماذا؟ نشكرك على هذه الآلاء وهذا الإنعام نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا [طه:33-34] وتوسل إلى الله بقوله: إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا [طه:35].

    إذاً: لما أمر الله موسى أن يمشي إلى فرعون حيث كلمه ربه بجبل الطور ثَمَّ لما أرسله قال موسى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا [طه:25-33] هذا اللفظ دل على أنه لا عبادة أفضل من الذكر والتسبيح، فمن أراد أن يتقرب إلى الله ويتزلف ويتملق فعليه بذكر الله وتسبيحه، والصلاة فضلت من أجل أنها ذكر وتسبيح، من الله أكبر إلى السلام عليكم.

    كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا [طه:33-34] امنن علي بهذه العطايا ونسبحك أنا وأخي كثيراً ونذكرك كثيراً.

    ثم توسل إلى الله فقال: إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا [طه:35] ولا تزال بصيراً ونحن بين يديك وتعرف ضعفنا وحاجتنا فأعطنا ما سألناك، وأعنا على ما استعناك، فما هو الجواب الإلهي؟ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه:36].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ... ولتصنع على عيني)

    ثم قال له تعالى: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه:36] اذهب بها. الحمد لله! هذا هو الله، نعيش في آلائه وفي كنفه وفضله وما نعرف ذلك أبداً لغفلة الناس.

    قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ [طه:36] أي: سؤالك يَا مُوسَى [طه:36] الذي سألتني.

    كم سأله؟ سأله أربع مسائل: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:26-32] هذه هي الطلبات التي طلبها.

    قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى [طه:36-37] غير هذه.

    ما هذا المن؟ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:38-39] إفضالات عظيمة، وما هي الأولى فقط.

    قال: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى [طه:37-38].

    اعلموا أن الساسة والسحرة والدجالين قالوا لفرعون: إن هذا الشعب الضعيف المستذل المستعمر عندنا له عواقب وله آثار نخشى إذا قوي أن يزيل دولتك ومالك.

    قال: فماذا نصنع يا رجال البلاد؟ قال: ذبحوا الأطفال، إذا حملت الإسرائيلية تعمل اتصال بالمستشفى أو بالممرضات وتقول: عندنا حبلى، يأتيها الوفد وهي تلد، فإذا وجدوه ذكراً ذبحوه، وإذا وجدوه أنثى تركوها لأمها، والله العظيم. عام، عامين، ثلاثة، أربعة؛ قال رجال السياسة: الآن نقضي على اليد العاملة. من يعمل؟ قضينا عليهم إذاً؟

    قال علماؤهم: إذاً نبقي على الذكور سنة ونقتلهم سنة، نوفر طاقة، فاقتلوا الأولاد سنة وأبقوهم السنة، دبَّر الله السنة التي فيها لا قتل ولد هارون، فهو أكبر من موسى، والسنة التي فيها العفو عن القتل ولد فيها هارون، والسنة التي فيها القتل ولد موسى، واسمع منة الله: إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى [طه:38] بماذا؟ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ [طه:39] أي: اجعليه في صندوق من خشب وارميه في البحر، في النيل واتركيه.

    هكذا أوحى الله إليها! إعلام خفي: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ [طه:39] ساحل النيل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ [طه:39] وهو فرعون، لما وضعته في الصندوق ارتفعت أمواج الماء ودخلت إلى حديقة فرعون وإذا بالجواري في الحديقة يعثرن على الصندوق، فأخذنه إلى آسيا ، وفتحنه وإذا به طفل، كل من ينظر إليه يكاد يدخل في قلبه يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39] من الفاعل؟ الله جل جلاله.

    ألقيت عليك يا موسى محبة مني وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] بين يدي وتحت رعايتي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ [طه:40] والقضية كما علمتم، لما فتح الصندوق وشوهد موسى الطفل الصغير الرضيع، مولود من يوم أو يومين، كل من ينظر إليه يكاد يدخل في قلبه؛ لأن الله ألقى عليه المحبة وجاع وعطش، وكلما جاءت امرأة ترضعه يرفض أن يرضعها، نساء الوزراء، نساء الأغنياء، كذا.. أبداً، وأخت موسى قالت لها أمها: امش في الشوارع في المدينة، تتبعي لعلكِ تعثرين على أخيكِ، فلما وجدتهم يطلبون المراضع أو المرضعات قالت: أنا عندي أمي ترضعه هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:12] هذه الكلمة الساسة تهيئوا لها، كيف لنا ناصحين؟ ما السبب؟ هذه أمه؟ فاعتذرت.

    إذاً: فأخذوه لأمه، والله يقول: فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ [طه:40] من رده؟ من يفعل هذا؟ الدنيا كلها ما تستطيع، هذه المنة العظيمة.

    وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى [طه:37] غير هذه إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى [طه:38] وهو أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي [طه:39] وهو فرعون. وَعَدُوٌّ لَهُ [طه:39] أيضاً لموسى. وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] أي: تتربى في بيت الملك والدولة وأنا أرعاك وأحفظك.

    اذكر إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ [طه:40] لماذا؟ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ [طه:40] ذهب الحزن وأصبحت تتلقى معونة مالية ما نعرفها كم من القصر، وابنها بين يديها.

    من يفعل هذا سوى الله؟ ما لنا ناسين لله، معرضين عن ذكره؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقتلت نفساً فنجيناك من الغم وفتناك فتوناً ... واصطنعتك لنفسي)

    وأخرى: وَقَتَلْتَ نَفْسًا [طه:40] أيضاً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ [طه:40].

    تذكرون لما كان اثنان يتضاربان قبطي وإسرائيلي، فقام موسى فأراد أن يخلص المغلوب فضرب الغالب بلكمة في صدره فمات، فبكى موسى وخاف وقال: رب اغفر لي، وغفر الله له ونجاه، وطلبته الدولة فأرشده الله وهرب من الديار المصرية. هذا تدبير الله عز وجل.

    وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ [طه:40] .. رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ [القصص:16] ثم الدولة تجري وراءه يبحثون عنه ليقتلوه، ودخل أرض مدين ونجا.

    وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه:40] وفتناك فتوناً عظيماً.

    ونحن ما فُتنا إلى الآن، وما لنا لا نحمد الله ولا نشكره؟!

    الفتن التي تعرض لها موسى عليه السلام

    وإليكم بيان هذه الفتون مسجلة عندنا رقم رقم كما هي في ابن جرير ، إليكم هذه الفتون:

    قال: [ أولاً: حمل أمك بك في السنة التي يقتل فيها أطفال بني إسرائيل ] هذه فتنة، حملتك أمك في السنة التي يقتل فيها بنو إسرائيل.

    [ ثانياً: إلقاء أمك بك في اليم ] هذه فتنة فإلقاء الولد في البحر .. في النيل فتنة فكيف يعيش؟ كيف يحيا؟

    [ ثالثاً: تحريم المراضع عليك حتى رجعت إلى أمك ] كلما تتقدم مرضعة ترضعه لا يقبل أبداً، كيفما كانت ريحها وكانت حالها، حتى رده الله إلى أمه.

    [ رابعاً: أخذك بلحية فرعون وهمه بقتلك ] هذه فتنة، أخذه بلحيته. إذاً: كان لفرعون لحية وهو كافر. إذاً: ما ينبغي لمسلم أن يحلق وجهه، والله ما ينبغي، فكونه يحلق وجهه وما يترك ما يدل على رجولته وفحولته هذا لا يجوز أبداً، فهذا فرعون بلحيته.

    قال: [ أخذك بلحية فرعون وهمه بقتلك ]. هم بقتله وامتحنه بالجمر والتمر.

    [ خامساً: قتلك القبطي وائتمار آل فرعون بقتلك ] قتلك القبطي.. قتله بلكمة وائتمار آل فرعون على قتل موسى، أخذوا يبحثون عنه في كل البلاد وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:20-21].

    [ سادساً: إقامتك في مدين وما عانيت من آلام الغربة ] عشر سنين يرعى الغنم في صحراء،. أين أمه؟ أين أبوه؟ أين بلاده؟ غربة.. فتنة هذه.

    [ سابعاً: ضلالك الطريق بأهلك وما أصابك من الخوف والتعب ] لما مشى من مدين يريد مصر ضاع في الطريق، فما عرفها في الظلام والبرد والشتاء، وما أصابه، هذه فتنة.

    وهذه بعض ما يدخل تحت قوله تعالى: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه:40] وفتناك فتوناً وأنت ولينا، وأنت عبدنا ونبينا.

    ومعنى هذا يا معشر الأبناء! أنه يجب أن نفرح للفتنة، لا نكرب ولا نحزن، فتن الله من هو أفضل منا بالملايين المرات، فيجب أن نتلقى الفتنة بالصبر وعدم الجزع والشكر لله والذكر والطاعة سواء كان فقراً أو مرضاً أو سجناً أو ما إلى ذلك.

    لبث موسى عليه السلام في مدين

    وقوله تعالى بعد: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ [طه:40] كم سنة؟ عشر سنين، سنتين تطوع بهما فقط، أما عقد النكاح فبثمان سنوات فقط.

    فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى [طه:40] ساقه الله وجاء به إلى الشجرة ليتلقى من الله كلامه الشفوي الكفاحي.

    وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41] صنعتك لنفسي، خلقتك، ربيتك، كملتك لأجل أن أبعثك إلى فرعون لتأمره بعبادة الله وحده والتخلي عن الشرك والكفر والظلم، وليرسل بني إسرائيل معك ليعيشوا في ديار القدس، فاذهب إلى حيث أمرتك.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب لتزدادوا بصيرة.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    مازال السياق الكريم في حديث موسى عليه السلام مع ربه سبحانه وتعالى.

    بعد أن أمر الله تعالى موسى بالذهاب إلى فرعون ليدعوه إلى عبادة الله وحده وإرسال بني إسرائيل مع موسى ليذهب بهم إلى أرض القدس؛ قال موسى عليه السلام لربه تعالى: اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه:25] لأتحمل أعباء الرسالة. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه:26] أي: سهل مهمتي عليَّ وارزقني العون عليها فإنها صعبة شاقة.

    وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي [طه:27] تلك العقدة التي نشأت بسبب الجمرة التي ألقاها في فمه بتدبير الله عز وجل، حيث عزم فرعون على قتله لما وضعه في حجره يلاعبه، فأخذ موسى بلحية فرعون ونتفها فغضب، فقالت له آسيا : إنه لا يعقل لصغر سنه، وقالت له: نختبره بوضع جواهر في طبق وجمر في طست ونقدمهما له، فإن أخذ الجواهر فهو عاقل ودونك افعل به ما شئت، وإن أخذ الجمر فهو غير عاقل فلا تحفل به ولا تغتم لفعله، وقدم لموسى الطبق والطست، فمد يده إلى الطست بتدبير الله فأخذ جمرة فكانت سبب هذه العقدة، فسأل موسى ربه أن يحلها من لسانه ليفصح إذا خاطب فرعون ويبين فيفهم قوله، وبذلك يؤدي رسالته. هذا معنى قوله وتعالى: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:27-28].

    وقوله تعالى فيما أخبر عن موسى: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي [طه:29-30] أي: أطلب من الله تعالى أن يجعل له من أخيه هارون معيناً على تبليغ الرسالة وتحمل أعبائها.

    وقوله: اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [طه:31] أي: قو به ظهري.

    وقوله: وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:32] وذلك بتنبئته وإرساله ليكون هارون نبياً رسولاً. وعلل موسى عليه الصلاة والسلام لطلبه هذا بقوله: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا [طه:33-34].

    وقوله: إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا [طه:35] أي: أنك كنت ذا بصر بنا لا يخفى عليك شيء من أمرنا، وهذا من موسى توسل إلى الله تعالى في قبول دعائه وما طلبه من ربه توسل إليه -بماذا؟- بعلمه تعالى به وبأخيه وبحالهما.

    مازال السياق في حديث موسى مع ربه تعالى، فقد تقدم أن موسى عليه السلام سأل ربه أموراً لتكون عوناً له على حمل رسالته فأجابه تعالى بقوله في هذه الآية: قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه:36] أي: قد أعطيت ما طلبت.

    وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى [طه:37] أي: قبل هذه الطلبات، وهي أنه لما أمر فرعون بذبح أبناء بني إسرائيل.

    (إذ أوحينا إلى أمك أن اقذفيه في التابوت) أي: في الصندوق. فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ [طه:39] أي: نهر النيل. فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ [طه:39] فهذه النجاة نعمة، ونعمة أخرى تضمنها قوله تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39] أي: أضفيت عليك محبتي، فأصبح من يراك يحبك، ونعمة أخرى وهي: من أجل أن تُربَّى وتغذى على مرأى مني وإرادة لي، أرجعتك بتدبيري إلى أمك لترضعك وتقر عينها ولا تحزن على فراقك، وهو ما تضمنه قوله تعالى: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ [طه:40] لكم، أي: لإرضاعه وتربيته، فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ [طه:40].

    ونعمة أخرى وهي أعظم: إنجاؤنا لك من الغم الكبير بعد قتلك النفس وائتمار آل فرعون على قتلك فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ [طه:40] من القتل وغفرنا لك خطيئة القتل.

    وقوله تعالى: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه:40] أي: ابتليناك ابتلاءً عظيماً، وهاهي ذي خلاصته في الأرقام ] الآتية كما سمعتموها.

    قال: [ هذه بعض ما يدخل تحت قوله تعالى: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه:40].

    وقوله: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ [طه:40] ترعى غنم شعيب عشراً من السنين. ثُمَّ جِئْتَ [طه:40] من مدين إلى طور سينا عَلَى قَدَرٍ [طه:40] منا مقدر ووعد محدد ما كنت تعلمه حتى لاقيته.

    وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41] أي: خلقتك وربيتك وابتليتك وأتيت بك على موعد قدرته لك لأحملك عبء الرسالة إلى فرعون وبني إسرائيل، إلى فرعون لتدعوه إلى عبادتنا وإرسال بني إسرائيل معك إلى أرض المعاد، وإلى بني إسرائيل لهدايتهم وإصلاحهم وإعدادهم للإسعاد والإكمال في الدارين إن هم آمنوا واستقاموا ].

    الكلام واضح وهو كلام الله، نحتاج فقط إلى أن نتأمل، هذا القرآن ألف سنة وهو يقرأ على الموتى فقط، ما يقرءونه على الأحياء حتى لا يفهمه أحد.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: وجوب اللجأ إلى الله تعالى في كل ما يهم العبد ] وجوب اللجأ الصادق إلى الله تعالى في كل ما يهمك يا عبد الله.

    أيما هم أصابك، أيهما حاجة فافزع إلى الله، ليس إلا الله، وجوب اللجأ الصادق إلى الله عز وجل في قضاء الحاجات إذ لا يقضي حاجتك إلا الله.

    [ ثانياً: مشروعية الأخذ بالأهبة والاستعداد لما يعتزم العبد القيام به ] مشروعية الأخذ بالأهبة والاستعداد لكل عمل، هذه سنة الله.

    [ ثالثاً: فضيلة التسبيح والذكر، والتوسل بأسماء الله وصفاته ] قال تعالى: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا [طه:33-35] نسبحك ونذكرك، ثم التوسل بأسماء الله وصفاته، لما قال: إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا [طه:35] توسل إلى الله ببصره وعلمه بهم.

    قال الشارح: [ في هذه الآية دليل على فضل التسبيح ] قروناً مضت ولا يعرف المسلمون التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، لا يعرفون إلا بجاه سيدي فلان وحق فلان، والله العظيم.

    ما يعرفون أن يقولوا: ربنا إنك رءوف رحيم فاغفر لنا! رب إنك غفور رحيم فاغفر لي وارحمني!

    رب إنك سميع عليم فاسترني! رب أعطني.. أبداً!

    لا يتوسلون إلى الله إلا بحق فلان وجاه فلان.

    من صرفهم؟ اليهود والنصارى والمجوس.

    قال: [ في هذه الآية دليل على فضل التسبيح والذكر، إذ لولا أن موسى علم حب الله تعالى لهما لما توسل بهما لقضاء حاجته ].

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ) سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، من أراد أن يتملق إلى الله ويتزلف إليه ليقضي حاجته، ليحبه فليسبح بهذا التسبيح طول الليل والنهار في كل وقت فيه فراغ، إذ هاتان الكلمتان يحبهما الله: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.

    ومن هداية الآيات أيضاً: [ أولاً: مظاهر لطف الله تعالى وحسن تدبيره في خلقه.

    ثانياً: مظاهر إكرام الله تعالى ولطفه بعبده ورسوله موسى عليه السلام.

    ثالثاً: آية حب الله تعالى لموسى، وأثر ذلك في حب الناس له ]. لما أحب الله موسى الطفل أحبه كل من رآه، يكاد يدخله في قلبه، وإلى الآن والله العظيم! إذا أحبك الله كل من يراك من أولياء الله يحبك، وقد تقدم هذا: ( إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إني أحب فلان بن فلان فأحبه فيحبه جبريل، وينادي في أهل السماء: يا أهل السماء! إن الله يحب فلان بن فلان فأحبوه، ثم ينادي في الأرض: يا أهل الأرض! ... فلا يراه عبد صالح إلا أحبه ) نعم.

    [ رابعاً:] وأخيراً [تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بإخباره في كتابه بمثل هذه الأحداث في قصص موسى عليه السلام ]. هذه هي رسالة السور المكية، تقرير النبوة المحمدية، التوحيد، البعث الآخر.

    هذه الآيات تنطق أن محمداً رسول الله. كيف جاءته؟ من أين نزلت عليه؟ كيف عرفها لو لم يكن رسول الله؟ هذه الآيات تقرر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

    اللهم اغفر لنا وارحمنا واعف عنا.